بسم الله الرحمن الرحيم
حدثَ مرةًَ وأن ناقشني أحدُهم في مسألةٍ خلافيةٍ ، موهماً إيايّ بأنّه امتلك مفاتيحَ الصّوابِ التي أضاعها غيره قبل قرنِ ونيف من الزمن ! وهذا حمقٌ وغباء ! فالمسائل الخلافية لم تُحسمْ ، ولن تحسمَ .. ولله في أحكامه حِكم ، كما له في خلقه شؤون !!
ومن عجَبِ ما رأيتُ أن يأتيني أحدهم للمناظرةِ في أطروحاتٍ ليسَ لمُسلمٍ في مثلِ بساطتي أن يخوضَ فيها ! كأن يسألك أحدهم عن كيفية الإستواء التي ذكرها القرآن ..!
قلتُ على مضض :
قد سبقَ الإمام مالكٌ بالإجابة فقال : أما الإستواء فمعلوم ، وأما الكيف فمجهول !!
فأردفَ : ولكن ماذا إن أردنا أن نتوسّع قليلاً في المسألة !!فإنها قد أثارت بين العلماءِ جدلاً!!
قلت : وما شأني أنا بهذه المعمعة ؟ ! أليس من العقلِ والحكمةِ تركُ المسلمِ ما لا يعنيه ؟ !!
إننا نخوض في مسائل لا نوق لناً فيها ولا جِمال .. وحتّى لو صدّقنا الزّعم الذي تدّعيه في كون الأخذ بمثلٍ هذه النّقاشات حتمٌ لازمٌ ، فإنّني لا أجدُ مبرّراً واحداً لفتحِ كلّ تلكَ الملفات الواسعة من السّفسطات الديكارتية ، وأمام العوامّ من النّاس..!!
بل إننا ندخلُ -وبشكلٍ متكرر- في صداماتٍ فكرية ، فتتكلم أنت ولكَ الدليل من الكتاب والسّنة ، وينطقُ غيركَ وله دليله أيضاً من الكتاب والسنة ، ثم تجنباً للدخول في متاهات مظلمة يتعمّد كلّ منكما تغليط الآخر وربما تجاوزَ إلى التجريح في شخصه !! وتحميله من الأقوال ما لمْ يدلِ به !! فلا يبقى إلا ذاك المتفرجّ البسيط الذي ليس له من العلم إلا ما تصحّ به صلاته وصيامه !
وفي هذا مروقٌ واضحٌ وزيغٌ بائنٌ عن الهدفِ الذي فُرشت لأجله مائدة النّقاش !! وإذا افترضنا أن المتناظرين كانوا على قدرٍ معتبرٍ من الأخلاق والعلم ، فالتزموا المنهج وناقشوا الحجة بالحجة ، فإنه يندُر – بل يستحيلْ – أن يصلاَ سوياً إلى نقطة التّلاقْ .. !
إلا أن يتعبقرَ أحدُهم ، فيناقِش أدلة الآخر ويدمغها إن كان فيها ضعفٌ أو بطلان ..
في كلا الحالين سيخرجانٍ سالمينْ ، كلٌ منها يضمّ فكرته إليه وهو يعتقد بأنها الحقّ المطلق !! فيما يبقى العاميّ البسيط يتخبّط خبط عشواء بين آراءهما المتضاربة .. !
أنّى له أن يميزَ الخطأ من الصّواب ؟ أم كيف يُعمِل فكره ليضع الآراء في ميزانٍ يزِن بالقسطاس المستقيم فينتقي منها ما صفىَ ؟ !
هل حقّقنا منفعةً ؟ !
نعم ، زعزعنا عقيدة مسلمِ " فطريّ " : يا أخي دعه يفكّر ، دعه يمر !!
حسناً سندعه يفكّر ، لكن إلي أين تريدونه أن يمر ؟ ! إلى غيره من النّاس ..!!
ثمّ إننا إذا ابتعدنا عن الغطرسة المهلكةِ نتساءلْ : هل القضية بينناَ قضيةٌ خطأٍ وصوابْ ؟ أم هي قضية راجح ومرجوح !
لو كانت القضية قضية خطأ وصوابٍ ، لكنا إذا انتهينا إلى الحقيقة ، فاعتمدنا أدلّة هذا –ولو بالقياس- لأنها تَقرُبُ إلى الصّواب ، و حططنا أدلّة ذاكْ لأنّها تجانبه تمام المجانبة !
لكنّ القضية في الأصل ، بيننا نحن المسلمين ، قضية بين راجح ومرجوح ، أستمع إلى قولين مختلفين لعالمين كبيرين في حكم لبس المرأة للنقاب ، فيقول هذا بالوجوب ، والثاني بالإستحباب !
وبصفتي طالبةٌ علمٍ ، آخذ الرّأيين ، فيرجحُ عندي دليل العالم فلان ، لأني أجده أكثرَ صحة ، ويرجحُ عندَ الآخر دليل العالم الثّاني ، لأنه الأقرب في منظوره للصحة !! وهكذا تختلف المواقف باختلاف المناظير ..
