بحث أكاديمي "أثر نظرية التلقي..." بقلم:بوقصة عبدالله/جامعة مستغانم - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > الحوار الأكاديمي والطلابي > قسم أرشيف منتديات الجامعة

قسم أرشيف منتديات الجامعة القسم مغلق بحيث يحوي مواضيع الاستفسارات و الطلبات المجاب عنها .....

http://www.up.djelfa.info/uploads/141389081779231.gif

 

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2009-08-08, 13:47   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
بوقصة عبدو
عضو مجتهـد
 
إحصائية العضو









بوقصة عبدو غير متواجد حالياً


افتراضي بحث أكاديمي "أثر نظرية التلقي..." بقلم:بوقصة عبدالله/جامعة مستغانم

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
وزارة التعليم العالي و البحث العلمي
جـامعة مستغـانم
كلية الآداب و الفنون
قسم اللغة العربية


المستوى : السنة الأولى ماجستير
التخصص : تحليل الخطاب الصوفي في ضوء النظرية التواصلية
المقياس :نظرية التلقي
الموضوع :
جماليات التلقي : الذات المبدعة و جسد النص








[B][U][FONT=&quot]من إعداد الطالب[/
[FONT=&quot] بوقصة عبد الله




السنة الجامعية : 2008 – 2009 م / 1429 – 1430 هـ





بسم الله الرحمن الرحيم
"و قل رب أدخلني مدخل صدق، و أخرجني مخرج صدق، و اجعل لي من لدنك سلطان نصيرا"


صدق الله العظيم
سورة الإسراء الآية : 80















إهــداء

إليك فقط
إليك وحدك
إليك كلك
أرفع هذه الاحتراقات . . .





















مقدمة
لا مراء في أن سؤال القراءة هو سؤال الكينونة في التباساتها وانفتالاتها، وهو كذلك سؤال وِعَاءِ المعرفة الكونية الذي لا قيام لحضارة إنسانية بدونه. فالإنسان والفكر نقطتان أساسيتان في دينامية الوجود، وتأطير الحياة تأطيراً أمثل.
وإذا كان الفكرُ هو سائس المادة، فإن المبدع هو روحُ العالم في أي صورة برز، وأي زِيٍّ لبس، قولهُ يُخلخل سكونية العالم ويدفعها إلى الإصغاء إليه، والسَّيرِ على مُوجِبِه. وطريقةُ استقبال الناس إياه وكيفيةُ معاملتهم له هما عنوانُ رفعتهم أَوْ ضَعَتِهِمْ، دليلُ وعيهم أو غبائهم، مقياسُ قيمتهم وتبصُّرِهِم.
فمهما اختلفت الرؤية إلى الكاتب فإنه لا يخرج عن صنفين –شأنه شأن كل شيء في هذا الوجود- :جيد ورديء، فمن قاد منهما إلى ينابيع الخير الأسمى بدقة وحكمة وإنسانية كان أشرف ما يكون وأعلى، وهذا أكثرُ ما يقدر امرؤٌ مبدع أن يفعله، وأن يجلُبَهُ. وقد تحدث الفيلسوف الألماني (فيخته) عن طبيعة الكاتب فقال: « إن جميع ما نُبصر من الأشياء؛ و لاسيما نحن الآدميين؛ إنما هي أثواب أوظواهر حسية يكمُن وراءها ويستتر تحتها (معنى الدنيا المقدس)، وتلك هي الحقيقة المتوارية بِحُجُبِ المظاهر، وأغلب الناس في عمى عن هذا المعنى، وإنما يعيشون بين الظواهر والقشور والماديات، غير خاطر ببالهم أن تحت ذلك شيئا مقدسا، ولكن الكاتب مبعوث من قبل الله لِيُرِيَ لنفسه، ثم يُرِينَاهُ »، أي أنه يجلو المعاني المقدسة لأبصار العالَمِ، بحيث ينضو عنها ثوب الظواهر والمظاهر، ويبرزها متلألئةَ السرِّ، عارية عن الشوائب.
فمن اشتمل هذا المعنى المقدسُ على أقطار نفسه كان هو الكاتب، ومن لم يكن كذلك فهو مراوغٌ ضائعُ الروح، حتى ولو كانت كتاباته تكتسي من الرونق والفخامة والأبَّهة ما لا سبيل إلى إنكاره، فالكتابة إيغالٌ في سرِّ الوجود، وضربٌ من العبادة لا يُحْسِنه إلا فؤاد موصول بهذا السر، وعقل مُنْجَذِبٌ لما وراء الظواهر، لا تطمسُ نورَهُ مُغريات الدنيا وعَرَضَها، ولا إغراءات السلطة وأحابيلها. والذي من هذه الطينة كثيرا ما يُجزى بحال أنكر على جليل ما يُسديه إلى الملأ، فهم لا يحفلون البتة أأصاب أم أخطأ؟ وُجِدَ أم فُقِدَ؟ وحتى إن أَوْلاَهُ طابع كتبه شيئا من الأهمية فإنما لكي يربح مبلغا من ورائها، أما مَنْ عداه فهم لايعبأون من أين جاء؟ وأينيذهب؟ وكيف وصل وما الطريق الأمثل لتذليلِ الصعاب أمامه وحفزه على الاستمرار؟ وإنما ينظرون إليه كأنما هو ظاهرة شاذة، فيتركونه قائلا بلسان المتنبي:
أَنَـ فِي أُمَّـةٍ تَـدارَكَـهَا اُلَّـ
لـهُ غَرِيبٌ كَـصَالِحٍ فِي ثَـمُـودِ
فكيف لمبدع يُقابَل باللامبالاة والجحود، ويُنْظَر إليه بعين الريبة، ويعيش في أنكر حالٍ أن يُنتج ما تصفو به حالنا، وتتضوَّأُنفوسنا،وتسمو مداركنا؟أليس في هذا إجحافٌ بحقه وحقنا ما دام هو المنتج الأول لرأسمالنا الرمزي، وقيمِنا الإنسانية العليا التي لا انخراط لنا في الكون إلا بها؟!
إن إعادة الاعتبار للكتاب لا يمر إِلاَّ من خلال إعادة الاعتبار للكاتب، ومن دون ذلك سنظل نراوح في أزمة القراءة، وسيَطُول غيابُنَا عن المشهد الفكري والعلمي، وستبقى الأزمة بنيوية، ولن تحلها الأيام والاحتفالات والمهرجانات التي تدعو إلى القراءة وكأنها تدعو إلى فرجة مجانية. إن القراءة وقتٌ وإضناءٌ، وسكنٌ في فضاء القطيعة مع غير الكِتاب، وتجْنِيدٌ لما فَضُلَ من طاقات الذات التي ابتلعها اليومي، فهل ينمُّ استحضار كل هذا حين ندعو إلى محاورة « خير جليس في الأنام »؟!
لا مشاحة في أن مستودع حكمة الغائبين والحاضرين هو الكتاب، فيه تتجلى أرواحُ العصور الماضية والحقب الخالية، بعد أن فَنِيَت أجساما، وأصبحت أوهاماً وأحلاماً، وأرواحُ الأزمنة الحالية ومدى قدراتها وتصوراتها. وإن صناعته هي ولا شك أكثر الفنون إعجازا وأعجب ما أبدع الإنسان، إذ بها صار الكتاب فؤاد العالم الواعي لكل ما فيه ومن فيه، والناطقُ بكل ما يعتمل دَاخِلَهُ...ولكن:
أما زال في الناس من يقرأ هذا الفؤاد؟
أما زال هو قادرا على الإتيان بالمعجزات؟
لقد أقام الكتاب في العالم دولة المعجزات، وضمَّ الماضي والحاضر بأوثق الصلات، واستشرف المستقبل بأنصع الآيات، ولاَصَقَ بين الشرق والغرب اللذين قيل إنهما لن يلتقيا، وصَاقَبَ بين القطب والقطب، وجمع بين طنجة وبيكين في قَرَنٍ، وأَلَّفَ بين نوح وأرَمْسْتْرُونْغْ في زَمَنٍ، وغير للناس وجوه الأمور وصور الأعمال، وجدَّدَ شأناً بعد شأن وحالاً بعد حال. فانتشاره وسهولةُ جلبه قَلَبَا اُلْأَمْرَ قَدَماً لرأس وذِرْوَةً لأُسٍّ، فما هو إِلاَّ أن يُطبع حتى يتناوله مَنْ هو مهموم به في طول الأرض وعرضها، يُقَلِّبُ فيه البصَر، ويرتشف منه أَفَانِينَ الفكر.
هذا الخالد الشامخ؛ مَنْ يُبْعِدُنا عنه؟ أهي إكراهات العيش وتوترات الحياة؟ أم هي جواذب العابر البراقةُ، وإيقاعاتُ التقنية اللاهثةُ خلف اللانهائي؟ كيف نربط جسرَ الحميمية بيننا وبينه؟ وهل بإمكانه أن يُعيننا على إعادة تحقيق ذواتنا؟ وبالتالي على إعادة تحقيقه هو كذلك؟
ذلك ما نروم التطرقَ إليه، واضعين نصب أعيننا سؤال القراءة الذي هو سؤال الذات والكتابة بامتياز. وقد قسمنا الموضوع إلى فصلين؛ تسبقهما مقدمةوتعقبُهُمَا خاتمة، كرسنا الأول للكتابة بين المرسل و المتلقي و أدرجنا تحته ثلاثة مباحث(1-مقولة الأثر و التباسها 2-الذات و الكتابة 3-اللغة و الكتابة و التلقي). والثاني لنظرية التلقي و أدرجنا تحته مبحثين (1-مفهوم التلقي 2-استراجية التلقي و مقاصده)
ولم نُغفل تذييلَ بحثنا بهوامش خاصة، و بلائحة المصادر والمراجع، آملين أن نكون قد نبشنا فيما لا يكون النبش فيه كترقيم على الماء، وأن يكون فِعْلُ القراءة مسكنَ زَمَنِنَا الذي أضاعته الأفعال اللامبدعة.



