هل معرفة الذات تتم على أساس المغايرة أم على أساس التناقض ؟
i/-المقدمة(طرح المشكلة): إن حجم الإنسان مقارنة بحجم الموجودات قد يساوي لاشيء ,لكن هو يرى نفسه عظيما و له الحق في ذلك , لأنه ينفرد بامتلاكه الأنا و حياة نفسية تتمثل في الذات . لكن إذا كان من غير الممكن أن يتواجد الفرد بمعزل عن المجتمع ,و كان وجود الغير أمر ضروري في معرفة الذات . فعلى أي أساس يتوقف هذا الوجود ؟ سؤال أجاب عنه البعض من الدارسين من منظور المغايرة و التقابل , في حين أكد البعض الآخر على فكرة التناقض . لذا هل من صواب بين الطرحين ؟ و هل معرفة الذات تتم على أساس المغايرة دوما ؟ أم على اساس فكرة التناقض ؟
ii/-التوسيع(محاولة حل المشكلة):
القضية: (معرفة الذات تتم عن طريق المغايرة ).
تحليلها:يذهب أنصار النزعة العقلية للتاكيد على فكرة اساسية مضمونها ان الذات تتعرف على نفسها اولا عن طريق الوعي ثم تقوم بعزل الموضوعات التي تمثل العالم الخارجي , وعن طريق التحليل و المقارنة تصل الى فهم طبيعتها و الاختلافات الموجودة بينها . هذا ما يسمح بتاسيس معرفة اوسع عن الذات .
البرهنة
1- أكد كل من المفكر الفرنسي روني ديكارت و الانجليزي باركلي أن الذات تتعرف على العالم و على الغير بالعقل لان المقارنة بين أفعالنا و المعاني التي نصاحبها في أذهاننا و بين أفعال الغير تجعلنا نستنتج عن طريق التجربة أن هذه الأفعال هي حقا تمثل أفكارنا .
2- إن معرفة الآخر و الاتصال به عاملان يتمان بالعقل و أن المقارنة التي يقوم بها العقل هي التي تكون الفكرة . إن المقارنة تسمح بتعميم أي استنتاج تصل إليه من حالة منفردة إلى حالات عامة من منطلق أن الإنسان إنسان مهما كان .
3 – إن الإنسان وجد في علاقة مع أخيه الإنسان و عن طريق المقارنة بين أفعاله و أفعال الغير يصنع معرفة عن ذاته و عن الغير .
4– إن الإنسان يوميا يسمع اصواتا متباينة لكن عن طريق المقابلة التي يصنعها العقل يصل إلى وضع كل صوت في المعني الذي يتناسب معه .
النقد : لا يمكن دوما اعتماد المقارنة لان ما يجري على مستوى الذات هو ذاتي شخصي و لا يمكن تعميمه على الكل . و من جهة أخرى فإن الإنسان قد لا يفهم حتى حقيقة أفعاله فكيف يتمكن من معرفة أفعال الغير .
نقيض القضية : (معرفة الذات تتم عن طريق التناقض )
شرح و تحليل : يذهب أنصار هذا الطرح للتأكيد على فكرة أساسية مضمونها أنه حقا وجود الغير ضروري لمعرفة الذات لكن ليس الغير المغاير فقط بل الغير المتمثل في الآخر الذي تجمع بينه و بين الذات علاقة تناقض . إن علاقة الصراع و المخاطرة التي تفرضها طبيعة كل إنسان هي التي تجعله يعي من يكون .
البرهنة :
1 - أكد فريدريك هيجل من خلال جدلية العبد و السيد أن الذات لا تتعرف على نفسها و على الآخر إلا من خلال علاقة التناقض . فالسيد من خلال انتصاره على العبد أدرك أنه الملك الحر بينما العبد من خلال العمل الذي مكنه من الانتصار على الطبيعة أدرك أن السيد هو دوما في حاجة إليه.
2 – إن و جود الآخر هو ضروري لمعرفة الذات و هذا وفق المفهوم الجدلي , فالأنا لا يكون أنا إلا من خلال العلاقة مع الغير , و الغير هو في الوقت نفسه يدرك أناه من خلالي أنا . هذا ما أكده كارل ماركس من خلال الجدلية المادية , حيث أشار أن التناقضات الموجودة في الاقتصاد الحر والتي جعلت الطبقة العاملة تشعر بالاستلاب في الوقت الذي حققت فيه الطبقة المالكة أرباحا هي التي عجلت بقيام الثورة و تبني مبادئ الاقتصاد الموجه .
3 – كذلك قيمة الأفعال و الأشياء تدرك وفق علاقة التناقض . فقيمة الخير تدرك من خلال انتشار الشر , و قيمة الحياة تدرك عند معرفة خطر الموت . هذا كله يعني أن الوجود يبنى على التناقض فلما لا يتمكن الإنسان من معرفة الذات انطلاقا من اعتماده القانون الذي بني عليه الكون ما دام جزءا منه .
النقد : على الرغم من أهمية هذا الطرح إلا أنه لا يمكن الأخذ به لان الصراع ليس مفهوما أخلاقيا في العلاقات بين الأفراد خاصة إذا تحول إلى عنف . مهما بلغت درجة التناقض و المعارضة و المعارضة إلا أن هذا لا يبرر التناحر من أجل البقاء .
التركيب : أن معرفة الذات تتم بفضل وجود الغير و تمتد في الوقت ذاته إلى الآخر المغاير له , وهذه المغايرة ليست على الدوام عامل صراع لان المغايرة نفسها تولد التقارب و التفاهم .
الخاتمة . ختام القول يمكن التأكيد أن معرفة الذات لا تتأسس فقط على فكرة المغايرة بل يمكن أن تبنى كذلك على فكرة التناقض من جهة و التواصل مع الغير من جهة ثانية شرط ألا يكون التواصل تجاهلا لقيم الذات .