2- قراءة في الوزن والقافيه:
تسير القصيدة في نظام تفعيلة "فاعلاتن" من بحر الرمل، تتكرر في كل بيت أربع مرات ما عدا ما حدث في البيت الأول، حيث يبدأ بتفعيلتين تعلن عن جدلية النص و ثنائية المد والجزر بين الموت وجميلة. و تجيء تفعيلة ’فاعلاتن’ على أربع صور:
فاعلاتن: تامة
فعلاتن: مخبونة(الخبن)
فاعلات: مكفوفة(الكف)
فعلات: مشكولة (الشكل)
و الأبيات في تناغم رهيب ما عدا ما حدث في البيت الرابع عشر، والبيت السابع عشر.
أ- البيت الرابع عشر:
"أحقني بها دمع يتامى شردوهم يا جميله"
ووزن هذا البيت تقديرا: فاعلن(فعو)لن فعلاتن فاعلاتن فاعلاتن وهو وزن لم نعثر عليه في بحور الشعر العربي، لكن هناك اقتراح لا يفسد معنى البيت و يخرجه من ارتباكه ؛ وهو اعتبار’ فعو ’ التي هي ’بها’ زائدة مطبعيا فتصير أول تفعيلة (فاعلاتن)، ولا أعرف كيف التحقق من ذلك.
فيصر البيت كالتالي"أحقني دمع يتامى شردوهم يا جميله" وبهذا يستقيم الوزن(فاعلاتن فعلاتن فاعلاتن فاعلاتن)، و يخرج البيت من ارتباكه. وعلى افتراض أن (بها) غير زائدة وهي من أصل النص فإننا نقول : أن المقطع ولد مع النص هكذا ليقع في منطق الميلاد، فإن( بها) عائدة على آخر مذكورٍ قبلها و هو "الأنسام العليلة" التي تهب بعد هلاك جميلة، لتحقن بها دمعة اليتيم إلى الأبد، فهي أنسام لا تمسح ولكن تحقن، والحقن فعل نهائي يمنع الصورة من التكرار، فهي بهذا بين دمعة اليتيم و الأنسام العليلة داخل هذا الجو الروحي الذي يدخل بالنص غيبوبةً غير متحكمٍ فيها …
فليس يهم الوزن بل قد تم التخطي لمنطق الأشياء و الدخولُ في عالم الأسرار، منطقها ذوقيٌ أكثرمنه عقلي.
ب- البيت السابع عشر
"أتعيشين لمجدٍ أنت جررت ذيوله"
و للبيت قراءتان:
الأولى: بتخفيف "راءِ" (جررت ) الأولى. وبها تم الطبع في الكتاب* . وقراءة الوزن إذن (فعلاتن فعلاتن تن فعلا فعلاتن). ولم ن نرى وجها آ خر إلاّ هذا… وهنا كأن الغيبوبة التي وقعت منذ لحظة الميلاد جعلت النص يدخل في منطقه الخاص ضمن جدلياته التي أعلن عنها منذ البداية. هنا كأن النص وحدة واحدة معنى و وزنا…
فالبيت يطرح التناقض من وصول المجد دون جميلة وهي التي جررته… فعند كلمة (جررت) يتفجر هذا البيت على رؤية التناقض: وصول المجد دون التي جررته، وكذلك في الوزن (أنت جررْ…) (تن فعلا) فهي إذن تفعيلة مقلوبة تسكنها صورة مقلوبة، فطبائع الأشياء أنّ التي تجرُ تصل قبل المجرور، وهنا وصول المجرور(المجد) دون التي جرّته. فهنا قوة جدلية من داخل المعنى و حركة التفعيلة تهتز عند نقطة واحدة معنى ووزنا. الثانية : بتثقيل "راء" (جررت) الأولى، وهو اقتراحنا في قراءة الكلمة على معنى المبالغة والتكثير، وعليه يستقيم وزن البيت على بحر الرمل( فعلاتن فعلاتن فاعلاتن فعلاتن) وكل هذا يدلنا على أهمية هذا النوع من التحليل في القراءة السليمة و الصحيحة للقصيدة الموزونة، إذ أنّ المعنى بين (جَرَرْتِ ) و (جَرَّرْتِ) فارقٌ في بنية الصورة الشعرية.
3 – قراءة في نظام الجمل "الإسمية و الفعلية"
تتكون القصيدة من واحد وعشرين بيتا، على اعتبار أن البيت في القصيدة الحرة يقدر بكل سطر، و هنا نجد أن القافية حددت هذا الإعتبار حيث جاءت القافية في كل سطر من وحي جميلة.
واحد وعشرون بيتا وهي في نفس الوقت واحد و عشرون جملة، أغلب الجمل فعلية أو وردت ضمنها أفعال، إذ نجد أن القصيدة لا تتضمن في مجملها إلاّ أربع جمل إسمية بحتة، و هنا تتجلى الحركة القوية التي تتحرك في النص ضمن سبع عشرة بيتا… صراع داخلي في عمق الضمير المجروح، و داخل المنظومة المفهوماتية حول الموت والحياة… الأبيات الإسمية البحتة هي وحدها التي جاءت لتعبر عن حقائق النص المطلقة التي تَفَجَّرَ بين نقاطها توتر عنيف و جدليات رهيبة… الأبيات الأربع الإسمية نجدها تتحرك مثل متتالية عددية، فهذه الجمل تدخل في وجود النص بعد كل أربع أبيات منها تكون هي رابعها، إلاّ ما وقع في البيت الثاني عشر، وهو إسمي بحث حيث أعقبه بيت إسمي آخر " أهو الغفوة في نومة عز مستطيله / أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفوله". ولكن بعدها لا تتفجر الجملة الإسمية إلاّ في البيت الواحد والعشرين، وهو آخر بيت فيها، وقد أعلن عن وجوده بعد أن مرّت ثمان أبيات فعلية… كما أنّا نلاحظ أن البيت الثالث عشر تعاقب بعد الثاني عشر خلافا لنظام التوالي الذي أعلناه، لأنه مع البيت الثالث عشر يعبر عن حقيقة واحدة. وبهذا تم امتداد الجمل الفعلية بعدها على امتداد ثمان أبيات… كما أنّا نلاحظ أنّ البيت الخير، كأنه اختزل هزّتين… يتفجر النص خلالها انفجارا عنيفا و مؤسفا في الوقت نفسه" غير أن الموت له أحيانا كف بخيله".