الفصل الأول
الكتابة بين المرسل و المتلقي
1-مقولة الأثر و التباسها
2-الذات و الكتابة
3-اللغة و الكتابة و التلقي











مقولة الأثر و التباسها
ُتعتبر مقولة الأثر La trace من ضمن المقولات الملتبسة التي كانت منطلقا لكثير من التنظيرات؛ رافدها اللسانيات والتحليل النفسي، فهي مرة تفيد ما يمكث بالموضع، ومرة تفيد تلك الحركة الأولى التي تأتيها الصيرورة الإبداعية عند نشأتها لتشكِّل جسر مرور أو همزة وصل أو نقطة عبور.
إنها مقولة تقع على التخوم من حيث دلالتها..تلك التخوم التي يتقاطع ويتشابك فيها الغياب بالحضور، ويمتزج فيها الواقع بالعلامة، فكأنها الرَّحم المُولِّدة لكل العلامات. وبهذا يكون الأثر عبارة عن مجموعة من الدلالات التي يُخلِّفها فعل التلقي في المتلقي، تتخصَّب بها الذات القارئة، فتُعيد تشكيل سلوكاتها وأنماط تفكيرها، وتتحول مساراتها صوب وجهة أرقى.
فالأثر بهذا المعنى فضاءٌ تقوم فيه الذات القارئة بتخليق جوانيتها من جديدٍ وفق درجة التواصل التي تَخلُقها معه، ووفق طاقة امتصاصِها للصمت المُنْدَسِّ في المقروء. فالكلمات حُبْلَى بالصمت، كما أن الصمت هو الرحم المُولِّدة لها، وإذا كان مصير الكلمة هوهكذا، فلأنهاعطاءٌوصيرورةُ كشفٍ بالقدر ذاته التي هي صيرورةُ احتجاب. فكل عملية تلقٍ تتضمَّن قدرة تجعل ذلك الجانب المعتمَ من الكينونة يُفصح عن غيابه، دون أن يخون أو يتنكَّر لجذره الأصلي. (1) وبما أن العمل هو حصيلةُ تلاقي النص وتلقيه، وبنيةٌ ديناميةٌ لا تُدرك إلا في إطار تفعيلاتها المتوالية، فإن تمييز الأثر فيه – أي وقْع ذلك العمل وتلقيه-مُمْكِنٌ، لأن هذين المكونين هما اللذان يعتبران عنصري تفعيل النص،فالأول – الذي هو الأثر – يُحدِّدُه النص، والثاني– الذي هو التلقي – يُحدِّدُهُ المتلقي. و« يفترض الأثر نداء أو إشعاعًا آتيا من النص، وكذا قابلية المرسل إليه لتلقي هذا النداء أو الإشعاع الذي يتملكه. »(2) فأثر العَمَلِ وتلقيه يلتحمان في حوار بين ذات حاضرة وخطاب إمَّا ماض أو حاضر، ولا يمكن لهذا الخطاب أن يستمر في قول شيء ما لتلك الذات إلا إذا اكتشفا الذات الحاضرة الجواب المضمر المتضمَّن في ذلك الخطاب، وأدركته بما هو جواب عن سؤال يتعين عليها أن تطرحه راهنًا.
فالتلقي هو دائما ينطوي على سؤال منطلق من القاريء إلى النص المقروءباعتباره بنية مفتوحة تستوجب أن ينمو فيها معنى ليس مُنَزَّلا ولا مقدسًا من أول وهلة، بل معنى يتم تفعيله من خلال تلقياته المتعاقبة التي يُوافق تَسَلْسُلُها تسلسل الأسئلـة والأجوبـة، وهـذه هـيالروحالتي تكشِفُ أثرَ التلقي لانطلاقها من السؤال المتجدد الذي يخبئه النصُّ من أجلنا، وتنتقل من التشكل الأحادي البعد للمعنى إلى التشكل الجدلـي له.(3)





الذات و الكتابة

وتبعا لهذا؛ فإن سؤال القراءة أو التلقي هو في العمق سؤال الذات، ما ينفك يتشابك و يتعالق ويتفاعل و يتماهى معها، ليُنتج سؤال الكتابة الذي هو أحد أوجه الذات الساطعة أونطولوجيا. فحين نقول الذات نقول الكتابة التي هي أعلى تجلياتها، وكل تلق لهذه الكتابة ليس سوىرَوْحَنَةٍSpiritualisationللذات، تجتثها من جذورها البيولوجية، وتُفقدها مظهرها الفيزيقي البشري، حيث تتحول من صورة تُشَاهَدُ وتُلْمَسُ وتُحَس إلى مفهوم يُعْقَل وفكرة تُعتقد. ومن ثمة تكون القراءة مُنقذًا لهذه الذات من أن تكون موضوعا للاستهلاك، لا تحكمها قيمٌ ولا أخلاق، ولا تُعِيرُ الأهمية سوى للإنتاج، وإعادة الإنتاج المستمر، حسب قوانين الليبرالية المهيمنةِ عليها، والسالبةِ لها من كل نفع.
ولا تغدو الذات مركزَ نفعٍ وبؤرة إبداع إلا عندما تكون ذاتا منتجة من تلقاء وعيها لا من تلقاء غيرها، فالتَّبَنْيُن الخطابي لها هو وليد البنية اللغوية اللاشعورية، ووليد الإرث الدلالي الجامع بينها وبيـنالكتابة، والسابك لهما في قطعة واحدة هما وَجْهَاهَا، فالآصرة الموجودة بينهما هي أونطولوجية، والعلاقة المطردة بينهما هي علاقة استبدالية. بل إن أفلاطون وحَّدَ بين طبيعتيهما، حين اعتبر الذاتَ مأوًى للروح، والكتابة ظلاًّ للصوت والفكر. أما الصوفية فقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حين أوغلوا في إبراز الصلات غير الاعتباطية القائمة بين أشكال الحروف وأعضاء الذات، من خلال إرجاع أشكال الحروف العربية المتعددة، وأبعادها الأيقونية المتنوعة إلى ملامح ذاتية وصفات فيزيقية تحمل إلى اللامُفَكَّر فيه واللامتخيَّل. يقول الشيخ ابن عربي: « خلق آدم على صورة اسم محمد، فرأس آدم دائرة بتدويرة على صورة الميم الأولى من اسمه، وإرسال يده مع جنبه على صورة الحاء، وبطنه على صورة الميم الثانية، ورجلاه في انفتاحهما على صورة الدال.فكَمُلَ خلق آدم على صورة اسم محمد ص »(4) فالذات لدى ابن عربي لا تحصل على لذتها إلا بلذة الكتابة التي هي ضربٌ من النكاح الأسمى، ولهذا نراه يُزَوِّجُ حروف الأبجدية ببعضها، الأمر الذي تنتج عنه كتابة هي بمثابة الأولاد الناتجين عن الزواج بين الذوات، وذلك منذ الأزل حيث « كان بيناللوح والقلم نكاح معنوي معقول، وأثرٌ حسي مشهودٌ، ومن هنا كان العمل بالحروف المرقومة عندنا، وكان ما أودعَ فـي اللـوح مـنالأثر مثل الماء الدافق الحاصل في رحم الأنثى، وما ظهر من تلك الكتابة من المعاني المودعة في تلك الحروف الجِرمية هو بمنزلة أرواحِ الأولاد المودعة في أجسامهم. » (5) وهكذا يُصبح النص المكتوب معادلا رمزيا للذات، وامتدادا متساميا لكينونتها المادية، حيث تستحيل العواطف والغرائز والرغبات والمكبوتات والأحلام والنوازع والنوازغ كلماتٍ وأفعالَ كلام، وظلالاً لسانيةً تتدفق من ينابيعَ ليبديَّة أكثر مما هي سوسيوثقافية، ومن خلال تَرَاكُبِها تبرُزُ أنماطٌ إبداعية ذات دلالات عميقة، وأشكال أسلوبية متداخلة، ومتخيلات مُفَارِقَة تؤشر في النهاية على ذات الكاتب، وإن راوغت في الظهور وأمعنت في التخفي والانكتام. (6) ولذلك فإن النظر إلى الذات لا يكون تاما إلا إذا أُخِذَ من زاويتيـن :
I. زاوية الذات باعتبارها موضوعًا قابلا للتوصيف والبحث العلميين اللذين لا تهمانهما جوانيتها، بقدر ما تهمانهما برانيتُها.
II. زاوية الذات باعتبارها خصوصية لا تكُتَنَهُ إلا من الداخل عن طريق الاستبطان والمعرفة الذاتيةAuto-connaissance، ولا سبيل إلى كشف أسرار هذه الذات وترجمتها في أبعادها التخييلية والجمالية والنفسية إلا بالكتابة، فهي الوسيلة الوحيدة المؤهلة لذلك. أليس الإبداع شكلا من أشكال العلاقة بالعالم، وإنجازا للإحالة المتبادلة التي تصل الوعي بالأشياء؟! ومادام كذلك فهو وحده القادر على ترجمةِ هذه الذات، وتجليةِ مختلف عناصرها الشكلية والدلالية والأخيولية، لأنه غائرٌ في لحمها ومُشَكِّلٌ لجزء من تعريفها الكامل. فالمعنى المجرد الذي تُفصح عنه الكتابة ليس ضد الحسي والملموس، وإنما هو تمثيل متسامٍSublimé للذات وصورة لتطورها وانتشارها – كما يذهب إلى ذلك مِيرْلُوبُّونْتِي – ذلك أن الكتابة في جوهرها ما هي إلا ترجمانٌ لتحولات الذات وسيرورتها يُلازمها للتعبير عنها ككل، ويختلط بها إلى حدِّ يصعب معه الفصل بينهما، كما هو الشأن بالنسبة للكلام واللسان، والدالِّ والمدلول في الأنساق السيميولوجية.
ولقد فطن إلى هذا رولان بارث Roland Barthes حين عدَّ الكتابة بديلاً للذات، وقناعًا من أقنعتها المتعددة، وصيغةً رمزية تُمارس من خلالها الذات لعبة الحضور والغياب، لأنها موضوع فردي لا يمكن للقائم به أن يتجاوز مساحته حتى وإن تحدث عن أمور لا صلة لها بالمناحي الذاتية المباشرة، أليست الكتابة هي فن الإخفاء المُوهِم بفضاءات الكشف والانكشاف. (7)














