لكل من يبحث عن مرجع سأساعده - الصفحة 2 - منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب

العودة   منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب > منتديات الجامعة و البحث العلمي > منتدى العلوم الإجتماعية و الانسانية > قسم البحوث العلمية والمذكرات

منتديات الجلفة ... أكثر من 14 سنة من التواجد على النت ... قم بالتسجيل في أكبر تجمع جزائري - عربي و استفد من جميع المزايا، تصفّح دون اعلانات، اشترك في المواضيع التي تختارها ليصلك الجديد على بريدك الالكتروني

في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يُرجى الإبلاغ عنها فورًا باستخدام أيقونة تقرير عن مشاركة سيئة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة .

آخر المواضيع

لكل من يبحث عن مرجع سأساعده

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2011-09-16, 15:19   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
hano.jimi
عضو محترف
 
الصورة الرمزية hano.jimi
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

وقد تماثل أمة أمة في قوتها الظاهرة، ولكن الغلبة تكون دائماً لأقواهما خُلقاً. وتفوق السياسة الانجليزية ليس مرده القوة الحربيّة، ولا امتياز الذكاء والإدراك، ولا قوة النفوذ، وامتداد السلطة وارتفاع ميزان الثروة ؛ لأن هذه النتائج ضمنتها قوة الخُلُق في الفرد الانجليزي.

ولقد كانت فرنسا وما تزال أقوى ذهنية، وأحدّ شعوراً، ولكن اتجاه المزاج الإفرنسي، كنتيجة لأسلوب التربية الغالب في فرنسا جعل الفرنسي، دون الانجليزي في متانة الخلق، وصدق الاتجاه، وقوة العزيمة، وضبط النفس.

والإجماع عام على أن أيّة نهضة لا تقوم على قوّة خلقيّة في أمّة، إنما تكون نهضة مقضياً عليها بالانهيار والتحيّر..)) ([190">)

والرجولة عماد الخلق الفاضل، فالرجولة هي السلاح، وهي قوّة الدفع ساعة الضعف ((ها نحن نرى أمة نكرة بين الأمم يعجزها النهضان، ويصرفها لهوها بالفضائل، عن انتهاج سبيل القوة والارتقاء، وسبيل الحياة والسمو، فأين القوّة والجمال والحق تأخذ بيدها؟

أين الرجولة تأخذ بيدها وتقيل عثرتها؟

الرجولة التي كانت رمز القوة الفعالة في الإنسان القديم!

ورمز سجاياه ومحاسنه في أولى وثباته إلى التطور!

ورمز الحياء والرحمة والعدالة في فجر مدنيته المنبثق!

ورمز المبدأ للعربي يوم نهض بأعباء رسالته التاريخية)) ([191">).

و “ الفضائل ” عندما يضعها حمزة شحاتة تحت مجهر التشريح، ويقوم بتجريدها، وفق فلسفته الخاصة، يقدّم لنا رؤية جديدة يتخطى بها حدود النظر الضيّق إلى آفاقٍ رحبة لا ليضعف هذه الفضائل، وإنما ليبلغ بها أبعد آماد القوة والاحتمال([192">).

وهذه مجازفة استدعتها الأمانة مع ما لهذه المجازفة من عواقب وخيمة ؛ لأن رج المعتقدات والأعراف الثابتة، يقابلها الناس بردود فعل عنيفة لا تكاد تقاوم، ولكن الحياة لا تستقيم إلا بهذه المغامرات من الطامحين لصناعة الحياة الذين يكشفون خبايا الوجود والفكر([193">).

وحمزة شحاتة يربط بين الأطوار الاجتماعية والفضائل، فالفضائل تتلبس معاني ومفاهيم خاصة في كل طور اجتماعي، ولهذا لا سبيل لتفكيك هذه المفاهيم إلا في سياقها الاجتماعي.

فالفضائل: ((صفات وأعمال تؤمن الجماعة الغالبة اصطلاحاً بفائدتها وضرورتها، أو بأنها خير..)) ([194">).

فالنفع أساس الفضائل جميعاً، لكنّ هذه المنفعة تختلف باختلاف العقول والعصور، وهذا الاختلاف في تصور بعض الحقائق وإدراكها من عصر إلى عصر وعقل إلى آخر لا ينفي الحقيقة الأصلية([195">). وهذا أمر لا يدركه كثير من الناس ((فإذا قال مفكر اليوم : إن الفضائل أوهام عقلية أو نفسية، غايتها إيجاد مثل عليا للجموع تستمد منه روح العزاء والعزيمة والأمل، لم يكن معنى هذا إنكار صحة تعاريفها أو صحة الأحكام التي أعطيت عنها..)) ([196">).

وحين يعرض لأطوار الفضيلة يذهب إلى أنها مرت بثلاث مراحل : كانت في الطور الأول ضرورة فرضتها طبيعة الحياة في عصر الإنسان البدائي. فصارت معتقدات شعورية شعرت بها الجماعة فاستجابت لأحكامها، وتحولت في طورها الثالث إلى أخلاق وملكات لا شعورية وخصائص نفسية وفكرية من خلال المحاكاة([197">).

وإذا كانت الرذائل “ أنانية عارية ” فإن الفضائل “ أنانية مهذّبة ” ([198">) ؛ لأنها ألفاظ القوي واستراتيجيته لاستغلال الضعيف وقهره([199">)، أما الحياة فلا تعرف إلا الأقوياء([200">) قديماً كان الجسد مصدر القوة، فجاء النفوذ والثروة وحلا محل القوة الجسدية([201">) وكل هذا يتم تحت مسمى “ الفضيلة ” فكم من المجازر البشرية التي انقادت لها الجماعات البشرية مأخوذة بأوهام الحق والعدالة والدفاع عن الفضائل المستباحة([202">).

ففضيلة “ الكرم ” مثلاً كانت دليلاً على القوة، فصارت دليلاً على النفوذ([203">). وهذه الفضيلة لم تنشأ كاملة السمات، وإنما تدرجت من الضرورة إلى أن صارت ملكة لا شعورية، كان الكرم في الأصل دلالة افتخار على اتساع نفوذ القوي فأصبح صفة لازمة لمن تحلهم قوتهم ونفوذهم محل الأبطال والقادة، فالكريم كثير الأعوان، عميق الأثر، رفيع المنـزلة ولهذا يمجده الناس مع أن العفيف أكثر قهراً لشهوات النفس([204">).

والبخل رذيلة بلاشك تدل على ضيق النفس، وفتور الفكر الطامح ولكنه يدل من جهة أخرى على فهم عميق لطبيعة الحياة، وحقيقة الناس، وطبائعهم المطوية([205">).

فإذا كان الكرم خيالاً جميلاً، فإن البخل حكمة وفلسفة عميقة.

فالكرم “ أنانية مهذبة ” لأن الكريم يعطي ليأخذ، يكرم ليستعبد النفوس ويسترق الألسنة، ويستمتع بلذة الثناء، وبهرج الاستعلاء([206">).

وهذه حقيقة، يؤكدها واقع الحياة المعاصرة، وجدل الفكر الشعري الذي يتجلى بين الشاعر الباحث عن “ الخيال الجميل ” والثناء السائر، وزوجته الحكيمة التي تتحدث بلغة الحياة، ورؤية الإنسان الخائف، ولا ينفيها ترغيب الإسلام في الكرم والحث عليه كقوله صلوات الله وسلامه عليه : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) ([207">).

فالإسلام يسمو بهذه الفضيلة كغيرها من الفضائل فلا يجعل الميزان فيها للأخذ والعطاء، وحسابات الربح والخسارة، والمصالح الضيّقة، ولهذا يسميها حمزة شحاتة “ محاسن ومعايب ”([208">)، ((أما الفضائل التي نراها خليقة بهذه التسمية، فهي التي نزل بها القرآن ودعا إليها. تلك فضائل لا يكون للمتصف بها، والمؤمن بقوانينها، نظر إلى مصلحة أو سمعة، وإن كان شيء من ذلك فالمثوبة عند الله والزلفى إليه. فالكرم فيها إحسان إلى مستحقه، ينزل منزلة الحق المفروض له. وخروج من سلطان المادة وحدودها في سبيل الله)) ([209">).

والانحراف بهذه الفضائل ضرورة اقتضاها سير الحياة وقوانينها([210">).

وذلك ((أن النظرة العامة إلى الفضائل أصبحت نظرة خيالية لا نظرة إيمان وتحتيم. وإنها لم تعد سلاحاً يضمن الحماية لمتقلّده)) ([211">).

والعودة بهذه الفضائل إلى ما كانت عليه هو سبب النجاة، والأمل في الشهود الحضاري، وسبيل القوة والظفر([212">).

هذه الرؤية الفلسفية العميقة للفضائل وربطها بتطور الحياة الاجتماعية عند حمزة شحاتة كما تجلت في محاضرته “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” ذهب الأستاذ الكبير محمد حسن زيدان إلى أنـها مستمـدة من كتاب علم الاجتماع لنقولا حدّاد([213">) ولكن عزيز ضياء يرى فرقاً بين اسـتنساخ المعرفـة و“ ابتكارها ”، فقد يكون حمزة شحاتة وقف على ما قاله “ نقولا حداد ” وأفاد منه، ولكن الإفادة شيءٌ، والتقليـد شيءٌ آخر، وحمزة شحاتة في كل ما يكتب كان من أبرز خصائصه ((التعشق الملهوف للاستقلال الفكري والحرص الممضّ على الابتداع، والترفع عن الاتباع..))([214">).

وقد جهدت في البحث عن كتاب “ نقولا حدّاد ” فلم أجده، لكن الذي أراه هو أن حمزة شحاتة لديه قدرة مدهشة على الإبداع والإضافة في محاضرته هذه، وفيما عرض له من قضايا فكريّة وأدبيّة، الأمر الذي يعزز روح النبوغ لديه.

واعتقد أن حمزة شحاتة أفضل من قدّم رؤى خصبة من روادنا الكبار فيما يسمى “ بالنقد الثقافي ” الذي يبحث في الدلالة المضمرة للخطاب الجمالي، ويكشف بعض عيوبه المنسربة تحت قشرته الظاهرة([215">).



جماليات المكان

علاقة الإنسان بالمكان علاقة قديمة تمتد بالإنسان إلى أبيه الأوَّل آدم عليه السلام الذي كان خلقه قبضة من الطين ونفخة من الرُّوح، فمن الأرض تشكّل أبوه بقضاء الخلاّق العليم، وصارت الأرض له بيتاً كبيراً يحنو عليه وأُمّاً تعذق بما سخر الله فيها من طاقات الحنوّ والخصوبة.

وبدأ الإنسان يشكل مكانه الخاص به، وفي إطار من الإحساس بالمدنية بدأت دوائـر المكـان تتسـع من البيت الصغير “ المنـزل ” إلى البيت الكبير “ الوطن ” إلى المنـزل الأكبر “ الأمة ” ثم “ العالم ” الذي أصبح بيتاً للجميع، لا حياة إلا فيه، ولا بقاء إلا بالحفاظ على نظافته ونقائه.

والمكان في رؤية الإنسان يكتسب خصوصيته وقيمته وجماليته من خلال علاقة الكائن به، وألفته له، وليس من خلال وجوده الموضوعي ((إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكاناً لامبالياً، ذا أبعاد هندسيّة وحسب. فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيّز. إننا ننجذب نحوه ؛ لأنه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية)) ([216">).

والمكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة له حضوره الخاص، تأملاً وتآلفاً أو تنافراً، بمقتضى رؤية خاصة تشكل للمكان وجوداً جديداً، وتضفي عليه ألواناً وظلالاً “ شـحاتّية ” تنقـله من وجـوده “ الموضوعي ” إلى وجود “ جمالي ” جديد لا نجده إلا في هذه الفلسفة الجماليّة.

وحين نستقرئ آثار حمزة شحاتة نجد عدداً من الأماكن استوقفت حمزة وصبغها بروحه ومشاعره فنقلها إلى عالمه الخاص ومنها :

1 - البيت.

2 - المدرسة.

3 - المدينة.

4 - الوطن.



1 - البيت :

((البيت هو ركننا في العالم، إنه كما قيل مراراً، كوننا الأوَّل، كون حقيقي بكل ما للكلمـة من معـنى، وإذا طالـعنا بألفـة فسيبـدو أبأس بيت جميلاً)) ([217">).

في هذا الكون الصغير تتآلف الأشياء، وتجتمع الأسرة، وتكتب الأحلام، ولهذا يظل البيت عالقاً في الأذهان لما ينطوي عليه من ذكريات جميلة، ولما حفظ لنا بوصفه مكاناً من مواقف لا تُنسى.

في البيت تتشكل عقلية الطفل، وتتحدد شخصيته، وحمزة شحاتة يرى أن البيت لدينا يمارس سلطة قمع على الطفل، فالطفل لا يشعر بوجوده إلا بالحركة والشغب وإلا أصبح قطعة أثاث جامدة لا روح فيها، فينشأ شعور الحريّة مع الطفل فيقابل بزواجر القانون “ استح ” ([218">). هذا القانون الذي يحاول أن يجعل الطفـل في غده إنسـاناً ((متسقاً، مؤدباً، هادئاً، فلا يلتهم الطعام، ولا يصرخ من الألم)) ([219">).

و“ المجلس ” في البيت عندنا يمثل المدرسة الأولى، لكننا نمارس فيه إرهاباً تربوياً على الطفل، فالطفل إذا ما دخل المجلس، وأحدث حركة، أو حاول المشاركة في الحديث قيل له : “ استح ” ليكتشف في رحلة الحياة بعد ذلك أن الحياء الذي رُبيّ عليه “ عقدته العصبية الخطرة ” ((يرى خطيباً يخطب ويتلعثم. يقول في نفسه هو : لا يحسن الخطابة. يسمع الناس يقولون : يستحي! يدخل إلى مجلس غاصّ فيرتعد، يعرق، يبتسم الناس، ويسألونه لماذا تستحي؟ يسمعهم يقولون: فلان يستحي كالنساء. يرى الذين لا يستحون يتصدرون المجالس، والذين يتوقحون يسيطرون عليها ولو سيطرة ظاهرة، ويضحك الناس لهم تشجيعاً)) ([220">).

والبيت في كثير من رؤى حمزة شحاتة كون مليء بالمتاعب ((في البيوت التي انهدمت كما في البيوت القائمة، نفس الأسرار والمتاعب والكوارث.. والفرق في الظهـور والخفاء مع اختلاف يسير في الكم والكيف إذا روعيت الدقة)) ([221">)

السعادة عند حمزة شحاتة لا تحب البيوت إذ ((لو كانت السعادة تحب البيوت لما امتلأت المقاهي والملاهي بروّادها)) ([222">).

هكذا يفقد البيت حميميته ويفقد معه حمزة وجوده فبدون البيت يصبح الإنسان كائناً مقتتاً كما يقول باشيلار([223">).

وحين يكتب حمزة شحاتة رسائله إلى ابنته تظل هذه الصورة النمطية للبيت حيّة في كلماته، فالبيت هو المكان الذي تتسلّل إليه التفاهات([224">). ولكنه في مواطن كثيرة يحث ابنته على التفاؤل والبحث عن السعادة مع زوجها في طريقهما الطويل، وكأنه بهذا الإلحاح الدائم عليهما في رسائله يقدّم صورة جديدة للبيت على الأقل كما ينبغي أن يكون.

إن البيت حلم لا ينقطع، يولد به الإنسان، ويحمل عنه الذكريات، ويظل حلمه عن البيت القديم، وما أن يستقر به القرار حتى يلوح في خياله “ بيت التراب ” القبر الذي يظل شغله الشاغل حتى يوارى بالتراب.

والبيت ليس بجدرانه وغرفه وألوانه، وإنما بمشاعر صاحبه، وأحاسيس قاطنيه، ولهذا تتولد العلاقة بين البيت والإنسان من خلال تلك الأحاسيس، فيكون ملاذاً للتفاهات، والتفتت كما عند حمزة شحاتة، أو يكون نبعاً للمشاعر الفياضة يقول باشيلار : ((إن عمل ربة البيت في تنظيم قطع الأثاث في الحجرة، والانتقال من هذه الحجرة إلى تلك ينسج علاقات توجد ماضياً قديماً جداً مع عهد جديد، إن ربّة البيت توقظ قطع الأثاث من نومها)) ([225">).

وهذه الصورة الكابية للبيت عند حمزة شحاتة نتيجة لعلاقة خاصة به، فالبيت كان العالم الذي جرّب البحث فيه حمزة عن السعادة فلم يجدها من خلال ثلاث زيجات انتهت كلها بالفشل. كان ((الزواج الأول غلطة، والثاني حماقة، أما الثالث فإنه انتحار)) ([226">).

2 - المدرسة :

المدرسة هي القابلة الثانية بعد “ البيت ”، تترسخ فيها قيم البيت، أو تنشأ فيها إشكالية الازدواج بين المفاهيم والممارسات.

المدرسة تُعلم الفضائل من صدق، وعفّة، ورحمة، وصبر، وحلم، وتضرب النماذج على ذلك كله في كتب الدين والتاريخ والأخلاق، لكن هذا التعليم النظري يصطدم بالواقع، فالطفل يرى أستاذه يكذب، ويخاف، ويرى أباه وأمه يكذبان، ولا ينجو من عقاب الجميع إلا باصطناع الأكاذيب، وهنا تتكشف الحياة عن ازدواجية بين مُثُل البيت والمدرسة وواقع الممارسة فيهما، يرى من يقول شيئاً، ويفعل ضدّه، ومن يخاف القانون، ولا يخشى تأنيب الضمير فتنشأ عقدة عصبية أخرى([227">).

ولهذا تفشل المدرسة في بناء الرجال الفضلاء، وإن علمتهم الأخلاق([228">). والسبب “ الجهل بعلم التربية ” ((الدراسة عندنا لا تزال قائمة على حشو الذهن بالمعلومات والقواعد، وعلى إرهاق الطفل، وكبت نزعاته النفسية والوجدانية، وها نحن نرى آثار هذه العيوب في “ انمحاء آثار الشخصية ” من جميع من تخرجهم المدارس، وفي كلال أذهانهم، وأعصابهم، وفتور حيويتهم الفكرية. فلا نكاد نجد أثراً لنشاط الفتوّة في نفوس أبنائنا.. فالغلام عندنا مطبوع بطابع الكهل، والشاب مطبوع بطابع الشيخ الهرم)) ([229">).

المدرسة بهذه الصورة القاتمة نتيجة للفراغ بين الكائن والمكان، وانعدام التفاعل وفتور العلاقة بين المعلم والمدرسة، فاختيار المربي الفاضل مسألة في غاية الخطورة، ((وإذا كانت طبيعة حياتنا قد أفقدتنا الأب والأم الرشيدين فلا أقلّ من أن تعوّضنا التربية المدرسية أساتذة يقودوننا بحكمة وخبرة ليعدّلوا ما فينا من اعوجاج)) ([230">).

هذا الفراغ الوجداني جعل مدارسنا ((معامل تفريخ كل غايتها أن تدفع عدداً من حملة الشهادات، لا يعرفون فناً تجريبياً، ولا علماً عمليّاً، ولا صناعات يدوية، تفتح في الحياة ميادين نشاط جديدة، غير ميدان الوظيفة، والمكتب، والديوان)) ([231">).

