قوله:
(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ) ،(وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
،( يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ )، (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ )، وَقَوْلُهُ: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ، (وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ) ، ( لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) ،( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ )
/ش/ قوله: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ...)إلخ؛ هذه الآيات الكريمة تفيد أن القرآن المتلوّ المسموع المكتوب بين دفَّتي المصحف هو كلام الله على الحقيقة، وليس فقط عبارة أو حكاية عن كلام الله؛ كما تقول الأشعريَّة.
وإضافته إلى الله عزّ وجلّ تدلُّ على أنه صفةٌ لـه قائمة به، وليست كإضافة البيت أو الناقة؛ فإنها إضافة معنى إلى الذات، تدلُّ على ثبوت المعنى لتلك الذات؛ بخلاف إضافة البيت أو الناقة؛ فإنَّها إضافة أعيان، وهذا يردُّ على المعتزلة في قولهم: إنه مخلوق منفصلٌ عن الله.
ودلَّـت هذه الآيات أيضًا على أن القرآن منزَّلٌ من عند الله، بمعنى أن الله تكلَّم به بصوتٍ سمعه جبريل عليه السلام، فنزل به، وأدَّاه إلى رسول الله ( كما سمعه من الربِّ جل شأنه.
وخلاصة القول في ذلك: أن القرآن العربي كلام الله، منزَّلٌ، غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، والله تكلَّم به على الحقيقة، فهو كلامه حقيقة لا كلام غيره، وإذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف لم يخرجه ذلك عن أن يكون كلام الله؛ فإن الكلام إنما يضاف حقيقةً إلى مَن قاله مبتدئًا، لا إلى مَن بلغه مؤدِّيًا، والله تكلَّم بحروفه ومعانيه بلفظ نفسه، ليس شيء منه كلامًا لغيره، لا لجبريل، ولا لمحمد، ولا لغيرهما، والله تكلم به أيضًا بصوت نفسه، فإذا قرأه العباد قرؤوه بصوت أنفسهم، فإذا قال القارئ مثلاً :(الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين )؛كان هذا الكلام المسموع منه كلام الله ، لا كلام نفسه ، وكان هو قرأه بصوت نفسه لا بصوت الله.
وكما أن القرآن كلام الله، فكذلك هو كتابه؛ لأنه كتبه في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوبٌ في المصاحف؛ قال تعالى:
(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ )
وقال: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ )
وقال: (فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ )
والقرآن في الأصل مصدرٌ كالقراءة؛ كما في قوله تعالى:
(إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا )
ويراد به هنا أن يكونَ عَلَمًا على هذا المنزَّل من عند الله، المكتوب بين دفَّتي المصحف، المتعبَّد بتلاوته، المتحدَّى بأقصر سورة منه.
وقولـه: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ ) يدلُّ أن ابتداء نزولـه من عند الله عز وجل، وأن روح القدس جبريل عليه السلام تلقَّاه عن الله سبحانه بالكيفيَّة التي يعلمها.
وَقَوْلُهُ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )،( عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ) ،( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) ، وَقَوْلُهُ: ( لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ، وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ اللهِ كَثِيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لَهُ طَرُيقُ الْحَقِّ .
/ش/ قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ.. ) إلخ؛ هذه الآيات تثبت رؤية المؤمنين لله عز وجل يوم القيامة في الجنة.
وقد نفاها المعتزلة؛ بناء على نفيهم الجهة عن الله؛ لأن المرئي يجب أن يكون في جهة من الرائي، وما دامت الجهة مستحيلة، وهي شرط في الرؤية؛ فالرؤية كذلك مستحيلة.
واحتجُّوا من النقل بقولـه تعالى: ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) ، وقوله لموسى عليه السلام حين سألـه الرؤية: ( لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي )
وأما الأشاعرة؛ فهم مع نفيهم الجهة كالمعتزلة يثبتون الرؤية، ولذلك حاروا في تفسير تلك الرؤية، فمنهم مَن قال: يرونه من جميع الجهات، ومنهم من جعلها رؤية بالبصيرة لا بالبصر، وقال: المقصود زيادة الانكشاف والتجلي حتى كأنها رؤية عين.