اللغة و الكتابة و التلقي

وإذ كانت الذات بكل تمظهراتها مسكونةً في اللغة، ومَحْمُولَةَ عليها، ومتضمَّنَةً فيها فإن السؤال الذي يقفز من بين شقوقها هو: ما اللغة؟ وكيف تلبس الذات إلى درجة لا ترى العالَمَ إلا بها وفيها؟. إنها – وحسب دي سوسيرْ- نظامٌ من الإشارات التي لا تُعَبِّر عن الأفكار، وخاصيةٌ إنسانية وطريقة لا غريزية لاتصال الأفكار والرغبات والعواطف بواسطة نظام من الرموز المُنتجَة على نحو اختياري حسب سابير-. أما حسب هايدجر فهي بيتُ الوجودِ ومسكنه الذي لا يُرى إلاَّ من خلالها.
فهذه النظرة الجديدة للغة يتحول فيها الواقع إلى مجموعة من الأقنعة البلاغية داخل الجسد النصي الذي تنشيءُ لغتُه مفاهيمنا عن العالم، وتُصبح بالتالي الحقيقةُ والعلم والفلسفة والطبيعة نتاجَ اللغة لا غير. ومن ثمة فإنه لا كتابة بدون لغة، ولكن ما الكتابة التي نعنيها في هذا السياق؟ يذهب تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov إلى أن للكتابة معنيين :
¨ أولهما: ينحصر في معنى ضيق هو الذي تُفيده كلمة (كتابة)، وهو النظام المنقوش والمُدوَّن للغة اجتماعية ما حسب أبجديتها.
¨ ثانيهما: ينفتح على معنى عام، وهو كل نظام مكاني ودلالي مرئي مقروء.
فالكتابة تُقَدِّمُ اللغةَ بوصفها سلسلة من العلامات المرئية التي تعمل في غياب المتكلم، إذ هي لا تفترض حضورا للمتكلم. فالعلامات المكتوبة أو المنقوشة على الورق تختلف عن الأصوات المشكَّلة في الهواء أثناء التكلم، لأن الأخيرة تختفي بانتهاء الحديث، ولا تملك خاصية البقاء إذا لم تُسجَّل، وكل هذا من خصائص الكتابة. لهذا عبَّر الفلاسفة عن كرههم للكتابة بسبب خشيتهم من قوتها في تدمير الحقيقة الفلسفية التي يريدون تقريرها..تلك الحقيقة القائمة على الأفكار المجردة كالرياضيات والمنطق والفرضيات والأفكار التي يرون أنها تُلَوَّثُ عندما تُكْتَب.
وثنائية الكلام والكتابة هي ما يصطلح عليه جاك دريرا Jacques Derrida ب « العنف »، ففي وقت يكون الكلام مشحونا بالحضور يحتل الحضور في الكتابة مكانة ثانوية.فالكتابة من هذه الزاوية تُلغي النطقَ، وتحل محله، وبذلك تسبق حتى اللغة؛ التي تكون هي نفسُها تولدًا ينتج عنه النص. و بذا تَدخل الكتابة في مُحاورة مع اللغة، فتظهر سابقة عليها ومتجاوزة لها. من ثم فهي تستوعب اللغة فتاتي كخلفية لها بدلاً من كونها إفصاحا ثانويا متأخرا، أو وعاء لشحن وحدات معدة سلفا، وإنما هي صيغة لإنتاج هذه الوحدات وابتكارها.
وبهذا التصور يكون لدينا وفقًا لدريدا نوعان من الكتابة:
ë كتابة تتكئ على « التمركز المنطقي »، وهي التي تسمى الكلمة كأداة صوتية أبجدية خطية هدفُها توصيلُ المنطوق أو الملفوظ.
ë كتابة تعتمد على« النحوية»، وهي التي تؤسس العملية الأولية المنتجة للغة.
وهنا نرى الكتابة تقف ضدَّ النطق كمُمَثِّلةٍ لعدمية الصوت، ولا يكون في مُكْنَةِ الكينونة عندئذ إلا أن تتولَّدَ من الكتابة، وتلجَ في لغة « الاختلاف » الخلاق الذي تنبثق منه كل الأنشطة الثقافية. فالكتابة ذات وجودية تُعِيدُ تحقيقَ الذات القارئة كلما أمعنت في الاختلاف كفعل يوقظ معنى الغائية والحرية، ويقطعُ مع تاريخ الأنماط وصولاً للجوهر المُغَيَّبِ في التاريخ والوجدان والذاكرة.
وإذن؛
فإن فعاليتها ليست مجرَّد رغبة محض في الفعل، بقدر ما هي إبحارٌ في الحرية والواجب، وفي تكوين وفاق مع الوجود، وحَفْرِ مَمَرٍّ للانفصال عما هو موجود مُتَنَاهٍ، والاتصال بما هو مُتَجَدِّدٌ و لا متناهٍ. فليس هناك وجودٌ لمجتمع من دون حساب أو توثيق، من دون علامات على الفضاءات التي يشغلها، فهي بصمة الكائن التي تختزن حضارته ومشاعره وأفكارَه وعوائده وحياته، يقودُ المزيد منها إلى المزيد منها، كما يقود المتناهي إلى اللامتناهي. (8)
والكتابة؛ بما هي انحيازٌ للاَّمُتَنَاهِي؛ لا تتنفس وجودها إلا في فضاء التلقي، والتلقي هو تلك الدينامية التي تتحرك داخل النص وخارجه مستحضرة ميكانيزماته كلها سواء أكانت محايثة أم تأويلية. فالتلقي المحايث المحض يحتمي داخل الحدود التاريخية المُقاومة للنص من قبيل تأطيره، وتحديد سيرة مؤلفه، ووحدته ومتنه، وضماناته وجنسه وفضاءاته، وما إلى ذلك من سوسيولوجيته أو بسيكولوجيته. أما التلقي التأويلي فعملُه هو مجاوزة هذه التخوم والحدود، والإعلاءُ من شأن الاختلاف والتعدُّد في المعاني، وتطويرُ الذات لتتناغم مع الوجود في تَجَدُّداته. وهذا كله يُعطي النص المُتَلَقى قوة خاصة لأنه يحرره من الاقتران بغرض معين، فتصبح اللغة مَدَارًا لآفاق ذات دلالات كثيرة، ويُصبح المتلقي بالتالي منفتحا على رغبة اللغة، باحثا عمَّا هو مغيب فيها.
إذ بدون عشق حقيقي للنص لا يمكن أن تتوفر أرضية مناسبة للتلقي، وعليه فإنه لا بد من وجود رغبة ومشاركة بين المتلقي والنص المتلقى، وتلك هي اللذة الحقيقية التي يُحققها التلقي المُتعدِّدُ الأوجه للنص، فهو يندغم معه ومع لغته، وينفلت منهما ليُعيد تحقيقَ الذات القارئة. (9) فالكتابة فعالية خلاقة يقوم بها كاتب، تعطي نتاجًا فكريا يُسمَّى إبداعا، بينما التلقي فعالية بَعديَّةٌ موكولة للمتلقي، تنبني على الأولى، وتتخذُ منها موضوعا لها، مع إمكانية تحولها بدورها إلى كتابة ثانية عن النص المتلقى، إذا ما توفرت لدى المتلقي إرادة ورغبة في أن يتحول إلى كاتب، مما يبرز بالملموس بعض مظاهر ارتباط الكتابة بالتلقي. ومن هنا يتضح أنه لا يمكن تصورُ كتابة بدون تلق، ولا تلق بدون كتابة، فهما في جدلية حضور دائم، فالكاتب لا يستطيع مُطلقا ممارسة فعله الإبداعي في غياب مُطْلَقٍ ونهائي للحضور المفترضِ أو الصريح للمتلَقي الضمني Le lecteur implicite باعتباره هيئة تواصلية مجسَّدة على مستوى النص تَقوم مقام الحضور الفعلي المباشر والمتزامن للمتلقي الفعلي Le lecteur réel في الخطاب الشفاهي، وتجسِّد بالملموس الحاجة الماسة له كشرط ضروري لقيام كل نصٍّ كيفما كان نوعه وجنسه وهدفه. (10)



