وجعل الحياة فيها ضرباً من “ ضروب النعاس الثقيل ” ([232">).

وجمالية المكان إنما تتحقق بعلاقة جديدة بين كائنات المكان، حيث تصبح تربية البيت حرّية فاضلة، لا زواجر فضة، وتربية المدرسة عملاً وإدراكاً وممارسة لا آليات فكريّة، وقواعد مكرورة([233">).

هذه العلاقة الجديدة هي التي حشدت لها إنجلترا أعظم رجالها من ساسة وأدباء وفلاسفة وعلماء وفنانين فكان القرار في عشرين مجلداً ضخماً([234">).

والنتيجة شهود حضاري للإنسان، وجمالية في المكان، واتساق واعتدال وتوازن في كل شيء([235">).



3 - المدينة :

المدينة في الوعي الثقافي المعاصر في الغرب والشرق ذات صورة قاتمة، فهي أحد نتائج العلم الحديث بكل مساوئه ومحاسنه، إذ شهدت المدن الحديثة في العالم ويلات الحروب، واصطدمت بلهيبها المحرق، وغاصت في دخان المصانع، ونفاياتها، وقام التصميم العمراني فيها على “ الوحدة ” أكثر من الاندماج الذي كان موجوداً في القرية بامتدادها الأفقي، وأفنيتها المفتوحة، وبيوتها المتلاحمة، فانكمشت العلاقات الإنسانية، وتقطعت أواصر القربى. ولهذا حين نفتش عن صورة المدينة في الوعي الشعري - مثلاً - وهو بطبيعته وعي مرهف - نجدها تعجّ بالاغتراب، والجدران العالية والبهرج الخادع، والإيقاع اللاّهث، والخوف، وأوكار البغايا، وشريعة الغاب([236">).

وهذه هي صورة المدينة عند حمزة شحاتة ((منطق الغابة هو واقع المدينة بزيادة طفيفة هي القانون)) ([237">).

منطق الغابة هو الذي سوّغ لبعض أقارب حمزة الاستيلاء على أمواله في ((صفقتين ماديتين فادحتين في حياته)) ([238">)، حيث وضع ما يدخر من المال في يد أحد أقاربه ليقوم باستثماره فغدر به، وما إن استرد أنفاسه حتى وقع في قبضة أحد أصدقائه. هذا المنطق هو الذي أوقعه في حبائل الاقتران بالمرأة ثلاث مرّات تنتهي جميعها بالطلاق([239">).

المدينة في رؤيته بلا مدينة ولهذا لا تستحق الحب ((إن الحب في بلد مايزال نصيبه من المدينة ضئيلاً - كالقاهرة مثلاً - أشبه بلعبة الثلاث ورقات لا يؤخذ بها إلا الساذج العزير، ترى ما الأمر في لندن وباريس ونيويورك؟!)) ([240">).

وهي كائن جامد لا يتغيّر - والجمود في عرف الفنان هو الموت - فالمدينة بهذه الصفة ((عاجزة عن استفزاز مشاعرك الفنية وتغذيتها)) ([241">).

لم يجد حمزة في المدينة قلباً رحيماً، ولا زوجاً حانية، ولا صديقاً مخلصاً، ولا حركة تستفز المشاعر، فانكفأ على ذاته باحثاً عن مدينة فاضلة في أعماقه البعيدة.

وحين نستقريءُ صورة المدينة في شعره نجد حنيناً إلى المدينة، كما في قصيدة “ وُج ” التي يذكر فيها ماضيه الجميل في رحاب ذلك الوادي، ويجعل العيش بعيداً عنه ضرباً من الكذب والفجاجة :

كذب العيش بعد يومك يا وُجُّ

مريراً، والعمرُ بعدك فجا([242">)



ولا يكاد يردُ حديثه عن المكان إلا في سياق الإحساس بالغربة، والضيق والقيود، والعقوق والنقائص كما في قصيدته جدة التي دفن العقل بين شاطئيها في أول بين عندما قال :

النُّهى بين شاطئين غريق

والهوى فيك حالم لا يُفيق([243">)



وقصيدته “ أبيس ” التي قالها في مصر، وتذكر فيها مكة المكرمة مسقط رأسه، فتجلت أحاسيسه مثقلة بالتحديّ للأعداء الذين طال صمته عن سفاهاتهم :

يا حنايا أم القرى فيك قرّت

مهج ما انطوت على شحناء

بيد أن الأذى، وعدوانه السا

در، قد أججا لهيب العداء

فليكن وزره على رأس جانيـ

سه هجيراً يلوب في رمضاء



قد بلغنا بالصمت آخر حدّيـه لياذاً بشيمة الكرماء([244">)



4- الوطن :

الوطن في الإبداع له حضوره الخاص، وتشكلاته الجماليّة المتعددة، بتعدد رؤى المبدعين، وخبراتهم الجماليّة، ومواقفهم الشعورية. يظل الوطن محتفظاً بقيمته، فهو المكان الذي يشعر فيه الإنسان بالانتماء، ويلتذ فيه بالبذل والعطاء، واختلاف الصور أيّاً كانت ألوانها وظلالها، وخلفياتها، تشكل في النهاية موقفاً وجدانياً من الوطن لا خلاف حوله، وهو أن الوطن مدار العشق، وقصيدة الشعر التي لم تكتب أيّاً كان ذلك الوطن فميسون بنت حميد بن بجدل تلك البدوية التي تزوجها معاوية بن أبي سفيان ونقلها إلى حاضرة الشام، رفضت هذا العالم الجديد لعدم إحساسها بالانتماء إليه، فحنت إلى وطنها القديم وطلبت من معاوية أن يعيدها إلى أحضانه قائلة :

للبس عباءةٍ وتقّر عيني

أحبّ إليّ من لبس الشُّفوف

وبيت تخفق الأرياح فيه

أحبّ إليّ من قصر منيفِ([245">)

وحين نتتبع صورة الوطن عند حمزة شحاتة في فلسفته نجدها إلى الحياد أقرب منها إلى التآلف أو العــداء، فالوطـن عنده ((عبارة عن مصلحة، أو ضرورة وفي بعض الأحيان تعليم يُفرض كي يُنشيء الشعور بها)) ([246">).

ولا خلاف في أنّ الوطن مصلحة، وضرورة، فالإنسان مدنيٌّ بطبعه، والوطن هو المكان الذي تنشأ في ظلاله المدنية وتقوى، ويشعر الإنسان بوجوده، ومكانته، فالوطن الذي يحقق شهوداً حضارياً، يمنح أبناءه مكانة لا تتحقق لأبناء بلد يغطّ في غياهب الجهل والانطفاء الحضاري.

وانتماء الإنسان إلى الوطن عند حمزة “ ضريبة ” يجب أن يدفع الإنسان ثمنها، ولا مـجال للتنصل من تبعاتـها ؛ لأن الوطــن لا يستبدل به غيره ((ولا معدى من الصبر، والإذعان، في وسعك أن تترك منزلاً لا يرضيك إلى غيره، ولكن المسألة بالنسبة لوطنـك ومجتمعك مختلفة، أيها المواطن الحرّ الصالح)) ([247">).

والمواطن الصالح لكي يكون صالحاً، وفعّالاً في بناء وطنه، لابّد أن يشعر بقيمته بوصفه إنساناً، فإذا كان للوطن حقوق على المواطن، فإن على الوطن واجبات ينبغي أن يقوم بها، حتى لا تموت المواطنة في نفوس الأبناء و((كيف لا تنعدم الوطنية، وتموت الدوافع الشريفة في وطن، القوت الضروري هو شغل أهله الشاغل. إن الفاقة تقتل أشرف الدواعي في النفس))([248">).

ويرسم حمزة شحاتة صورة كابية للزقاق، وللمحاكم، لا تخرج عمّا وجدناه في البيت والمدرسة والمدينة. وهذه السوداوية القاتمة لا تكاد تستثني شيئاً من هذا العالم، فالحياة على الأرض عقوبة كبرى ((إن أية عقوبة لا تبلغ شدة النفي إلى الأرض)) ([249">).

ولهذا تآزرت أفكاره ورؤاه الشعرية على النفور من هذا المنفى، وكيف يرضى المدان بزنزانته والعصفور بقفصه. يقول في قصيدته التي تختصر معاناته مع هذا العالم :

رحلةٌ تثمر اللغوب وخيط

من حرير يقتادُنا للشقاءِ

وشجون لا تنتهي وصراعٌ

يسحق الصبر دائم الغلواء

الحجى فيه حائرٌ في ظلام

والأماني موؤدة الأصداءِ

والخيالات في دُجاه شمو

عٌ ثرة الدّمع ذابلاتُ الضياء

والأسى فيه للجراح يغنيّ

عبرتيه محولك الأرجاء

ينشد الفجر وهو ناءٍ غريب

ضائع مثله شهيد الدعاءِ

ألهذا تشقى النفوس بما تهوى

وتكبو الغايات بالعُقلاءِ؟

ويهيم الخيال في ظلمة الحيرة

يسري على بصيص الرّجاء

وتفيض القلوب منطوياتٍ

بجراح الأسى على البُرحاء

يا بريق السراب أسرفت في الجور

وأثخنت في قلوب الظماء([250">)



الأرض بكل ما فيها من “ أماكن ” ليس بينها وبين حمزة شحاتة ألفة، فهي “ أماكن ” معادية، وقد جعل الدكتور الغذامي الأرض محوراً من محاور النموذج الدلالي لأدب حمزة شحاتة الذي يقوم على ثنائية الخطيئة والتكفير([251">).

“ فالمكان ” هو الجحيم، وقبح المكان وجحيمه ليس شيئاً لازماً له، ولكنه نتيجة علاقة مختلة، أو لنقل علاقة غير جميلة أذهبت بهاء المكان، وأفسدت جمالياته، هذه العلاقة غير المتكافئة بين “ مكان جميل ” و“ إنسان غير جميل ” فرضت هذه النتيجة التي رأينا انعكاساتها على أدب حمزة وفكره وحياته، فقد كان أحد قرابين هذا التنافر البغيض. يرى الكسيس كاريل أن الانفعالات التي تنتاب الإنسان متباينة حيث السعادة والتعاسة، والفرح والحزن، ومرد ذلك الرغبة في تحقيق الأحلام والتطلعات فتتخذ الحياة مظهراً مختلفاً تبعاً لحالته النفسية الأمر الذي يشيع الحب والبغض في منطقه([252">).

إن عبقرية حمزة شحاتة تكمن في “ لغة الهدم ” كما يقول، فقد عمد إلى أماكن جميلة، كالوطن، والمدينة، والبيت، والمدرسة، فجعل من الجميل “ قبيحاً ” ونحن بلاشك نختلف معه في هذه الرؤية السوداوية القاتمة، ولكن الفن إنما يكون فناً بقدرته على التأثير، حيث يقلب الفنان معادلات الأشياء، ويشكك في الإلف - في أمور يمكن أن نقبل فيها الشك بالطبع وليس في مسلمات دينية ثابتة - ليرينا الأشياء من زاوية أخرى قد نختلف معها ونمقتها، لكننا نؤكد عبقريته وتفرّده، وإذا كان الفنان يمكن أن يجعل من القبيح جميلاً كما ذهب تين وغيره من فلاسفة الجمال، فإنه يمكن أن يجعل من الجميل قبيحاً، والاتفاق والاختلاف مع الفنان في مواقفه شيء، وتقدير فنّه شيء آخر، مع إيماننا بأصالة الفن أولاً، وحقنا في الاختلاف معه بعد تقدير الإبداع فيه([253">).

المكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة ذو “ معطى سلبـي ” في الغالب الأعم، إلا في صورة الوطن حيث يتوازى معطيان “ إيجابي وسلبـي ” يتفوّق أحدهما على الآخر بسبب من “ العلاقة التبادلية ” بين الوطن والمواطن، فالوطن والمواطنة حقوق وواجبات، متى أحس المواطن بوجوده وانتمائه وحصل على حقوقه كاملة كانت المواطنة الحقة، وحين تختل هذه المعادلة تذبل العلاقة، وتظهر الصورة الكابية والمعطى السلبـي للمكان، فلا يجد المواطن لدلالة الوطن معنى في نفسه.

أما الأماكن الأخرى “ المدينة - البيت - المدرسة ” فكلها ذات معطيات سلبيّة. المدينة شريعة غاب، تموت فيها العلاقات الإنسانية، وتتخشب المشاعر، وتتوقف الإثارة.

و“ البيت ” مدار للقمع والتفاهات، والمدرسة عالمٌ مليء بالأكاذيب، وملاذ للنعاس الثقيل، ومعامل لتفريخ الأذهان الصدئة، والأفكار البليدة.

والذي لاشك فيه “ أن معاناة ” حمزة مع الزوجة، والأصدقاء، أضف إلى ذلك “ فرط الحساسيّة ” و“ النبوغ ” كانت مجتمعة خلف تلوين المكان بهذه الألوان الكابية، وصبغه بتلك المعطيات السلبيّة. وكل هذا بحثاً عن “ مكان أجمل ” وإنسان أكثر جمالاً، يظل يبحث عنه الفنان فلا يجده، لأن الفن بحث في المستحيل وحديث عن الممكن.



جماليات الحيوان

الكون بنية محكمة، غاية في الجمال، جمال في الطبيعة، وجمال في الإنسان، وجمال في الحيوان، وجمال في الأفكار، وجمالٌ في علاقات الأشياء، وعلاقات الأفكار.

والحيوان مفردة جميلة في هذه البنية المحكمة الجميلة، ((حيث التركيب المدهش، والألوان المثيرة، والوظائف البديعة، والغرائز المحكمة، والحركة التي تأخذ ألف إيقاع وإيقاع)) ([254">)، ولهذا قال تعالى والأنعام خلقها لكم فيـها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون (([255">).

يقول محمـد قطب : ((إن توجيه نظر الإنسان إلى الجمال في الأنعام ذات “ المنافع ” المتعددة، له دلالته فيما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في التصور الإسلامي، فهو مخلوق واسع الأفق، متعدّد الجوانب، ومن جوانبه الحسيّ الذي يرى منافع الأشياء، والمعنوي الذي يدرك من هذه الأشياء ما فيها من جمال، وهو مطالب ألا تستغرق حسه المنافع، وألا يقضي حياته بجانب واحد من نفسه، ويهمل بقية الجوانب، فكما أن الحياة فيها منافع وجمال، فكذلك نفسه فيها القدرة على استيعاب المنفعة، والقدرة على التفتح للجمال..)) ([256">)

والحيوان عند حمزة شحاتة ((جزء من الطبيعة التي نرتاح إليها، ونحبها، ونربي كثيراً من ملكاتنا الفكرية، ومشاعرنا النفسية على حسابها، وفي الحيوانات بعد أكثر جوداً علينا من الطبيعة، وآمن مفتتناً ونحن بها أكثر امتزاجاً)) ([257">).

الحمار :

وحمزة شحاتة وهو يتأمل بفكره النافذ مكونات هذه البنية استوقفه “ الحمار ” فقدم لنا - في ثلاث مقالات نشرت بجريدة صوت الحجاز عام 1355 هـ ثم جمعها الأستاذ عبد الحميد مشخص بعد ذلك مع عدد من المقالات الأخرى في كتاب سمّاه “ حمار حمزة شحاتة ” - رؤية جمالية متميزة عن الحمار، وكان سابقاً بها لتوفيق الحكيم صاحب “ حمار الحكيم ” و“ حماري قال لي ” ([258">).

والحمار رمزٌ للحسّ البليد، والصوت المنكر، في القرآن الكريم وفي تراثنا العربي، لكن حمزة شحاتة يقدمه لنا في صورة نابضة بالأحاسيس المرهفة، والمشاعر المتدفقـة، والأفكار الخلاّقـة، وقد عمد الأديـب الرائد عبد الله عبد الجبار إلى استقراء هذه المقالات الثلاث، في دراسة لا تخلو من المتعة والرؤى الفذة التي تدل على فكر نقدي بارع.

وتلك المقالات - كما ذكر الأستاذ عبد الله عبد الجبار - يمكن تقسيمها إلى قسمين :

1 - مرافعة عامة عن الحمير ضد ابن آدم المستبد.

2 - وصف خاص لحمار المؤلف في نزهة قصيرة([259">).

وحين نتناول “ الجانب الجمالي ” في تلك المرافعة نجد أن الحمار يبدو طيباً، نشيطاً، قويّ الاحتمال، لكن الإنسان أساء فهمه، وظلمه، ودنس سمعته فكان أحد ضحايا الظلم البشري([260">).

الحمار له جاذبيّة خاصة لا يمكن تفسيرها بتناسب أعضائه، ولطف حجمه وفراهته، ولا بشيء خفي وراء شياته الظاهرة، وهو ذو أناقة ووجاهة يفتقدها بعض بني آدم، وله ابتسامة لا يدرك سحرها إلا من عناه من أمر الحمير ما عنى حمزة([261">).

وهو جم التواضع، يتنكر لذاته، شبيه بالإنسان في كماله البشري من حيث الأخلاق والمزاج النفسي، ولا يمكن أن تجتمع فيه هذه الفضائل الثابتة، مع رذائل ألصقها به بنو آدم.

وفيه خفّة، وفي حركاتــه حـلاوة، وفي نظراته معانٍ تفيض بالعذوبة. “ ديموقراطيٌّ ” منصرفٌ عن الخيلاء، مطيع لراكبه الذي يصادر إرادته، ويجهده ويفسد تقاليده وآدابه([262">).

أما صوته فهو منكرٌ بمقاييس “ النعومة والاعتدال ” إذا جعلناها كل مقومات الصوت الحسن، أما حين نحكم في صوته “ الذوق الجديد ” الذي يُعنى بالقدرة الفنية على التنويع والتأليف، وإحكام النسب وتحريرها ويعد النعومة أنوثة لا تليق بفن إنساني يقود العواطف والأفكار كالغناء سلكناه في طليعة الموسيقيين الموهوبين([263">).

وهو في غنائه ذو ذوق رفيع، فلا يغني إلاّ إذا كان المجال مهيئاً له، بخلاف الإنسان الذي يقوده خياله المريض للغناء في كل وقت([264">).

وبمقتضى “ النهج الجديد ” في نقد الأصوات يصبح نهيق الحمار أو غناؤه كما يعبر حمزة شعراً يأمن فيه صاحبه من اللحن وتشويه الألفاظ، ومسخ المعاني، وتترامى “ شعرية الصوت ” إلى “ شاعرية الإدراك ” فالحمار من أكثر الحيوانات ولعاً بالطبيعة وشعوراً بمفاتنها، وهذا دليل شاعريته([265">).

ونحن حين نتأمل صورة الحمار في الفكر الشعري نجدها لا ترد إلاّ في سياق الطبيعة الحافلة بمعاني الخصب والحياة، حتى إذا صوّح النبت واشتد الحرّ عليه ساق أتنه، واتجه إلى موارد المياه بحثاً عن شربة ماء يطفىء بها عطشه([266">).

وإذا كانت هذه الصورة التي رسمها حمزة للحمار تبدو في غاية الجمال في الظاهر والباطن، وفي العواطف والإدراك فإن صورة “ حماره ” تبدو أكثر جمالاً، فحماره “ نمط خاص ” بين الحمير ((لو كان إنساناً لكان مكانه بين من تشتغل الدنيا بذكرهم من العظماء والفنانين ظاهراً مرموقاً)) ([267">).

