الدورات العلمية فيها خير كثير، ولكن تحتاج إلى تفرغ تام أثناءَها؛ بحيث يقيد الطالب كل ما يحتاج إلى تقييد، ثم يجرده عند انتهاء الدورة، ترتيبا للفوائد وحفظا للمتن المشروح -إن لم يكن محفوظا لديه من قبل-.
ولكن، يبقى كثير من هذه الدورات دورات استعراضية، فتجد القائمين على الدورات يُحضرون شيوخا أجلاء من مناطق بعيدة ليُلقي لك محاضرة عن القلب السليم، وأنعم بها من محاضرة، ولكن هذا يُحسنه أكثر طلاب العلم.
نعم، قد يكون لهذا الشيخ تأثيرٌ لا يكون عند غيره! ولكن.........
ثم ما معنى أن يأتي شيوخ لإلقاء دورة علمية، كل الدروس فيها هي دروس عامة، أليق بالعوام منها بطلاب العلم.
ولذلك، أنا أزهد في مثل هذه الدروس لأنها لا تفيدني صراحةً، وإذا استفزتني حمى القرم للحضور، أحضر غالبا للاستطلاع لا غير.
الحاصل: أن نجاح الدورات العلمية يحتاج إلى أمور، أهمها في نظري:
1- اختيار مواد الدورة اختيارا دقيقا، يُبَصِّر من يريد البدء في الطلب، ويأخذ بيده إلى منهجية سليمةٍ، بأن يُبدأ بصغار العلم قبل كباره، وأن تُختار المتون للشرح، لا أن يأتي المدرس ويلقي محاضرات في العقيدة من إعداده هو مثلا! فتجده يُطوِّح ههنا وههنا، ولا تعرف عن أي شيء كان يتكلم: هل عن النزول أو عن القرآن، أو عن مسائل الإيمان، أو عن القدر؟!!!!!
2- أن لا تتكرر موضوعات الدورات؛ فتجد بعض الدورات العلمية، كلما أعلن عنها تجد: شرح الآجرومية!!!! وكأن الله لم يخلق من النحاة إلا ابن آجروم.
ولذلك أسمع بكثير ممن يدَّعي أنه طالب علم، لا يكاد يتجاوز الآجرومية إلى غيرها؛ فإذا سمع بطالب درس القطر ثم درس الألفية وحفظها؛ يُنكر عليه ذلك، وربما وصمه بالتعالم!!! أو أنه لا يدرس بمنهجية!!!!! فهو يظن أن الآجرومية تبقى معه من المهد إلى اللحد!!!
3- اتسام الدورات بالشمولية، فالدورة الأولى في فنون معينة، ثم الثانية في فنون أخرى، لأجل أن يتكون طلاب العلم في شتى الفنون، فمن المعيب -في نظري القاصر- أن تجد طالب العلم يتكلم في مسائل كبيرة جدا، وربما كتب بحوثا، وربما نشرها! وهو لا يقيم لغةَ العلم!!!!
ومن العيب -في نظري القاصر- أن تجد طالب العلم لا يُحسن إلا فنا واحدا، يدعي أنه يتخصص فيه، مع أن علوم الشريعة متكاملة، لا ينفك بعضها عن بعض.
فالطالب يتلمس أكثر الفنون: عقيدة وفقها وحديثا وتفسيرا ونحوا وصرفا وبلاغة وأصولا ومنطقا ومصطلحا وغيرها، يأخذ أصول هذه العلوم، ويحفظ متونها التي عليه المعتمد، فإذا أتقن أصول العلم غلَّب عنايتَه بفنٍّ معين يكون فيه متخصصا مع إلمامه بسائر الفنون.