القصة رقم 27
إبراهيم الموصلي وزائره الغريب.
قال المغني إبراهيم الموصلي:
استأذنت هارون الرشيد في أن يهب لي في كل أسبوع يوما أخلو فيه مع جواري، فأذن لي في يوم الأحد. وقال:
هو يوم استثقلته.
فلما كان في بعض الآحاد أتيت الدار فدخلت، وأمرت الحجاب ألاّ يأذنوا لأحد عليّ، وأغلقت الأبواب.
فما هو إلا أن جلست حتى دخل علي شيخ حسنُ السمت والهيئة، على رأسه قلنسوة صغيرة، وفي رجله خفان أحمران، وفي يده عصا مُقَمَّعة بفضة.
فلما رأيته امتلأت غيظا، وقلت: ألم آمر الحجاب ألا يأذنوا لأحد؟
ثم أفكرت وقلت: لعلهم علموا من الشيخ ظرفا وهيئة، فأحبوا أن يؤنسوني به في هذا اليوم.
وسلم الشيخ، فلما أمرته بالجلوس جلس، وقال:
يا إبراهيم، ألا تغنيني صوتاَ؟
فامتلأت عليه غيظا، ولم أجد إلى ردّه سبيلا في منزلي، وحملته منه على سوء أدب العامة. فأخذتُ وضربتُ وغنيت ووضعت العود.
فقال لي:
لم قطعت هزارك؟(1).
فزادني غيظا، وقلت: لا يُسَيِّدُني ولا يُكَنِّيني ولا يقول أحسنت!
فأخذت العود فغنيت الثانية، فقال لي: أحسنت! فكدت والله أشق ثيابي!
وغنيت تمام الهزار. فقال: أحسنت يا سيدي! ثم قال ناولني العود.
فو الله لقد أخذه فوضعه في حجره ثم جسه من غير أن يكون ضرب بأنملة، فوالله خلت زوال نعمتي في جسه.
ثم ضرب وغنى:
وقد زعموا أن المحبّ إذا دنا**يُمَلُّ، وأن الناي يسلي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا**على أن أقرب الدار خير من البعد
فو الله لقد خلت كل شيء في الحضرة يتغنى معه حتى الأبواب والستور والنمارق والوسائد وقميصي الذي على بدني. ثم قال:
يا أبا إسحاق! هذا الغناء الماخوريّ، تعلّمه وعلِّمه جواريك.
ثم وضع العود من حجره وقام إلى الدار، فلم أره. فدفعت أبواب الحرم فإذا هي مغلقة. فسألت الحجّاب عن الرجل، فقالوا لي:
لم يدخل عليك أحد حتى يخرج.
فأمرت بدابتي فأسرجت، وركبت من فوري إلى دار الخليفة، واستأذنت. فلما رآني قال:
ألم تنصرف آنفا على نية المقام في منزلك والخلوة بأهلك؟
قلت:
يا سيدي، جئت بغريبة.
وقصصت عليه القصة. فضحك الرشيد حتى رفع الوسائد برجليه، وقال لي:
كان نديمك اليوم إبليس يا أبا إسحاق. وددت أنه لو متعنا بنفسه كما متعك!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
(1) الهزار: اللحن.