يأنس لصاحبه، فيتلقاه بابتسامة فاتنة، وما أن يبدأ حمزة يداعب أذني حماره، كما يداعب الأب ابنه، يأخذ صدر الحمار في العلو والانخفاض، وإطلاق الشهقات الحارة تأثراً بتلك العواطف الجيّاشة([268">).

وحين امتطى حمزة الحمار أحس بنـزوعه إلى الاستقلال، ومهارته في المشي ووجاهة تصرفاته، ودقة تقديراته لمسالك الطريق، حيث كانت حمير القوم تتجه يميناً، ويأبى هو إلاّ أن يخالفها فيختصر ربع الطريق بعمق خبرته مع حداثة سنه([269">)

وينشأ بين حمزة وحماره “ توافق سيكلوجي ” و“ حدس ” يقرأ به كل واحدٍ أفكار صاحبه، فإذا كان حمزة مُحباً للطبيعة، عاشقاً لمكوناتها الجمالية عشقاً خاصاً، فإن حماره يملك هذا الحس الجمالي المتفرد، ولهذا حين صاح بعض رفاق حمزة في الرحلة قائلاً وصلنا، ثم ترجل عن حماره، رفض حمار حمزة الوقوف، وأوغل بين الجبال حتى انفرجت تلك الراسيات عن صخور يتفجر منها الماء، وتجللها الأعشاب، ويعطرها الشذى الفواح، وتكسوها السكينة بأردية من السحر والجمال([270">).

وظل حمزة يراقب الحمير، فرأى الحمير البدوية منصرفة عن جمال الطبيعة ؛ بسببٍ من الألفة الطويلة التي أطفأت جذوة الإحساس بالجمال، أما حماره فكان ((متنبهاً لدقائق واديه الفتان، وكانت تدور في رأسه خواطر وتتجلى في نظراته النشوى معان لعلها من خير الشعر وأروعه، لو كان إلى تصويرها من سبيل)) ([271">).

هذه الصفات الإنسانية التي يسقطها حمزة على حماره، تنـزع إلى الكمال والتفرد في الظاهر والباطن، وهي لا تكشف عن شيء بمقدار ما تؤكد عبقرية هذا المفكر، وخصوصيته في الإدراك، وقد ذهب عبد الله عبد الجبار إلى الربط بين شخصية الحمار وشخصية حمزة شحاتة في كثير من التصرفات ((والذين أتيح لهم أن يخالطوا حمزة شحاتة - من كثب - خليق بهم أن يلاحظوا تلك المشابهة بين شخصيته وشخصية حماره)) ([272">).

فإذا كان حمزة مولعاً بالتميّز، وكسر المألوف، ومحباً للانطواء، وشاعراً مرهف الحس، ومفكراً يشن حرباً أهلية ضد الزيـف والجمود فإننا نجد حماره ((يميل إلى التفرد والانطواء ومخالفة التيار العام تماماً مثل صاحبه حينما يتقوقع في حدود ذاته، وينطوي على نفسه وكتبه ويتأمل في الكون والحياة ويشرح المجتمع الذي يعيـش فيه، ويعري الإنسانية من أرديتها الزائفة حتى تغدو بشريّة سـافلة خيرٌ منها ألف مرّة تلك الحيوانيـة التي لا يحكمها إلا قانون الغاب)) ([273">).

لقد كان حمزة مولعاً بهدم قواعد الإلف وجمالياته، وبناء قواعد وجماليات جديدة تكشف عن خصوصية في التأمل، وتفرد في الإدراك، فالحمار الذي استقر في الوعي الجمالي رمزاً للقبح، والبلادة، يصبح عند حمزة “ كنزاً ” من كنوز الجمال، طمره الإنسان بجهله، وقضى عليه بحكمه الجائر، وهنا تكمن عبقرية الفيلسوف، وبلاغة الأديب، حيث تنهض الحقيقة الجمالية عنده على أنقاض حقيقة أخرى.

جماليات الحياة

الحياة - في كل ما سبق - “ قيمة جمالية ”، وهذه القيمة نتاج بنية مادية أحكمها الخالق عز وجل، وبنية أخلاقية روحيّة أنزلت من أجلها الكتب السماويّة، وأرسل الرسل، ووضعت القوانين، وشرّعت القيم.

وإذا كانت جماليات الكون ظاهرة لا تخفى، فإن جماليات “ النفوس ” و“ القيم ” ممّا لا يكاد يبين ؛ لما يحصل فيها من تلونات، ويطغى عليها من تحريفات وتطورات، قد تخرج الشيء عن أصله.

“ والحياة ” دار ابتلاء، يكون للجمال الخادع فيها - كما يعبر القرآن الكريم “ في مواضع عدّة ” أكبر الأثر في التردي والسقوط. من هنا يأتي “ جمال الجوهر ” الذي يتجلى في تحقيق الاستخلاف، وإعمار الأرض، وحراسة القيم النبيلة، وهذا “ الرصيد الجمالي ” هو الذي تعاني من مديونيته وعجزه أمم، ودول، وأفراد.

والدين، أساس هذا الرصيد، والفن والفكر أكبر مصادر دعمه وتعزيزه.

وحين نقف على الفلسفة الجمالية “ للحياة ” عند حمزة شحاتة نجدها مجالاً خصباً لكشف جانب آخر من جوانب وعيه الشمولي، وحسه الحيّ. فالحياة عنده كلمة تشع بالدلالات المتعددة وربما المتضاربة نتيجة ارتباطها بسياقات وحمولات ومواقف متباينة، كان فيها حمزة محباً تارة وكارهاً تارة أخرى، وكان في الحالين مفكراً كبيراً، وفناناً مبدعاً.

فالحياة ((هي مجموعة ما تحتويه حياة الإنسان من الصـغائر، والتفاهـات في شكل متاعـب ومسرات)) ([274">) وهـي ((كميادين الحروب، لا اهتمام فيها بمن يسقط، وإنما بمن يبقى قبل انتهاء المعركة..)) ([275">). وهي ((عبارة عن عملية احتراق، حتى في حالة السكون)) ([276">).

وهي بذل وعطاء وتضحية ((أن تبذل كل جهدك، وكل وقتك للعمل هذه هي الحياة))([277">).

وهذا البذل ليس للمصالح الشخصية، واستبقاء الحياة الخاصة، وإنما لبناء مجتمع فاضل يـمارس حياة كريمـة ((أي عمل رائع في أن تناضل لاستبقاء حياتك؟!

العمل الرائع أن تناضل لاستبقاء حياة الآخرين ؛ عندما يفرضهم ضعفهم عليك)) ([278">).

هذا النضال هو الذي يجعل للحياة قيمة، فالأنانية، والأَثَرة لا تصنع حياة إنسانية ؛ لأن البحث عن الحقوق وإغفال الواجبات، وتقديم الذات على المجموع، هدم لمعنى الحياة الذي لا يتحقق إلا بالتناغم والتشاكل والانسجام، وحين تكون الحياة حياة لا يكون لها ثمن ((لكل شيء في العالم ثمنه إلا الحياة والفكر والحريّة)) ([279">).

والحياة رغبة وتطلعات، ولهذا كانت الرغبة أقوى أسباب الحياة([280">). وحين تموت الرغبة في الحياة، وتتلاشى التطلعات لا يبقى للحياة معنى ((إن كل شيء يتحطم، إذا لم يبق في حياتنا ما نتطلع إليه)) ([281">).

والرغبات والتطلعات في الحياة كثيرة، ومختلفة باختلاف الوعي الجمالي، فالذي يروقه البهرج الخادع، واللذات الزائلة ينساق وراء السراب حتى لا يجد في النهاية إلا الخسران المبين. والذي يفتش عن الجمال الحقيقي، ويبحث عن الجوهر تعلو عنده القيم، فتتوازن مطالب الروح مع رغائب الجسد، والحقوق والواجبات ((إذا وسعك أن تضع في ميزان عملك لآخرتك مقدار ما تضع في ميزان عملك لدنياك فقد نجوت)) ([282">). ولهذا لا يتوقى شرك الجمال

الكاذب، ولا يحقق المعادلة إلا قلة من الناس، يتأسس وعيهم الجمالي على فطنة بحقائق الأشياء والأفكار ((ما غالبت الدنيا إنساناً إلا غلبته، إلاّ من أشاح عنها وزهد فيها، وذلك هو الانتصار)) ([283">).

وبسبب اخـتلاف الرغائب، وتباين المواقف تتحول الحياة إلى ساحة نزال ((تغير معنى الكفاف في البلاد المتقدمة، فلم يعد من حق الإنسان أن يعيش، بل أن يحيا، ويدخـر، ويقتني، ويستمتع بكل منتجـات الحضارة على نحوٍ مُرضٍ. فطبيعي إذن أن يتسع نطاق الصراع بين الأفراد والجماعات، وأن تتغير معاني المباديء والمثل العليا، والقيم الأخلاقية، فهذا منطق المعركة، والحاجة البشرية))([284">).

والبطل والضحية هو الإنسان، ((من بداية الحياة حتى نهايتها، كانت هناك حرب واحدة، متصلة هي الإنسان، وكل المعارك والأحداث في تاريخها آثار صور مصغرة لـها، وباختصـار، الحرب المدمـرة والباقيـة هـي الإنسان)) ([285">).

إن للحياة منطقها الخاص الذي يعيه العقلاء وأولو الألباب، وللعقلاء منطقهم الخاص الذي تعيه الحياة، فالزينة الزائفة لا تستوقف ذا اللّب، وإن كان هذا هو الخيط الذي يمسك به العشاق. ولهذا فالعقلاء لا يحبون الحياة حين تكون زيفاً، والحياة كذلك لا تحب العقلاء ((الحياة كالمرأة كلتاهما تحب الذكي، وتكره العاقل)) ([286">).

الحياة في منطق العقلاء شبكة من الصغائر والتفاهات ((ما أكثر صغائر الحياة، وما أكثر التفاهات فيها ؛ لأنها نسيج الحياة)) ([287">).

ولكن “ جمال الحياة ” مرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود هذه التفاهات والصغائر؛ لأنها أوهام تبعث السعادة في النفوس، حين تظل متعلقة بها، وباحثة عنها، وحاثة الخطى إليها، وإن اكتشفت في نهاية الأمر أنها صغائر وتفاهات ((كم هو شريف أن تخلو الحياة من الأوهام، والنفاق، والكذب، ولكن لم تصبح قبيحة، مريرة، إذا غدت هكذا؟!

إننا نقضي على سعادتنا عندما نطرد آخر الأوهام من نفوسنا)) ([288">).

هذه هي الحياة بكل تناقضاتها، علينا أن نفقه حقيقتها، فالحديث عن “ المثاليات ” في الحياة، والبحث عن “ اليوتوبيا ”، وحياة بلا منغصات أو صغائر أمر مستحيل، فعلينا أن نؤمن بهذه الحقيقة، وأن نتوازن داخلياً للسير في طريق مليء بالأشواك ؛ لأن صدمة هذه الحقيقة أخف من صدمة الإيمان بوجود حياة مثالية لا وجود لها ((الحياة في إجمالها ليست اختياراً، ولكنها شيء فرض علينا فلابد من استقبال متطلباته على أي نحو، وإذن فعلينا أن نحتفظ بكل قوانا وحواسنا وأعصابنا في حالة توازن واستعداد للسير مع السائرين.

في مسألة الحياة قبولها وتقبلها لا يستطيع الإنسان أن يهرب ليعيش وحده، إنه حيث يعيش منفرداً، سيقابل الحياة وتناقضاتها وصراعها ومرارتها، وسيجد من البداية وفي النهاية أن وجوده بين الناس ومعهم أكثر من ضروري، وأن أي تعقيد في الحياة وسوء انعكاساته على النفس والمشاعر أهون من تعقيد حياة يختارها ويحسبها خالية من المؤثرات والضنك)) ([289">).

الحياة مليئـة بالمحاسـن والمساويء، وفيها الجمال وفيها القبح، هذه حقيقتها. والعقلاء من يدركون هذه الحقيقة، ويدعون إلى اكتشافها وهذه هي غاية المفكرين والأدباء التي ((يجب أن تكون دعوة إلى اكتشاف مسرات الحياة ومحاسنها ؛ لأن النظـرة السلبـيـة إلى الحياة دليل الفتور وضيق مدى الخيال)) ([290">).

إن المتشائمين من واقع الحياة ليسوا ثائرين على الحياة، ولا كارهين لمباهجها ((إنما هي ثورة الراغب المستزيد، لا ثورة الكاره المجتوي)) ([291">).

وفي هذا المعنى يقول :

آمالنا ملء النفوس فهل ترى

صفرت من الآمال نفسُ الزاهد؟

وأرى الزهادة في مظاهرها تقي

من تحته لهب الطِّماح الخامد([292">)

والحياة قوامـها التجدّد، فليس للحياة “ جمال ” إذا كانت إيقاعاً رتيباً، لا جديد فيه، ((فالحياة-كما قلنا-حياة بالتغيير الدائم، والتجدد المستمر، والتطور هو معنى الجمال وسره فيها، والسعادة في رأينا هي المسرّة المتجددة)) ([293">).

فمعنى الحياة في ذاتها هو ((الزمن والحركة والتغيّر والتحوّل، وإلا كانت متحفاً جامداً لا فرق بين الصور القاتمة فيه، والصخور النائمة فيه)) ([294">).

والزمن الذي هو معنى الحياة لا يكمن في الدقائق والساعات والأيام والشهور والدهور وإنما يكمن في الشعور بها ((والزمن ليس إلا إحساسنا بالحركة والتحوّل ولو وقف كل شيء في أعيننا لا يريم مكانه لما كان الجمال، ولا كان الشعور بالسعادة)) ([295">).

والشعور الفياض بحركة الحياة وتحولها، هو الذي يدفع الإنسان للحركة الدائمة لفهم هذه التحوّلات، والاستعداد لها، ولهذا يختلف الأفراد، والأمم في قوة هذا الشعور، فالذي تكون الطاقة الشعورية لديه طاقة مشبوبة يكون مهيأ لإدراك طبيعة الحـياة، وما عدا هذا تدوسه عجلة الحياة، ويتخطاه الركب. والكثير من الناس يظل معلقاً بالقديم ؛ لأن للجديد مشقاته، وأيسر الحلول معاداة الجديد، ولكن يظل الثمن باهضاً لهذا العداء الأحمق ((إن الشعوب التي تتوقف عن السير مع تيار الحياة والتغيير، تضطر بعد إلى أن تعدو لاهثة، وبجنون، لكي تعوّض ما فاتها من الوقت، وفي هذا العدو الاضطراري مزالق الخطأ، وكبواته)) ([296">).

صنمية القديم، وعبودية الإرث. صنيع العقول الميتة، والأفكار المجدبة، أما العقول الحيّة، والأفكار المخصبة فهي التي تنفر من التقليد، وتكره الاجترار، وتأبى العبوديّة.

والجديد ينتزع المعتقدات، ويهزّ النفوس، ولهذا لا يتقبله كثير من الناس، لأنه يشكك في معارفهم، وهذا ما نجده مع دعوات الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه عليه، ومع كل دعوة جديدة ((ومازالت النفوس أضعف استعداداً لقبول المفاجآت التي تحاول أن تنتزع من معتقداتها ومشاعرها، شيئاً له قيمته وقداسته، وله صلابته العنيدة.

وشأن الجديد في هذه السبيل، أن يكون رمز الإقلاق والبعثرة، وما يهون على النفوس والأفكار، أن تنزل عن قوانينها الأدبية، وتقاليدها وعقائدها، إلا مكرهة..)) ([297">).

الحياة حركة دائبة، وتطلع متوثب، ولا سبيل لفهم الحياة، والاستمتاع بـها، وتحقيق الوجود الإنساني فيها، إلا بالسعي في أكنافها، والتأمل في حركتها، والتوازن مع إيقاعها الذي لا يهدأ، توازناً دقيقاً لا تكون الحركة فيه تهوراً وإيقاعاً ناشزاً، ولا يكون الوقوف نوماً عميقاً، وموتاً أبدياً.

بهذا المقياس الدقيق تكون الحياة حياة حقيقية، ويكون الإنسان “ عملاً صالحاً ”، وعاشقاً للجمال في جوهره، والله جميل يحب الجمال.

وحمزة شحاتة كان يحدثنا عن الحياة في حقيقتها، لا عن حياته الخاصة، وعن شقاية العقل الحيّ، وجهاده لاستيعاب هذه الحقيقة، والتوازن معها، حتى أصبح رأس المفكّر هو مشكلته ((ذلك العبء الثقيل، هو رأسي الذي أنوء بحمله منذ تفطنت للحياة، وغُرست بتجاربها القاسية، ولو أن لي في موضعه من عاتقي رأس حيوان أعجم لما أخطأت العزاء في محنة فمن لي بذاك)) ([298">).

يقول عن إشكالية العقل النابض :

أرى عقلاء القوم فاضت صدورهم

أسىً، وأرى الجُهّال قد مُلئوا بشرا

قدحت زنادَ العزم في راجح النُّهى

وناشدته عهد الجهادِ، فما أورى

فأيقنت أن العقل أبطأ مركب

إلى غاية تستعجل الواثب البكرا

وما العقل إلا يومة طال جُهدها

فما نورت ليلاً، ولا أظلمت فجرا([299">)



إنها شكاية ابن مقبل، الذي أدرك هذه الحقيقة واصطلى بنارها فقال :

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر

تنبو الحوادث عنه وهو ملموم([300">)

يقول حمزة شحاتة :

وهي دنيا الشذوذ يرتفع الجاهل فيها ويستذل الحصيف([301">)

ومع هذا فالمفكر العظيم لا يجد المتعة، ولا يكتشف الجمال إلاّ في هذا النصب القاتل ((ليس أحبّ إلي من النصب في سبيل تعديل الموازين ومعاناة الحقائق واحتمال مشقة الهدم والبناء في نفسي وفكري، فإن كانت الحياة حياة باستمرار حركتها، وتجدد دواعيها، وتعدد صورها، فالنفس ما تكون النفس العميقة إلا بما يجيش بها من أسباب التغيير والتحول والتقدم

والتقهقر))([302">).

وجميع مجالات الفلسفة الجماليّة التي عرض لها حمزة شحاتة، تنوّع الحديث عنها بتنوع الجنس الأدبي الذي جسدّها شعراً ونثراً، فالفلسفة الجماليّة خلاصة أدب متنوع، فيه القصيدة، والمحاضرة، والمقالة، والرسالة، ولكل جنس أدبيّ خصائصه الفنية التي يستقل بها عما سواه، ممّا يجعل الحديث عن تلك الخصائص فوق طاقة هذه الدراسة، لثراء أدب حمزة شحاتة، ودقة صنعته، وتنوّع أسلوبه، وخصوبة معجمه اللغوي، وصوره الفنية، ولهذا نقول على وجه الإجمال إنّ أبرز خصائص الفن عنده تتمثّل فيما يأتي :









 

رد مع اقتباس
قديم 2011-09-16, 15:20   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
hano.jimi
عضو محترف
 
الصورة الرمزية hano.jimi
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

1 - صفاء اللغة، فلغته واضحة الدلالة، سهلة البناء، وجمله تميل إلى القصر وكثرة المعطوفات، الأمر الذي يبعدها عن الإبهام والتعقيد، وعباراته منتقاةٌ بعناية، حيث تتجلى فيها دقة العالم، وحس الفنان، يعضد ذلك ثقافة وحسّ رفيع يمكنه من تطويع لغته لحمل تجاربه وأفكاره. ووضوح اللغة هنا هو وضوح الفن الذي يشف ولا يكشف، ولذلك فلغته على سهولتها، عميقة الغور، ثرية المضمون، واسعة الدلالة.