وهذه الآيات التي أوردها المؤلِّف حجة على المعتزلة في نفيهم الرؤيـة ؛ فإن الآية الأولى عُدِّي النظر فيها بـ (إِلَى ) ، فيكون بمعنى الإبصار؛ يقال: نظرتُ إليه وأبصرتُه بمعنى، ومتعلِّق النظر هو الربّ جلّ شأنه.
وأما ما يتكلَّفه المعتزلة من جعلهم ( نَاظِرَةٌ )بمعنى منتظرة ، و(إِلَى ) بمعنى النعمة. والتقدير: ثواب ربها منتظرة؛ فهو تأويل مضحك.
وأما الآية الثانية؛ فتفيد أن أهل الجنة، وهم على أرائكهم ـ يعني: أَسِرَّتَهم، جمع أريكة ـ ينظرون إلى ربهم.
وأما الآيتان الأخيرتان؛ فقد صحَّ عن النبي ( تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل ).
ويشهد لذلك أيضًا قوله تعالى في حق الكفار(كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) ، فدلَّ حجب هؤلاء على أن أولياءَه يرونه.
وأحاديث الرؤية متواترة في هذا المعنى عند أهل العلم بالحديث، لا ينكرها إلا ملحد زنديق.
وأما ما احتجَّ به المعتزلة من قوله تعالى
لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) ؛ فلا حجة لهم فيه؛ لأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية، فالمراد أن الأبصار تراه ، ولكن لا تحيط به رؤية ؛ كما أن العقول تعلمه ولكن لا تحيط به علمًا؛ لأن الإدراك هو الرؤية على جهة الإحاطة، فهو رؤية خاصة، ونفي الخاص لا يستلزم نفي مطلق الرؤية.
وكذلك استدلالهم على نفي الرؤية بقولـه تعالى لموسى عليه السلام (لَن تَرَانِي ) لا يصلح دليلاً، بل الآية تدل على الرؤية من وجوهٍ كثيرةٍ؛ منها:
1- وقوع السؤال من موسى، وهو رسول الله وكليمه، وهو أعلمُ بما يستحيل في حق الله من هؤلاء المعتزلة، فلو كانت الرؤية ممتنعة لما طلبها.
2- أن الله عز وجلَّ علّق الرؤية على استقرار الجبل حال التجلِّي وهو ممكنٌ، والمعلَّق على الممكن ممكنٌ.
3- أن الله تجلَّى للجبل بالفعل، وهو جمادٌ، فلا يمتنع إذًا أن يتجلَّى لأهل محبَّته وأصفيائه.
وأما قولـهم : إن (لَن )، لتأبيد النفي ، وإنـها تدل على عدم وقوع الرؤية أصلاً؛ فهو كذب على اللغة فقد قال تعالى حكايةً عن الكفار: (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا )، ثم قـال: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) ، فأخبر عن عدم تمنِّيهم للموت بـ (لَن ) ، ثم أخبر عن تمنِّيهم له وهم في النار.
وإذًا؛ فمعنى قوله: (لَن تَرَانِي ) : لن تستطيع رؤيتي في الدنيا؛ لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته سبحانه، ولو كانت الرؤية ممتنعة لذاتها؛ لقال: إنِّي لا أُرى، أو لا يجوز رؤيتي، أو لست بمرئيٍّ… ونحو ذلك، والله أعلم.
مباحث عامَّة حول آيات الصفات
إن الناظر في آيات الصفات التي ساقها المؤلِّف رحمه الله يستطيع أن يستنبط منها قواعدَ وأصولاً هامَّة يجب الرجوع إليها في هذا الباب:
الأصل الأوَّل: اتفق السلف على أنه يجب الإيمان بجميع الأسماء الحسنى، وما دلَّت عليه من الصفات، وما ينشأ عنها من الأفعال.
مثال ذلك القدرة مثلاً، يجب الإيمان بأنه سبحانه على كل شيء قدير، والإيمان بكمال قدرته، والإيمان بأن قدرته نشأت عنها جميع الكائنات..
