الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .. أما بعد :
فكثيراً ما أذكر ذلك الموقف النبوي المؤثر ..
رسول الله بين أصحابه وأحبابه الذين يفدونه بأنفسهم وأمهاتهم وآبائهم .. يحفون به من كل جانب .. يطيعون أمره .. يلبون دعوته .. تخفق من حوله قلوبهم .. تحيط به أرواحهم وأبدانهم ..
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي .. تحلق خواطره وأمانيه في تلك اللحظات بعيدا عن ذلك المجلس وعن ذلك المحيط ..
تحلق حيث ذلك السواد العظيم الذي رآه يسد الأفق .. فتفيض نفسه الشريفة بتلك المشاعر الرقيقة التي تمتلأحباً وشوقاً .. " وددت أني قد رأيت إخواننا" قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله .. قال : أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد.."
حبيبي أنت يا رسول الله ..
آه ما أعظم تقصيرنا في محبة نبينا صلى الله عليه وسلم ..
إخواني الكرام .. إن المحبة عمل قلبي وشعور وجداني قبل كل شيء .. فالمحبة التي شرعها الله سبحانه وتعالى وشرطها للإيمان ليست هي مجرد الطاعة والاتباع كما يتوهم البعض ..
نعم إن اتباع السنة والتزام الهدي النبوي هو الثمرة اللازمة لصدق تلك المحبة ..
لكن ثمة خلطا يحصل في بعض الأحيان .. فينحصر الكلام على محبة النبي صلى الله عليه وسلم في جانب الاتباع وترك الابتداع ..
وهذا الأمر على أهميته وكونه لازما لا يتخلف للمحبة الصادقة هو ثمرة ونتيجة ..
وأما المحبة كعمل قلبي .. فهو معنى آخر تبقى الكلمات عاجزة عن وصفه .. وتتقاصر العبارات عن الوفاء بشرحه ..
المحبة كما قال ابن القيم: " لا تُحَدُّ - أي لا يذكر لها تعريف- إذ هي أمر ينبعث بالقلب تقصر عنه العبارة، وتعجز عنه الإشارة".
تلك رجفة وخفقان يشعر بها قلب المحب كلما ذكر محبوبه .. فيفز قلبه .. ويطير على أجنحة الشوق إلى ذكرى الحبيب ..
فتهمل العين .. و تتغير صفحة الوجه .. ويتهدج الصوت .. ويتملك العبد شعور غريب من الاحترام والتعظيم .. لا يستطيع له دفعا ولا يتكلفه الشخص تكلفا ..
تأمل معي قوله صلى الله عليه وسلم ويده تمسك يد ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فتجيش نفس عمر رضي الله عنه بما فيها من المحبة على مقتضى الطبع المعتاد " يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي"، حينها يبين له صلى الله عليه وسلم المحبة التي يقتضيها الإيمان: "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ". فيظهر أثر تلك المحبة الصادقة في قلب عمر مباشرة بتغليب مقتضى الشرع على مقتضى الطبع: "فَإِنَّهُ الْآنَ، وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي"، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْآنَ يَا عُمَرُ"
إخواني .. إن تهييج المحبة القلبية للنبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا وقلوب المؤمنين بذكر صفاته وفضائله علينا.. وكمالاته التي كمله الله بها .. وتدارس حياته وسيرته العطرة .. حتى يكون في قلوبنا عظيماً موقراً كما أراد الله له أن يكون ..من أولى الأوليات في إصلاح قلوبنا ودعوة غيرنا فإن المحبة الصادقة هي ركيزة الطاعة ومبعثها..
ألا ما أحوجنا أن نتأمل في حال سلفنا مع رسولنا وحالنا الآن ..
سئل مالك ـ رحمه الله ـ عن أيوب السختياني فقال : ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه قال : وحج حجتين فكنت أرمقه .. كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه ..
بل هذا مالك نفسه ـ رحمه الله ـ كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه. فقيل له يوما في ذلك فقال : لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون ، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر ـ وكان سيد القراء ـ لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه .. ( مجموع الفتاوى 1/ 226 ) نقله عن الشفا وارتضاه
وهكذا في نماذج أخر .. ـ لعل الله ييسر ذكر طرف منها في مقام آخر بإذن الله ـ كلها تنادي علينا بضرورة العناية بتجديد الإيمان في قلوبنا من خلال زيادة محبة النبي صلى الله عليه وسلم في القلب وتعظيمه وإجلال مقامه العلي ..
اللهم املأ قلوبنا بمحبتك ومحبة نبيك صلى الله عليه وسلم محبة نجد بها حلاوة الإيمان في قلوبنا حتى لا يكون أحد أحب إلينا من الله ورسوله ..
اللهم واجعلنا من أوليائك الذين تحبهم ويحبونك .. اللهم آمين
وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على نبينا وعلى آله وصحبه والتابعين .. والحمد لله رب العالمين