2 - بروز عنصر المفارقة حيث تتجلى الأضداد بصورة جليّة ؛ لأن حمزة شحاتة مولع بالبحث عن حقائق الأشياء، وهدم كثير من الأعراف والأفكار، ليقيم على أنقاضها قيماً جديدة، فكانت اللغة مساوقة لهذا النظر العميق.

3 - التكرار فهناك قضايا ذات حضور خاص عند حمزة شحاتة، كالشعور بعدم الانتماء للمجتمع، وخيانة المرأة، وضمور الوعي الإنساني. وهذا التكرار أدى به إلى تكرار مفردات بعينها، وأساليب ذات جرس موسيقي بارز كالمطابقـة، ورد العجـز على الصدر، والسخرية ويتجلّى هذا في “ رفات عقل ”.

4 - شيوع أسلوب الاستفهام في شعره ورسائله، وحكمه، ومقالاته، ولعلّ ذلك يعود إلى شكّه في كثير من المسلّمات والأعراف الاجتماعيّة، وخبرته بأحوال الناس، مما يتيح له تصورات كثيرة، ومعاني متعددة، يصبح الاستفهام معها هو الجواب الوحيد.

هكذا تجلّت “ الفلسفة الجماليّة ” عند حمزة شحاتة، فلسفة شاملة تقف على أدق خصائص الفن الجميل، وتتأسس على رؤية شاملة لقضايا الإنسان والعالم، وجوهر هذه الفلسفة الانغماس تحت قشور الأشياء والأفكار إلى الأعماق، لاستجلاء المكنون، والمضنون به على كثير من الخلق، الذين لا يجتهدون في الكشف عن غوامض المعرفة، ولا يتلذذون بالانغماس فيها، ولا يتحرقون لاستجلاء أسرارها الخبيئة.

لقد كان حمزة شحاتة، رجلاً نبيلاً، وإنساناً شريفاً، قبل أن يكون فيلسوفاً، ومبدعاً، فإنسانية الإنسان كانت المحرك الأول لنشاطه الفكري والإبداعي، وكثيراً ما نجد المثقف يتلون بحسب المواقف والغايات، يلبس في كل يوم قناعاً جديداً، لكن حمزة شحاتة ظلّ مصابراً وباحثاً عن واقع أفضل، وغد أجمل، تمتليء فيه الأرض بشراً، وتنشرح النفوس بسرور لا ينقطع. ويستعيد الإنسان جوهره المفقود، وقدّم كل ما يملك من أجل إيمانه العميق بهذا المبدأ العظيم.

رُبما يكون قد خسر أشياء كثيرة، خسر الراحة، والاستقرار الأسري، والأصدقاء غير الصادقين، ولكنه كسب الأهمّ من هذا كُلّه، كسب راحة الضمير، وأمانة الكلمة، ولحظة التاريخ، وإكبار الأجيال الجديدة التي وجدت في عطائه الشعري والفلسفي نموذجاً للمثقف الأمين على شرف الكلمة، ومباديء الإنسانية.

إنَّ صـــبري بما يؤود ضليعٌ

وفــؤادي بما أريـــغ كفيل

وورائي من الـــهوى والمودّا

ت شكولٌ مـضت، ودوني شكول

إنما نعشــق الجمــال لمعنا

ه، وحسن السمات ضيفٌ عجولُ([303">)



الهوامش والتعليقات

-----------------------------------------

([1">) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف، عزيز ضياء، الرياض : المكتبة الصغيرة، الطبعة الأولى، 1397 هـ / 1977 م، ص 5.

([2">) مباديء في نظرية الشعر والجمال، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، حائل : النادي الأدبي بمنطقة حائل، ط1، 1418 هـ، ص 53.

([3">) علم الجمال، دني هويسمان، ترجمة : ظافر الحسن، بيروت : منشورات عويدات، ط4، 1983 م، ص 196.

([4">) لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، القاهرة : دار المعارف “ مادة جمل ”.

([5">) مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، الدكتور ميشال عاصي، بيروت : دار العلم للملايين، ط1، 1974 م، ص 17.

([6">) حمار حمزة شحاتة، حمزة شحاتة، الرياض : دار المريخ، ط1، 1397 هـ / 1977 م، ص 86.

([7">) المرجع نفسه ص 67، 68.

([8">) الرجولة عماد الخلق الفاضل، حمزة شحاتة، جدة : تهامة، ط1، 1401 هـ / 1981 م ص 25.

([9">) جريدة صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ الموافق 11 مارس 1940 م، ص 3.

([10">) المرجع نفسه ص 3.

([11">) نفسه ص 3.

([12">) نفسه ص 3.

([13">) نفسه ص 3.

([14">) نفسه ص 3.

([15">) حمار حمزة شحاتة ص 76.

([16">) المرجع نفسه ص 76.

([17">) نفسه ص 68.

([18">) نفسه ص 69.

([19">) نفسه ص 70.

([20">) نفسه ص 70.

([21">) نفسه ص 71.

([22">) نفسه ص 72.

([23">) نفسه ص 73.

([24">) نفسه ص 73.

([25">) نفسه ص 74.

([26">) السابق ص 78.

([27">) نفسه ص 78.

([28">) ديوان حمزة شحاتة، جدة، دار الأصفهاني، ط1، 1408 هـ / 1988 م، ص 159

([29">) جريدة صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ، الموافق 11 مارس 1940 م، ص 3.

([30">) المرجع السابق ص 3، وانظر ديوان حمزة شحاتة ص 26.

([31">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

([32">) حمار حمزة شحاتة ص 84.

([33">) المرجع نفسه ص 84، 85.

([34">) جريدة صوت الحجاز الأحد 24 محرم 1359 هـ، الموافق 4 مارس 1940 م، ص 4

([35">) حمار حمزة شحاتة ص 69.

([36">) المرجع نفسه ص 91.

([37">) نفسه ص 61.

([38">) نفسه ص 61.

([39">) نفسه ص 66.

([40">) نفسه ص 89.

([41">) علم الجمال هويسمان ص 199.

([42">) المرجع السابق ص

([43">) المعجم الفلسفي، الدكتور جميل صليبا، بيروت : دار الكتاب اللبناني، ط1، 1971 م 1 / 247.

([44">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

([45">) المرجع نفسه ص 22.

([46">) نفسه ص 24.

([47">) نفسه ص 37.

([48">) نفسه ص 23.

([49">) نفسه ص 64.

([50">) رفات عقل ص 96.

([51">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

([52">) القيم الجماليّة، الدكتـورة راويــة عباس عمارة، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1987 م، ص 193.

([53">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 21، ص 22.

([54">) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 85.

([55">) الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر، الدكتور عبد الله الغذامي، جدة : النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط1، 1405 هـ / 1985 م، ص 202، ص 203.

([56">) المرجع نفسه ص 194 وما بعدها.

([57">) رفات عقل ص 24.

([58">) نفسه ص 24.

([59">) نفسه ص 24.

([60">) نفسه ص 24.

([61">) نفسه ص 24.

([62">) نفسه ص 24.

([63">) نفسه ص 24.

([64">) نفسه ص 25.

([65">) رفات عقل ص 22.

([66">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 102.

([67">) المرجع نفسه ص 19.

([68">) نفسه ص 16.

([69">) نفسه ص 23.

([70">) نفسه ص 76.

([71">) نفسه ص 77.

([72">) نفسه ص 76.

([73">) نفسه ص 77.

([74">) نفسه ص 77.

([75">) رفات عقل ص 77.

([76">) حمار حمزة شحاتة ص 81.

([77">) المرجع نفسه ص 77.

([78">) نفسه ص 79.

([79">) رفات عقل ص 25، ص 26.

([80">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 30.

([81">) رفات عقل ص 29.

([82">) المرجع نفسه ص 30 وفيه بالغموض المتوخى، ولعلّها الموحي.

([83">) نفسه ص 29.

([84">) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، الدكتور إحسان عباس، بيروت : دار الثقافة، ط4، 1404 هـ / 1984 م، ص 257 في حديثه عن الحاتمي صاحب المقولة الشهيرة في تشبيه النص بالجسد.

([85">) رفات عقل ص 29.

([86">) المرجع نفسه ص 30.

([87">) نفسه ص 26.

([88">) مقدمة شعراء الحجاز في العصر الحديث ص 14، ورفات عقل ص 26.

([89">) الخطيئة والتكفير ص 290 وما بعدها.

([90">) رفات عقل ص 45.

([91">) المرجع نفسه ص 45.

([92">) نفسه ص 17.

([93">) نفسه ص 16.

([94">) الكلّيات معجم في المصطلحات والفروق اللُّغوية، أبو البقاء الكفوي، تحقيق : عدنان درويش ومحمد المصري، دمشق، ط2، 1982 م، 2، 256.

([95">) المصدر نفسه 2 / 256.

([96">) نفسه 2 / 256.

([97">) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي 4 / 297 نقلاً عن العقل في التراث الجمالي عند العرب د. علي شلق، بيروت دار المدى، ط1، 1985 م، ص 190.

([98">) الهوامل والشوامل لأبي حيان التوحيدي ومسكويه، نشره أحمد أمين والسيد صقر القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1370 هـ / 1951 م، ص 142.

([99">) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، صححه وضبطه وشرح غريبه : أحمد أمين وأحمد الزين، نسخة مصورة عن طبعة لجنة التأليف والنشر بالقاهرة، بيروت : دار مكتبة الحياة بدون تاريخ 1 / 148، 149.

([100">) علم الجمال لدني هويسمان ص 197.

([101">) المرجع نفسه ص 197.

([102">) نفسه ص 196.

([103">) رفات عقل ص 75.

([104">) المرجع نفسه ص 12.

([105">) المرجع نفسه ص 12.

([106">) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 12.

([107">) حمار حمزة شحاتة ص 23.

([108">) الديوان ص 50، ص 51.

([109">) المرجع نفسه ص 78.

([110">) نفسه ص 18.

([111">) رفات عقل ص 44.

([112">) المرجع نفسه ص 81.

([113">) حمار حمزة شحاتة ص 50.

([114">) المرجع نفسه ص 51.

([115">) نفسه ص 51.

([116">) رفات عقل ص 15.

([117">) المرجع نفسه ص 15.

([118">) حمار حمزة شحاتة ص 60، ص 61.

([119">) رفات عقل ص 13.

([120">) المرجع السابق ص 14.

([121">) بنية التخلف، إبراهيم البليهي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، ط1، 1415 هـ / 1995 م ص 191.

([122">) الديوان ص 175.

([123">) في النقد الذاتي ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، خالص جلبـي، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط3، 1405 هـ / 1985 م، ص 365.

([124">) رفات عقل ص 65.

([125">) المرجع نفسه ص 64.

([126">) نفسه ص 89.

([127">) نفسه ص 89.

([128">) نفسه ص 65.

([129">) حمار حمزة شحاتة ص 39.

([130">) المرجع نفسه ص 40.

([131">) نفسه ص 39.

([132">) نفسه ص 42.

([133">) نفسه ص 54.

([134">) نفسه ص 54.

([135">) نفسه ص 55.

([136">) نفسه ص 55.

([137">) نفسه ص 54، ص 55.

([138">) نفسه ص 56.

([139">) إلى ابنتي شيرين، حمزة شحاتة، جدة، تهامة، ط1، 1400 هـ / 1980 م.

([140">) الديوان ص 56.

([141">) في ظلال القرآن، سيد قطب، بيروت، دار الشروق، ط7، 1398 هـ / 1978 م 1 / 574.

([142">) رفات عقل ص 37.

([143">) المرجع نفسه ص 81.

([144">) نفسه ص 95.

([145">) نفسه ص 81.

([146">) نفسه ص 51.

([147">) إلى ابنتي شيرين، المقدمة ص 16.

([148">) رفات عقل ص 83.

([149">) المرجع نفسه ص 51.

([150">) نفسه ص 78.

([151">) نفسه ص 79.

([152">) نفسه ص 79.

([153">) نفسه ص 78.

([154">) نفسه ص 23.

([155">) حمار حمزة شحاتة ص 53.

([156">) رفات عقل ص 94.

([157">) المرجع نفسه ص 97.

([158">) نفسه ص 98.

([159">) نفسه ص 99.

([160">) نفسه ص 58.

([161">) نفسه ص 73.

([162">) نفسه ص 73.

([163">) نفسه ص 63.

([164">) نفسه ص 63.

([165">) نفسه ص 55.

([166">) صحيح مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية 1400 هـ / 1980 م، كتاب الرضاع باب الوصية بالنساء 2 / 1091.

([167">) رفات عقل ص 38.

([168">) المرجع نفسه ص 55.

[169">) نفسه ص 55.

([170">) نفسه ص 42.

([171">) نفسه ص 57.

([172">) نفسه ص 61.

([173">) المرجع السابق ص 62.

([174">) نفسه ص 68.

([175">) نفسه ص 59.

([176">) نفسه ص 82، ص 83.

([177">) ميلاد مجتمـع، مالك بن نبي – الجـزء الأول شبكة العلاقــات الاجتماعية، ترجمة عبد الصبور شاهين، طرابلس، دار الإنشاء، طربلس، دار الإنشاء، ط2، 1974 م ص 15.

([178">) رفات عقل ص 15.

([179">) المرجع نفسه ص 20.

([180">) مخطط الانحدار وإعادة البناء، الدكتور خالص جلبـي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، 1417 هـ ص 99، ص 121.

([181">) بنية التخلف ص 86.

([182">) الأمة المسلمة مفهومها، مقوماتها، إخراجها، ماجد عرسان الكيلاني، بيروت : العصر الحديث 1412 هـ / 1992 م، ص 20.

([183">) رفات عقل ص 47.

([184">) المرجع نفسه ص 47.

([185">) نفسه ص 49.

([186">) نفسه ص 48.

([187">) نفسه ص 46.

([188">) شروط النهضة، مالك بن نبـي، ترجمة عمر مسقاوي وعبد الصبور شاهين، بيروت : دار الفكر، ص 19.

([189">) رفات عقل ص 70.

([190">) الر جولة عماد الخلق الفاضل ص 106.

([191">) المرجع نفسه ص 120.

([192">) نفسه ص 24.

([193">) نفسه ص 24.

([194">) نفسه ص 33.

([195">) نفسه ص 31.

([196">) نفسه ص 31

([197">) نفسه ص 51 - 56.

([198">) نفسه ص 64.

([199">) نفسه ص 66، ص 67.

([200">) نفسه ص 68.

([201">) نفسه ص 64.

([202">) المرجع السابق ص 68.

([203">) نفسه ص 70.

([204">) نفسه ص 70.

([205">) نفسه ص 71.

([206">) نفسه ص 71.

([207">) صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب الحث على إكرام الجار والضيف 1 / 70.

([208">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 78.

([209">) المرجع نفسه ص 79.

([210">) نفسه ص 81.

([211">) نفسه ص 81.

([212">) نفسه ص 85.

([213">) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 47.

([214">) المرجع نفسه ص 47، ص 48.

([215">) انظر بتوسع النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربيّة الدكتور عبد الله الغذّامي، بيروت : المركز الثقافي العربي، ط1، 2000 م.

([216">) جماليات المكان، غاستون باشيلار، ترجمة : غالب هلسا، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط3، 1407 هـ / 1987 م، ص 31.

([217">) المرجع نفسه ص 36.

([218">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 87.

([219">) المرجع نفسه ص 90.

([220">) نفسه ص 90.

([221">) رفات عقل ص 39.

([222">) المرجع نفسه ص 64.

([223">) جماليات المكان ص 38.

([224">) إلى ابنتي شيرين ص 136.

([225">) جماليات المكان ص 83.

([226">) رفات عقل ص 95.

([227">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 89، ص 90.

([228">) المرجع نفسه ص 92.

([229">) نفسه ص 110 - 111.

([230">) نفسه ص 111.

([231">) نفسه ص 111.

([232">) حمار حمزة شحاتة ص 41.

([233">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 92.

([234">) المرجع نفسه ص 111.

([235">) نفسه ص 91.

([236">) انظر على سبيل المثال المدينة في الشعر العربي الحديث، الدكتور : مختار علي أبو غالي، الكويت : عالم المعرفة 1415 هـ / 1995 م، ص 14 وما بعدها.

([237">) رفات عقل ص 45.

([238">) الخطيئة والتكفير ص 210.

([239">) المرجع نفسه ص 208 - 211.

([240">) رفات عقل ص 88.

([241">) حمار حمزة شحاتة ص 53.

([242">) الديوان ص 32.

([243">) المرجع نفسه ص 67.

([244">) نفسه ص 198.

([245">) انظر أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، عمر رضا كحالة، بيروت، مؤسسة الرسالة، بدون تاريخ 6 / 136.

([246">) رفات عقل ص 70.

([247">) المرجع السابق ص 40.

([248">) نفسه ص 47.

([249">) إلى ابنتي شيرين ص 111.

([250">) الديوان ص 187 من قصيدة طويلة عنوانها “ أبيس ”.

([251">) الخطيئة والتكفير ص 148.

([252">) الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، تعريب شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف، 1419 هـ / 1998 م ص 150.

([253">) مبادي في نظرية الشعر والجمال ص 11.

([254">) المدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، نجيب الكيلاني، بيروت : مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1408 هـ / 1988 م، ص 13.

([255">) النحل آية 5 - 6.

([256">) منهج الفن الإسلاميّ، محمد قطب، بيروت : دار الشروق، ط5، 1401 هـ / 1981 م، ص 29.

([257">) حمار حمزة شحاتة، ص 32.

([258">) المرجع نفسه المقدّمة ص 5.

([259">) نفسه المقدمة ص 6.

([260">) نفسه ص 29.

([261">) نفسه ص 28.

([262">) نفسه ص 29.

([263">) نفسه ص 30.

([264">) نفسه ص 30.

([265">) نفسه ص 31.

([266">) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري - دراسة في أصولها وتطورها، الدكتور : علي البطل، بيروت : دار الأندلس، ط1، 1980 م، ص 138 وما بعدها.

([267">) حمار حمزة شحاتة ص 31.

([268">) المرجع نفسه ص 32.

([269">) نفسه ص 33.

([270">) نفسه ص 36.

([271">) نفسه ص 36.

([272">) نفسه المقدمة ص 13.

([273">) نفسه المقدمة ص 97.

([274">) رفات عقل ص 97.

([275">) المرجع نفسه ص 64.

([276">) نفسه ص 74.

([277">) نفسه ص 46.

([278">) نفسه ص 50.

([279">) نفسه ص 49.

([280">) نفسه ص 49.

([281">) نفسه ص 74.

([282">) نفسه ص 52.

([283">) نفسه ص 52.

([284">) نفسه ص 67.

([285">) نفسه ص 54.

