منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب - عرض مشاركة واحدة - المبالغة في الشعر الجاهلي بين الأنا الفرد والأنا ا
عرض مشاركة واحدة
قديم 2011-09-04, 14:48   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
lakhdarali66
عضو متألق
 
الصورة الرمزية lakhdarali66
 

 

 
الأوسمة
مميزي الأقسام أحسن عضو لسنة 2013 
إحصائية العضو










افتراضي المبالغة في الشعر الجاهلي بين الأنا الفرد والأنا ا

هذا البحث شاركت به في المؤتمر الدولي للشعر الجاهلي في كلية الآداب جامعة بنها الذي عقد في شهر مايو 2011
المبالغة في الشعر الجاهلي
بين الأنا الفرد والأنا الجمعي
المبالغة أحد فنون البديع التي دار صراع كبير حولها بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، وذلك لما ارتبطت به من إفراط وغلو وفكرة الصدق والكذب، وهي قضية أخلاقية ينظر فيها كل ناقد من خلال منظوره الخاص، ورؤيته النقدية التي خرج من إطارها ما عرف بالصدق الفني أو الكذب الفني.
وما اختلف النقاد قديما وحديثا حول هذه القضية إلا بعد ظهور الإفراط والغلو في الشعر؛ فهذا ابن المعتز يقر بأن فنون البديع التي ثار حولها الجدل والنقاش في عصره كانت موجودة عند الأقدمين، وإن سر ارتفاع الأصوات حولها هو الإفراط فيها، والإكثار من إقحامها في الشعر فقال:" قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله( ) وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبا نواس ومن تقيّلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم فأعرب عنه ودلّ عليه. ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شُعفَ به حتى غلب عليه وتفرغ فيه وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفنّ البيت والبيتين في القصيدة" .
المبالغة سمت الشعر الجاهلي:
فالبديع ومنه المبالغة بالطبع من الفنون المعروفة عند العربي الجاهلي، بل إن فن المبالغة كان من أهم الفنون التي اعتمد عليها الشعر الجاهلي في بدايته، فهذا المهلهل بن ربيعة أول من قصد الشعر، وبناه، كما أكد ابن قتيبة (ت276ﮪ) يقول:"هو عدي بن ربيعة، أخو كليب وائلٍ الذي هاجت بمقتله حرب بكرٍ وتغلب، وسمي مهلهلًا لأنه هلهل الشعر، أي أرقه. وكان فيه خنثٌ ويقال إنه أول من قصد القصائد، وفيه يقول الفرزدق:
ومُهَلْهِلُ الشُّعَراءِ ذاكَ الأَوَّلُ
وهو خال امرىء القيس، وجد عمرو بن كلثوم، أبو أمه ليلى وهو أحد الشعراء الكذبة، لقوله [الوافر]:
ولوْلاَ الرِّيحُ أُسْمِعَ أَهْلُ حَجْرٍ

صَلِيلَ الَبيْضِ تُقْرَعُ بالّذُّكُور( )


فقد وصفه ابن قتيبة بأحد الشعراء الكذبة للبيت السابق، واستشهد به ابن أبي الأصبع في باب المبالغة واعتبره من الشواهد المستحسنة، عاقدا مقارنة بينه وبين بيت امرئ القيس، فقال:"وقد قيل: إن هذا البيت أكذب بيت قالته العرب، وإن بيت امرئ القيس في صفة النار أقرب منه إلى الحق، لأن فيه ما يخلص به من الطعن، وهو اعترافه ببعد مسافة النار، وأنها لم يدنها إلا النظر العالي، وقالوا: حاسة البصر أقوى من حاسة السمع، لأن أقوى سمع وأصحه إنما يسمع أعظم صوت من ميل واحد، بشرط حمل الريح ذلك الصوت إلى جهة السامع في الليل عند هدوء الأصوات وسكون الحركات، وحاسة البصر تبصر الجواهر الشفافة، والأجسام الصقيلة، والأجرام المضيئة من بعد يتجاوز الحد بغير واسطة، ورؤية النيران العظيمة المرتفعة مواقدها للناظر المرتفع مكانه ممكنة من البعد ما لم يمنع من ذلك ضوء النهار، ويحول مخروط ظل الأرض دونها...... فلهذا رجحوا بيت امرئ القيس( )على بيت مهلهل"( )، فقد استخدم الشاعران فن المبالغة بصورة عالية أحدهما في قوة النظر والثاني في حاسة السمع وبلغت الصورة الفنية حدًا كبيرا ف التصوير لقوة هذه الحاسة وهو ما دفع النقاد إلى الوقوف أماهما لتفضيل واحد منهما على الآخر فرجحت كفة الأقدم(المهلهل) لوجود قرينة فنية في قوة حاسة البصر عند بيت امرئ القيس تجعل مبالغته في منزلة أقل من منزلة بيت المهلهل في المبالغة.
والحقيقة إن هذا الأمر يدعو للتعجب؛ فإذا كان بيت المهلهل هو أكذب بيت قالته العرب حتى عصر ابن أبي الأصبع الذي مات في منتصف القرن السابع الهجري(654هـ)، فمعنى ذلك أن هذا البيت ظل صامدا كنموذج للمبالغة في الشعر أكثر من ثمانية قرون، ثم كانت المقارنة بين النقاد حتى ذلك القرن بين هذا البيت وبيت امرئ القيس أي أن المنافسة في فن المبالغة(أكذب بيت قالته العرب) لم تتجاوز العصر الجاهلي، وقد توافق ابن أبي الأصبع مع ابن قتيبة في لزوم الكذب لهذا البيت؛ بيد أن ابن قتيبة وصف الشاعر بأنه أحد الشعراء الكذبة، بينما كان تعليق ابن أبي الأصبع في كذب الشاعر نفسه، وأكد ذلك بشرحه مسوغات هذا الحكم النقدي، وهذا يؤكد إن العرب الجاهليين برعوا في استخدام المبالغة في الشعر، فيما يشبه المعجزة التي تقف متحدية الزمن، وهو ما اتفق عليه الناقدان على الرغم من الفارق الزمني الكبير بينهما"حوالي أربعة قرون".
ومع هذا فقد كانت المبالغة شديدة من المهلهل في شعره، والشعر وإن تطلب المبالغة لكن زيادتها عن المطلوب تجعلها تنتقل من المستحسن إلى المرفوض؛ فإذا وصفت بالكذب من نقاد قريبي عهد به فهذا يعني بالفعل خروجها عن حيز المطلوب إلى الإفراط، فقد انتقد النابغة البيت بصورة غير مباشرة فقال:
أتاك بقول هلهل النسج كاذب ولم يأت بالحق الذي هو ناصع
فقد استشهد به في معرض الكذب، وهذا يعد من باب التعريض، وهو ما يؤكد ما ذهب إليه دوسوسير "ذلك أن أغاليط علم في مستهل بداياته تكون صورة مكبرة لما يرتكبه الأفراد من أخطاء في أبحاثهم العلمية الأولى" ، فلاشك أن هذا الخطأ كان مكررا وما وصلنا منه من صور نماذج له، أما اكتشاف ذلك فهو نوع من النقد التطبيقي المباشر .
ويبدو أن طبيعة الواقع الجاهلي كانت تفرض المبالغة باعتبارها عنصرًا مميزًا للشعر العربي، وبرز ذلك واضحا من خلال تفضيل شعر يحمل المبالغة على شعر آخر يفتقدها ولذلك عاب النابغة على حسان بن ثابت قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما

