الفكرة هنا لا تختبر أخلاقنا بقدر ما تختبر حدود رؤيتنا
نحن نحكم لأن الحكم أسرع من الفهم، و لأن الوقوف عند الظاهر يحمينا من عناء الاقتراب
نُسقِط النعوت كأنها حقائق نهائية ، متناسين أنها غالبًا لا تصف الشخص بقدر ما تكشف ضيق زاوية النظر إليه
نُطلق الأوصاف بسهولة لأننا نرى النتيجة ولا نرى الطريق
نلتقط اللحظة و نغفل عن السيرة الطويلة التي أوصلت صاحبها إليها
الكلمة الجارحة لا تسقط على فراغ .. بل على تاريخ كامل من التجارب و الأوجاع غير المرئية
لو عشنا حياة الآخر لحظةً كاملة ، بحمولتها من الخسارات و الانتظارات و الخذلان ، لتبدّلت اللغة في أفواهنا قبل أن تتبدّل الأحكام
سنكتشف أن الإهانة لا تُصيب السلوك وحده ، بل تُعيد فتح جراح قديمة لم نكن طرفًا في صنعها
و أن الاتهام حين يُقال من الخارج يبدو بسيطًا ، لكنه من الداخل ثقل لا يُحتمل
لاكتشفنا أن كثيرًا مما نسمّيه كسلًا هو إنهاك
و ما نعدّه غباءً هو دفاع
و ما نراه انحرافًا قد يكون محاولة نجاة أخيرة
حينها لن تتغيّر نظرتنا فقط .. بل سيتبدّل موقعنا من القاضي إلى الشاهد ..
و لعلّ سبب سطحيّة مجتمعاتنا ليس في قسوتها، بل في فقر أدواتها على الفهم العميق
السطحيات مريحة ، لا تتطلّب عناء الإصغاء و لا شجاعة التورّط الوجداني
[ نحن نعلّم الناس كيف يبدون ، و لا نعلّمهم كيف يصغون ]
أمّا السبيل إلى مجتمعات أكثر عمقًا ، فيبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان كتجربة معقّدة لا كصورة عابرة
و من تربية القدرة على التمهّل ، و على تعليق الحكم قليلًا، و على الاعتراف بأن الإنسان أوسع دائمًا من صورته العارضة
من الإيمان بأن العدالة الحقيقيّة لا تولد من السرعة ، بل من التريّث
من محاولة صادقة لرؤية ما لا يُرى ..