([286">) نفسه ص 43.

([287">) نفسه ص 90.

([288">) نفسه ص 86.

([289">) إلى ابنتي شيرين ص 190، ص 191.

([290">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 112.

([291">) حمار حمزة شحاتة ص 76.

([292">) الديوان ص 159.

([293">) المرجع السابق ص 66.

([294">) نفسه ص 87.

([295">) نفسه ص 67.

([296">) رفات عقل ص 41.

([297">) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 23.

([298">) حمار حمزة شحاتة ص 52.

([299">) الديوان ص 162.

([300">) ديوان ابن مقبل، عني بتحقيقه : عزة حسن، دمشق، مديرية إحياء التراث القديم، 1381 هـ / 1962 م، ص 273.

([301">) الديوان ص 40.

([302">) حمار حمزة شحاتة ص 60.

([303">) الديوان ص 63.





المصادر والمراجع

1 - أعلام النساء في عالمي العربي والإسلام، عمر رضا كحالة، بيروت، مؤسسة الرسالة، بدون تاريخ.

2 - إلى ابنتي شيرين، حمزة شحاتة، جدة، تهامة، ط 1، 1400 هـ / 1980 م.

3 - الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، صححه وضبطه، وشرح غريبه : أحمد أمين وأحمد الزين، نسخة مصورة عن طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، بيروت : دار مكتبة الحياة، بدوت تاريخ.

4 - الأمة المسلمة، مفهومها، مقوماتها، إخراجها، ماجد عرسان الكيلاني، بيروت، العصر الحديث، 1412 هـ / 1992 م.

5 - الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، تعريب : شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف، 1419 هـ / 1998 م.

6 - بنية التخلّف، إبراهيم البليــهي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، ط 1، 1415 هـ / 1995 م.

7 - تاريخ النقد الأدبي عند العرب - نقد الشعر من الجاهلية حتى نهاية القرن الثامن الهجري - الدكتور إحسان عباس، بيروت : دار الثقافة، ط 4، 1404 هـ / 1984 م.

8 - جماليات المكان، غاستون باشيلار، ترجمة : غالب هلسا، بيروت : المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 3، 1407 هـ / 1987 م.

9 - حمار حمزة شحاتة، قام بجمعه عبد الحميد مشخص، الرياض، دار المريخ، ط 1، 1397 هـ / 1977 م.

10 - حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف، عزيز ضياء، الرياض، المكتبة الصغيرة، ط 1، 1397 هـ / 1977 م.

11 - الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية نموذج إنساني معاصر، الدكتور: عبد الله الغذامي، جدة : النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط 1، 1405 هـ / 1985م.

12 - ديوان ابن مقبل، عني بتحقيقه : عزة حسن، دمشق، مديرية إحياء التراث القديم، 1381 هـ / 1962 م.

13 - ديوان حمزة شحاتة، جدة : دار الأصفهاني، ط 1، 1408 هـ / 1988 م.

14 - الرجولة عماد الخلـق الفاضل، حمزة شحاتة، جدة : تهامة، ط 1، 1401 هـ / 1988 م.

15 - رفات عقل، حمزة شحاتة، قام بجمعه وتنسيقه : عبد الحميد مشخص، جدة : تهامة، الطبعة الأولى، 1400 هـ / 1980 م.

16 - شروط النهضة، مالك بن نبـي، ترجمة : عمر مسقاوي، وعبد الصبور شاهين، بيروت دار الفكر.

17 - شعراء الحجاز في العصر الحديث، عبد السلام الساسي، راجعه وصححه : علي العبادي الطائف، مطبوعات النادي الأدبي بالطائف، ط 2، 1402 هـ.

18 - صحيح مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم النيسابوري، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي، نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، 1400هـ / 1980 م.

19 - صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ، الموافق 11 مارس 1940 م.

20 - الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري، دراسة في أصولها وتطورها، علي البطل، بيروت : دار الأندلس، ط 1، 1980 م.

21 – العقــل في التراث الجمالي عند العرب، علي شلق، بيروت : دار المدى، ط 1، 1985 م.

22 - علم الجمال، دني هويسمان، ترجمة : ظافر الحسن، بيروت : منشورات عويدات، ط 4 1983 م.

23 - في ظلال القرآن، سيد قطب، بيروت : دار الشروق، ط 7، 1398 هـ / 1978 م

24 - في النقد الذاتي، ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، خالص جلبـي، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط 3، 1405 هـ / 1985 م.

25 - القيم الجمالية، الدكتورة راوية عباس عمارة، الاسكندرية : دار المعرفة الجامعية، 1987 م.

26 - الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء الكفوي، تحقيق : عدنان درويش ومحمد المصري، دمشق، ط 2، 1982 م.

27 - لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، القاهرة : دار المعارف، بدون تاريخ.

28 - مباديء في نظرية الشعر والجمال، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، حائل : النادي الأدبي بمنطقة حائل، ط 1، 1418 هـ

29 - مخطط الانحدار وإعادة البناء، الدكتور خالص جلبـي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، 1417 هـ.

30 - المدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، نجيب الكيلاني، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط 2، 1408 هـ / 1988 م.

31 - المدينة في الشعر العربي الحديث، الدكتور : مختار أبو غالي، الكويت : عالم المعرفة، 1415 هـ / 1995 م.

32 - المعجم الفلسفي، الدكتور جميل صليبا، بيروت : دار الكتاب اللبناني، ط 1، 1971 م

33 - مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، الدكتور : ميشال عاصي، بيروت : دار العلم للملايين، ط 1، 1974 م.

34 - منهج الفن الإسلامي، محمد قطب، بيروت : دار الشروق، ط 5، 1401 هـ / 1981 م.

35 - ميلاد مجتمع - الجزء الأول شبكة العلاقات الاجتماعية - مالك بن نبـي، ترجمة : عبد الصبور شاهين، طرابلس، دار الإنشاء، ط 2، 1974 م.

36 - النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربيّة، الدكتور عبد الله الغذامي، بيروت : المركز الثقافي العربي، ط 1، 2000 م.

37 - الهوامل والشوامل، أبو حيان التوحيدي، ومسكويه، نشره : أحمد أمين، والسيد صقر، القاهرة : مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،1370 هـ / 1951م

uqu.edu.sa/majalat/shariaramag/mag24/f19.htm
https://www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id=30756موقع المستخذم









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-16, 15:38   رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
hano.jimi
عضو محترف
 
الصورة الرمزية hano.jimi
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

HALIM
..((الفلسفة الجمالية عند سقراط))..
« في: أغسطس 01, 2011, 03:01:44 pm »
** يرى سقراط ان هناك نوعين من الاشياء في الوجود
اولهما: (الصور ) او (المثل العليا) وثانيهما: (الاشياء المحسوسة) في عالمنا الحسي الذي نتعامل به.
والاختلاف بين الاثنين هو:
الاشياء (المحسوسة) قابلة (للتغيير) تتكون وتضمحل اما الصور (المثل العليا) لاتنفى ولاتتغير فهي ازلية وخالدة انها خاضعة لنضام المطلق وتشكل جزء منه.
**ان الشياء المحسوسة تسعى الى الاقتراب من الصور(المثل المطلقة) وكلما اقتربت اصبحت اكثر جمالآ وكلما ابتعدت اصبحت اكثر قبحآ
** اكد سقراط في فلسفته الجمالية على (التفسير الغائي)للاشياء والموجودات ويقوم التفسير بالاعتقاد بأن :لكل شيء غاية بسعى الى بلوغها ولكن هذه الغاية يجب ان تكون موجه نحو الخير والقيم الاخلاقية العليا
وهنى يتبين ان الجمال عند سقراط هو هادف ويؤكد سقراط على القيم التربوية للفن في بناء مجتمع متقدم وان يؤدي الى الخير لا الى اللذة الحسية الزائلة
**يؤكد على ربط الفن بالطبيعة فالفن هو خلق ايجابي لموجودات الطبيعة وهذا الخلق
مرتبط بالطبيعة بفعل التحليل العقلاني للفنان و للموجودات في الطبيعية ففي حديث عن النحات الاغريقي يقول:
ان من الصعب ان تجد انسانآ كاملا من الناحية الجمالية ، فأنت عندما ترسم انسانآ جميلا فأنك تأمن عددمن الناس اجمل ما عندهم وتجمعه في رسمك لتحصل على الانسان الذي تسميه جميلا

اذآ ان (الفنان المبدع) عند سقراط هو ذاك النسان الذي حررنفسه من شوائب المادة الحسية وتوجه نحوعالم المثل

وهذه مواقع اتمنى ان تعجبك
https://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=525292.0

https://alwaei.com/topics/view/articl...=747&issue=466
https://pulpit.alwatanvoice.com/artic.../18/33158.html
https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=199843
https://www.fnonarabia.com/vb/archive...hp/t-1026.html









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-16, 16:40   رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
minna
عضو مجتهـد
 
الصورة الرمزية minna
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

بارك الله فيك ربي يجازيك اختي شكرا
جعلها الله في ميزان حسناتك
ممكن ايضا معلومات عن تسيير الموارد البشرية او حتى مدكرات وشكرا









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-16, 20:04   رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
hano.jimi
عضو محترف
 
الصورة الرمزية hano.jimi
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة minna مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك ربي يجازيك اختي شكرا
جعلها الله في ميزان حسناتك
ممكن ايضا معلومات عن تسيير الموارد البشرية او حتى مدكرات وشكرا
رد: مذكرة تخرج اختصاص ادارة تسيير الموارد البشرية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد استفدت كثيراً من السيد الأستاذ / محمد أحمد اسماعيل - المشرف العام - بشأن الموضوع التالى والذى اطرحه بين ايدى سيادتكم لعل به الإفاده :
مفهوم تسيير الموارد البشرية

المطلب الأول : تعريف تسيير الموارد البشرية

قبل التطرق إلى تعريف تسيير الموارد البشرية نقوم بتعريف :

- التسيير .

- الموارد البشرية .

- تسيير الموارد البشرية .

الفرع الأول : تعريف التسيير

" التسيير هو تدبير شؤون الناس و قيادتهم و توجيههم و تنظيمهم بغية تمكينهم من تنفيذ الخطط الموضوعية لهم بهدف المحافظة على كيانهم و .1استمرار وجودهم "

التسيير هو عملية تنفيذ الأنشطة مع الأفراد ، و تسيير هذه العملية إلى أنشطة التخطيط و التنظيم و القيادة و التقييم التي يجب القيام بها لتحقيق الأهداف .

إن أي تعريف للتسيير يجب أن يتضمن ثلاثة عوامل مشتركة و هي الأهداف ، الأفراد و الموارد المتاحة المحدودة ، و بالرجوع إلى تعريفنا للتسيير فالأهداف هي الأنشطة المنفذة ، و الموارد المحدودة متضمنة في كلمة كفاءة ، و الأفراد هم الأشخاص أو الموظفون .2

الفرع الثاني : تعريف الموارد البشرية

" إن الموارد البشرية هي المحور الأساسي الذي تدور .3حوله التنمية في كل المستويات و الوسيلة المحركة التي تحقق أهدافها "

تعتبر الموارد البشرية موردا و استثمارا بالنسبة إلى المنظمة ، و لكي تستطيع استخدام و استغلال و تنمية هذا الاستثمار فعليها تسييره ، بمعنى أنه يتطلب تخطيط و تنظيم و توجيه و تقييم مثلما يتطلب ذلك استخدام العوامل المادية للإنتاج .

إن الموارد البشرية كما سبق القول يجب تخطيطها و تنظيمها و تقييمها ، بمعنى أنه يجب تسييرها .4





و قد تعني الموارد البشرية جميع سكان الدولة المدنيين منهم و العسكريين ، و يدخل في حكم ذلك الذين يعملون لقاء اجر و المرأة غير العاملة و المحالون على المعاش و ذوي العاهات و المتعطلون ( القادرون و الراغبون و المستعدون للعمل ) لكن لا يجدون عملا ، و الأطفال و جميع من تضمهم .1مراحل التعليم المختلفة

الأفراد المختلفون :

بمعنى أنه إذا توجهنا للعمل و نظرنا إلى الناس لوجدناهم مختلفون في الظاهر و الباطن ، الظاهر يشير إلى أننا مختلفون في ملامحنا و أعمالنا و خبراتنا و تعليمنا و جنسنا ، و الباطن يشير إلى أننا مختلفون في قدراتنا العقلية و طريقة فهمنا و إدراكنا للأمور و في طريقة تعلمنا و اكتسابنا للقدرات و المهارات ، و في مشاعرنا و حتى في اتجاهاتنا النفسية و تفضيل الأشياء ، فهذه الاختلافات كلها توضح كيف أن سلوكنا مختلف عن بعضنا البعض ، و يختلف الناس أيضا في صفاتهم و تكويناتهم الشخصية و مزاجهم ، حتى في الاهتمامات و الميول المهنية نلمس الفروقات كذلك ، و في تفضيلهم للعمل ، كما نجد أيضا اختلاف في الدوافع فالبعض مدفوع ماليا و البعض الآخر اجتماعيا ، و الآخر نحو الشعور بالتقدير و تحقيق الذات ، و كذلك يمكن القول أن مهارات الاتصال الحديث ، المناقشة ، التفاوض ، الإقناع و الابتكار و التأثير في الآخرين تختلف جميعا من شخص لآخر .

الوظائف المختلفة :

تختلف الوظائف من حيث طبيعة النشاط ( إدارية ، مالية ، تسويقية ،... ) ، و تختلف أيضا من حيث النوعية ، الحجم و عظم المسؤولية الملقاة على عاتقها ، و كذلك من حيث المواصفات المطلوبة لأدائها : التعليم ، الخبرة ، المهارة ، التدريب ، ... الخ ، و تختلف أيضا ظروف أدائها من حيث ظروف العمل المادية ، من إضاءة و حرارة و رطوبة و غيرها .

فمنها من يناسب أشخاصا معينين و منها من يناسب أشخاص آخرين و بالتالي يتطلب الأمر تحليل الوظائف قبل شغلها بالإفراد .


و تعددت التعاريف المقدمة في الموارد البشرية ، و نذكر منها :

" هي دراسة السياسات المتعلقة بالاختيار و التعيين و التدريب و معاملة الأفراد في الأفراد في جميع المستويات و العمل على تنظيم القوى العاملة في المؤسسة ، و زيادة ثقتها في عدالة الإدارة و خلق روح تعاونية بينها للوصول بالمؤسسة إلى أعلى طاقاتها .1الإنتاجية "

" هي الإدارة المتخصصة بكل الأمور المرتبطة بالعنصر البشري في المنظمات ، من البحث عن مصادر القوى البشرية و اختيارها ، تصنيفها و تدريبها ، و تهيئة المناخ الإنساني الملائم الذي من شانه أن يدفع إلى .2بذل أقصى طاقاتهم داخل المنظمات "

" وظيفتها تتمثل في اختيار العاملين ذوي الكفاءات المناسبة و تسيير جهودهم و توجه طاقاتهم و تنمي مهاراتهم و تحفز هؤلاء العاملين و تقييم أعمالهم و تبحث مشاكلهم و تقوي علاقات التعاون بينهم زو بين زملائهم و رؤسائهم و بذلك تساهم في تحقيق الهدف الكلي للمنظمة من حيث زيادة الإنتاجية و بلوغ النمط المطلوب للأعمال و الأفراد " .3

تعنى الموارد البشرية اليوم بجانب كبير من الأهمية نظرا لقربها من جميع أوجه النشاط الإنساني ، فالإدارة تعمل على تحديد و تحقيق الأهداف و بالتالي تقوم بالتجميع الفعال لمهارات و كفاءات الأفراد ، مع استخدام كافة الموارد المادية ، فهي تطبق على الجماعة و ليس على الفرد .

أولا: خطوات في تزويد المنظمة بالموارد البشرية

- يتبع المسيرون أربع خطوات متتالية من أجل تزويد المنظمة بالموارد البشرية لتعبئة الوظائف الشاغرة, وهذه الخطوات :

1) الاستقطاب . 2) الاختيار 3) التكوين . 4) تقييم الأداء .




1. الاستقطاب : هو عملية اكتشاف مرشحين محتملين للوظائف الشاغرة الحالية أو المتوقعة

في المنظمة .

2. الاختيار : هو عملية تتكون من سلسلة من الخطوات المرتبة ترتيبا منطقيا لتنتهي بتعين أفضل المرشحين للمناصب الشاغرة .

3. التكوين : هو عملية تعلم سلسلة من السلوك المبرمج والمحدد مسبقا .

4. تقييم الأداء : تقييم .1الأداء هو قياس أداء الفرد لوظيفة في المنظمة

الفرع الثالث : تعريف تسيير الموارد البشرية

" إن تسيير الموارد البشرية هو التسيير الذي يقوم بشؤون الاستخدام الأمثل للموارد لبشرية على .2جميع المستويات بالمنظمة , قصد تحقيق أهداف هذه الأخيرة "

إن بقاء أي منظمة يتطلب وجود مسيرين وأفراد متمكنين يقومون بتنسيق جهودهم وتوجيهها لتحقيق غاية عليا مشتركة .

- إن الحصول على الموارد البشرية وتنميتها وتحفيزها وصيانتها يعتبر ضروري لإنجاز أهداف المنظمة.

الفرع الرابع : وظيفة تسيير الموارد البشرية

إن تسيير الموارد البشرية يجب النظر إليها وظيفة تتكون من أربعة مهام رئيسية :

• توظيف الأفراد : و تبدأ بتخطيط القوى العاملة و يتضمن التوظيف أيضا أنشطة الاستقطاب و الاختيار و التوجيه للأفراد .

• تنمية الأفراد : يمكن النظر إليها من بعدين :

- بعد يتعلق بالفرد الذي يخص بالتكوين .

- بعد يتعلق بالمسير الذي يختص بالتعليم .

• تحفيز الأفراد : و ذلك من خلال أنظمة الأجور و الحوافز .