ولدنا بني العنقاء وابني محرقٍ
فأكرم بنا خالًا وأكرم بذا ابنما

وسر نقده أنه لم يبالغ فيه بصورة عالية فقال: إنك لشاعر لولا أنك قللت عدد جفانك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. وفي رواية أخرى: فقال له: إنك قلت " الجفنات " فقللت العدد ولو قلت " الجفان " لكان أكثر. وقلت " يلمعن في الضحى " ولو قلت " يبرقن بالدجى ". لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا. وقلت: " يقطرن من نجدة دمًا " فدللت على قلة القتل ولو قلت " يجرين " لكان أكثر لانصباب الدم. وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. فقام حسان منكسرًا منقطعًا"( )، فلو بالغ حسان واستخدم الألفاظ التي تدل على الغلو في شعره لنال الرضا من الناقد، أي أن المبالغة هنا عند الناقد الجاهلي هي المفضلة له عن غيره من الشعراء. وقد ذكر قدامة بن جعفر البيت الأول، ووقف موقفا متباينا إذ أيد موقف حسان، ورأى أنه أجاد في البيت مخالفا بذلك رأي النابغة الذبياني، وكان تعليله مطولا فقال:" فلو أنهم يحصلون مذاهبهم لعلموا أن هذا المذهب في الطعن على شعر حسان غير المذهب الذي كانوا معتقدين له من الإنكار على مهلهل، والنمر، وأبي نواس، لأن المذهب الأول إنما هو لمن أنكر الغلو، والثاني لمن استجاده، فإن النابغة - على ما حكى عنه - لم يرد من حسان إلا الإفراط والغلو بتصييره مكان كل معنى وضعه ما هو فوقه وزائد عليه، وعلى أن من أنعم النظر علم أن هذا الرد على حسان من النابغة - كان أو من غيره - خطأ بين، وأن حسان مصيب، إذ كانت مطابقة المعنى بالحق في يده، وكان الراد عليه عادلًا عن الصواب إلى غيره.
فمن ذلك أن حسان لم يرد بقوله: الغر، أن يجعل الجفان بيضًا، فإذا قصر عن تصيير جميعها أبيض نقص ما أراده، وإنما أراد بقوله: الغر، المشهورات، كما يقال يوم أغر ويد غراء، وليس يراد البياض في شيء من ذلك، بل تراد الشهرة والنباهة.
وأما قول النابغة في: يلمعن بالضحى، أنه لو قال: بالدجى، لكان أحسن من قوله: بالضحى، إذ كل شيء يلمع بالضحى، فهو خلاف الحق وعكس الواجب، لأنه ليس يكاد يلمع بالنهار من الأشياء إلا الساطع النور الشديد الضياء، فأما الليل فأكثر الأشياء، مما له أدنى نور وأيسر بصيص، يلمع فيه، فمن ذلك الكواكب، وهي بارزة لنا مقابلة لأبصارنا، دائمًا تلمع بالليل ويقل، لمعانها بالنهار حتى تخفى، وكذلك السرج والمصابيح ينقص نورها كلما أضحى النهار، والليل تلمع فيه عيون السباع لشدة بصيصها، وكذلك اليراع حتى تخال نارًا.
وأما قول النابغة، أو من قال: إن قوله في السيوف: يجرين، خير من قوله: يقطرن، لأن الجري أكثر من القطر، فلم يرد حسان الكثرة، وإنما ذهب إلى ما يلفظ به الناس ويتعاودونه من وصف الشجاع الباسل والبطل الفاتك بأن يقولوا: سيفه يقطر دمًا، ولم يسمع: سيفه يجري دمًا، ولعله لو قال: يجرين دمًا، لعدل عن المألوف المعروف من وصف الشجاع النجد إلى ما لم تجر عادة العرب به ، ونلاحظ من نقد قدامة بن جعفر أنه ركز على ما اعتادت عليه الذائقة العربية في الوصف الشعري، ولو قال غير ذلك لخرج عن سمت العرب، ومع هذا فلم يهمل قدامة فن المبالغة، وقد شرح ذلك بأن أقل ضوء يلمع في الليل ولا يلمع بالنهار إلا الضوء الساطع، أي أنه ركز على المبالغة الشديدة في شعر حسان وإن كانت سارية على طريقة العرب في قول الشعر لا مجرد المبالغة بمفهومها اللفظي البعيد عن السياق الثقافي العربي.
لغة الشعر الجاهلي بين الذاتية والجماعية
وقد شَكَّلَ المجتمعُ الجاهلي نوعًا من الطبيعة الخاصة التي ميزته؛ فنظرا للحياة القاسية التي كان العربي الجاهلي يعيشها تكونت عنده مجموعة من العادات والتقاليد التي استقاها من طبيعة الأرض، فالفرد المطلق ليس له قيمة في ذاته؛ إذ يمكن قتله بسهولة وسلب ما معه، في مجتمع يعتمد الإغارة سبيل الرزق والحياة، وغالبا ما يصبح هو نفسه - أي الإنسان - الهدف للاستعباد الشخصي أو للبيع، لذلك فقد أصبحت قيمة الإنسان في الجماعة لا الفردية، الفرد لا يملك حماية نفسه، ولا قيمة له وسط هذا المجتمع الذي يعتمد لغة القوة في الحوار إلا وسط قبيلته. ومن هنا سيطرت لغة النحن/القبيلة على واقع الحياة الجاهلية.
هذا الأمر لم يمنع ذاتية الشاعر من الظهور، وبخاصة في الصورة الرومانسية التي تبرز فيها الذاتية إلى حد كبير كما يقول عنترة في قصيدته الشهيرة
سكتُّ فَغَرَّ أعْدَائي السُّكوتُ