الفصل الثاني

نظرية التلقي


1-مفهوم التلقي
2-استراتيجية التلقي و مقاصده
أ-الاعتماد على امتزاج الأفاق
ب-تحيين المقروء
ج-رهان التأويل
د-إعادة تحقيق الذات
ه-إعادة تحقيق الكتابة





نظرية التلقي
تضع نظرية التلقي نصب عينيها السعيَ بالمتلقي إلى القيام من الكبوة، وإلى استخلاص العبرة من التاريخ الكوني، وإرجاع القيمة المسلوبة من الإنسان لكي يبدع ويخترع، ويتغلب على الصعوبات التي تعترضه بابتكار حلول ناجعة لها. فهي ليست مجرد مقاربة جمالية للنصوص تَصْطَفُّ إلى جانب المقاربات الأخرى، وإنما هي جزء من نسق فكري عام مُعْتَمِدٍ على علوم التحكم الذاتي، وعلى الإعلاميات والبيولوجيا الحديثة، والفلسفات الاجتماعية الداعية إلى حرية الأفراد في ظل أنظمة ديموقراطية. وبهذا تكون واعية بتركيبية الظواهر وبذاتية المُلاَحِظ، وبمحدودية ملاحظته وبنسبيتها. غايتُها مقاومةُ ديكتاتورية المناهج والجماعات والأفراد، وصياغةُ إطار عملٍ لإنجاز ما في إطار التراضي. (11) فما هو هذا الإطار؟ وما استراتيجيته؟.