• المحافظة على الأفراد : تهتم هذه الوظيفة بتوفير مزايا و خدمات و ظروف عمل ، يرى الأفراد أنها ضرورة للمحافظة على التزاماتهم .3تجاه المنظمة



أن استخدام مدخل الوظيفة يقدم هيكل ممتازا يسمح بتفهم الأنشطة المختلفة التي يقوم عليها تسيير الموارد البشرية
https://www.hrdiscussion.com/hr19386.html








رد مع اقتباس
قديم 2011-09-16, 20:07   رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
hano.jimi
عضو محترف
 
الصورة الرمزية hano.jimi
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

مذكرات في تسيير الموارد البشرية

تسيير الموارد البشرية
https://www.4shared.com/file/gz4JzZZ1/___.html

إدارة الموارد البشرية
https://www.4shared.com/document/e5lj2cvT/___online.html


إدارة الأفراد الوظيفة الأولى الحصول على الموارد البشرية
https://www.4shared.com/document/vXujcxrW/_______.html

تسيير الموارد البشرية وفق معايير الإيزو وإدارة الجودة الشاملة
https://www.4shared.com/file/Lx7QEKLg/________.html
الموقع الذي استخذمته

https://grh-management.blogspot.com/2...essources.html









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-16, 20:11   رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
hano.jimi
عضو محترف
 
الصورة الرمزية hano.jimi
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=585774

https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=78699 مواقع اخرى


https://elmajd.maktoobblog.com/

مذكرة-تسيير-الموارد-البشرية-كعنصر-أساسي-لرفع-الروح-المعنوية
https://www.bahr-D9%84%D%1%D9%81%Dans...read.php/1083-


https://univ-sba.7olm.org/t4262-topic









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-18, 16:03   رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
zatar
عضو مشارك
 
إحصائية العضو










افتراضي

اريد مراجع في علم النفس و خاصة في موضوعي تصميم الذات و في موضوع صعوبات التعلم عند الأطفال









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-21, 10:03   رقم المشاركة : 24
معلومات العضو
lamiaken
عضو جديد
 
إحصائية العضو










افتراضي بحاجة ماسة الى هذه المراجع

بسم الله الرحمن الرحيم
ارجو منكم هذه المراجع لانني بصدد التحضير للمشاركة في مسابقة الدخول للماجستير في اللسانيات، بعد 15 يوم فقط
ندوة تقدم اللسانيات في الاقطار العربية- قضايا في علم اللسانيات الحديثة لمازن الوعر- المناهج اللسانية و تحليل الخطاب- النظريات اللسانية و تطبيقها على اللغة العربية ..
اشكركم جزيل الشكر مسبقا و جزاكم الله بخير من اعمالكم و رحم موتاكم و ثبتهم على السؤال .
و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-21, 11:49   رقم المشاركة : 25
معلومات العضو
beno2
عضو مشارك
 
الصورة الرمزية beno2
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

طلب عاجل لمحاظرات مادة التنمية و السكان لكل طلبة علوم الاجتماع اارجاء المساعدة في القريب العاجل
البريد :abeille.swat/ arobaze/hotmail.com
شكرا للمساعدة
رحم الله موتانا و جعل مساعدتك للاعضاء في ميزان حسنات فقيدك









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-21, 22:38   رقم المشاركة : 26
معلومات العضو
ماستر
عضو جديد
 
إحصائية العضو










B11 طلب مراجع

اختي الكريمة جازاك الله خيرا هل بامكانك توفير بعض المراجع التي تتحدث عن الفن القصصي الجزائري و كذلك بعض المذكرات التي تخدم نفس الموضوع ؟ انا بحاجة ماسة لها و شكرا.









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-21, 23:24   رقم المشاركة : 27
معلومات العضو
ماستر
عضو جديد
 
إحصائية العضو










B11

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة hano.jimi مشاهدة المشاركة
لكل من يبحث عن مرجع ساساعده في جمع مراجع من خلال الانترنت لتكون صدقة جارية لشخص عزيز لدي متوفي رحمه الله

جازاك الله خيرا اريد مراجع عن الفن القصصي الجزائري و مذكرات في هذا الموضوع عاجلا








رد مع اقتباس
قديم 2011-09-24, 21:28   رقم المشاركة : 28
معلومات العضو
سامي86
عضو مميّز
 
إحصائية العضو










افتراضي

جزاك الله خيرا وبركة اريد مراجع في تخصص نظرية الادب والمناهج النقدية والادب والانواع الادبية عاجل لم يبقى على مسابقة الماجستار عدة ايام وشكراااااااا









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-25, 10:52   رقم المشاركة : 29
معلومات العضو
hano.jimi
عضو محترف
 
الصورة الرمزية hano.jimi
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

انا اتأسف من الجميع لان جهاز الحاسوب كان متعطل اليوم صنعته ساعمل قصارى جهدي لاساعدكم ولتكون صدقة جارية للمرحوم ربي يرحمه









رد مع اقتباس
قديم 2011-09-25, 11:07   رقم المشاركة : 30
معلومات العضو
hano.jimi
عضو محترف
 
الصورة الرمزية hano.jimi
 

 

 
إحصائية العضو










افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة lamiaken مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
ارجو منكم هذه المراجع لانني بصدد التحضير للمشاركة في مسابقة الدخول للماجستير في اللسانيات، بعد 15 يوم فقط
ندوة تقدم اللسانيات في الاقطار العربية- قضايا في علم اللسانيات الحديثة لمازن الوعر- المناهج اللسانية و تحليل الخطاب- النظريات اللسانية و تطبيقها على اللغة العربية ..
اشكركم جزيل الشكر مسبقا و جزاكم الله بخير من اعمالكم و رحم موتاكم و ثبتهم على السؤال .
و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
الف مبروك امنى لك التوفيق
ص1 الفهرس 91-100
ملاحظات أولى عن تطور البحث اللساني بالمغرب

ص1 الفهرس 91-100 ‏عبد القادر الفاسي الفهري
من السنن الحميدة في سوسيولوجيا المعرفة ونقدها والتأريخ لها أن يقف العلماء وقفة تأملية ورَجْعية للنظر فيما أنجزوه (وما لم ينجزوه)، كما وكيفا، خلال مدة معينة من الزمن، ويرصدوا عناصر التقدم أو التباطؤ في إنجاز ما هو مرتقب أو مطلوب. والهدف هو تشكيل الذاكرة، وتحويلها إلى ذاكرة حية في المجال وتوجهاته، وخلق شروط التراكم التي بدونها لا تثبت معرفة، ولا يقع تجاوز، ولا تتجدد أبحاث. وأذكر أن جمعية اللسانيات بالمغرب خصصت أيامها الوطنية الثامنة والتاسعة في يونيو 2005 ويونيو 2006 لموضوعين ملامسين: الأول هو "تحديث العلوم اللسانية بالمغرب الحصيلة والآفاق"، والثاني هو "عشرون سنة من البحث اللساني المقارن". وقد قدمت عروض مفيدة في هاتين المناسبتين، إلا أنها لم تجد بعد طريقها إلى النشر. ولو خرجت لمكنتنا من التقدم خطوة جديدة على سبيل التراكم. وأذكر في سياق ذي صلة أن كلية الآداب بالرباط في إطار الاحتفاء بخمسينيتها طلبت مني في السنة الماضية أن أقوم بتقييم ما أنجز في المجال. إلا أن وجودي خارج الوطن لم يسمح بذلك.
ولعل الذي يسهل عملية التأريخ لفترة المهد اللساني بالمغرب، ففترة الانتشار والتوسع، أن المدة التاريخية قصيرة، قد لا تصل إلى أربعين عاما، بل أقل من ذلك، إن نحن قصرنا الكلام على العلم اللساني الحديث. ولأننا عايشناها، بل شكَّلناها، وجل الفاعلين ما زالوا على قيد الحياة. وبغية الرصد، أبدأ ببعض التواريخ، تواريخ ذات دلالة.
1. تواريخ في أقل من أربعة عقود
في سنة 1967، كنت طالبا في شهادة فقه اللغة بكلية الآداب بفاس. كان الأستاذ محمد بنتاويت (التطواني) رحمه الله يدرس مادة فقه اللغة المقارن، فيها بعض أوصاف الفارسية والتركية والعربية، والأستاذ تقي الدين الهلالي رحمه الله يدرس العبرية، مع بعض المقارنة بالعربية، والأستاذ أحمد الأخضر يدرس الأصواتياتphonétique ، يسميها "الإصاتة". لكننا معشر الطلبة في ذلك الوقت لم يكن لنا اتصال باللسانيات العامة، ولم يكن كثير منا قد سمع بـ De Saussure. في نفس السنة، عثرت مصادفة على كتاب دي سوسير في مكتبة بفاس، وقرأته، ولكنني وجدته صعبا.
في سنة 1976، نظمنا أول لقاء لساني سيميائي وطني بكلية الآداب بالرباط، نظمه الفاسي وكليطو ومنيار والمتوكل وكولان، بإيعاز من الفاسي، مثل الانطلاق الفعلي للبحوث اللسانية السيميائية بالمغرب، وشاركت فيه جماعة من أجود الأطر في فاس والرباط.
في ربيع 1981، نظمت أول حلقة تناظرية حول أصول المعرفة في العلوم الإنسانية، شارك فيها أربعة أسماء هي: العروي، وكليطو، والفاسي، والجابري، بتنظيم من الفاسي. وفي سنة 1981 كذلك، نظمت ندوة دولية واسعة للبحث اللساني والسيميائي بكلية الآداب بالرباط.
في سنة 1986، تأسست جمعية اللسانيات بالمغرب. ونظمت في السنة الموالية 1987 أول ندوة دولية كبرى شارك فيها ما يقرب من 60 متدخلا. وفي نفس السنة 1987، طلبت مني اليونسكو تنظيم أول ندوة عربية حول"تقدم اللسانيات في الأقطار العربية"، نشرت وقائعها دار الغرب الإسلامي ببيروت. وهو اعتراف دولي أول بمكانة المغاربة في تشكيل المجال اللساني في العالم العربي.
في سنة 1997، انتخب المغرب في شخص الفاسي رئيسا للجمعية الدولية للسانيات التوليدية GLOW، ونظمت ندوة GLOW لأول (وآخر) مرة خارج أوروبا. وهو اعتراف آخر بما ساهم به المغاربة في تبييء اللسانيات التوليدية في العالم في سنة 2006، اختير أحد المغاربة لنيل أول جائزة للملك فيصل تخصص للغة العربية في اللسانيات الحديثة. وفي نفس السنة، اختير المغرب في شخص الفاسي لتنظيم مؤتمر DIGS للسانيات التوليدية التطورية سنة 2010، وقد غيرت الجمعية نظامها الأساسي ليسمح للمغرب بتنظيم هذا اللقاء.
فهذه بعض التواريخ التي تترجم إنجازات، ولها دلالات في تاريخ البحث اللساني المغربي، واللسانيات التوليدية على وجه الخصوص. وأذكر مما تحقق للمغاربة في المجال أن في الندوة الدولية للسانيات السامية الحامية بسوفيا أنتيبوليس بنيس سنة 1996، كان أكبر عدد من المشاركين مغاربة، ومثلوا حوالي نصف المشاركين في الندوة. وهذا أيضا إنجاز ليس باليسير.
2. التكوين
على مستوى التكوين في اللسانيات، ومأسسة الدرس اللساني في الجامعة، أذكر بعض التواريخ والمعلومات كذلك. حتى سنة 1970، لم يكن هناك أي درس في اللسانيات الحديثة في القسم العربي. أعرف أن دروسا أولى للسانيات كانت تلقى في أقسام الفرنسية والإنجليزية بضع سنين قبل هذا التاريخ، تناولت اللسانيات الوظيفية عند Martinet بالخصوص، وعناصر التحليل الدلالي عند كريماس Greimas، وبعض سيميائيات بارتBarthes ، وكذلك بعض لسانيات فيرتFirth وHalliday في القسم الإنجليزي. إلا أن هذه البدايات كانت غير معممة وخجولة. اللسانيات التوليدية بدأت أولا في القسم العربي في كلية الآداب بفاس في سنة 1972، وعممت على الأسلاك الثلاثة في عام 1974. وأذكر أن اللسانيات التوليدية لم تدخل إلا هامشا سنة 1976 في القسم الفرنسي على يد ميشل كولان. فالقسم الفرنسي وحتى القسم الإنجليزي ظلا محكومين بلسانيات "التمفصل المزدوج" double articulation، ويذكر بعض الزملاء أننا قرنا المصطلح بالنكت والسخرية. لقد كان الأساتذة الفرنسيون في فاس آنذاك أكثر ليبرالية من الفرنسيين في الرباط، فيما يخص المرجعيات، التي لم يحصروها في المراجع الفرنسية، ولكن غالبهم كان مبدعا في الآداب أو السيمياء الأدبية، وكان القسم الفرنسي يعاني من فقر في الأطر اللسانية، ومثل ذلك مناسبة للبحث عن أطر مغربية لسد الفراغ، فوظفنا أطرا ابتداء من 1976-1977.
ابتداء من سنة 1980، شرعنا لأول مرة في إحداث تخصص في اللسانيات في القسم العربي بالرباط في السلك الثاني. وقد عمم هذا الاختيار على الشعب الأخرى فيما بعد.
في سنة 1982، تم إحداث تكوين المكونين في اللسانيات العربية.
في سنة 1997، تم إحداث وحدة التكوين والبحث في اللسانيات المقارنة العربية، في مستوى الدكتوراه والدراسات المعمقة. ومعلوم أننا طالبنا في عدة مناسبات، ابتداء من 1980، بإحداث شعبة أو معهد للسانيات، ولقي هذا المطلب استجابة في رئاسة الجامعة، لكن الصراعات الجانبية حالت دون تحقيقه.
3. الأنشطة العلمية والنشر
على المستوى التنظيمي، لجأنا إلى تنظيم معاهد لسانية صيفية دولية ابتداء من 1979، تم تمويلها من طرف مؤسسات دولية لصالح المغاربة والعرب. ونظمنا ندوات وطنية ودولية ابتداء من سنة 1987 بالجمعية، وكذلك معاهد على هامش الندوات أيضا.
وعلى مستوى النشر، تم إحداث سلسلة المعرفة اللسانية بدار توبقال سنة 1985 لنشر ثقافة لسانية حديثة باللغة العربية، وتم تأسيس عدد من المجلات اللسانية، أذكر منها مجلة أبحاث لسانية التي أسسناها بمعهد التعريب سنة 1995، و لغات و لسانيات التي أسسنها الآستاذ موحى الناجي بفاس.
4. الرسائل الجامعية ومشاريع البحث
نوقش عدد كبير من الرسائل الجامعية المختصة في معالجة القضايا اللغوية، وتم توظيف عدد كبير من حاملي هذه الشهادات، مما جعل الجامعة المغربية تتوفر على كتلة متميزة من الأطر في المجال. ولاستكمال الخبرة، تم تشجيع عدد من الطلبة لولوج الجامعات العربية والغربية. إلى جانب هذا، أحدثت الدولة تمويلا لعدد من مشاريع البحث اللساني على المستوى الوطني في إطار PARS أو PROTARS.
5. تبييء اللسانيات بالمغرب
هذه معطيات أولى إذن عن تشكل المجال في المغرب، وتشكل أطره. وأول ملاحظة يمكن الإشارة إليها هو أن اللسانيات الحديثة توطنت في المغرب بشكل مقبول، إن لم يكن جيدا، مقارنة مع ما حدث في الدول العربية. ففي جل هذه الدول، لا تدرس اللسانيات إلا هامشا، وليس هناك تخصصات في اللسانيات في السلكين الثاني والثالث كما في المغرب. ثم إن اللسانيات لم تتبيأ باللغة العربية وفي القسم العربي إلا هامشا. وقد ظلت اللسانيات التوليدية والمرجعيات الأنجلوساكسونية هامشا في بلدان المغرب العربي، التي تطغى فيها اللسانيات الوظيفية الفرنسية إلى الآن.
على مستوى المنهج، اتخذ المغاربة عموما قرارات ساعدت على تقدم اللسانيات. أول هذه القرارات ضرورة التمييز بين اللسانيات و"فقه اللغة". فقه اللغة عموما هو دراسة النصوص، خاصة القديمة، أو ما يسميه البعض بإعادة قراءة التراث اللغوي النحوي. فقه اللغة أو التأريخ للفكر اللغوي العربي يجب العناية به في استقلال عن المقاربة اللسانية الحديثة للظواهر اللغوية، قديمها وحديثها. هذا المبدأ سمي بلسانيات الظواهر. صراع لسانيات التراث اللغوي التي مثلتها رسالة الأستاذ أحمد المتوكل سنة 1980 ولسانيات الظواهر التي مثلتها رسالة الفاسي سنة 1981 آل إلى انتقال الأستاذ أحمد المتوكل نفسه إلى العناية بوصف الظاهرة اللغوية في لسانياته الوظيفية الديكية (نسبة إلى Dik). مزج تحاليل التراث اللغوي العربي باللسانيات الحديثة كان موضوع رسائل عديدة بالولايات المتحدة، أذكر منها رسالة بريم (1970)Brame عن الصواتة العربية، ورسالة ميلين (1973)Maling عن العروض العربي. من رواد فقه اللغة بالمعنى الذي ذكرت الأستاذ محمد بوطالب رحمه الله (في القسم الإنجليزي)، والأستاذ أحمد العلوي (في القسم العربي).
على مستوى المرجعيات، تميز المغاربة بعدم حصرهم للمراجع فيما هو فرنسي، وهو خطوة تفرد بها أولا القسم العربي. وقد لاقى هذا القرار صدى في الأقسام الأخرى فيما بعد. ولابد أن أذكر في المرجعيات أن المغاربة قَصَّروا عموما في الاستفادة من تراكمات العلماء الألمان، على الخصوص فيما يخص الدراسات السامية المقارنة. وهم مازالوا مقصرين في الاستفادة من إنجازات الدلاليين الألمان في الدلالة الصورية، حتى عندما انتشرت هذه الدراسات باللغة الإنجليزية.
على مستوى المصطلح اللساني، أوجد المغاربة اصطلاحا لسانيا جديدا ودقيقا، يخرج عن مصطلحات القدماء، وإن كانت النزعة في البداية (وعند بعض الزملاء الجزائريين حتى الآن) هو الخلط بين المصطلح العربي (القديم) والمصطلح الدخيل الجديد. لقد تميز المصطلح المتعدد عند المغاربة بالدقة والنسقية، وكذلك بكونه خرج ثلاثيا في غالب الأحيان (انجليزي-فرنسي-عربي)، خلافا لما حصل في جل الدول العربية، إذ المصطلح فيها ثنائي فقط، إما إنجليزي-عربي، أو فرنسي-عربي. الاصطلاح أُهِّلَ في القسم العربي وباللغة العربية، وهذا إنجاز كبير بالنسبة للغة العربية.
6. بعض "الرجائع"
تميز تاريخ تبييء اللسانيات بالمغرب وباللغة العربية على الخصوص بمد وجزر، بحيث لم يكن التقدم خطيا ولا مستويا. وإذا كانت حصيلة المسار إيجابية مقارنة مع عدد من الدول العربية، والإفريقية كذلك، فإن وضع اللسانيات بالمغرب مازال لم يستقر بعد، ومازالت المعركة دائمة، ومازلنا نحتاج إلى إعادة تأهيل المجال وأصحابه باستمرار في مستويات متعددة. وأدلي هنا ببعض الملاحظات جملة، وقد تراكمت في مناسبات متعددة خلال سنوات الممارسة (انظر المراجع المذكورة).
أول هذه الملاحظات أننا لم نغط اختصاصات المجال بصفة كافية. فإذا كانت الدراسات التركيبية والصواتية والمعجمية قد أفرزت مواكبة لا بأس بها، فإن فروعا أخرى ظلت مقصرة. أذكر من هذه الفروع الدلالة الصورية واللسانيات النفسية ولسانيات المتون واللسانيات المقارنة واللسانيات التاريخية، على الخصوص. لقد اتضح أننا لم نصف اللغة العربية بمعطيات جديدة بما يكفي، ولم نستعمل تقنيات المتون لفرز أمثلة وشواهد جديدة، وتراكيب جديدة، ومعان جديدة، ولم نستفد من ذلك في تجديد صناعة المعاجم، الخ. ثم إننا نحتاج إلى متون مربوطة بحقبة تاريخية محددة لفصل السانكرونية عن الدياكرونية، الخ. ولم تحظ الدراسات المقارنة بين العاميات والفصحى من جهة، وبين اللغة العربية واللغات الأخرى من جهة أخرى، بما يكفي من العناية. فطالب اللغة العربية يكاد يجهل كل شيء عن علاقة الفصيحة بالعاميات تاريخا وحاضرا.
ثاني الملاحظات أن الأوصاف التي نقدمها غير كافية في كثير من الأحيان، مقارنة مع ما يحدث في لغات أخرى. حاول أن تجد وصفا للتنكير في العربية، أو للتأنيث، أو للجمع، أو لاسم التفضيل، أو للزمن والجهة، أو لطبقة من الأفعال، أو للمصادر، الخ، فإن ما يطالعك هو أن الأوصاف غير واضحة، ولا تنبني على مادة كافية، الخ. ثم إنك تجد تكرارا لكلام القدماء، أو لكلام بعض المحدثين، دون أن يتساءل الباحث أين الوصف الجديد، وأين المعطيات الجديدة، الخ. حتى الوصفيون الجدد، مثل الأستاذ تمام حسان، نجده يكرر أمثلة القدماء وشواهد القرآن الخ، لا يخرج عنها.
وثالث الملاحظات هو ضعف التمثل النظري وضعف بناء الاستدلال المؤدي إلى إقامة النتائج. فما زلنا نخلط بين ترداد ما يقوله غيرنا وبين الكلام النظري، ولا نقيم الدليل على ما ندعيه، ولا نبني المعرفة بالتدرج، وبطريقة استنتاجية.
رابع هذه الملاحظات هو التسطيح المرجعي. نجد إحالات على مراجع كثيرة تذهب أحيانا مذاهب مختلفة، دون أن يكون لهذه المراجع علاقة موثوقة مع ما يريد أن يستدل عليه الباحث. وهناك إكثار للمراجع الغربية على الخصوص دون هضم، وعدم تدبر النتائج المترتبة عن الإحالات.
خامس هذه الملاحظات هو التكرار والاستنساخ، حتى لا نتحدث عن الانتحال. الأبحاث تكرر بعضها بعضا، مادة ومواضيع ونتائج، وليس هناك ما يكفي من النشاط التحليلي أو التركيبي فيها، أو فتح باب للتراكم أو للاعتراف، الخ. انظر كم من أبحاث أنجزت حول الزمن في اللغة العربية، أو حول الحدود، أو الضمائر، الخ، ومالجديد الذي جاءت به؟
وأخيرا، وليس آخرا، هناك شبه غياب للمتابعة والنقد الموضوعيين. تصدر كتب كثيرة فلا يتابعها أحد. وإذا تابع، فإنه يجامل أكثر مما ينتقد. لنقارن بين متابعة كتاب اللسانيات واللغة العربية الصادر بالعربية وكتاب Issues الصادر بالإنجليزية. ادخلوا على أنترنيت وقارنوا. لا مجال للمقارنة النوعية! فهذا يطرح إشكالات متعددة على من يكتب بالعربية!.
إن وقفة مثل هذه التي نقفها اليوم من شأنها أن تحثنا على أن نرصد التراكمات في مختلف المواضيع والأبواب، وأن نتجاوز حاجز الاعتراف، وأن ندفع بالبحث إلى مسارات جديدة، حتى نتلافى البرهنة على ما سبق وأن أثبته غيرنا، أو نكتشف ما توصل إليه غيرنا من نتائج، أو نضعف أمام ما يرد من أفكار وتقنيات أبدعها الغير.
7. تقويمات مرتقبة
إن الرسائل التي نوقشت في مجال اللسانيات تمثل رصيدا بحثيا ووثائقيا لابد أن تقوم الإرادة من أجل تجميعه وتقييمه في قاعدة وثائقية على صعيد كل جامعة، ثم على الصعيد الوطني، من أجل خلق الشروط الموضوعية للدفع بالبحوث إلى الأمام.
إن إقامة قواعد للمتون العربية أصبح يفرض نفسه كأداة أساسية للبحث والتوثيق في المواد اللغوية، ورصد تطور اللغة، الخ.
إن تأهيل التكوين في اللسانيات بحاجة إلى مراجعة دائمة، حتى يواكب التطورات الحديثة. إن الدلالة الصورية واللسانيات النفسية والمعرفية عادت مواد ضرورية في التكوين اللساني الفاعل.
إن التفاعل مع العلماء الغربيين بالخصوص، والعرب كذلك، عاد أساسيا لإفراز التقدم المرجو. لذلك وجب أن نعمل على تكثيف بعث طلبتنا وأساتذتنا إلى الخارج من أجل استكمال الخبرة، وكذلك استقدام الأساتذة الغربيين، على الخصوص، من أجل دعم التكوين المحلي. وينبغي أن لا ننسى أن إنجازات كثيرة في اللسانيات حققها المغاربة في بيئات أخرى غير المغرب، بل قد أقول إن الاحتفاء بإنجازاتهم تم خارج المغرب أكثر مما تم داخله. إن التبييء الخارجي وبالخارجي أمر لا مفر منه للمواكبة.
إن نشر اللسانيات باللغة العربية ينبغي أن لا يكون على حساب المواكبة والمتابعة، والنقد الموضوعي، وهي كلها آليات أساسية لتقدم البحث.
إن المعارف وأدواتها المنهجية والنظرية والفلسفية عادت متكاملة اليوم أكثر من أي وقت مضى، وتكامل المعارف وتداخلها مازال ينقصنا، رغم مجهودات فردية للتجسير المعرفي.
إننا بحاجة إلى مداخل فعلية في المستوى المطلوب، تطبق اللسانيات على اللغة العربية بصفة مقنعة، وليس إلى تأليف "مدرسي" يكرر كلاما غربيا بصيغ غامضة غير مفهومة.
وأخيرا، أذكر أن اللسانيات في عقودها الأولى خلقت فرصا كثيرة للتشغيل بالجامعة وخارجها، لما حملته من حركية وتطلع إلى تحليلية جديدة وإلى تطبيقات جديدة، علاوة على التنظير. وواكب اللسانيات في بدايتها إقبال كبير على هذه المادة. جماهير بالمئات، بل بالآلاف أحيانا، كانت تحضر المحاضرات في المدرجات، وتواكب أعمال الندوات. فهل من إمكان لإعادة الحماس، وتنمية فرص شغل اللسانيين؟
إن عصر اللسانيات لم يول بعد في الغرب، بل مازال الإقبال على هذه المادة في كثير من المراكز الجامعية ومراكز الأبحاث ضعيفا. فلنا أن نتدبر كيف نعيد النفس إلى برامجنا ومشاريعنا، والحماس إلى باحثينا وطلبتنا في المجال.