وَظنُّوني لأَهلي قَدْ نسِيتُ



وكيفَ أنامُ عنْ ساداتِ قومٍ

أنا في فَضْلِ نِعْمتِهمْ رُبيت


وإنْ دارْتْ بِهِمْ خَيْلُ الأَعادي

ونَادوني أجَبْتُ متى دُعِيتُ


بسيفٍ حدهُ موجُ المنايا

وَرُمحٍ صَدْرُهُ الحَتْفُ المُميتُ


خلقتُ من الحديدِ أشدَّ قلبًا

وقد بليَ الحديدُ وما بليتُ


وَإني قَدْ شَربْتُ دَمَ الأَعادي

بأقحافِ الرُّؤوس وَما رَويتُ


وفي الحَرْبِ العَوانِ وُلِدْتُ طِفْلا

ومِنْ لبَنِ المَعامِعِ قَدْ سُقِيتُ


فما للرمحِ في جسمي نصيبٌ

ولا للسيفِ في أعضاي َقوتُ


ولي بيتٌ علا فلكَ الثريَّا



تَخِرُّ لِعُظْمِ هَيْبَتِهِ البُيوتُ




إن هذه القصيدة في الفخر بوصفها خطابًا يهدف من خلاله المرسل بث رسالة إلى متلق ذي طبيعة معينة، هو العربي الذي تشبع بالفكر القبلي؛ فهي تسير وفق نسق ثقافي معين، فرضته البيئة الثقافية على عنترة، ومن ثم برزت بقوة في خطابه الشعري، وكان عنترة في صراع جدلي نفسي مجتمعي، برزت ملامح هذا الصراع قوية في ثنايا هذا النص، ولاشك في حدوث نوع من الذاتية الممتزجة بالعشق القبلي، ولم تخلُ الأبيات من المبالغة الواضحة التي استخدمها عنترة للتأكيد على الفخر بانتسابه إلى عبس، وبلغت المبالغة ذروتها في البيتين السابع والأخير؛ فعنترة في البيت السابع يقول إنه ولد وسط الحروب القوية الضروس أي ظهرت موهبته ومهارته وعلا اسمه في هذه الحروب التي خاضها منذ صغره، وزادت مبالغته بتأكيده على أن مهارته التي ظهرت مبكرًا فلم يرضع من أمه ولكنه رضع من لبن المعامع، فهذا فخر بالغ فيه بصورة كبيرة أما البيت الأخير فغالى في الفخر، وزاد في المبالغة بصورة كبيرة، فوصف بيته بالعلو فوق كل البيوت، حتى جاوز الثريا(كل النجوم) وهذا البيت تخر البيوت (كنابة عن العظام الذين يتفاخرون بعظمتهم) له من شدة هيبته، وهو هنا في هذه الصورة المبالغة يتلاقى مع الخنساء عندما وصفت أخاها صخرًا في قولها:
إذا القوم مدوا بأيديهم
إلى المجد مد إليه يدا

فنال الذي فوق أيديهم
من المجد ثم مضى مصعدا

يكلفه القوم ما عالهم
وإن كان أصغرهم مولدا

ترى الحمد يهوي إلى بيته



يرى أفضل الكسب أن يحمدا




والفرق بين مبالغة عنترة والخنساء أن الخنساء بالغت في وصف أخيها بالمجد وعلو الشأن في أربعة أبيات بينما عنترة قال المعنى نفسه في بيت واحد، بل كانت مبالغة عنترة في البيت أقوى منها في أبيات الخنساء.
وعلى الرغم من الذاتية الرومانسية التي سيطرت على الخطاب الشعري عند عنترة، فإنه لم ينفصل عن قومه، فقد قرن نفسه بهم، وأكد ذلك في الأبيات الثلاثة الأولى، من هنا برزت ظاهرة الانتماء من خلال ارتباط الفرد بقبيلته، ولاشك أن هذه الظاهرة مرتبطة بالفضائل لا بالرذائل من وجهة نظر القبيلة/الشاعر، والتي لها معاييرها الخاصة التي ربما لا نتفق عليها؛ فالفضيلة رغم وضوح معاييرها إلا أنها ذات طبيعة خاصة فمثلا السلب والإغارة والإغالة وقطع الطريق إذا قسناها بمفهومنا اليوم تعد من المثالب بل إذا قسناها بالمفاهيم الإسلامية التي جاءت في القرآن الكريم تعد من الجرائم التي توجب حد الحرابة، لكنها في العصر الجاهلي حملت مفاهيمها الخاصة وقوانينها التي لا تفهم إلا من خلال سياق خاص بها، إن عنترة فشل في إقناع قومه في الاعتراف بنسبه إليهم وعندما فشل اعتزلهم، وهذا الفشل كان دافعا للثورة عليهم، وهو أمر لم تقبله نفسه الآبية لأنه يشعر أنه جزء من قبيلته، ويجب على الباحث أن يعي جيدا فكرة الجماعية التي تبتعد تماما عما يعرف بالفردية إلى الاتحاد الجمعي أو الارتباط الجماعي، يربط بينها روابط محددة أهمها المصالح المشتركة؛ وتبرز هنا فكرة القبيلة التي تمثل الأم الحقيقية لكل رجالات القبيلة، لأن المصلحة مشتركة، والاقتتال على موارد الماء ومنابت الكلأ ظل هو الرابط الحقيقي بين أفراد القبيلة، فتصبح الأرض محل الصراع ممثلة للتضامن والالتقاء بين الأفراد والقبائل.
وهذا الأمر ظهر جليا واضحا في أبيات عمرو ابن كلثوم وفيها يبالغ الشاعر في الوصف بصورة كبيرة ومنها:
وَقَدْ عَلِمَ القَبَائِلُ غيرَ فَخْرٍ