مفهوم التلقي:
لقد تركزت الأبحاث في علم اجتماع القراءة داخل أطر متعددة كمؤسسات القراءة المشتملة على العائلة والمدرسة والمكتبة، كما اتخذت شكل دراسات أحادية الموضوع منفتحة على فئات معينة كالشباب والعمال والمتقاعدين والسجناء والطلاب والمُدرِّسينَ، فأظهرت بشكل لا شُبهة فيه نوعًا من الحيوية، وبخاصة لدى أهل الأدب الذين اهتموا بالتفكير في هذا الموضوع، واستعارُوا لهُ من العلوم الإنسانية الأخرى أدوات إجرائية تُلاَئِمُ مجاله، وعددًا من الإشكاليات التي لم تكن موضع التساؤل.
ومن ذلك مفهوم التلقي Réceptionذي الاتجاهين الرئيسيين:
Wالتلقي كعمليةٍ اجتماعية تاريخية مرتبطة بأفق انتظار مُحَدَّدٍ ثقافيا كما عند هانس روبيرت ياوسHans Robert yauss التلقي كعملية استباقٍ تَقُومُ على بُنَى اللغة، وعلى موسوعيَّةِ القاريء الشخصية، وتصُبُّ في ظاهرة التأويل عند النقطة التي يلتقي فيها قصْدُ الكتابِ وقصدُ الكاتِبِ وقصدُ القاريء، كما عند أُمبرتو إيكُو Umbrto Eco .
وفي الحالتين معا يحق أن تساءل: كيف يمكن أن ندرك التلقي الفردي الصامت؟ وكيف نُجَمِّدُ ما هو بطبيعته هاربٌ ومتلاشٍ، ودائمُ التبدل، وصائرٌ إلى النسيان؟ ألسنا هنا واقعين في الاصطدام بكل الصعوبات الكامنة في كل مقاربة للقراءة التي هي أكثر الأفعال تَعَدُّدًا في الشكل؟. فالقراءة عمل فردي بامتياز، ولكنه عرضة لمُحدِّدات اجتماعية وتاريخية ينبغي البحث عن آثارها، إذ من السهل رسمُ صورة الكاتب القاريء، غير أنه من الصعب رسم القاريء العادي. فالوثائق والكتب التي تركها عددٌ كبيرٌ من مشاهير الكتاب تساعدنا مقارنتها بالمواد الخام التي استعملوها – كالمخططات والمسودَّات والرسائل والنسَخ الأولية – على استخلاص فكرة عن قراءاتهم، بل عن مصير هذه القراءات. فما يُطْلَق عليه عادة اسمُ المصادر ليس في نظر النقد التكويني سوى رصدٍ لطرق تمثُّلِ قراءات الكاتب و امتداداتها في كتاباته.(12) ولذلك فإن الزعم باستقلالية الكتابةِ عن القراءة، والقارئ عن الكاتب إنما هو زعمٌ خاطيء، يتحتَّمُ تصحيحه في ضوء مستجدات الأبحاث العلمية التي تتمحور حول مسألة المتلقي باعتباره عنصرا ضروريا وفَعَّالا في التواصل الإبداعي، لأن بينه وبين الكاتب رصيدا ثقافيا وحضاريا مشتَركا، ممَّا يدفع إلى التأكيد على أهميته ومساهمته غير المباشرة في تشكيل البِنَاء العامِّ للنص المُتَلَقي، حسب ما هو معروف لدى اللسانيين ب « الشروطالعامةللتواصل » التي تُعَد أحد مظاهر مُمَارَسَةِ القاريء لسلطته الضمنية على الكاتب بوصفه طرفا أساسيا في العملية الإبداعية، في مقابل السلطة المضادة المعروفة التي يمارسها الكاتب على القارئ. فميثاق القراءة Pacte de lecture المعروض على القارئ من طرف الكاتب ليقرأ ما كُتِبَ بالكيفية التي كُتِبَ بها يُعطي للقاريء حق المشاركة في إعادة تحقيق المكتوب، وبذلك يَبْرُزُ كعنصر فعالٍ وضروري يكتشف طاقات العمل الممكنة في النص، ويُحَقِّقُهَا بواسطة فعل القراءة كما يَرَى إيرِزْ W.Iser، وعليه فإن الكتابة تختار القراءة وتخضَعُ لاختيارها في الوقت ذاته « ما دامت حرية الكاتب وحريةُ القاريء تبحث كل منهما عن الأخرى، وتتبادلان التأثير فيما بينهما من بين ثنايا عَالَمٍ واحدٍ، ولذا يمكن القول: إن ما يقوم به الكاتب من اختيار لبعض مظاهر العَالَمِ هو الذي يُحَدِّدُ القاريء » (13)
فالمتلقي بمفهومه الجمالي – البعيدة عن كل صلة بعلم الجمالِ وفكرةِ جوهر الفن القديمة – ينطوي على بعدين : منفعلٍ وفاعلٍ في آنٍ واحد. فهو عملية ذات وجهيين: أحدهما الأثر الذي ينتجه العمل في القاريء، وثانيهما كيفية استقبال هذا القاريء لهذا العمل واستجابته له. إذ هناك طُرق متعددةٌ لاستقباله، حيث يمكنه أن يكتفي باستهلاكه، أو أن ينقده، أو أن يُعْجَبَ به، أو أن يرفضه، أو أن يلتذَّ بشكله، أو أن يُؤَوِّلَ مضمونه، أو أن يُكَرِّرَ تفسيرا له مُسَلَّمًا به، أو أن يحاول تفسيره من جديد وفقا لمعطيات ظهرت له، كما يمكنه أن يستجيب له بأن يُنتج بنفسه عملا جديدا. فبواسطة كل هذه الطرق يتشكَّل معنى العمل من جديد باستمرار، نتيجة تضافُرِ عنصرين هما: أفق الانتظار الذي يفترضه العمل وأفق التجربة الذي يُكمله المتلقي. (14) وذلك لأن كل قاريء يمتلك أفقا فكريا وجماليا يَشرط تلقيَه للنص، وتعبئتَه بالمعنى، وتأويله لبنيتِهِ الشكلية، وهذا الأفق المسمَّى بأفق الانتظار Horizon d 'attente يتألف من خبرتِهِ بالجنس الذي ينتمي إليه النص المقروء، من وَعْيه بالعلائق التناصية التي تربطه بنصوص أخرى من حيث البنية الشكلية والموضوعاتية، ومن معرفته بالفرق الجوهري بين التجريب النصي المميز للخطاب الإبداعي والتجربة الواقعية المميزة للخطابات غير الإبداعية. إذ لا براءةَ ولا حيادَ في كل من الكتابة والقراءة، فحين تتحرَّكُ آلية القراءة ينشأُ حوارٌ خاص بين الأفقين: أفق الانتظار وأفق التجربة، قد يتسم بالتوتر والتجاذُب، يُمكن أن يتمخَّضَ عن تماهي الأفقين، أو تخييبِ أحدهماَ للآخر، أو تَغْيِيرِهِ لَهُ. وفي نوعيةِ استجابة النص للقارئ تظهر قيمَتُه الفنية، فإذا :
u استجاب له بالتماهي معه، كان رديئا.
v استجاب له بِتَخْيِيبِه، كان عديمَ الأثر.
w استجاب له بتغييـره، كان جيدا.
لذا يتعين تحليلُ نوعيةِ الاستجابة للحُكْمِ على النص، وذلك باستجماع تَلَقِيَّاتِ قرائه المتعاقبين، وفحصها بهدف الكشف عن طبيعةِ أثره في كل واحد منهم. فإذا استطاع قاريء مَا مثلاً أن يُقاومَ النصَّ بحيث لم يُغيِّر أفقَ انتظاره (=معاييرَه الفكرية والجماليةَ والنفسيةَ) كان هذا النصُ مبتذلاً، وإذا استسلم لغَوايته (أي غيَّرَ معاييره) كان رائعا. فكلما كان أثر النص قويا في القاريء أي انزاحَ عن معاييره وعدّلَ أفقَ انتظاره كان ذا قيمة عالية، إذ المسافة الجمالية بين أفق النص وأفق المتلقي هي خيرُ ما يُحْتَكَمُ إليه لتحديد جمالية النص. (15) فالتلقي يُحدِّدُ لنا استراتيجيته في هذين السؤالين: ما الذي يحدُث في القاريء حين يقرأ؟ وهل ما قرأه جَيِّدٌ أو رديءٌ؟ وبالإجابة عنهما تتحقق مقصديته.
استراجية التلقي و مقاصده
وعليه فإن التلقي ينبني على ثلاثة أعمدة منذ عقودٍ، ففي مرحلة كان العمود الأول هو: ماذا يقصد المؤلفُ؟ وفي مرحلة تالية كان العمود الثاني هو: كيف يشتغل النص؟ وفي المرحلة الراهنة بَرَزَ العمودُ الثالث الذي هو: كيف يُتلقى النصُّ؟ وما هو الأثر الذي يمارسه على متلقيه؟.
وهذه الأعمدة قد استُخلصت – كما بيَّنَ ذلك أُمبِرْتُوإيكُو- من مجال العلوم الإنسانية، واستُخدمت في دراسات علم التأويل Hermeneutique الذي كان يُنظر إليه على أنه بحثٌ عن مقاصد المُؤَلِّف Intentio Auctoris، أو على انه بحثٌ عن مقاصد النص Intentio Operis، أو على أنه إسقاطٌ لمقاصد القاريءIntentio Lectoris. وشبيهٌ بهذه الاستراتيجية ما نُلْفِيهِ في تاريخ قراءة الأدب العربي وتلقيه، حيث يتمُّ الاهتمامُ بصاحب النص، وبتحليل آليات النص وتبيين كيفية اشتغاله، وباستحضارِ القاريء الحقيقي أو الضمني. (16) ويبقى التلقي تحت ضوء هذا كله منفتحا على نظريات التواصل والسلوك، وسوسيولوجيا المعرفة، لأن القاريء ليس منعزلا في الفضاء الاجتماعي، ولا يمكن « تحويله إلى مجرد كائنٍ يقرأ »، وإنما هو؛ بواسطة التجربة التي تُوفِّرها له القراءة؛ يُساهم في سيرورة تواصلٍ تتدخَّل ضمنها تَخْييلاَتُ الفنِّ فعليًّا في تكوُّن السلوك الاجتماعي وتنقلهِ ومُحَفِّزاتِهِ. (17) وهذا لا يتأتى إلا إذا مُورِسَ وفق نسَقٍ مُعين..ولكن ما هو النسق؟ وعلى ماذا يعتمد؟.
1- الاعتمـاد على امتـزاج الآفـــــاق :

إن التلقي المُتحدَّث عنه كنظرية في جمالية القراءة وتأويل النص يعتمد أولا وقبل كل شيء على امتزاج الآفاق، وعلى تَعَاقُبِ القراءات، وتفاعل القاريء مع النص، بل وعلى إبداع هذا القاريء، ثم على النسق...ولكن ما هو هذا النسق؟
إنه ذلك التصور المؤلف من عدة عناصر أو أجزاء مترابطةٌ فيما بينها و متعالقةٌ، تَكُون في بِنيتها تنظيما هادفًا إلى غاية محدَّدة. وهذا التحديد يُفضي إلى عدة نتائج؛ من أهمها:
I.سماحُ التحليل النسقي بأخذِ مجموعة مهمة من العناصر، ودراسةِ كل عنصر منها دراسةً تُبَيِّنُ علائقها وتعالقاتها وكيفيةَ اشتغالها مجتمعةً ومنفصلةً، وطرائقَ تنظيمها، بحيث يتأتَّى استخلاص التعميمات المُمكنة التي يُمكن تأكيدها أو نفيُها.
II.ضرورة التحليل النسقي؛ باعتباره صيرورة تاريخية غير مقطوعة؛ لإدراكِ أنساقِ الثقافة، أيا كانت هذه الثقافة، وعقلنتِها.
III. إفساحُ التحليل النسقي مجالاً لإدراك البُعد الحواري في النصوص، فكل نص ما هو إلا حوارٌ مع نصوص أخرى سابقة عليه أو مُجَايِلَة له، وجوابٌ عن سؤال مطروح عليه كذلك بكيفية صريحة أو ضمنية. مما يسمح بربط اللاحق بالسابق، ويكَوِّنُ تقليدًا يسمح بإنتاج النص وتلقيه في آنٍ واحدٍ، ويربط حاضرَ الكاتب المتلَقي، والمُتَلَقي بماضيه، بل واستيلاؤه على ذلك الماضي وامتلاكه له. (18)
فاعتماد جمالية التلقي على امتزاج الآفاق أو تداخلها يجعلُ من النص عملا مفتوحاً Opera Aperta حسب أومبرتوإيكو، ويردُّ الاعتبار إلى الذات، ويُعيدُ تقييم النص من خلال وظيفته كعامل تغيير اجتماعي، بعيدًا عن مركزية العِلْمِ الباردة المجحفة (19)، ولن تتم له هذه الوظيفة الاجتماعية إلا إذا تم الإقرارُ بالعلاقةِ الحوارية بينهُ وبين متلقيه، وتمَّ الابتعادُ عن اعتبار التجربة الجمالية المبنية على التَّذَاوُتِ Intersubjectivation مجرد «متعة نصية» أُحادية الجانب يستشعرها المتلقي في« جنة منعزلة من الكلمات» حسب تعبيـر رولانبارث.