بعض المراجع:
- البحث اللساني والسيميائي 1981، كلية الآداب الرباط .
العروي، ع.، كليطو، ع، الفاسي، ع، والجابري، م.ع. 1981، المنهجية في الآداب والعلوم الإنسانية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.
- الفاسي الفهري عبد القادر 1984، ملاحظات حول الكتابة اللسانية، تكامل المعرفة، ص.9-25.
- الفاسي الفهري عبد القادر 1986، عن أساسيات الخطاب العلمي والخطاب اللساني، المنهجية في الآداب والعلوم الإنسانية، ص. 43-63.
- الفاسي الفهري، ع. والسغروشني، إ. 1984، تكامل المعرفة في اللسانيات، مجلة تكامل المعرفة، الرباط: جمعية الفلسفة بالمغرب.
- الفاسي الفهري، عبد القادر 1985، اللسانيات واللغة العربية، نماذج تركيبية ودلالية، الدار البيضاء. دار توبقال للنشر.
- الفاسي الفهري، عبد القادر 1987، تحت إشراف، تقدم اللسانيات في الأقطار العربية، بيروت: دار الغرب الإسلامي-
لسانيات وسيميائيات 1976، منشورات كلية الآداب بالرباط.
- Brame, M. 1970. Arabic Phonology. Cambridge, Mass: MIT PhD.
- Fassi Fehri, A. 1981. Complémentation et anaphore en arabe moderne. Une approche lexicale fonctionnelle. Thèse de Doctorat d’Etat. Paris-Sorbonne.
- Fassi Fehri, A. 1987. Proceedings of the First International Conference of the Linguistic Socety of Morocco. Rabat: Okad Publishers.
- Fassi Fehri, A 1993. Issues in the Structure of Arabic Clauses and Words. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers.
- Fassi Fehri, A. 1996 ed. Linguistique comparée et langues au Maroc. Rabat: Publications de la Faculté des Lettres.
Maling, J. 1973. The theory of classical Arabic metrics. Cambridge, Mass: MIT PhD.
- McCarthy, J. (1979). Formal Problems in Semitic Phonology and Morphology. Cambridge, Mass: MIT PhD.
Moutaouakil, A. 1982. Théorie de la signification dans la pensée linguistique arabe. Rabat: Publications de la Faculté des Lettres.
الموقع https://www.aljabriabed.net/n96_03fasi.htm


محمد صغير نبيل
عضو جديد


تاريخ التسجيل
May 2010
المشاركات
4
معدل تقييم المستوى
0
اللسانيات الحديثة و النحو العربي : بين المعيارية والوصفية.
محمد الصغير نبيل

اللسانيات الحديثةو النحو العربي:بين المعيارية والوصفية.
مقدمة:
في مولج الحديث أريد أن أبيٌن بأنٌ هذه المحاولة لا تعد دراسة من أجل إثبات حقيقة علمية أو نفيها, وإنما من أجل إثارة نقاش لا بد منه، وتوضيح بعض الأمور الضرورية في مجال البحث اللساني قديما كان أم حديثا , خصوصا في ظل الاستفهامات والتساؤلات التي تحوم حول علاقة الموضوعين- اللسانيات الحديثة والنحو العربي- ببعضهما البعض.
كما أنٌني أريد أن أُصرح بأنٌ محاولتي لإثارة هذا النقاش لم تولد من عدم, فقد تلاعبت في ذهني عدٌة أفكار أثناء قراءتي لمؤلفات بعض النٌحويين و اللٌسانيين ،تبيّن لي منها أنٌ البعض منهم يلمح إلى ضرورة إزالة النحو ,ومنهم من يصرح بذلك علانية ,و آخرين ذهبوا إلى أنٌ النحو قد مات منذ زمن وما على اللٌغويين اليوم سوى إعادة إحيائه,أو استبداله بنظريات لغوية أجنبية, مما جعل بعض النٌحويين يصوب أصابع الاتٌهام إلى اللٌسانيات الحديثة التي تقاسمت نفس الموضوع و النحو، ألا وهو اللغة و اختلفت معه في كيفية دراسته, فهل لهذه الأقوال من أدلٌة شافية كافية تدين اللسانيات الحديثة؟ ، أم أنٌ ما يُقال و يُعتقد مجرّد افتراءات نسبت إلى اللّسانيات رغبة إيقاف تقدٌمها , خصوصاو أنٌها من ضمن العلوم اللّغوية الفتيّة التي تريد أن تنظر إلى النحو العربي نظرة مغايرة لنظرية واحدة كانت سائدة من قبل , وذلك من خلال استعمالها لمنهجيات جديدة ,فلا خوف إذن من هذه اللسانيات الحديثة على النحو العربي .


الواقع أريد أن أطرح هذه الاستفسارات والتساؤلات , وأن أحاول الإجابة عليها في إطار أشمل و أوسع ليكون حديثنا حول الموضوعين السالفين أكثر دقة وموضوعية , فقد ارتأيت أن أوضح حقيقة اللسانيات الحديثة وتاريخها , كما قصدت بعد ذلك تحديد أولى بدايات التيارات اللسانية العربية الحديثة وأنواعها، منتقلا فيما بعد إلى الطرف الثاني من البحث و المتضمن حقيقة النحو العربي وماهيته، محاولا بعد ذلك تفنيد قول بعض المستشرقين بموت النحو العربي وبوجوب الاستغناء عنه, ذلك أنٌ هذه القضية تعتبر من أهم قضايا النحو الراهنة,منتقلا بعد كل هذا إلى دراسة منهجيتي النحو واللسانيات, و مشيرا من خلال ذلك إلى الاختلاف الموجود بينهما كما عمدت بعد ذلك الى نفي علاقة التنافر والتضاد المزعومتين لهما, وإثبات أن اللسانيات والنحو علمان ضروريان لا سبيل للاستغناء عنهما إذا أردنا مواكبة الحضارة, و مختتما هذا البحث بمحاولة تبرئة ساحة اللسانيات من كل التحديات والعوائق التي تعترض النحو العربي, ونافيا المقولة الزاعمة بخطر اللسانيات الحديثة عامة, ومنهجيتها بصفة جد خاصة على النحو العربي.



أولا: ماذا نعني باللسانيات الحديثة "علم اللغة الحديث"؟:
اللسانيات هي " الدراسة العلمية للسان"[1] وبتعريف أكثر دقة و شمولية, هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسن الخاصة بكل قوم من الاقوام "سواء أتعلق الأمر بالشعوب البدائية أم الحضارية, بالحقب القديمة أم بحقب الانحطاط"[2] .
إنٌ هذه الدراسة تشمل ما يليالأصوات اللغوية –حروفا و كلمات- التراكيب النحوية , الدلالات والمعاني اللغوية , علاقة اللغات البشرية بالعالم المحيط بالإنسان ) , كما تعتمد هذه الدراسة على اللغة المحكية, و ليس على اللغة المكتوبة على أساس أنٌ الإنسان يتكلم أولا, ثم يدوٌن ذلك الكلام.
ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم فيه الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية : ملاحظة الظواهر اللغوية - التجريب و الاستقراء المستمر- ومن ثم بناء نظريات لسانية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة لتطور- ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر التي تعمل عليها –استعمال العلائق الرياضية الحديثة –الموضوعية المطلقة , مع وجوب الامتناع كليا عن "اقتراح اختيار ما ضمن تلك الأحداث باسم بعض المبادئ الجمالية أو الأخلاقية"[3] مثلا كأن نرفض نتيجة ما, توصٌلت إليها الدراسة العلمية , بسبب تناقضها و مبدأ جمالي كان يراعى في غالب الأحيان في الدراسات اللغوية القديمة على سبيل المثال .
فالواجب علينا أثناء البحث العلمي أن " نستند إلى آليات منطقية تسمح للذهن بترتيب إجراءاته, بعيدا عن التسليم بالحقائق و التلقي السطحي والأحادي للمعرفة "[4], فهذه الأسباب وغيرها تبعدنا الأسس العلمية للبحث اللساني.
وكما أن اللغات البشرية لها ارتباطات متعددة متنوعة سواء أكانت إنسانية أم طبيعية , كذلك فإن لعلم اللغة الحديث فروعا مختلفة, يختص كل واحد منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي يسمى "اللغة" ومن هذه الفروع نجد :
آ-اللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجهاالمتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية فيالماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏
1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيائية , الصوتيات الوظيفية.‏
2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة –علم بناء الكلمة- علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية- علم القواعد اللغويةالعالمية- علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة علىالقواعد.‏
3-الدلاليات أو علم المعنى الٌذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاصوعلم المعنى العام- علم بنية الدلالة في الدماغ البشري- علم التعرف على اللغةعندما تخزن في الدماغ دون معرفتها –علم فهم اللغة عندما تخزن في الدماغ معفهمها- علم المشترك والترادف- علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته- علم أنواع الدلالةوالمعنى.‏
ومن الملاحظ أنٌ بعض اللسانيين يدمجون علم الصرف بعلم النحو فيما يفضل البعض الآخر الفصل بينهما, أمثال الدكتور مصطفى حركات الذي عرٌف علم الصرف بكونه يدرس " قواعد تركيب المرفيمات لتكوين الكلمات " [5] , كما عرٌفه كذلك الدكتور عبد العزيز عتيق بأنٌه" تغيير في بنية الكلمة لغرض معنوي أو لفظي , ويراد ببنية الكلمة هيأتها أو صورتها الملحوضة من حيث حركتها أو سكونها وعدد حروفها"[6], مؤكدين أنٌ مجال دراسته يشمل الكلمة فقط.
ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للٌغةمن أجل تعليمها وتعلٌمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائلالبيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلٌمها (أصول التدريس –مناهجالتدريس- وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين- وضع الامتحان- امتحانالامتحان- علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية)." ‏ولعلٌ كتاب (نظريات التٌعليم ) من أهمٌ الكتب الٌتي ظهرت حديثا في مجال البحث في موضوع التعليم "[7]
ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصٌلة التي تربط اللٌغة بأصلالإنسان. فاللٌغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن،على الرغم من ذلك فإنٌ اللٌغات البشريٌة متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتهاالداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏
د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللٌغةوالمجتمع "باعتبار أنٌ اللٌغة منظومة اجتماعية"[8]ذلك لأنٌ اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلهامختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليهاالجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعاتجغرافية وإقليمية. إنٌ من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة –الأطلس اللغوي الجغرافي- العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثرذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها- الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال- المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية- اللغة المنطوقة واللغةالمكتوبة.‏
هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدبوالنقد والسيميائيات والأسلوبيات. و ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديبوالكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟و كيف يستطيع الأدبأن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضياتيمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏
و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغةوالدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتهابالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغويالبيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏
ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركٌبةصوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغرياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أناللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له منالرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏
ح-واللسانيات الحاسوبية –المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضعاللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجلالسرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمةآلية فورية.‏
لقد كان تاريخ اللسانيات مرتبطا بالمحاضرات التي كان يلقيها عالم اللغة فيردنان دي سوسير,الٌذي يُعد الأب الحقيقي للسانيات الحديثة ,و الٌذي نُشرت له محاضراته بعد مماته سنة (1919) في كتاب اسمه
" محاضرات في اللسانيات العامة ", فقد كان جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات البشرية دراسة آنية , فقد كان المنهج الٌذي استعمله ردة فعل على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقاربة اللغات الهندية بالغات الاوروبية وذلك باِستعمال المنهج التاريخي الذي "يدرس اللغة دراسة طولية ؛ بمعنى أن يتتبع الظاهرة اللغوية في عصور مختلفة وأماكن متعددة ليرى ما أصابها من التطور" [9] .
لقدانتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة, وطُوّر تطويراً يختلف عما كانعليه في أوربا. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية(Structuralism) على يد عالمأمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة (********) فقد تطورت النظرية البنيوية من خلالنماذج عديدة جداً , واستمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكينوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعيةفي العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً علىعقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجياوالرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء.