إذا قُبَبٌ بِأَبْطَحِهَا بُنِينَا

بِأَنَّا العاصِمُونَ، إذا أُطِعنا

وَأَنَّا الغارِمُونَ، إذا عُصِينَا

وَأَنَّا المُنْعِمُونَ، إذا قَدَرْنَا
وَأَنّا المُهْلِكُونَ، إذا أُتِينَا

وَأَنّا الحاكِمُونَ بما أَرَدْنا
وأَنّا النّازِلونَ بِحَيْثُ شَينَا

وَأَنّا التّارِكُونَ لِمَا سَخِطنا
وَأَنّا الآخِذُونَ لِمَا هَوِينَا

وَأَنّا الطّالِبونَ، إذا نَقَمنا
وأَنّا الضّارِبُونَ، إذا ابتُلينَا

وأَنّا النّازِلُونَ بِكُلّ ثَغْرٍ
يَخَافُ النّازِلُونَ بِهِ المَنُونَا

وَنشْرَبُ، إنْ وَرَدْنا، الماءَ صَفوًا
وَيَشْرَبُ غَيْرُنا كَدَرًا وطِينَا

فهذه الأبيات في الفخر كانت ذات نبرة عالية الصوت في الخطاب، وقد أثارت خلافات كثيرة لمدد طويلة بين النقاد وما زالت، ومن ذلك ما رواه ابن أبي الأصبع في التحرير بقوله:"ومن أناشيد قدامة فيما جاء من التفسير بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط قول صالح بن جناح اللخمي:
لئن كنت محتاجًا إلى الحلم إنني
إلى الجهل في بعض الأحايين أحوجُ

ثم فطن الشاعر إلى أنه أجمل في قوله: وإن كنت محتاجًا إلى الحلم، فإنني في بعض الأوقات إلى الجهل أحوج، ولم يبين كونه إذا احتاج إلى الجهل واضطر له هل يقدر على أن يجهل؟ فقال في البيت الثاني:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم
ولي فرس للجهل بالجهل مسرج

فبين أن عنده حلم لمن يعامله بالحلم، وجهل لمن يعامله بالجهل، وهذا بسط قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا


لكن بيت ابن جناح أمشى على سنن العدل من بيت ابن كلثوم لاستضاءته بنور القرآن العزيز، وتأدبه بأدبه لأنه عقد بالوزن قوله تعالى: " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ "( ) . ا
ثم فطن - أعني ابن جناح - إلى كونه لم يتبين العلة التي تحوجه إلى الجهل، فقال في البيت الثالث :
فمن شاء تقويمي فإني مقوم


ومن شاء تعويجي فإني معوج( )



فإذا وقفنا هنا عند هذه القضية نجد أن الناقد قد أكد على مبالغة عمرو بن كلثوم في بيته، والحقيقة إن ابن أبي الأصبع قد تجاهل موقف عمرو بن كلثوم، فهو ليس فعلا لكنه رد فعل؛ فالرجل لم يعتدِ بل هو في حالة رد فعل يرد عدوانًا أصابه، ومن ثم فهو لم يبدأ العدوان بل يحذر، والمبالغة في التحذير في مثل هذا الموقف مطلوبة لتحقيق الردع، فقد بلغت الصورة الشعرية حدًا عاليًا من التشكيل الفني والبناء اللغوي عند ابن كلثوم في قصيدته، لكنها في المقابل بالغت في الفخر فخرجت من حيز المبالغة إلى الغلو والإفراط في بعض المواضع التي لا يمكن أن تجد لها مسوغًا فنيًا وبخاصة في قوله:
إذا بَلَغَ الفِطَامَ لَنا رَضيعٌ