2- تحيين المقـروءActualisation :

وإذا استحضر كل هذا أمكن للمتلقي أن يُحَيِّنَ ما تلقاه، بناءً على جملةٍ من الافتراضات؛ أهمها:
1-نسبيةُ النصوص، إذ ليس هناك نصٌّ بشريٌّ خالد وإطلاقيٌّ صالحٌ لكل الأزمنة والأمكنة كما هو متوهم لدى البعض.
2- نسبية القراءات، إذ ليست هناك قراءة معياريةٌ عالمةٌ تعكس الإلمامَ بالمعرفة الشاملة، كما هو متصورٌ عند بعض النقد الذي يزعم أنه يعرف أكثر من المتلقي.
3- نسبيةُ الوضوح، إذ ليست هناك نصوصٌ شفافة كالماء، وإنما نصوصٌ ترتكز نصِّيتها وقوتها الإبداعية والدلالية على الغموض الذي هو غير الانغلاق والإبهام والتعمية. فالقراءة العالمة تحارب فكرة الغموض، ولا تعترف بالحق فيها، مع أن كتاب الكون الذي هو كتابٌ أَعلى مليءٌ بالغموض والأسرار التي تثير في قارئه شهوةَ فك شفراته وإبراز مُخبَّآته. ولذا فإن اتجاه القراءة العالمة هو اتجاهٌ ضد القاريء، وضدَّ إعادة تحقيق ذاته من خلال مغامرة القراءة، وبالتالي ضد حرَكِيَّةِ الكتابة وانفتاحاتها، فهي قراءة تسكُن في النموذج وترتكن إليه، وتحتمي به خوفا من كل جديد.
4-جذوة التحفيز Motivation التي تُشعل في المتلقي الرغبةَ في اكتناه السر المخبوء بين الثنائيات: الاتباع/الإبداع، النص يقول/النص لا يقول، النص يُثْبِتُ/النص ينفي، الواقع/المتخيل.
5- جرأة الاقتحام التي تعني فسحَ المجال أمام القاريء لامتلاك النص واستهلاكه، واستيلاده، وإعادة تشكيلِه، وارتداء أقنعته دون خلفيات مسبقة.
فالتحيين بهذه الطريقة المنبنية على فكرة الاقتحام والتحفيز والنسبية يَهْدِفُ إلى إقامة نصٍّ على نصٍّ عن طريق مقاربات خارجية أو داخلية لتأويل مضامين النص المُتَلقى، كالمقاربة الاجتماعية أو النفسية أو الجمالية أو التاريخية أو السيميائية أو النَّصية، وكل هذه المقاربات تسعَى إلى خلخلة الذات المقروءة والذات القارئة، وإعادة كتابتهما من جديدٍ وفق تصوُّر معرفي دينامي. (20) فمفهومُ التحيين إذن لا يعني التحديثَ الساذجَ الذي يجعل أسلوبا قديما مناسبا للذوق الراهن بتلبيسه حُلة عصرية، وإنما يعني اختيارا واعيا وصريحا لصورة ما من الماضي، مع رفض كل ما يُمكن أن يعترض بينها وبين الحاضر الذي يلزمها أن تَبْنِيَهُ وأن تُبرزه بوصفه تجديدًا.

فهو من هذه الوجهة إقامةٌ واعية ومتبصِّرة لصلَةٍ بين الدلالات الماضية للأعمال ودلالتها الحاضرة، ولكن شريطةَ تجديدِ دِرَاسَةِ اُلعلاقة الجدلية بين هذه الأعمال المُتَلَقاةِ والوعيِ المُتلقي. فالتحيين بمثابة استجماع للماضي، أي « إنتاجٌ له وإعادةُ إنتاج تُعطيه حياةً متجددةً وخلاقةً » (21) تسمح بالإنصاتِ إلى الأسئلة التي يطرحُها الحاضرُ انطلاقا من وعي لا من وعي « تراثه الثقافي».

3- رهـان التأويـل Interprétation:

إن تجديد دلالات الأعمال الماضية هو من ضمن إستراتيجية جمالية التلقي؛ التي ترفض المنهج الوصفي المعقد، وتعتمد على التأويل الدائرِ في فلك علوم المعنى، دون التخلي عن مكاسب المقاربات الأخرى. فرهان التأويل عندها يَعني سعيَ الباحث إلى السيطرة على مقاربته الذاتية بالإقرار بالأفق المُحَدِّدِ لوضعه التاريخي، وبهذا سيؤسس لتأويلية تَفتح الحوار بين الماضي والحاضر، وتُدْرِجُ التفسيرَ الجديدَ ضِمْنَ السلسلة التاريخية لتفعيلات المعنى، فرهان التأويل يُراعي في فعل الإدراك: الفهمَ والتأويلَ والتطبيقَ. (22) فَسُبُلُ القراءة ما يزال البحث فيها سالكا من أجل استخلاص المنهج الأمثل، وخلقِ فضاءات أَرْحَبَ لقراءات متعددة تحمل بين طياتها رهانَ التأويل ذاته.
فالقراءة في مشروعها التأويلي لا تتجاهل المعطيات القرائية الأخرى كيفما كانت مادامت مبنية على أُسُسٍ سليمة...ولكنها تضع نصب عينيها أهدافا صريحة تتمثل في جانبين: جانب تعليمي وجانب تواصلي. فالأول يرمي إلى إنهاء مهارات في القاريء مثل:
× الفهمُ والتفكيك المؤديان إلى التكوين الفكري.
× التقبُّلُ والتثمينُ المؤديان إلى التكوين الاجتماعي.
× الاتجاهات والميول المؤديتان إلى التكوين العاطفي.
وذلك لأن القاريء المعنيَّ هنا بمثابة شبكة من القوى المتداخلة المُتَبَنْيِنَةِ فكريا وانفعاليا وحركيا، ولأن الاكتساب المعرفي كيفما كان نوعه لا يشتغل في فراغ، وإنما عبر شبكةٍ من البنيَات التي بواسطتها تتحركُ آليات الاستقبال والتقبُّل والتلقي، ويتمُّ عن طريقها الفهم والتأويل والتطبيق. ولن تتحقق المهارات المشار إليها إلا بإعادة تنشيط عناصر تلك الشبكة قبيل ممارسة القراءة، لأن عملية الإعادة تلك هي التي تكونُ أساس عملية التحيين أو التَّرهين القائمة مبدئيا على مجموعة من الاستراتيجيات الإدماجية، كاستراتيجية الإدماج الزماني أي إدماج النص في زمن القاريء، واستراتيجية امتزاج الآفاق. وكل هذه الاستراتيجيات تتضافر لتساعد على معرفة العوامل الفاعلة في عملية التلقي، وفي عملية الفهم والتأويل والاسترجاع لمختلف النصوص المراد قراءتها.
أما الجانب الثاني– من مشروع القراءة التأويلية- فيرمي إلى غايات تواصلية مع المقروء تُحَقِّقُ ما يسمى بالتأثر والتأثيرية، مثل: الإعجاب، المتعة، محاورة النص، التماهي أو التغايُرُ معه. (23)



4- إعــــــادة تحقيــــق الــــــــذات :

