منتديات الجلفة لكل الجزائريين و العرب - عرض مشاركة واحدة - الأزهر الشريف : ما حكم إسبال الثوب ؟
عرض مشاركة واحدة
قديم 2008-12-12, 23:17   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عبد الله ياسين
عضو مشارك
 
إحصائية العضو










افتراضي تابع لرسالة الشيخ عبد الوهاب مهيّة المسيلي الجزائري

و مما تعلق به المانعون من الإسبال مطلقًا ، قول الشيخ ابن باز رحمه الله : " و لما في ذلك من التشبه بالنساء ، و تعريض الثياب للوسخ و النجاسة ، و لما في ذلك أيضًا من الإسراف ".اهـ

قلت : أما التشبه بالنساء فبيّنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لِبسة المرأة ، والمرأة تلبس لِبسة الرجل " .رواه أبو داود (4098) و النسائي (9253) و ابن حبان في صحيحه (5751) و الحاكم في المستدرك (7415) و قال : صحيح على شرط مسلم

قال الطبري : المعنى ؛ لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس . و قال الحافظ : وكذا في الكلام والمشي ، فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد.اهـ من ( عون المعبود11/105) .

و أما تعريض الثوب للوسخ و للنجاسة فجوابه : أن ما يصيب طرف الثوب من أذى معفو عنه من الشرع بسبب الحرج ، و الأرض يطهر بعضها بعضًا . و الإحتراز من النجاسة لا يوجب بالضرورة تحريم الإسبال .

و أما الإسراف فلا أعرف وجهه ، و نحن نتحدث عن ألبسة هذا العصر حيث المقاييس موحدة ، و الأثواب جاهزة . نعم قد يكون الإسراف في حق من يذهب إلى خياط فيفصل له ثوبًا يزيد على قدره كنحو ذراع ... و أما مجرد بعض الإسبال فلا يكون إسرافًا ، لا عرفًا و لا شرعًا .

و اعلم أن إرخاء اللباس إلى الكعبين بل إلى ما دونهما سنة متبعة خلافًا لتوهم البعض . فقد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فعلاً و تقريرًا .

أما الفعل فقد روى أبو داود (4096) و ابن أبي شيبة (24831) و البيهقي في الشعب (6147) عن عكرمة قال : رأيت ابن عباس إذا اتزر أرخى مقدم إزاره حتى يقع حاشيته على ظهر قدميه ، ويرفع الإزار مما وراءه ، فقلت :لم تأتزر هكذا ؟ قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزر هذه الإزرة " وصححه الألباني رحمه الله في الصحيحة (1238) .

و أما التقرير فقد روى البخاري في جامعه الصحيح في باب نوم الرجال في المسجد (442) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء ، إما إزار وإما كساء ، قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين ، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته "

قلت : و قوله " فمنها ما يبلغ نصف الساقين " ليس المقصود سنة اللباس و لكن لعدم وجود الثياب الكامل السابغ ، كما يدل عليه سياق الحديث .

و كذلك كانت الحال بالنسبة للصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ؛ فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (24829) عن خرشة " أن عمر دعا بشفرة فرفع إزار رجل عن كعبيه ثم قطع ما كان أسفل من ذلك . فكأني أنظر إلى ذباذبه تسيل على عقبيه "

و عن أبي إسحاق قال:رأيت ابن عباس أيام منى طويل الشعر، عليه إزار فيه بعض الإسبال، وعليه رداء أصفر. قال الهيثمي (9/285):رواه الطبراني وإسناده حسن . قلت : رواه الطبراني في الكبير (10572) و أبو بكر الشيباني في الأحاد و المثاني (390) .

و أخرج ابن أبي شيبة وعنه أبو نعيم في الحلية : (5/322) وابن سعد في الطبقات: (5/403) عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عمرو بن مهاجر قال : " كان قميص عمر بن عبد العزيز ما بين الكعب والشراك "

قال ابن عبد البر رحمه الله : وهذا يحتمل أن يكون عمر ذهب إلى أن يستغرق الكعبين كما إذ قيل في الوضوء إلى الكعبين استغرقهما ، وكان الاحتياط أن يقصر عنهما إلا أن معنى هذا مخالف لمعنى الوضوء ولكن عمر ليس منهم كما قال رسول الله لأبي بكر: لست منهم ، أي لست ممن يجر ثوبه خيلاء وبطرا.اهـ

و أخرج ابن أبي شيبة في ( المصَنَّفِ ) (رقم 24845) قال : حدثنا ابن مهدي ، عن أبي عوانة ، عن مغيرة قال : " كان إبراهيم قميصُه على ظهر القدم " . إسناده صحيحٌ ، و ابراهيم هو ابن يزيد النخعي إمام الكوفة .