تَخِرُّ لَهُ الجَبابرُ ساجِدينَا

ويمكن أن يكون الغضب الذي عليه الشاعر كما ذكرت في تحليلي (رد الفعل) قد أخرجه عن طبيعته فخرج من الاعتدال إلى الغلو الذي يبدو خارجًا عن نطاق المقبول إذا وضع هذا البيت وحده، لكن لو نظرنا إلى هذا البيت بجوار البيت الذي يهدد فيه من يجهل عليه تكون المبالغة هنا مسوغة نفسيا.
وبالرغم من هذه المبالغة الكبيرة فإن الدكتور بكري شيخ أمين حاول أن يلتمس العذر للشاعر في ضوء الوقوف على الحالة النفسية التي كان فيها الشاعر حال إبداعه القصيدة قائلا:"إنا لو وضعنا كلام ابن كلثوم في ميزان الصدق والحقيقة قلنا :إنه كاذب،ومدع، ومغرور. لكن لو درسنا قوله في ضوء الواقع الذي عاشه، ودرسنا ظروفه الخاصة، وتلمسنا ما كان يدور في قلبه وعقله، وما كان يحلم به ويتخيل، إذن لعدنا إلى عدم الجور عليه، وإلى الابتسام مما قال، وإلى إيجاد بعض الأعذار لمبالغاته الكبيرة" ، فقد دافع عن الشاعر دفاعا قويا واصفا من يقول بأنه كاذب أو مدع أو مغرور بالجور على الشاعر، مع هذا الدفاع الذي تبناه الدكتور بكري فإنه لم يستطع أن ينفي المبالغات الكبيرة التي وقع فيها الشاعر.
الأنا الشعرية بين الفرد والجماعة:
فبصورة عامة فإن معلقة عمرو بن كلثوم كانت ذات نبرة صوتية جماعية باستخدام(الأنا) الجمعية القبيلة التي يمكن التعبير عنها بـ(النحن) في مواجهة الآخر أو (الهم). ولم تكن مستخدمة لضمير الأنا الفردية فهي لا يمكن أن تنتمي إلى منشئها عمرو بن كلثوم وحده لأنها نتاج فكر جمعي متكامل. وكان لابد أن نقف عند مصطلحين مهمين؛ هما الأنا و(النحن) فثمة تشابك واقع بين هذين المفهومين، فكلاهما ضمير المتكلم والفرق بينهما في العدد، فالأنا لا يمكن أن يكون إلا مفردا و(النحن) هو ضمير المتكلم الجمعي الذي يزيد على واحد، وإن كان يختلف عن الأنا في كونه قد يعبر عن الواحد، فالنحن ضمير مشترك للتعبير عن الاثنين حينما يمتزج الفرد في المجموع ويعبر عنه، فالأنا خاص بالمفرد، ويحمل هذا المفهوم معنى الأنا الجمعي كذلك.
ولو نظرنا إلي هذين المفهومين نظرة بعيدة عن التركيب النحوي متلمسين الطريق نحو النظرة النفسية المتعمقة لمفهوم الأنا لوجدنا الأنا مصطلحا يستخدم في التحليل النفسي ليصف واحدًا من الأقسام الثلاثة للعقل والقسمان الآخران هما:
• "الهو التي تمثل مجموعة الدوافع الفطرية.
• والأنا الأعلى التي تتكون لا شعوريًا نتيجة عمليتي تقمص شخصية الآخرين وامتصاص سلوكهم.
وهذان القسمان يختص بهما علم النفس لا علم الأدب أو النقد، أما الأنا التعبيرية بصورها المختلقة فيمكن الاستفادة منها في دراسة الأدب، ولتوضيح هذه الصورة بشكل أقرب نقف عند منطقة أكثر صعوبة هي تحليل العلاقة بين الأنا الفردية والأنا الجمعي (النحن) وبخاصة في المفهوم الجاهلي، فهناك صور متعددة لهذه الأنا إذا يرى علماء النفس أنها تشتمل على ثلاث صور رئيسة هي:-
الأنا الفردية: وهي صفة الأنانية وحب الذات، وهي صفة فطرية مشتركة بين كل البشر، وهي جلية واضحة في الذاتية الموجودة في نفس الإنسان على مر العصور، وقد تتوارى هذا الأنا الفردية لمصلحة الأنا الجمعية أو النحن لكنها لا تختفي، ولا تنمحي تمامًا لأنها المعبرة عن الوجود الفعل الواقع في النفس البشرية، وبدون الأنا الفردية لا يمكن أن تتكون الأنا الوطنية أو القبلية لأنه العنصر الرئيس المكون للنحن بشكل عام .
الأنا الوطنية: أو المجتمعية، وهي (أنا) تنشأ بفعل المجتمعات الإنسانية التي تجمعها وحدة المكان، وتسيطر عليها الجغرافيا الثقافية التي تفرضها طبيعة المجتمع، وتتكون فيها عاداته وتقاليده الخاصة التي تصبح بمثابة جغرافيا ثقافية واحدة تجمع أفرادها، وينطوي الجميع تحت لوائها، وتحل شيئا فشيئا محل الأنا الفردية وبخاصة في مواقف الشدة أو مواقف الفخر.
الأنا القبلية: وهي أنا تعصبية مصالحية جماعية، وهي أنا تتجاوز الوطنية المجتمعية لما تحمله من علاقات الدم وأواصر القربى بين أفرادها، وتمتد هذه الأنا حتى تتجاوز مجتمعات متكاملة.
وهناك أنواع أخرى قد تكون متفرعة من الأنواع السابقة أو منفصلة بحسب رؤية كل نفسي لها منها الأنا الدينية أو القومية وهي التي تتعصب لفكرة أيديولوجية واحدة، ولاشك في وضوح العلاقة بين هذه الأنواع الفردية والنوعين الثاني والثالث.
وفي العصر الجاهلي نجد تماهيا بين الثانية والثالثة تحديدا؛ إذ العنصر الرابط هنا هو المصالح المشتركة للقبيلة، تلك التي فرضتها طبيعة المجتمع القبلي الجاهلي، بما يعني أن الفئة الثالثة هي ذاتها الثانية عند العربي الجاهلي، أما الأنا الأولى الأنا الفردية فقد كانت أنا متميزة خاصة برزت بقوة في الشعراء الفرسان الذين حققوا الانفصال والاتصال بين الأنا الفردية والأنا الجمعي في شعرهم، وكانت الذات الفردية المتمردة سببًا في طرد امرئ القيس لما شبب بالنساء في شعره ، لأنه خرج عن التقاليد العربية التي اعتبرت فعل امرئ القيس تحطيما لها.
فالغالب أن الفرد الجاهلي لا يحقق ذاته إلا من خلال الجماعة، وهذه رسالة لا تعد رسالة طوعية أو إجبارية فقد تماهى الشاعر مع القبيلة بما جعل الأمر يصبح بمثابة الأمر الطوعي، بالرغم من كونه ليس كذلك، فقد كان الشاعر يمزج الأنا الفرد بالأنا الجمعي ومن ثم يقوم يقوم بأدوار كثيرة خارجية وداخلية؛ فيتمثل الخارجي في الدعاية والتغني بمجد القبيلة وشرفها ومكانتها، وإرهاب القبائل الأخرى حتى لا تتعرض لقبيلته، وصناعة مجد للقبيلة وشرف، وبخاصة إن لم تكن القبيلة تحظى بهذا الشرف قبله، والداخلي يكون ذاتيا متماهيا مع القبيلة فهو يمدح نفسه عندما يفخر بقبيلته فيزكي روحها القبلية وبرضي زهوها وطموحها، ويرسخ قيمة القبيلة في نفوس أفرادهامن خلال شعره الذي يصير ماءً يروي ظمأ القبيلة المتعطشة للفخر والزهو. وهذا التماهي لم يتحقق بصورته الكاملة في ذات شاعر مثل عنترة؛ فقد كانت الذات الفاعلة عنده مأزومة نفسيا بفعل عوامل اجتماعية، ونمط ثقافي خاص أثر بشكل كبير في حياة عنترة جعلت العلاقة جدلية بينه وبين مجتمعه، بعكس الواقع السائد بين الشعراء وقبائلهم، فحدث اختلال بين الأنا الفردية والأنا القبلية عبر عنه في صورة نشاط شعري شعر "ومن المحقق أن هذا النشاط يكون مدفوعًا بضغط جهاز أشد اتساعا جهاز النحن، فإن اختلال اتزان الأنا ككل واندافاعه إلى تحصيل اتزان جديد يعني اختلال الصلة بينه وبين النحن واندفاعه إلى إعادة هذه الصلة على أسس جديدة، تبدو فيها آثار تجربته عن طريق الإطار، ومن هنا كان العمل الفني فرديًا واجتماعيًا في وقت معًا، فهو تنظيم لتجارب لم تقع إلا لهذا الفنان لكنه تنظيم في سياق الإطار ذي الأصول الاجتماعية إلي يحمله الفنان ويتخذ منه عاملا من أهم عوامل التنظيم" .
ومع هذا فقد أضحي الشاعر الجاهلي المنتمي إلى قبيلة مهما تكن منزلتها بين القبائل والجماعات يحقق تماهيا بين الذات المبدعة (ذاته هو)والذات الجمعية(القبيلة) لأنه غدا اللسان المعبر عن حالها وتطلعاتها ورغباتها وأفكارها، وفد نجح عمرو بن كلثوم في قصيدته هذه في التماهي مع القبيلة مع ما بها من مبالغات تخرج عن حيز العقل وتتجاوز المبالغة إلى الإفراط بل الغلو أيضا ومن ثم فقد صارت النشيد القبلي لبني تغلب يروي ابن قتيبة فيقول:"ولشغف تغلب بها وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء:
أَلْهَى بَنى تَغْلِبٍ عَنْ كلّ مَكْرُمَةٍ

