الإضراب الذي يشنه الناقلين للأشخاص والبضائع خلف أزمة اجتماعية خانقة، إذ مست وشلت جل القطاعات الحيوية في البلاد.
فالموظف تعذر عليه الالتحاق بمنصب عمله في المرفق العمومي، ما جعل الخدمة العمومية شحت، وكذلك المصنع والمعمل، فالشاغل للآلة تغيب والتموين بالمادة الأولية انقطع، وقطاع التربية والتعليم، خاصة العالي منه أصابه الاضطراب، الجامعات أجلت إمتحاناتها فهي شبه مغلقة الأبواب، لأن النقل الجامعي للطلبة توقف والتموين بالمئونة للاقامات الجامعية انقطع هو كذلك.
وإذا ما استمر الاضراب، حتى التموين بالمواد الغذائية ذات الإستهلاك الواسع قد يقل، لأن مخزون المطاحن من القمح بنوعييه سينفذ باعتبار البضاعة المتمون بها قد انتقصت، وبذلك بالنسبة لمادة الخبز، ونفس الأمر بالنسبة لمادة الحليب.
حتى شركة نفطال أصبحت تعاني في التموين الجيد لمحطاتها وتلك التابعة للخواص بالوقود بأنواعه، بدليل طوابير السيارات أمام محطات البنزين، وقد أصدرت بيانا في هذا السياق تدعو الناقلين المتعاونين معها تحت التهديد بالعقوبات وفسخ العقود، إلى توقيف إضرابهم واستئناف عملهم في التموين المحطات بالوقود وفقا لالتزاماتهم التعاقدية.
إن القرار الارتجالي للسلطات العمومية برفع أسعار الوقود بأنواعه، من أعطى الحجة للنقالين في رد فعلهم بشن إضراب عن العمل وتحقيق مآرب أخرى.
لماذا قرارا ارتجاليا؟
لأنه غير مناسب في الزمن، وغير مدروس العواقب في سلبياته.
لماذا غير مناسب في الزمن؟
لأنه جاء بشكل فجائي، لم يراع فيه تحضير الأرضية، وبعد مصادقة الغرفة الأولى للبرلمان على مشروع قانون المرور، الذي خلف تذمرا واستنكارا لدى السائقين عامة والناقلين بشكل خاص، يرون فيه مجرد قانون للزجر والعقوبات ردا على ما أصطلح عليه "إرهاب الطرقات".
لماذا غير مدروس العواقب في سلبياته؟
لأن نسبة الزيادة مبالغ فيها لم تراع قدرة السائق في تغطية تكاليفه وبالتالي تقل نسبة الربح بصفته ناقلا، والقدرة الشرائية بصفته مواطنا.
كما أن قرار إلحاق قطاع حيوي ومتشعب مثل قطاع النقل بوزارة سيادية وذات مهام حساسة وكبيرة وهي وزارة الداخلية، هو تحجيما من قمته وتقليلا من شأنه.
كما أنه لا يمكن إسناد وجمع قطاع إقتصادي بامتياز يحقق قيمة مضافة وهمزة وصل في سريان العجلة الإقتصادية، بوزارة سيادية مهمتها إنفاذ القانون وإدارية في نفس الوقت لما تقدمه من خدمات للمواطن من خلال الجماعات المحلية.
وإذا كان ذلك الغرض منه يدخل في ترشيد النفاقات العمومية، فإنه من الممكن الجمع بين وزارات إقتصادية، ووزارات أخرى من نفس الجسم.
بقلم الأستاذ محند زكريني