وأَيًّا كان الجانب في القراءة التأويلية؛ فإن التحليل الاسترجاعي الذي يقوم به النقدُ في تحديد أُفُقِ انتظار القراء العاديين في مرحلة ما، أو طبقة ما، أو مجتمع ما، لهو الذي يبصِّرنا بأفق الانتظار كما كان في زمن تأليف الكتاب وتلقيه، ويسمح لنا بطرحِ أسئلة كان الكتاب لم يُجِبْ عنها أو تحاشاها، وباكتشافِ نظرةِ القاريء إلى المقروء وفهمه له. واتباعُ هذه الطريقة يُخلصُنا لا محالة من التأثير الدائم اللاوعي الذي تُمارسه معايير الفهم التقليدي على أحكامنا الجمالية، ويُعفينا بالتالي من السير الدائري في فَلَكِ ما يُسمَّى ب « العودة إلى روح العصر» كلما عزمنا على الخوض في القراءة والكتابة.
إن القراءة والكتابة عمليتان لاتنفصلان، ولكنهما لا تتساويان، فالأولى غير مُعَيَّنة في الغالب، وتقديرية، ولا حدود لها. والثانية مُجَمَّدة ومحددة، والمفارقة في نظرية التلقي هو أن معظم المعلومات التي نملكها عن القراءة مردُّها إلى استقرار الكتابة. ومع أن القراءة أضحت موضوعا شرعيا، إلا أنها لم تُشكل مَفهوماً مستقرا ومحدَّدًا بدقة، ولذلك كان ربطُ فعل القراءة بعلم التفسير، ومعرفة المستتر بواسطة علامات خارجية هو أحدَ أهمِّ طُرُقِ القراءة التأويلية؛ الذي يضعنا أمام السؤال: كيف يمكن للقراءة أن تتحول إلى نقطة التقاء، وإلى تقاطُعٍ مع فروع علمية متعددة؟ إن الأثر الرئيسي للقراءة الرمزية يكمن في كونها تُرَسِّخُ القراءة كتأويل، وتربطُ بها فعلَ النقد ربطًا لازمًا، إذ لا جدوى من قراءة لا تَنْقُدُ ولا تُغَيِّرُ. ويكمن أثرها الثاني في توحيدها نصوصًا وآثارًا متنافرة، حيث تزيل الحدودَ بين المُدَنَّس والمُقَدَّسِ، وبين القديم والحديث، وبين الأشكال والأجناس، لأن النصوص كلها في النهاية تُحيلُنا – بعد استغوارها – إلى الحقيقة الواحدة التي تُصوِّرها.
وإذن؛
فدمجُ النصوص والعصور وطرق القراءات يترك المكان لأنواع جديدة وطرق جديدة في فنون القراءة، وإن من شأن الدمج أن يغير وضعَ النص الذي كان يُعتقد انه لا يُمسُّ، لأن التقليد اعتمده وصنَّفه. وهكذا أضيف قصدُ القاريء إلى قصد الكاتبِ وقصدِ الكتاب، واتجه الفكر من القراءة التفسيرية إلى التلقي التأويلي، وإلى التفسير الذاتي الشخصي المتأثر بالظروف التي تحيط بالقاريء الذي تحوَّل إلى ناقدٍ تحققت ذاته (24) وهكذا تُغيرنا القراءة، وتُبَيَّنُ لنا أنه ليس ثمة إنسان قطُّ يخلو من ملَكَة الإبداع والاختراع، كما أنه ليس هناك من يعتقد ما كان يعتقده جدُّه حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ، بل يُفسح بالقراءة مجال نظره في الكون، ويُبْعِدُ مدى رأيه في الخلائق، والكون كما هو معلوم عديم النهاية، وما كان لرأي مهما اتسعَ وانفسحَ أن يستوعبه ويستقصيه، ويشتمل عليه ويحتويه.
أليس من السخف والجور إذن أَنْ يرى البعض أن جميع مَنْ خلق الله من الأمم في جميع الأزمنة والأمكنة مخطيء ضالٌّ إلاَّ هو؟! وأَنَّ فكره إمامُ الأفكار، ورأيَهُ خاتمة الآراء ؟! ولو هذَّبَتْهُ القراءة وغيَّرته لأنصفَ وأبْصَرَ، وأدرك أن جميع الناس – مهما اختلفت أجناسهم ومِلَلُهُم وأزياؤهم وعوائدهم- إنما هم جنودٌ تحت قيادة الله تعالى، يُقاتلون عدوا واحدًا هو عالم الظُّلمات والباطل. فَلِمَ يُمْعِنُ هذا البعضُ في التناكر والتجاهل والاشتغال عن محاربة العدو المشترك بمحاربة مَنْ خالفهُ في الرأي أو العقيدة أو الزي أو العادة؟! أليس له حظٌّ من القراءة يفتح قلبه؟!. (25)
إن تعليم القراءة في مختلف اللغات والعلوم، وتعليمَ مباديء الاختلاف، ومباديء كل صنف من أصناف الكتب لهو الكفيل بإنجاح المشروع الحضاري للأمة في شتى تصوراته، فمأخذُ العلوم ومُقْتَبَسُها هو الكتب عينها، ومَبْلَغُنَا في العلم متوقفٌ بعدُ على ما نقرأ بأنفسنا مَهْمَا صنع لنا المعلمون، وأجاد المدرسون. فخير جامعة في هذه الأوقات هي مجموعة الكتب، فإذا كان اللسانُ يوم لا كتابةَ ولا طباعة هو الأداة الوحيدة لِبَثِّ النور والهدى، فإنه وقد ذاعت الكتب قد أصبح كل كاتب يعملُ على تكسير أفق انتظار قرائه، وعلى الدفع بهم إلى إعادة تحقيق ذواتهم، فالكتاب المبدعون هم في الحقيقة القاطرة الفعالة العاملة في الأمة، والكتب التي يُنتجونها ليست إلا ضربا منضروبالعبادة، وبعضها تَكون قراءتُهُ أحسن صلاة وتسبيحا لله، يفعل بالنفس ما تفعله العبادة. ولعلَّ القلة هي التي تعرف هذا الأسلوب من العبادة في هذا الزمن الفاسد الصعب. فالشاعر الذي يُريد من جمال الزهرة ما كان قبلُ غائبًا عنَّا، أليس كأنه أطلعنا على مظهرٍ من مظاهر قوة الله وعظمته، وشعبةٍ من ينبوع الجمال الإلهي الشامل، وعلى سِفْرٍ خطَّه القلمُ العُلوي في صحيفة الكون، فبدا مُبينًا ناصعًا، جليا ساطعا، وكأنما غنَّى نشيدا قدسيا فَصَدَحْنَا مَعَا؟!
فالأدب ما هو إلا كشفٌ وجلاء لأسرار بدائع الله، أو ما يُسمَّى « السرَّ الجَلِيَّ »، وبيانٌ مستمرٌّ لما يكمن من أسراره في الأشياء الأرضية العادية، إذ هي أسرارٌ ما برحَتْ كائنةً في كل شيء، وما برحت تُصادِفُ من هذا الكاتب وذاك مَنْ يبرزها في هذه الصورة أو تلك، في مقادير مختلفة من الوضوح، ودرجات متفاضلة من البيان، كلٌّ حسب موهبته، ومُنَّةِ مخياله، وتنوعِ معرفته. هذا هو الذي ما يزال ذوو المواهب اللدنية من المبدعين يصنعونه عَمْدًا وعفوًا، ويخرجونه في كتبهم التي هي مَحَارِبُ عبادة لم نُوَطِّنْ أنفسنا على إجلالها وتقديسِها. مع أنه ما يزالُ في كل شيء دليلٌ على أن خير ما في طاقة امريء أن يفعل، وأَعْجَبَ الأشياء طرًّا، وأثقلها في النفوس وزنا، وألطفها في الوجدان مكانًا، وأقلَّها في العقول رجحانا، هو كتابٌ. فما نسميه قِطَعًا من الورق عليها لمعٌ من الحِبْرِ إنما هو أطيبُ مَظْهَر للفكر البشري، فلا عجب أن يكون أنشطَها وأَرَمَّها، (26) وأن يكون لتلقيه تأثيرٌ قوي على الذات المتلقية.
إن مكتبتنا هي التي تُحَدِّدُ هويتنا وذاكرتنا، لا كمتلقين سلبيين وحسب، بل كمتلقين مبدعين، وهنا يكمن جوهر التأثير، والقدرة على تلقي التأثير. ولقد أوضح أَنْدْرِيه جِيدْ (1869م –1951م) الهبات الملازمة للقراءة، والتي تُعيد تحقيق الذات، فقال: « قرأتُ هذا الكتابَ، وبعد أن قرأتهُ طويتُه ووضعتهُ فوق رف المكتبة. ولكن فيه كلامًا لا يُمكنني أن أنساهُ، لقد دخل في نفسي عميقًا إلى حدِّ أَنِّي لا أُميزه عن ذاتي، بَعْدَهُ ما عُدْتُ كما كنت قبل أن أعرفهُ. لا يهمني لو نسيتُ الكتاب الذي قرأتُ فيه هذا الكلامَ، لو نسيتُ حتى أني قرأت هذا الكلام، لو صرتُ لا أتذكر هذا الكلام سوى تذكُّرٍ ناقصٍ. فأنا لا أستطيع أن أعود كما كنتُ قبل قراءته، فكيف أصفُ قوته؟ قوَّةُ هذا الكلام هو أنه كشف لي بعضًا من نفسي تجهله نفسي، فلم يكن لي سوى تفسيرٍ – نعم سوى تفسيرٍ لنفسي. » (27)

5- إعــــادة تحقيــــق الكتابـــــة :