قَصِيدَةٌ قالها عمروُ بن كُلْثُومِ

يُفاخِرُونَ بها مُذْ كان أَوَّلُهُمْ
يا لَلرِّجالِ لِفَخْر غَيْرِ مَسْؤُومِ

وهذا التسويغ نفسي ثقافي (الأنا القبيلة) هي التي حكمت على هذه القصيدة بالجودة العالية لما فيها من فخر بقبيلته أكثر منها جودة فنية بلاغية نقدية، فهي جودة ثقافية مجتمعية، وهي صورة من صور المبالغة في العصر الجاهلي.
المبالغة والصورة الفنية
أما الصورة الثانية في المبالغة فهي المبالغة المُسوََّغَة فنيا:وفيها تكون المبالغة مقبولة لوجود مبرر فني بلاغي نقدي وقد شغل النقاد القدماء بالمبالغة في الشعر الجاهلي بل إن الكلام حول هذه القضية يبدو متناقضا أحيانا في تناوله لموضوع واحد كما حدث في موقفهم من زهير بن أبي سلمى؛ فهذا محمد ابن سلام الجمحي يقول:" وقال أهل النظر كان زهيرا أحصفهم شعرا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالا في شعره" ، ومعنى هذا أن ابن سلام يوافق على رأي من يقول إن زهيرًا أشد الشعراء مبالغة في المديح، وهذا أمر طبيعي ناتج عن متابعة لما هو مشهور عنه من مدحه هرم بن سنان ،وتتبعه في مدحه حتى وصل إلى درجة كبيرة من الجودة والإحسان كما يقول ابن قتيبة:"وكان جيد شعره في هرم بن سنانٍ المري. وقال عمر رضي الله عنه لبعض ولد هرمٍ: أنشدني بعض ما قال فيكم زهيرٌ، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إنا كنا نعطيه فنجزل! فقال عمر رضي الله عنه: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم" .
فبلغ من استحسان عمر بن الخطاب لشعره أنه قال ما قال حتى فضله على الشعراء جميعا كما روي ابن قتيبة، وقدم في ذلك مبررات نقدية علمية متقدمة جدًا في مرحلة مبكرة من النقد فيروى عن عمر بن الخطاب أنه قال:" أنشدوني لأشعر شعرائكم، قيل: ومن هو؟ قال: زهير، قيل: وبم صار كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين القول، ولا يتبع حوشي الكلام، ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه" ، فقد رأى عمر صدق زهير في وصفه الشعري، بينما رأى بعض الناس أنه أشد الشعراء مبالغة في المديح وقد يبدو ثمة تناقض في الخطابين.
والحقيقة غير ذلك فلو حللنا الخطاب الأول الذي ذكره ابن سلام: أحصفهم شعرا وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح وأكثرهم أمثالا في شعره" ، فقد وُصِفَ زهيرا بالحصافة، والحَصافةً صفة للرجل إذا كان جَيِّدَ الرأْيِ مُحْكَم العقل. ثم أكد هذا المعنى بنفي السخف عنه والسَّخْفُ ضَعْف العقل، وشعره جامع للمعاني في ألفاظ قليلة وهو ما يؤكد نهاية النص فيما يعرف بالأبيات التي تسير أمثالا، أما الجملة قبل الأخيرة فهي توكيد للنص لأنه مع هذا شديد المبالغة في المديح، وهي صفة مدح تفيد الجودة؛ فالشاعر كان يكثر من المديح، والكثرة مدعاة للخطأ، ومع هذا فالشاعر يمشي شعره على وتيرة واحدة، فلا يخطأ ولا يعاظل في الكلام أي لا يركبه ويسير شعره في سهولة ويسر، وهو المعنى نفسه الذي ذكره ابن طباطبا العلوي في تقسيمه لأنواع الشعر الجيدة فقال: "فمن الأشعار المحكمة المتقنةِ المستوفاةِ المعاني، الحسنةِ الرصف، السلسةِ الألفاظ، التي قد خرجت خروج النثر سهولة وانتظامًا، فلا استكراه في قوافيها، ولا تكلف في معانيها، ولا داعيّ لأصحابها فيها قول زهير:
سـئـمـت تكالـيـفَ الـحـيـاة ومن يـعــش ثـمــانـيـن حـولاً لا أبـالـك يــسـأمِ
رأيت المنايا خبط عشواء من تِـصـِبْ تُمِتْهُ ومن تِخْطىءْ يعمَّر فــيـهرم
ومـن لا يـصـانـعْ فـي أمـور كـثـيــرة يضرَّس بأنـيـاب ويوطأ بـمنـسم
وأعـلـَمُ ما في الـيـوم والأمـس قـــبـلـه ولكـنـني عـن علم ما في غـدٍ عَـمِى
ومن يجعل المعروفَ من دون عرضه يـِـفَرْهُ ومن لا يـتـقِ الـشـتمَ يُـشتمِ
ومن يَـكُ ذا فـضـل فـيـبـخـل بـفـضـلــهِ عـلـى قـومه يـسـتغنَ عنه ويـذمم
ومن يوفِ لا يذمـم ومن يـفـض قـلـبـُه إلـى مـطـمـئـن الـبـر لا يـتجمجم
ومـن يعــصَ أطـراف الزّجـاج فــإنــه يـطـيع الـعـوالي رَكبِّت كلَّ لهذم
ومن لا يـذد عـن حـوضه بـســلاحـه يُـهـَدَّمْ ومن لا يـظـلمِ الـناسَ يظـلم
ومن يـغـتربْ يحسبْ عدواً صـديقـه ومن لا يـكـرم نـفـسه لا يُـكـرَّمٍ"
وبالنظر إلى أبيات زهير نجد أن هناك فرقًا واضحا في المبالغة بصورتها الفنية عند زهير وغيره من الشعراء، مثل ابن كلثوم مثلا فالمبالغة عند زهير تنطلق من واقع يؤيدها، ومن ثم تصل إلى الأسماع سريعا وتخترق القلوب، بينما هناك مبالغة تقوم على الخيال دون وجود واقع فعلي يؤكد حدوثها، وهذا هو سر عبقرية كلام عمر الذي ربما لم يدركه من قال بأن زهيرًا مبالغ أو مغال، " فالشعر الصادق هو وحده الذي يولد في القارئ الذي يتناوله بالطريقة السليمة استجابة لا تقل في الحرارة والنبل والصفاء عن تجربة الشاعر نفسه"( ).
فلا تناقض في الحديث حول مبالغة زهير في شعره، وهو ما أكد عليه ابن رشيق في العمدة بقوله:" وإذا قوبل آخر كلام عمر بآخر هذا الكلام تناقض قول المؤلف أعني ابن سلام لأن عمر إنما وصفه بالحذق في صناعته، والصدق في منطقه؛ لأنه لا يحسن في صناعة الشعر أن يعطى الرجل فوق حقه من المدح؛ لئلا يخرج الأمر إلى التنقص والازدراء، كما أخذ ذلك على أبي الطيب وغيره آنفًا، وقد فسد الوقت، ومات أرباب الصناعة، فما ظنك والناس ناس والزمان زمان؟ وسيرد عليك في مكانه من هذا الكتاب إن شاء الله، وقد استحسن عمر الصدق لذاته، ولما فيه من مكارم الأخلاق، والمبالغة بخلاف ما وصف" .
وقد بلغ الشاعر الجاهلي مكانة عظيمة في تركيب الصورة الشعرية، وأصبح جمال التركيب وتمكن المعنى مسوغا لقبول المبالغات الشعرية لجمال الصورة التي تطغى فوق صورة المبالغة، وإن أحدث هذا خلافا بين كثير من النقاد؛ كتقسيم القزويني للبلاغة ثلاثة أقسام تبليغ، وإغراق، وغلو"أما التبليغ فكقول امرئ القيس:
فعادي عداء بين ثور ونعجة
دراكا فلم ينضح بماء فيغسل