إن لأبيات الإسمية –عندنا بالمفهوم السابق- تتفجر وتعلن عن وجودها بعد كل صراع تعيشه القصيدة عبر جملها الفعلية… فبعد "لن تموتي" و " أملي أن تستريحي"، و "قالها الناس " و " لم اقلها" جاءت الجملة الرابعة تتفجر من ينبوع المطلق " فالردى في وهج القسوة أنسام عليله"، ثم هي نفس هذه الأنسام التي تمنح النص امتداده معنويا وحيزيا داخل الأبيات الثلاث الآتيات… و بعد هذه الثلاث يتفتح النص على جملة إسمية أخرى " إن في تصويتك المأمول إيراق الخميله" و لتعبر عن حقائقه المطلقة، ثم إن "إيراق الخميله" يمنح النص امتداده في البيت الذي يليه نورا وحياة…
ولكن بعد هذا البيت يدخل النص عبر جمله الفعلية في صراعاته الداخلية و المفهوماتية، أسئلة عن نوع الموت الذي لم تذقه جميلة، أو عن ماهيته و هو الذي جرعته دنيا طويله… يتفجر النص بعد هذه الجمل في جملتين إسميتين ليعلن عن حقيقة الرؤيا داخل النص لهذا الموت… " أهو الغفوة في نومة عز مستطيله/ أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفوله". وهي نفس هذه الرؤيا التي ولدت من عمق المطلق، والتي تمنح امتدادا آخر عبر ثلاث أبيات أخر"أهو الهزة تهوي بالتماثيل الدخيله/ أهو النشوة تسري في شرايين الفضيله/ إن يكن موتك هذا فاطلبيه يا جميله".
ثم يدخل النص في صراعاته الداخلية عبر أسئلته المؤرقة و تناقضاته الجارحة يكون النصر ؟ هل تعيشين ليومه؟ ثم ما معناه بدونكِ… ثم يعود إلى قضية الموت في أعين الأبطال، فجميلة تهوى الموت، وكم طلبته، و لكنه موت غير موت الغدر، وكم هو صعب عليهم الموت أسرى بسجون عدوهم… وكم هو أحلى في ميدان الوغى… و يتفجر النص في آخر بيت منه ليعْبُرَ كل صراعاته و يقبع في زاوية هذا البيت، يمنح القصيدة توقفا يحدث رجّة و هزّة عنيفة تبقى تدور بنا في عوالمها حيارى"غير أن الموت له أحيانا كف بخيله".
تحركت الجدلية عبر الأفعال لتعبّر عن صراعاته و تناقضاته لتولد حقائقٌ مطلقة داخل جمله الإسمية… ولكن حتى هذه الجمل لم تخرج عن جدلية الصراع والتناقض الذي تحرك بداخله كل النص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * قصيدة الشاعر كما وردت في كتاب: الثورة في الأدب الجزائري الحديث، صفحة 185-186، صلاح مؤيد العقبي، الطبعة الثانية بدون تاريخ النشر
لن تموتي يا جميلة [1]
للشاعر صالح خرفي [2]
لن تموتي ياجميلة
قالها الناس و لم أقلها يا جميلة
أملي أن تستريحي يا جميلة
فالردى في وهج القسوة أنسام عليلة
احقني بها دمع يتامى شردوهم يا جميلة
و دما حرا بريئا مزج الغدر سيوله
صوحي يا زهرة العز ذوبي كالفتيلة
إن في تصويتك المأمول إيراق الخميلة
إن في نورك إشعاعا يرى الشعب سبيله
أي موت لم يذيقوك أساه ، أي حيلة
ما هو الموت و قد جرعته دنيا طويله
أهو الغفوة في نومة عز مستطيلة
أهو اليقظة في خلد كأحلام الطفولة
أهو الهزة تهوي بالتماثيل الدخيلة
أهو النشوة تسري في شرايين الفضيلة
إن يكن موتك هذا ، فاطلبيه يا جميلة
أتعيشين لمجد أنتِ جررت ذيوله
أ تعيشين لنصر أنت ذكراه الجميلة
أنا أدرى الناس كم تهوين موتا يا جميلة
كم طلبت الموت، كم منيته غدرا فحيلة
غير أن الموت له أحيانا كف بخيلة
حواشي
[1] جميلة بوحيرد و هي مجاهدة جزائرية كان قد حكم عليها المستعمر الفرنسي إبان الثورة التحريرية بالإعدام وقد أحدث ذلك انتفاضة كبرى داخل الشارع العربي وقد خلدها حينها كثير من الشعراء ومنهم نازك الملائكة و قد نعود إلى بعض تلك القصائد بالقراءة و التحليل وفاء للوطن العزيز الجزائر
[2] صالح خرفي : شاعر جزائري من مواليد 1932 بمدينة الشرارة من دواوينه "أطلس المعجزات" و "أنت ليلاي" . نفس المصدر السابق صفحة 181