وهكذا بقية الأسماء الحسنى على هذا النمط.
وعلى هذا؛ فما ورد في هذه الآيات التي ساقها المصنِّف من الأسماء الحسنى؛ فإنها داخلةٌ في الإيمان بالاسم.
وما فيها من ذكر الصفات؛ مثل: عزَّة الله، وقدرته، وعلمه، وحكمته، وإرادته، ومشيئته، فإنها داخلة في الإيمان بالصفات.
وما فيها من ذكر الأفعال المطلقة والمقيَّدة، مثل: يعلم كذا، ويحكم ما يريد، ويرى، ويسمع، وينادي، ويناجي، وكلَّم، ويكلِّم؛ فإنها داخلةٌ في الإيمان بالأفعال.
الأصل الثاني: دلَّت هذه النصوص القرآنية على أن صفات الباري قسمان:
1- صفات ذاتيَّة لا تنفكُّ عنها الذات، بل هي لازمة لها أزلاً وأبدًا، ولا تتعلَّق بها مشيئته تعالى وقدرته، وذلك كصفات: الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزَّة، والملك، والعظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال… إلخ.
2- صفات فعليَّة تتعلق بها مشيئته وقدرته كل وقت وآن، وتحدث بمشيئته وقدرته آحاد تلك الصفات من الأفعال، وإن كان هو لم يزل موصوفًا بها، بمعنى أن نوعها قديم، وأفرادها حادثة، فهو سبحانه لم يزل فعّالاً لما يريد، ولم يزل ولا يزال يقول ويتكلَّم ويخلق ويدبِّر الأمور، وأفعالـه تقع شيئًا فشيئًا، تبعًا لحكمته وإرادته.
فعلى المؤمن الإيمان بكل مانسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلِّقة بذاته؛ كالاستواء على العرش، والمجيء، والإتيان، والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك، والرضى، والغضب، والكراهية، والمحبة. والمتعلِّقة بخلقه؛ كالخلق, والرزق، والإحياء، والإماتة، وأنواع التدبير المختلفة.
الأصل الثالث: إثبات تفرُّد الربِّ جلَّ شأنه بكل صفة كمال، وأنه ليس لـه شريك أو مثيلٌ في شيءٍ منها.
وما ورد في الآيات السابقة من إثبات المثل الأعلى لـه وحده، ونفي الند والمثل والكفء والسميّ والشريك عنه يدل على ذلك؛كما يدل على أنه منزَّه عن كل نقصٍ وعيبٍ وآفةٍ.
الأصل الرابع: إثبات جميع ما ورد به الكتاب والسنة من الصفات، لا فرق بين الذاتية منها؛ كالعلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر ونحوها، والفعلية؛ كالرضا والمحبة والغضب والكراهة، وكذلك لا فرق بين إثبات الوجه واليدين ونحوهما، وبين الاستواء على العرش والنزول، فكلها مما اتفق السلف على إثباته بلا تأويل ولا تعطيل، وبلا تشبيه وتمثيل.
والمخالف في هذا الأصل فريقان:
1- الجهميَّة: ينفون الأسماء والصفات جميعًا.
2- المعتزلة:فإنهم ينفون جميع الصفات،ويثبتون الأسماء والأحكام، فيقولون: عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وحيٌّ بلا حياة… إلخ.
وهذا القول في غاية الفساد؛ فإن إثبات موصوف بلا صفة، وإثبات ما للصفة للذات المجرَّدة محالٌ في العقل؛ كما هو باطلٌ في الشرع.
أما الأشعرية ومَن تبعهم؛ فإنهم يوافقون أهل السنة في إثبات سبع صفات يسمونها صفات المعاني، ويدَّعون ثبوتها بالعقل، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، و الإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
ولكنهم وافقوا المعتزلة في نفي ما عدا هذه السبع من الصفات الخبرية التي صحَّ بها الخبر.
والكل محجوجون بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقرون المفضَّلة على الإثبات العام.