وصف هذا الفرس بأنه أدرك ثورًا وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق وذلك غير ممتنع عقلًا ولا عادة ......وأما الإغراق فكقول الآخر:
ونكرم جارنا ما دام فينا
ونتبعه الكرامة حيث مالا

فإنه ادعى أن جاره لا يميل عنه إلى جهة إلا وهو يتبعه الكرامة وهذا ممتنع عادة وإن كان غير ممتنع عقلًا، وهما مقبولان" وليس في البيت الثاني إغراق بل مبالغة طبيعية تماما، فمن التقاليد العربية الكرم ونجدة الجار. والخروج عليها هو خروج من ثقافة تامة تشبعت بهذا الفكر؛ ومن ثم فصدر البيت خبر تقليدي لا يعد موضع فخر بصورة كبيرة، ولذلك كان الجاهلي يفتخر بنجدة جاره، ودفاعه عنه. ويعتبر التقاعس عن ذلك مثلبة فهذا السموأل يقول:
وما ضرنا أنا قليلٌ وجارنا
عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل

يقرب حب الموت آجالنا لنا

وتكرهه آجالهم فتطول

ومن المبالغات المشهورة في العصر الجاهلي مبالغة امرئ القيس في وصف فرسه في قوله:
وقد أغتَدي والطّيرُ في وُكُناتِها
بمُنجَردِ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ



مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا

كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

وقد اتفق النقاد على المبالغة الجميلة من امرئ على أنه جعل الأوابد وهي الوحش مقيدة له ينالها كيف يريد، فقد هال الوحوشَ منظرُ فرسه القوي وسرعته العالية فصارت مقيدات لإرادته، ينالها وقتما يريد، ولو نظرنا لهذه الصورة من الوجهة النفسية لوجدنا أن العامل الوحيد لهذا الشعور – التقيد بدون قيود- لا يقع إلا بفعل الارتباك الناتج عن الخوف الشديد؛ فالخوف يشل العقل عن التفكير، ويجعله في حالة تبلد تام، ويتساوى في ذلك الذكي والغبي، ولذلك جاءت الصورة التالية متتمة للأولى فبعد الخوف الشديد لم يعد العقل قادرًا على التمييز هل الفرس يكر أم يفر؟ مقبل أم مدبر؟ أم كل هذا في آن معا؟ إن هذه الصورة تتشكل في حالة السيل الذي يجرف في طريقه كل شيء بفعل بقوته، وإذا ما زاد عليه اندفاع الصخر الذي يجرفه ماء السيل في طريقه من قمة الجبل كان الخوف الشديد واليأس من النجاة هو العنصر المسيطر على الصورة الفنية في هذين البيتين.
فنستطيع أن نعد البيت الثاني شرحًا وتفسيرا للبيت الأول.
ومن المبالغات المستحبة عند النقاد العرب القدامى ذلك النموذج الذي قدمه ابن الأثير(ت637ﮪ): للسموأل بن عاديا في قوله:
إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه



فكل رداءٍ يرتديه جميل




وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها

فليس إلى حسن الثناء سبيل


تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا


فقلت لها إن الكرام قليل

وما ضرنا أنا قليلٌ وجارنا
عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل

يقرب حب الموت آجالنا لنا

وتكرهه آجالهم فتطول

وما مات منا سيدٌ حتف أنفه

ولا طل منا حيث كان قتيل

علونا إلى خير الظهور وحطنا

لوقتٍ إلى خير البطون نزول

فنحن كماء المزن ما في نصابنا











كهامٌ ولا فينا يعد بخيل












إذا سيدٌ منا خلا قام سيدٌ

قؤولٌ لما قال الكرام فعول

وأيامنا مشهورةٌ في عدونا

لها غررٌ مشهورةٌ وحجول

وأسيافنا في كل غربٍ ومشرقٍ
بها من قراع الدارعين فلول

معودةٌ ألا يسل نصالها
فتغمد حتى يستباح قبيل

وتمثل هذه الأبيات صورة الخطاب القبلي في الفخر، وفيه تخريجات فنية جميلة، برزت فيها المبالغة في صورة مقبولة مستحبة،لأنها المبالغة القبلية التي تعلو فوق الفرد "فإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زبراً من الحديد، وهي مع ذلك سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة" ، وتظهر فيها الذاتية، لدرجة التماهي العالية لا تدري هل الشاعر يمدح نفسه أم قبيلته أم كليهما معا، فسر قيمته هو انتمائه لهذه القبيلة.
وقد يرتفع الصوت في الخطاب الشعري بالمبالغة في قيمة القبيلة إلى حد الخروج عن المقبول عند عمرو كلثوم، وهي صورة متشابهة مع ما قدمه دُرَيْدُ بن الصِمَّة
يَا راكباً إمَّا عَرَضْتَ فبلِّغنْ ... أبا غالبٍ أنْ قَدْ ثأَرْنَا بِغالِبِ
وأبلِغْ نُميرًا أنْ عرضْتَ بدارِها ... على نأَيهَا فأيُّ مَوْلاً وطالبِ
قَتلْتُ بعْبدِ الله خيرَ لِدَاتهِ ... ذُؤَابَ بْنَ أسماءَ بْنِ زَيدِ بنِ قاربِ
فَلِليَوْمِ سُمِّيتُمْ فَزارةَ فاصبِرُوا ... لِوَقْعِ القنا تَنْزُونَ نَزْوَ الجَنَادِبِ
تَكُرُّ عَليهِمْ رجْلَتي وفَوارسِي ... وَأكْرِهُ فِيهِمْ صَعْدَتي غَيْرَ ناكِبِ
فإنْ تُدْبِرُوا يأُخُذْنَكُمْ في ظُهُورِكُمْ ......وإنْ تُقْبِلُوا يأُخُذْنكُمْ في التَرائِبِ
وإنْ تُسْهِلُوا للخيلِ تُسهِلْ عليكُمُ ... بطعْنٍ كإيزاعِ المَخاضِ الضواربِ
إذا أحزَنُوا تَغشَى الجِبالَ رجالُنَا ... كمَا استوفَزَتْ فُدْرُ الوُعُولِ القَراهِبِ
ومرَّةَ قَدْ أخرَجْنَهُمْ فتَرَكنهُمْ ... يَروغُونَ بالصَلعاءِ روغَ الثَعالِبِ
ولعلك لو تأملت هذه الأبيات السابقة لوجدت فيها مبالغة عالية فأينما تولوا تجودن سيوف قبيلته ورماحها ولا ملجأ لكم منا، وهي " نزعة تدميرية، وكأنما كان الشاعر لا يرى لأحد من الناس – غير قبيلته – أي حق في الحياة ولاشك أن هذا راجع لطبيعة العصر، حيث تبدو الحرب وكأنها شريعته، ولكننا نرى أن للشاعر دورا مهم، حيث نرى أن هذه الدعوة المتطرفة- دعوة فرد اتخذ لسان الجماعة – هو وغيره من الشعراء – وسيلة للتعبير عما يريدون، وللتنفيس عن أحاسيسهم وميولهم العدوانية
وإذا كنت قد فسرت البيت الثاني في بيت امرئ القيس على أنه قد يكون تعليلا للبيت الأول، فإن هناك من النقاد العرب القدامى الذين تعرضوا لمثل هذه الفكرة عند الجاهليين، فوقف في تقديمه للنموذج بين المبالغة والتفسير المسوغ لها وفصل بين الشعر المتصل للشرح والتوضيح؛ فهذا ابن قتيبة يقول: وشبه زهيرٌ امرأةً في الشعر بثلاثة أوصافٍ في بيت واحد فقال:
تَنَازَعَتِ المَهَا شَبَهًا ودُرَّ البُ
حُورِ وشاكَهَتْ فيها الظِّبَاءُ

ثم قال ففسر:
فأَمَّا ما فُوَيْقَ العِقْدِ منها
فمِنْ أَدْماءَ مَرْتَعُهَا الخَلاَءُ

وأَمَّا المُقْلَتانِ فمن مَهَاةِ

وللدُّرِّ المَلاَحَةُ والصَّفاءُ

فالمشهور عن زهير انه لا يمدح الرجل إلا بما فيه كما سبق القول، لكنه في البيت الأول جمع ثلاث من صفات الحسن في وصف امرأة في شعره، وهي لا شك مبالغة كبيرة، شعر بها زهير نفسه؛ لأنها ليست نهجه الذي اعتاده في شعره وهو ما فطن إليه ابن قتيبة بمهارة ناقد حصيف، ففصل بين الأبيات الثلاثة بقولهثم قال ففسر) مقدمة للبيتين التاليين؛ أي أن المبالغة هنا مفسرة مسوغة، ليجعلها مقبولة من المتلقي، حتى يحدث ذلك التفاعل بين الشعر والمتلقي.
وقد ناقش أبو هلال مبالغة لامرئ بصورة فنية جميلة في بيته الشهير:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

فألهيتها عن ذي تمائم محول


فقال أبو هلال مستعينا في تعليله بقوله تعالى :"" يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى"، ولو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنًا وبلاغة كاملة، وإنما خص المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها، وأشغف به لقربه منها ولزومها له، لا يفارقها ليلًا ولا نهارا، وعلى حسب القرب تكون المحبة والإلف، ولهذا قال امرؤ القيس(البيت) لما أراد المبالغة في وصف محبّة المرأة له، قال: إني ألهيتها عن ولدها الذي ترضعه لمعرفته بشغفها به، وشفقتها عليه في حال إرضاعها إياه" .فكان الاستدلال من أبي هلال على قوة المبالغة في القرآن الكريم ببيت جاهلي فيه صورة هذه المبالغة عند العرب وإن أثار جدلا طويلا بين النقاد لما في معناه من خروج على الأخلاق، وكانت المبالغة فيه عظيمة جدًا لأن المبالغة في وصف الحالة في القرآن الكريم مطلوبة لبيان فزع وأهوال يوم القيامة في موقف ينشغل الإنسان بنفسه بينما المبالغة ترتقي إلى الغلو في بيت امرئ القيس.








 


رد مع اقتباس