إن التلقي هو أكثر الممارسات الأدبية تكرارًا واتصافًا بالمباشرة، وحتى الكتاب والنقاد وأوسعهم علمًا كانوا مجرد قراء، ولذلك فإن شيوع القراءة هو الذي يجعل منها أساسًا من أُسُسِ الإبداع، ويجعل من القاريء عاملا أساسيا في تفسير النصوص وتأويلها واستيلاد ما لم يُسْتَوْلَد منها بعدُ. ومن ثمة تمَّحي تلك النظرة السائدة إلى القاريء كمُتلقٍ سلبي، ويحضُرُ التكافؤ بين المزدوجCouple مؤلف/قاريء بقوة، حيث أخذت « وظيفة القاريء » في العمل الأدبي تفرض ذاتها، وتحظى بالاعتراف.
وهذا التحول يُمكن إرجاعه على أَثَر المناهج التي رفضت كل أشكال التركيز على الذات؛ وعلى الكُوجِيطُو العليم بكل شيء؛ التي عرفتها الفلسفات التقليدية. فقد مالت تلك المناهج إلى الإعلاء من شأن القاريء على حساب المؤلف، وإلى إطلاق موضوعإبستيمولوجي جديد هو التلقي، وهو موضوعٌ تجاهله النقد القديم تقريبا، وانصرف أساسا إمَّا إلى شخص المؤلف، وإمَّا إلى قواعد التأليف، ولم يَحْظَ القاريء منه إلا بنظرة سطحية.
وفي موازاة إعادة التوازن بين المزدوج Coupleمؤلف/قاريء شكَّل فعلُ القراءة مادة مهمة قائمة على مناهج متعددة في مجالات متباينة من العلوم الإنسانية، ومن بينها المقاربات السوسيولوجية والسيميولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية والسيكولوجية واللسانية، وكلها علوم إنسانية تتقاسم الاقتناعَ بأن مواد القراءة يَنْبَغِي دراستُها في ضوء الفعل الذي تحثُّ عليه. ولهذا أضحى الاهتمامُ بالكتاب لا يتناولُ طبيعةَ إنتاجه ونشره وتوزيعه فقط، بل يتعدَّى ذلك، ويتناول القُرَّاء وطُرُقهم في مواجهة المكتوب، فصرنا نشهدُ ولادةَ موضوع جديد للدرس هو « القراءةالعادية »، وهي إحدى نتائج مفهوم «النشاط الثقافي» الذي بلوره جيرار بورديوGirard Bourdieuومشيل دُوسِرْتُو Michel de certeau (1925م-1986م) وبييرْ أغسطين Pierre Augustin، فتقديمُ وصفٍ للنشاط هو عمليا استنباطٌ لذاتٍ، تلك التي سماها دُوسِرْتُو«الإنسان العادي»؛ (28) الذي يقرأ، ويعيدُ كتابة ما قرأ بطريقة أخرى. فإعادة الكتابة Réécriture أو Récritureتعني كل قراءة مركزة ومستقرة، من شأنها أن تؤديَ إلى ولادة نص جديد، إنها اعتراف واضح بقيمة المقروء، فسواء تمت ترجمته أو تقليدُه، أو انتحالُه، أو الاقتباس منه، أو الزيادة عليه، أو تحريفُه، فإن ذلك كله يعني أنه قد قريء، ويعني أن له ما يكفي من الأهمية ليقوم قاريء ما بنقلِ حصيلةِ قراءته إلى قـراء آخرين، أو إشراكهم في معرفتِه، أو إعجابه، أو موافقته، أو مخالفتـه.
فإعادة الكتابة هي نتيجة للتلقي، وأساسٌ للإبداع، و لا حدود لأشكالها، وللتهجِينِ فيها، ويبقى كل حديث عنها داخلاً في إطار العمل المتفرع Ouvrage dérivé، وفي إطار توسيع مفهوم النص. فالكتابة الشخصية لا تنبثق إلا من قراءة الآخر، والتهامِ كتاباته، وتملُّكهَا، وتهديمِها وتحويلها، وما دامت كذلك فإن التلقي هو نوعٌ من أكلِ لحوم الكُتاب الفكرية.(29)



















هوامش
1- جورج نوننمشار: دلالات الأثر، يليه: أكون فان غوغ المجاورة، ترجمة: عبد العزيز بن عرفة، ط1، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا 1992م، ص: 22
2- هانس روبيرت ياوس: جمالية التلقي، تقديم وترجمة: د.رشيد بنحدو، ط1، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 2003م، ص: 160
3- المرجع السابق، ص: 159.
4- ابن عربي: رسائل ابن عربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1984م، ص:10. من رسالة (شجرة الكون).
5- ابن عربي: الفتوحات المكية، دار الفكر، بيروت، مج1، ص: 139.
6- هشام العلوي: الجسد بين الشرق والغرب، ط1، منشورات الزمن، سلسلة (كتاب الجيب 44)، الرباط 2004م، ص: 92.
7- المرجع السابق، ص: 93.
8- عبد الله إبراهيم: التفكيك الأصول والمقولات، ط1، منشورات (عيون المقالات)، الدار البيضاء 1990م، ص ص: 77،75.
9- المرجع السابق، ص: 93.
10- عبد العالي بوطيب: النمذجة الروائية والتلقي، مجلة (مقدمات)، العدد 30،29، ربيع/صيف 2004 م الدار البيضاء، ص: 135.
11- محمد مفتاح: النص من القراءة إلى التنظير، إعداد وتقديم: د. أبو بكر العزاوي، ط1، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء1421هـ/ 2000 م، ص: 46.
12- إيمانويل فريس Emmanuel Fraisseوبرنارموراليس Bernard Mouralis : قضايا أدبية عامة، ترجمة: د. لطيف زيتوني، سلسلة (عالم المعرفة)، العدد 300، المجلس الوطني للثقافة والفنون و الآداب، الكويت، فبراير 2004 م، ص: 147.
13- عبد العالي بوطيب، مرجع مشار إليه، ص: 137.
14- هانس روبيرت ياوس، مرجع متقدم، ص:131.
15- المرجع السابق، ص ص: 11،10.
16- محمد مفتاح، مرجع مُوَمأٌ إليه، ص: 77.
17- هانس روبيرت ياوس، مرجع تمت الإشارة إليه، ص: 175.
18- محمد مفتاح، مرجع مذكور، ص ص: 49،48.
19- هانس روبيرت ياوس، ص: 138.
20- د. عباس الصوري: في التلقي اللغوي والمعجمي، ط1، دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء 2004 م، ص ص: 81.80.
21- هانس روبيرت ياوس، ص:170.
22- نفسه، ص: 133.
23- د. عباس الصوري، مرجع سابق، ص ص: 78.76.
24- إيمانويل فريس وبرنارموراليس: قضايا أدبية عامة، ص ص: 151.147.
25- توماس كارليل: كتاب الأبطال، ترجمة محمد السباعي، ط1، منشورات دار المعارف، تونس، غشت 1986م، ص: 158.
26- المرجع السابق، ص: 226.
27- أورده إيمانويل فريس وبرنارموراليس في: قضايا أدبية عامة، سلسلة (عالم المعرفة) العدد 300، ص: 182.
28- إيمانويل فريس وبرنارموراليس، مرجع مذكور، ص: 146.
29- المرجع المتقدم، ص: 157.


خاتمة
انطلقنا إلى تجلية أثر تلقي الأثر الأدبي في الذات القارئة، وفي الذات المقروءة، حيث بينا ما للتلقي من أثر خفي على القاريء وعلى الكتابة. ولم نَعْنِ بالتلقي ذلك الجانبَ الصبورَ المتأنيَ والموجَّه، وإنما هو ذلك الذي يُحْدِثُ الصدمة، ويكون في شكل ردة فعل فجائية – كما عبر الشاعر رونيه شارْ René Char- تُحدثُ إشراقاتٍ Illuminations[B][FONT=&quot]لدى المتلقي، وثراءً يُمَكِّنه من القبض على تلك الصور البلاغية والتخييلية والجمالية التي تَصِلُ الوضع الواقعي بما يختزنه المقروء ويُفصحُ عنه. فهو تلق يُعْمِلُ الفكرَ، ويُحكمُ سيطرته على الظاهرات المعروضة في النص المقروء من ناحية، ويبعث جذوة الحياة في الموضوع، ويقوم بتحويل « الشيء » من وضعه الأول الذي هو عليه إلى وضع «آخر» مغايرٍ يُصْبِحُ فيه، وهذا هو ما عبَّرنا عنه بتحقيق الذات والكتابة، واسْت%F






 

مساحة إعلانية
قديم 2009-08-29, 15:55   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
magbach
عضو جديد
 
إحصائية العضو









magbach غير متواجد حالياً


افتراضي

يعطيك الصحة مجهود مبارك إنشاء الله







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ magbach على المشاركة المفيدة:
قديم 2010-12-18, 13:17   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
بوقصة عبدو
عضو مجتهـد
 
إحصائية العضو









بوقصة عبدو غير متواجد حالياً


افتراضي

الله يسلمك







قديم 2010-12-18, 15:10   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
فارس المسيلي
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية فارس المسيلي
 

 

 
إحصائية العضو









فارس المسيلي غير متواجد حالياً


افتراضي







الأعضاء الذين قالوا بارك الله فيك/ شكراً لـ فارس المسيلي على المشاركة المفيدة:
قديم 2010-12-21, 13:24   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
بوقصة عبدو
عضو مجتهـد
 
إحصائية العضو









بوقصة عبدو غير متواجد حالياً


17

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فارس المسيلي مشاهدة المشاركة
تسلم / لا شكر على واجب.






 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 07:17

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
2006-2013 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)
Protected by CBACK.de CrackerTracker