منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب - عرض مشاركة واحدة - ألف حكاية وحكاية مع فارس الجزائري
عرض مشاركة واحدة
قديم 2009-04-09, 04:01   رقم المشاركة : 33
معلومات العضو
فارس الجزائري
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية فارس الجزائري
 

 

 
الأوسمة
المركز الثالث في مسابقة التميز في رمضان وسام مسابقة منتدى الأسرة و المجتمع وسام القلم المميّز 
إحصائية العضو










Hourse أيسر محفوظاته كتاب الأغاني

القصة رقم 14


أيسر محفوظاته كتاب الأغاني
حدّث الوزير الأندلسي أبو بكر محمد ابن الوزير أبي مروان عبد الملك ابن زهر، قال:
بينما أنا قاعد في دهليز دارنا وعندي رجل ناسخ أمرته أن يكتب لي (كتاب الأغاني) لأبي فرج الاصفهاني، إذ جاء الناسخ بالكراريس التي كتبها، فقلت له:
أين الأصل الذي كتبَ منه لأُقابل(1) معك به؟
قال: ما أثبت به معي.
فبينما أنا معه في ذلك إذ دخل الدهليز علينا رجل بذُّ الهيئة(2)، عليه ثياب غليظة أكثرُها صوف، وعلى رأسه عمامة قد لاثها(3) من غير إتقان لها.
فحسبته لما رأيته من بعض أهل البادية. فسلَّم وقعد، وقال لي:
يا بنّي، استأذن لي على الوزير أبي مروان.
فقلت له: هو نائم. هذا بعد أن تكلّفتُ جوابه غاية التكلّف؛ حملني على ذلك نزوةُ الصبا، وما رأيتُ من خشونة هيئة الرجل ثم سكت عني ساعة وقال:
ما هذا الكتاب الذي بأيديكما؟
فقلت له: ما سؤالك عنه؟
فقال:
أحسب أنِ أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء الكتب!
فقلت: هو كتاب الأغاني.
فقال: إلى أين بلغ الكتاب منه؟
قلت: بلغ موضع كذا.
وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به. فقال:
وما لِكَاتِبك لا يكتب؟
قلت:
طلبتُ منه الأصل الذي يكتب منه لأُعارض به هذه الأوراق، فقال: لم أجئ به معي.
قال: يا بنّي، خُذ كراريسك وعارض.
قلت: بماذا؟ وأين الأصل؟
قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي.
فتبسَّمتُ من قوله، فلما رأى تبسُّمي قال:
يا بنَّي، أمسك عليّ.
فأمسكت عليه، وجعل يقرأ، فو الله إن أخطأ واواً ولا فاءً، قرأ هكذا نحواً من كراستين، ثم أخذت له في وسط السِّفر(3) وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء.
فاشتَّد عجبي، وقمت مسرعاً حتى دخلت على أبي فأخبرته بالخبر، ووصفت له الرجل. فقام كما هو من فَوْره، وكان ملتفاً برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس، حافي القدمين، لا يرفُقُ على نفسه، وأنا بين يديه، وهو يُوسعني لوماً، حتى ترامى على الرجل وعانقه، وجعل يقبّل رأسه ويديه ويقول:
يا مولاي اعذرني، فو الله ما أعلمني هذا الجِلْفُ إلا الساعة.
وجعل يسبّني، والرجل يُخَفِّض عليه ويقول: ما عرفني. وأبي يقول:
هَبْه ما عرفك، فما عُذره في حسن الأدب؟
ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه، وخلا به فتحّثا طويلاً. ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافياً حتى بلغ الباب. وأمر بدابته التي يركبها فأُسْرِجتْ، وحلف عليه لَيْركَبَنَّها ثم لا ترجع إليه أبداً.
فلما انفصل(4) قلت لأبي:
من هذا الرجل الذي عظَّمته هذا التعظيم؟
قال لي:
اسكت ويحك! هذا أديب الأندلس وإمامها وسيّدها في علم الآداب. هذا ابن عبدون، أيسرُ محفوظاته كتاب الأغاني!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
(1) يقابل: يراجع.

(2) بذّ الهيئة: زري الملبس.

(3) لاثها لفّها.:

(3) السِّفر: الكتاب.

(4) انفصل: خرج.









رد مع اقتباس