و أخرج الإمام أحمد في ( العلل) – رواية ابنه عبد الله – ( رقم 841 ) قال :حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدَّثنا حماد بن زيد ، قال : " أمرَنِي أيّوب ( السختياني ) أن أقطعَ له قميصاً قال : اجعلْه يضرِبُ ظَهْرَ القدم ، و اجعَلْ فَمَ كُمِّهِ شبراً ". وإِسنادٌه صحيحٌ

و اعلم أن حد نصف الساق إنما هو في حق الإزار دون غيره من الثياب ، قال بعض الفضلاء : الثوب ليس كالإزار معنى ولا وصفاً ولا حكماً ، فالثوب هو القميص وهو ما يلبس على الجلد من قطن وكتان ، وله جيب وكمان ، لذا لا يجوز للمحرم أن يحرم بقميص أو ثوب ، بينما يشرع له أن يحرم بإزار ، والإزار هو ما يتزر به ، ويكون مثبتا على النصف الأسفل من البدن من السرة فما دون ، فالروايات التي جاءت بالسنة المطهرة التي تحكي بأن يكون اللباس في حق الرجال إلى عضلة الساقين أو إلى أنصافهما ، وفي بعض الروايات إلى الكعبين ، إنما جاءت كلها بلفظ " الإزار " ، قال العلامة بكر أبو زيد حفظه الله :" إن ألفاظ الروايات بجعل الإزار إلى عضلة الساقين أو إلى أنصاف الساقين كلها جاءت بلفظ " الإزار " ولم أقف على شيء منها بلفظ " الثوب ". فلنقف بالنص على لفظه ومورده ... وقال أيضاً : الإزار مثبت على النصف الأسفل من البدن من السرة فما دون ، فلا يرتفع عند الركوع والسجود ، أما الثوب فإذا كان طوله وطرفه إلى عضلة الساقين ، أو إلى أنصاف الساقين ، فإنه مع الركوع والسجود تحمله الكتفان والظهر ، فينجر إلى أعلى ، ويكون كشف مؤخرة الفخذ مئنة ، أو مظنة قوية لانكشاف العورة ، ولو انكشفت عورته وهو يصلي لبطلت صلاته .اهـ من رسالة (حد الثوب و الأزرة)

و قبل الختام ...

تذكَّرْ أنَّ الأحاديث الواردة في الإسبال على ثلاثة أقسام ؛

قسم مطلق ، مثل قوله " ما أسفل الكعبين في النار " ، و قوله في حديث المغيرة رضي الله عنه : " رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذ بحجزة سفيان بن أبى سهل فقال : يا سفيان لا تسبل إزارك فان الله لا يحب المسبلين" رواه أحمد و النسائي في الكبرى (9704) و ابن ماجة(3574) و ابن حبان فى صحيحه و هو حديث حسن و له شواهد.

قلت : الألف و اللام في ( المسبلين ) للعهد الذهني ، و يعني بهم المختالين . و يؤيده رواية ابن حبان الماضية أول البحث بلفظ :" يا سفيان لا تسبل إزارك ، فإن الله لا ينظر إلى المسبلين " و قد مرّ آنفًا بيان مَنْ لا ينظر الله إليهم . و في هذا تأييد قوي لتفسير الحافظ العراقي الذي سبق ذكره ، من أنّ عدم النظر تعبير عن عدم المحبة و المقت .


و منه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بينما رجل يصلي مسبل إزاره ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب فتوضأ " . فذهب فتوضأ ثم جاء فقال: " اذهب فتوضأ " ، فقال له رجل: يا رسول الله ، مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال:" إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره ، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل".

رواه أحمد (4/67) و أبو داود (6380 و 4086)

قلت : أعله المنذري فقال : فيه أبو جعفر رجل من المدينة لا يعرف . و قال الحافظ في ( التقريب 1/628) :" أبو جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول من الثالثة ومن زعم أنه محمد بن علي ابن الحسين فقد وهم " .

قلت : و قوله " مقبول " يعني عند المتابعة ، و لا متابع له في قوله " وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل " . بل الحديث كله على مداره . فالعجب كيف يحكم على صلاة امرئ مسلم و وضوءه بالبطلان بمثل هذه الرواية ؟؟؟

و قد روى ابن خزيمة في صحيحه (781) عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا ينظر الله إلى صلاة رجل يجر إزاره بطرًا " . قال ابن خزيمة : قد اختلفوا في هذا الإسناد قال بعضهم عن عبد الله بن عمر.اهـ

و يستفاد من هذا الحديث تقييد الجر بالبطر و هو الكبر و الخيلاء . ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه : " من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حلّ و لا حرام " رواه أبو داود (637)

و قسم مقيِّد بالجر و الخيلاء ، و قد ذكرنا طرفًا منه . و بيّنّا بالدليل اتحاد محل العقوبة و مورد الحكم و مقتضى ذلك شرعًا .

و قسم فيه وقائع خاصة بأفراد ، خاضعة لاعتبار أحوالهم ، لا تفيد العموم . و لا تصلح أن تعارض الأحاديث الصحيحة الصريحة في تقييد الحكم بالمخيلة .

و تذكّرْ أنّ الأصل في اللباس الإباحة و الجواز ، لا يحرم منه شيء إلا بنص صحيح صريح لا معارض له . و قد ورد في الحديث :" كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة " رواه البخاري تعليقًا و وصله أحمد ( 6708) و ابن أبي شيبة (24877) و النسائي (2559) و ابن ماجه (3605) و الحاكم (7188) و صححه .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما :" كُلْ ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان ؛ سرف أو مخيلة " رواه البخاري تعليقًا و وصله ابن أبي شيبة في مصنفه (24878) .

فينبغي أن تراعي في لباسك ذينك المعنيين ؛ الإسراف وهو مجاوزة الحد المعتاد : سواء كان في الثمن ، أو في الطول ، أو في السعة ، أو في الفصالة ... و أفضل الأمور الإعتدال في كل ذلك . قال الإمام مالك رحمه الله : " أكره للرجل سعة الثوب في نفسه ، و أكره طوله عليه ".

و المخيلة ؛ و هو اللباس الذي يبعث على ازدراء الغير و احتقارهم ، و يثير في النفس مكامن العجب و الزهو .

انتهى