ثانيا:متى كانت أولى بدايات التيارات اللسانية العربية الحديثة؟ وما هي أنواعها؟ :

"من الصٌعب تحديد البدايات الأولى لانتقال الفكر اللغوي الحديث إلى ميدان التفكير اللغوي في العلم العربي"[10], فلم يكد يمضي نصف قرن علي ظهور اللسانيات حتى كان بعض اللسانيين العرب يدرسونها في الغرب مثل إبراهيم أنيس وداود عبده و تمام حسان وكمال بشر و غيرهم ، وهذا يعني أنٌ الغرب قد سبق العرب بحوالي نصف قرن من الجهود اللسانية الحقيقية ، وكان بالإمكان تجسير هذه الهوة بسرعة بهضم اللسانيات العالمية , بل وبالإسهام الحقيقي في تطويرها و المشاركة في المجهود العالمي في الدراسات اللسانية ،لأن وسائل الاتصال السريع كانت تحمل بشرى بناء علاقة لسانية إيجابية بين اللسانيات من جهة, و الثقافة العربية من جهة أخرى .
لقد كان الرواد الأوائل على مستوى عال من الإدراك العلمي ، مما يسر لهم فهم المعطيات اللسانية غير العربية بسرعة, و إتقان ، بصفتهم الشخصية العلمية لما يمتلكونه من مؤهلات نجاح الخطاب اللساني في الثقافة العربية ، وسيرتهم العلمية تؤكد أنٌ كلٌ واحد منهم مؤهل تأهيلا عاليا ليكون في المستقبل عالم لسانيات ، لأنٌ معضمهم إن لم يكن كلهم كانوا مبتعثين من جامعاتهم لإكمال دراساتهم العليا، وعادةً مايكون المتعثون من أوائل الأقسام، و هذا الابتعاث يشير إلى وعي مبكر إيجابي من المسؤولين عن التعليم العالي آنذاك, لأهمية دراسة اللسانيات بفروعها المتعددة.
ومن المثير للاهتمام أن ٌ هؤلاء اللسانيين قد انقسموا إلى تيارين أساسيين هما :
1- تيار لساني عربي محافظ مدين للنحو العربي: متمثٌٌل في باحثين حاولوا عوربة اللسانيات و أسلمتها, بمعنى محاولة إيجاد صيغة لسانية تنطلق من الموروث العربيٌ لا من معطيات علم اللسان الحديثة، فأخذوا من اللسانيات ما وجدوا له مثيلا في الموروث العربي، و ما ناقضه درسوه تحت عنوان" التناقض بين المذاهب اللسانية الحديثة" للوصول إلى معادلة (لسانيات حديثة) , في مقابل( نحو واحد).
2- تيار لساني عربي متخصص أصلا في الموروث اللغوي –النحو- لكنهم قرؤوا عن اللسانيات وتثقٌفوا بها مجاراة لموضة العصر الحديث ، وطرحوا أنفسهم بوصفهم لسانيين، وما هم بذلك لأنٌ معرفتهم اللسانية لا تتٌسم بالعلمية.
و على الرغم من جهود هؤلاء اللسانيين العرب وأعمالهم القيٌمة فاللسانيات العربية لم تلق الرواج الذي حظيت به في الغرب فقد ظلٌت مهمٌشة في المؤسسات التي أوكلت إليها مهام الإطٌلاع على البحث اللساني[11] .

ثالثا: ما نعني بالنحو العربي؟
-النحو لغة: هو القصد والطريق, وقد يكون ظرفا أو اسما.
اصطلاحا: هو ذلك العلم الذي يعرف به أواخر الكلمات إعرابا و بناء ,كما يعرف به النظام النحوي للجملة ,وهو ترتيبها ترتيبا خاصا ؛ بحيث تؤدي كل كلمة فيها وظيفة معينة حتى إذا اختل الترتيب اختل المعنى.
فغاية النحو" بيان الإعراب و تفصيل أحكامه حتى سماه بعضهم علم الإعراب "[12]
وكان هذا المصطلح أوٌل ما ظهر يشير إلى مجموعة القواعد التعليمية التي يتعلٌمها الناس كي يلحقوا بالعرب الفصحاء في إجادتهم العربية[13].
كان العرب قبل الإسلام ينطقون العربية سليقة, حيث لم تكن مدوٌنة , ولما سُمع اللحن في قراءة القرآن الكريم,ففكٌر أولوا الألباب و الأمر في وضع قواعد تصونه من الزيغ الذي بدأ يلحق به ,وهذا بهدف المحافظة على اللسان العربي , من خلال وضع قوانين تضبطه.
وتكاد الروايات تتٌفق على أنٌ أبا الأسود الدؤلي هو الٌذي وضع النحو العربي بعد أن أخذه عن علي بن أبي طالب؛ [14]وهذا ما تجمع عليه أغلب المصادر القديمة , وزاد فيه علماء العربية الذين أسسوا العربية وفتحوا أبوابها و نهجوا سبيلها ووضعوا قياسها, فقد ظهرت مدرستان نحويتان في العراق سبب ذلك أن العراق كان من أسبق الأقاليم العربية مدنية و حضارة , فقد قامت بالبصرة مدرسة تهتم بوضع قواعد النحو العربي, وكان من أعلامها الخليل بت أحمد الفراهيدي 175هجري , وسبويه 180هجري وتجسدت أفكار هذه المدرسة في ( الكتاب) الذي أخرجه سبويه , وكما قامت إثرها مدرسة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها وهي مدرسة الكوفة و التي تأخرت عن مسائل النحو لاشتغالها بمسائل الفقه.

رابعا : قول بعض علماء اللغة المستشرقين والغربيين بموت النحو:
لقد كان من المهم أن نتطرق الى هذه المشكلة الحديثة التي خلقها بعض علماء اللغة المستشرقين و الغربين لنحاول أن نوضٌح بعض النقاط وأن نفنٌد الحجج التي قدمها هؤلاء الناقمين على النحو العربي , وذلك بعد أن نعرض لهم بعض حججهم المفتعلة وهي:
-1 القول الشائع الذي يقضي بأنٌ من أراد أن يؤلف شيأ بعد سبويه فليستحي وهو ما يعني أن البحث الجدي في النحو قد انتهى عند سبويه .

2-القول الشائع الأخر الذي يقضي بأنٌ النحو قد طبخ حتى احترق وهو ما يشير بالنسبة لهم الى القناعة الأكيدة بأن النحو العربي لا يمكن أن يقال فيه أكثر مما قيل .

3- وقف الاحتجاج للغة والنحو وهو الذي قطع الصلة بين النحو بصفته جملة من القوانين المعيارية التي تضبط اللغة وبين اللغة التي يستمد الإنسان حياته منها .
4- استدلالهم بالذين يكتبون في النحو فهم يرون في أعمالهم فارغة المكنون لا تحمل أي جديد البتٌة , وملاحظتهم الدراسات الأكاديمية التي تدور في غالب الأحيان حول تحقيق بعض المخطوطات , ودراسة بعض أراء النحويين التي لا تقدم أي جديد بحسبهم .
فقد رأوا في هذه الأسباب دليلهم الواضح و القاطع بأن النحو قد مات وانقضى وقته , إلا أن الملاحظ في هذه الحجج المستعملة – لمحاولة التقليل من قيمة النحو العربي و ثني النحاة المعاصرين على العمل والاجتهاد في سبيل الرقي بالنحو العربي, سواء من أصحاب التيار المتعصب للنحو العربي أم من أصحاب التيار المستعمل للمنهجيات اللسانية الحديثة- أنها نابعة من عاطفة البغض والحسد التي يكنها بعض المستشرقين والغربين للغة العربية عامة ونحوها على وجه الخصوص , فبشهادة عالم اللسانيات الأمريكي نوم شومسكي الذي رأى في التراث اللغوي العربي ومن ضمنه النحو كنزا عظيما – لا يمكن أن يموت- وأنه لو التفت إليه الغرب مبكرا لكانت اللسانيات في مرحلة متقدمة عن الزمن التي هي فيه.[15]
هذا الكلام وإن دلٌ على شيئ, فإنٌقه يدل على عظمة التراث اللغوي العربي غير القابل للفناء.
وكما أنٌ هؤلاء المدعين بموته قد أساؤا فهم قصد كلٌ من الدكتورين إبراهيم مصطفى (رحمه الله تعالى ) ,و الدكتور الفاضل شوقي ضيف اللذين ألفا كتابين هما على التوالي "إحياء النحو", " وتجديد النحو" اللذان وإن اختلفا في عدة أراء فإنهما اشتركا في هدف عظيم وهو تيسير قواعد النحو العربي وإعادة تبويبه تبويبا محكما, فقد حاول د: شوقي ضيف "تجديد النحو بعرضه عرضا حديثا على أسس قوية تصفيه و تروقه وتجعله داني القطوف للناشئة "[16]
فالقول إذن بموت النحو أمر غير مقبول و القول بصعوبة تعليمه أمر واقعي ملحوظ في مؤسساتنا التعليمية وجامعاتنا إلاٌ أن هذا الأمر لا يعتبر مأخذا على نحونا العربي , بل يعتبر مزيٌة تحثٌ الباحثين على العمل فيه بكد و على السير به قدما وفق مناهجه, وبالاعتماد على النتائج التي توصلت إليها اللسانيات النظرية عامة والتعليمية خاصة, ومن المحاولات الناجحة نذكر عمل الدكتورة سلوى محمد عزازي في كتابها : "النحو العربي وأساليب الترغيب فيه" أن تذليل هذه الصعوبات مقترحة عدة حلول من بينها :" جعل النحو وظيفيا باستخدامه في مواقف الحياة المختلفة, وتعويد الطفل على فهم معنى الجملة أولا حتى يستطيع إعرابها , و استغلال هوايته المفضلة لترغيبه في النحو ..الخ.."[17].

خامسا:مشكلة الفرق القائم بين وصفية اللسانيات و معيارية النحو العربي:
"من أخطر ما عاق ازدهار الوعي اللساني في أوساطنا العلمية معركة الوصفية والمعيارية في المعرفة اللغوية , بل على وجه التحديد ما لابسهما من خلط منهجي و تحريف مبدئي تولدت عنهما مجموعة من المشاكل الزائفة أربكت دعاة المعيارية وأرهقة أنصار الو صفية فاستنزفت طاقت من هؤلاء و أولئك وقد ساهم في خلق عقدة الإشكال كل من اللسانيين دعاة الوصفية , وفقهاء اللغة دعاة المعيارية فلا أنصف العربية من ظنوا أنهم حراسها ولا خدم اللسانيات من انبروا روادا لها"[18].
ما يتوجب علينا في هذا الموضع هو محاولة فهمنا لهذه المشكلة من خلال طرحنا لمنهجيتي البحث في اللسانيات الوصفية وعلم النحو المعياري , ودراستنا لكيفية تعاملهما مع اللغة المدروسة خاصة وأنٌ منهجية اللسانيات كانت من أهم النقاط التي وجٌهت لها اتهامات عديدة من طرف بعض علماء اللغة بخصوص خطرها على النحو العربي.
تقوم منهجية اللسانيات على الاعتماد على المنهج الوصفي ( descriptive) , من خلال دراستها للغة باعتبارها ظاهرة إنسانية, فهي تأتي إلى اللغات البشرية كلٌها تفككها و تحللها إلى قطع دلالية,من خلال البحث عن القوانين التي تتحكم في ربط الوحدات الدلالية[19] بعضها ببعض و كيفية تشكل البنية الداخلية لأيٌة لغة ما محاولة بذلك معرفة كيفية توزعها في النظام العام لتلك اللغة وثم تنتقل لدراسة لغة أخرى بنفس المنهجية المتبعة سالفا , وهكذا دواليك .
ومن خلال هذه الدراسات التي يجريها على لغات مختلفة تتكون عند اللساني عدة أنظمة حول الظاهرة اللغوية , منتقلا بهذا إلى محاولة الكشف عن الخصائص التي تشترك فيها هذه اللغات المختلفة وتفسيرها في إطار أعم , وذلك من اجل إيجاد لغة عالمية يشترك فيها جميع البشر من خلال اكتشاف المبادئ العامة( General principles(التي تربط لغة ما بأخرى .
أما بالنسبة لمنهجية البحث في النحو العربي " فيجمع اللسانيون اليوم على أنٌ هذا العلم علم معياري ؛أي أنٌه يبحث في جوانب الصواب والخطأ في استعمال المفردات من حيث الدلالة والبنية , لا مجرد علم وصفي يصف المفردات اللغوية في ذاتها دون البحث عن الصواب و الخطأ في الاستعمال " [20]

فالنحو إضافة عن اختباريته و تقصيه سبل الحصر والوصف و الشمول فهو تقريري[21] تقنيني في إصداره للأحكام بشأن الاستعمال اللغوي , فالنحوي يعمل جاهدا إلى اكتشاف الأساليب و التراكيب اللغوية السليمة من جميع الأخطاء على اختلافها ( النحوية,اللغوية, الإملائية , الصرفية , وحتى الدلالية ) من أجل تصحيحها و إبداء رأيه فيها , أما اللساني فيحاول فقط ضبط نواميس الظواهر اللغوية على اختلاف مستوياتها ,و لكن دون إبداء رأيه فيها سواء كانت تلك الظاهرة اللغوية صائبة أم خاطئة .

خاتمة:
إنٌه لمن التٌلقي السطحي والأحادي للمعرفة اعتبار الوصفية و المعيارية شحنتين متنافرتين , كما أن التسليم بفكرة أن اللساني عند التزامه بالوصفية عليه الطعن في المعيارية تفكير خاطئ بالمرة , فهو حين يعمل بهذه الفكرة يكون قد خرج أساسا عن مبدئه الوصفي داخلا بهذا التفكير إلى حيز المعيارية –كأن يخطأ الصواب مثلا – في تحسٌسه لنواميس الظاهرة اللغوية , بالإضافة إلى أنٌه هناك حقيقة كبرى قد خفيت عن النحويين, و اللٌسانيين أنفسهم هي أنٌ الوصفية و المعيارية مقولتان لا تنتميان على صعيد فلسفة المعارف إلى نفس المنطلق المبدئي لأنٌهما ليستا من طبيعة واحدة أصلا , كما أنٌ النحو واللسانيات ليسا ضدين بالمعنى المبدئي للتضاد , كيف والنحو كان في القديم إلى جانب أنٌه يبحث عن مجموعة النواميس التي تحرك الظاهرة اللغوية , يُعرٌف بكونه عملية تفسير الانسان لنظام اللغة بمعطيات المنطق من العلل و الأسباب والقرائن , إذن فإنٌ ادعاء خطر اللسانيات على النحو العربي وإن كان هذا الخطر بشكل ضعيف جدا فإنٌه يرجع إلى تناول الباحث لأدوات المناهج الحديثة تناولا خطأ , فالعلوم تكمل بعضها ولا تنسف بعضها البعض .

قائمة المراجع :
1 -إبراهيم مصطفى,إحياء النحو ,دار الكتاب الإسلامي, القاهرة , ط 2
2-آمنة بلعلى , أسئلة المنهجية العلمية في اللغة والأدب , دار الأمل , تيزي وزو , الجزائر , سنة 2005
3-أندري مارتني, مبادئ في اللسانيات العامة , ترجمة د الزبير سعدي , دار الأفاق ,الجزائر
4-سلوى محمد أحمد عزازي , النحو العربي و أساليب الترغيب فيه, المكتبة الالكترونية, سنة 2006
5-شوقي ضيف, تجديد النحو, دار المعارف, القاهرة , ط 5 ,سنة 2003
6-عبد السلام المسدي , اللسانيات و أسسها المعرفية , المكتبة الفلسفية,الدار التونسية للنشر, المؤسسة الوطنية للكتاب,ص13,14
7فردنان دي سوسير, محاضرات في الألسنية العامة , ترجمة يوسف غازي و مجيد النصر, سنة 1986
8-محمد حسن عبد العزيز , مصادر البحث اللغوي , دار الكتاب الجامعي, الكويت , ط1,سنة 1997
9- مصطفى حركات, اللسانيات العامة و قضايا العربية, المكتبة العصرية, بيروت,لبنان , الطبعة 1, سنة 1998
10نعمان بو قرة , المدارس اللسانية المعاصرة , مكتبة الأداب , القاهرة ,2004
11مجلة التراث العربي , اتحاد الكتاب العرب , العدد 48, السنة 1992
12منضمة الأمم المتحدة للعلوم و الثقافة اليونيسكو : تقدم اللسانيات في الأقطار العربية،دار المغرب الإعلامي,الرباط

)- مصطفى حركات, اللسانيات العامة و قضايا العربية, المكتبة العصرية, بيروت,لبنان , الطبعة 1, سنة 1998, ص 13 [1] (

)- فردنان دي سوسير, محاضرات في الألسنية العامة , ترجمة يوسف غازي و مجيد النصر, سنة 1986 ,ص 17. [2] (

)- أندري مارتني, مبادئ في اللسانيات العامة , ترجمة د الزبير سعدي , دار الأفاق ,الجزائر , ص12. [3] (

)- آمنة بلعلى , أسئلة المنهجية العلمية في اللغة والأدب , دار الأمل , تيزي وزو , الجزائر , سنة 2005 , ص 26 [4] (

)- لمزيد من التفصيل يراجع: مصطفى حركات , اللسانيات العامة و قضايا العربية , ص41[5] (

)- عبد العزيز عتيق , المدخل إلى علم الصرف , دار النهضة العربية , سنة 1974, ص1[6] (

)- د علي حسين حجاج و د عطية محمود هنا , نظريات التعليم , علم المعرفة ,الكويت, سنة1990,الجزء الثاني , ص8 [7] (

)- مصطفى حركات , اللسانيات العامة و قضايا العربية, ص 9 [8] (

) - نعمان بو قرة , المدارس اللسانية المعاصرة , مكتبة الأداب , القاهرة ,2004 , ص 70[9] (

) المرجع نفسه ص: 28[10](

(11)- منضمة الأمم المتحدة للعلوم و الثقافة اليونيسكو : تقدم اللسانيات في الأقطار العربية،دار المغرب الإعلامي, الرباط ,1987,ص: 11 بتصرف

) إبراهيم مصطفى,إحياء النحو ,دار الكتاب الإسلامي, القاهرة , ط 2 , ص 1 . [12](

) نعمان بوقرة , المدارس اللسانية المعاصرة, مكتبة الآداب , القاهرة,ص9.[13] (

) محمد حسن عبد العزيز , مصادر البحث اللغوي , دار الكتاب الجامعي, الكويت , ط1,سنة 1997, ص 73[14] (

)- في حوار أجراه مع الدكتور مازن الوعر, مجلة التراث العربي , اتحاد الكتاب العرب , ص18 , العدد 48, السنة 1992.[15] (

)- د: شوقي ضيف, تجديد النحو, دار المعارف, القاهرة , ط 5 ,سنة 2003 , ص 3. [16] (

)- د: سلوى محمد أحمد عزازي , النحو العربي و أساليب الترغيب فيه, المكتبة الالكترونية, سنة 2006 , ص4,3,2 بتصرف[17] (

)- عبد السلام المسدي , اللسانيات و أسسها المعرفية , المكتبة الفلسفية,الدار التونسية للنشر, المؤسسة الوطنية للكتاب,ص13,14[18] (

)- الوحدات الدلالية نفسها هي القطع الدلالية من كلمات وجمل.[19] (

)- نعمان بوقرة , المدارس السانية الحديثة,مكتبة الآداب , القاهرة , ص 10[20] (

([21])- المعيارية هي بنفس مفهوم التقريرية prescriptive) ) الذي يقوم فيه الباحث بإبداء رأيه من الصحة
أو الخطأ.








رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مرجع, يبدة, ساساعده

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 19:52

المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر صاحبها فقط، ولا تُعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر إدارة المنتدى
المنتدى غير مسؤول عن أي إتفاق تجاري بين الأعضاء... فعلى الجميع تحمّل المسؤولية


2006-2020 © www.djelfa.info جميع الحقوق محفوظة - الجلفة إنفو (خ. ب. س)

Powered by vBulletin .Copyright آ© 2018 vBulletin Solutions, Inc