فهل أفسّق الذي خالفني لمجردّ أنه خالفني !! أم ألتزم منهج المصطفى صلى الله عليه وسلم وأقول : كلانا إن شاء الله محسن ! (ما اجتنبنا الهوى )
كلّها اجتهادات ..
إن سنّ الإسلامِ للإجتهاد هو في حدّ ذاته إقرارٌ بحتميّة الاختلاف ، إذ لا يُعقل أن يجتهدَ مسلمٌ في ثابتٍ من ثوابتِ هذا الدين ، كحكم الصلاة مثلاً ، أو هل في الظهر ركعتين أم أربع !! ومن فعل هذا فإنما هو أفاك صفيق !
إننا نختلف في أمور ومسائل لم يحسمها حديث نبويّ واحدٌ قطعيّ الدلالة ، أو آية قرآنية محكمة !ومن ثمّ كان الإختلافُ حتميًّا ، ومحاولة إستغلال هذه النقطة للتفرقة بين المسلمين جرمٌ عظيم ..فإن اختلاف الآراء لا يجدُر به أن يؤدّي إلى تفرقةِ الصّفوف !
أذكر أنني كنتُ أدرسُ أيامّ الثانويةِ مادّة الشريعة عندَ أستاذٍ أشعريّ المذهب والإنتماء (ولا أقصدُ به انتقاصاً من مذهب أحد ) !! وكانَ يغالي في حبّ مذهبه ويُكثر من ذكر خصاله ومحاسنه !! وتجرّأ أكثر من مرةٍ في ذمّ غيره من المذاهب ، وكنتُ أجدُ هذاَ تعصباَ أعمى !! مغمض العينين !! وبيننا في القسمِ طلبةُ بُسطاءْ ، إذا تحدّث أمامهم فتنهم ببعض ما يقول .. !
حدثَ مرة أن فتحَ أمامنا ملفاً مثيراً للأعصاب ! من شأنه أن يوتّر كل مسلم غيور على دينه ، قال : يقول الله عز وجل في كتابه العزيز : "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ" فهل لله يدٌ ، إن كان نعم ، فهل يحتاجها فعلياً كما يحتاجها الإنسان ؟ !
ثم أخذ يستعرض آراءنا في المسألة ! قلت : ما الطائل من الخوضِ في مثل هذه الأمور العقيمة !! أليسَ الذي قال : "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ" هوَ من قالَ أيضاً : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " !!
قال بلى ، ولكنّنا نريد تناول مثل هذه المواضيع لأمرين ، الأول أن أعداء الدين يتّخذونها باباً لضربِ الإسلام ، والثّاني أن مثلَ هذه النقاشاتِ تطرحُ نفسها بنفسها !! ألا يتعيّن عليناَ أن نفصّل فيها إذا ؟
قلت : بل يتعيّن علينا من باب أولى أن نؤمن بالله وبصفاته من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل !
ثم كيف لنا أن نفصّل فيها !! أحسبُ أن التفصيل يحتاجُ إلى رؤية ، والرؤية ليست محققة ! فهل نفتري على الله كذباً ؟أم أنك تزعم بأن العقل البشريّ القاصرَ قادرٌ على إدراك كنه ذاتٍ لا يحدّها شيء !!
ألا تجدونَ بأننا نؤمن بالكثير من الأشياء رغمَ أننا لا نراها ؟ ! من ينكرُ منكم وجود الكهرباء !! هل أبصر أحدكم الكهرباء؟ هل لمسها ؟ هل رأى شكلها؟
إنكَ تزعم أنك ابن أبيكَ الذي ُنسبتَ إليه ، فهل عِندكَ من دليلِ على هذا !! هلْ اختبرت الحامضَ النوّوي مرة !!
مؤكد لا ..مسلماتٌ ، وكفــى !
إذا ، كيف نتفلسف في أمور أخرى ـ سلّمت بها فِطرنا ، تماماً كما سلّمتْ بانتمائنا لآبائنا الحاليّين !!
أعود فأقول ، إن الله فصّل لنا من أمر الدّين ما احتاجَ إلى تفصيل ، وتركَ مسائلا لاجتهاد العلماء حتى لا يتجمّد هذا الدين بمرور السنين ! فسنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإجتهاد ، وقال : من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد !
فدعوا الدين لرجاله .. ولا تفسدوا عليناَ بياضه ونقاءه بأراهيصكم المختلة ، وآرائكم المعتلة ، فإنما هو دين واحد ، وإن اختلف الرجال ..!
ثم لا تخوضوا فيما ليس للإجتهاد فيه صلاحية ، مدّعين أنكم تضربون على الأوتار الحساسة من فطرة الإنسان التي أبت أن تستكين لمثل هذه الأمور الغامضة ، فإنّ فطرناَ والله تسير سيراً حسناً ما خرصتْ أفواه المسفسطين ..فإن كانتْ هناكَ حاجة ملحة فعلا للخوض في مثل هذه القضايا ، فلتكن في معزلٍ عن العامة ..
ارحموا فِطراً غريبةً لا تزالُ تتحرّك على الأرض بكل عنفوان وشموخ!
حُرّر في ماي 2010