المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : *«•¨*•.¸¸.»منتدى طلبة اللغة العربية و آدابها «•¨*•.¸¸.»*


الصفحات : [1] 2

**د لا ل**
2012-02-08, 15:06
http://www.al-wed.com/pic-vb/118.gif السلام عليكم ورحمة الله وبركاته http://www.al-wed.com/pic-vb/118.gif

http://www.al-wed.com/pic-vb/123.gif

سيكون هنا بحول الله كلُّ ما يخص طلبة اللُّغةِ العربيةِ وآدابهَا بكِلاَ نِظاميها *كلاسيك *و*آل م د* واضافة لطلبة الدراسات العليا

سنحاول معا باذن الله ان نساعد بعضنا ونحاول تجميع اكبر قدر من الكتب والمقالات والبحوث والدراسات النقدية ومذكرات التخرج ورسائل الماجستير والدكتوراه الخاصة بالأدب العربي ومقايسه

وللجميع مطلق الحرية في اضافة اي موضوع خاص بمجالنا

والله المستعان

شكرااااااااا

http://www.al-wed.com/pic-vb/16.gif

http://files.fatakat.com/2010/1/1264969624.gif

**د لا ل**
2012-02-11, 12:44
مراجع عن الشعر الجاهلي
الشعر الجاهلي


ما هو الشعرالجاهلي ؟!
الشعر عند العرب هو الأثر العظيم الذي حفظ لنا حياة العرب في جاهليتهم، وإذا كانت الأمم الأخرى تخلد مآثرها بالبنيان والحصون فإن العرب يعولون على الشعر في حفظ تلك المآثر ونقلها إلى الأجيال القادمة. يقول ابن سلام: "وكان الشعر في الجَاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم به يأخذون وإليه يصيرون" [1]. فالشعر عند العرب له منزلة عظيمة تفوق منزلة تلك الأبنية .
وقد احببت ان اكتب عن الشعر الجاهلي لأن في حياتنا المعاصرة ندرك الكثير من وسائل الاعلام و اصبحنا ندرك خطرها فقد تحولت لاداة ضغط،و تشويه مختلفة عن تلك التي شهدت نهضة واضحة في خضم تفاعل لغتنا العربية و مبدعينا العرب، حيث كان الشعر هو الواجهة العربية التي تبرز قوة وشجاعة و نبل أخلاقنا العربية تمثلت بابداع شعرائنا في العصر الجاهلي، و مما زاد في ازدهار لغتنا الغناء في تلك الفترة ان الكلمة كانت هي الطريقة الاولى للاعلام ، وتواجد الكثير من الشعراء المبدعين ، حيث كان الشعر في العصر الجاهلي يعطي الصورة الادق و الاجمل و قادر على الوصول بسهولة و يسر إلى مبتغاه .ولكننا نرى الآن بعض من التخاذل عن هذا الشعر الرائع وقد اكدت الآية الكريمة ما آل إليه الشعر قال تعالى :
" والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون "[2]

أما بعد ؛ فإني أرغب بتقديم تقريري هذا راجية من الله ان اوفي حق الشعر والشعراء
وقد أردت أن أعرض فيه كل من : قيمة الشعر الجاهلي ، خصائص الشعر الجاهلي ، النثر الجاهلي ، أسلوب الشعر الجاهلي ، أغراض الشعر الجاهلي ، من أبرز شعراء العصر الجاهلي.
الموضوع :
قيمة الشعر الجاهلي:
1- القيمة الفنية: وتشمل المعاني والعاطفة والموسيقى الشعرية ، حيث نظم الشاعر الجاهلي اكثر شعره على اوزان طويلة التفاعيل .
2- القيمة التاريخية: كان الشعر وسيلة نقل معاناة الناس وشكواها الى السلطة ، فالشعر الجاهلي يعتبر وثيقة تاريخية بما يخص احوال الجزيرة واحوال العرب الاجتماعية .
خصائص الشعر الجاهلي:
_1 الصدق: كان الشاعر يعبر عما يشعر به حقيقة مما يختلج في نفسه بالرغم من انه كان فيه المبالغة _2 البساطة: ان الحياة الفطرية والبدوية تجعل الشخصية الانسانية بسيطة ، كذلك كان اثر ذلك على الشعر الجاهلي .
_3ذكر المرأة : جعل الشاعر للمرأة سمو الكواكب وبهاءها، ونضارة النبات وألوانه وأريح العطر، وخصوبة الأرض، وأصبحت المرأة فردوسة فى تلك الصحراء الواسعة وقد صنع الشاعر هذا الفردوس أو العالم الجميل وفق هواه، فجمع فيه بين الجمال والجلال والنفع والمتعة. وقد حاولت الكشف عما وجدته من ظواهر تتصل بهذه الموضوعات في الشعر الجاهلي، وحاولت من ناحية أخرى الكشف عما وراءه هذه الظواهر وهي محاولة محفوفة بالصعوبة، لبعد الشقة بيننا وبين ذلك العصر، ولخصوصية ذلك الشعر وطبيعته التى تجعل من الدراسة نوعاً من الإبحار فى عالم كلما ازددنا معرفة به ازدادت أبعادة عمقاً وتعدداً[3]
_4 القول الجامع: كان البيت الواحد من الشعر يجمع معاني تامة ، فمثلا قالوا في امرئ القيس بقصيدته «قفا نبك‏» انه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في بيت واحد[3] .
_5 الاطالة: كان يحمد الشاعر الجاهلي ان يكون طويل النفس ، اي يطيل القصائد واحيانا كان يخرج عن الموضوع الاساسي ، وهذا يسمى الاستطراد .
_6 الخيال: هو ان اتساع افق الصحراء قد يؤدي الى اتساع خيال الشاعر الجاهلي .
النثر الجاهلي:
النثر هو كلام اختيرت ألفاظه وانتقيت تراكيبه وأحسنت صياغة عباراته بحيث يؤثر في المستمع عن طريق جودة صنعته. فهو يختلف عن الكلام العادي الذي يتكلم به الناس في شؤونهم العادية. وأنواع النثر الجاهلي هي: الخطابة والأمثال والحكم والقصص وسجع الكهان. وسجع الكهان يتصف بقصر جمله وكثرة غريبه والتوازن في عباراته، ويحرص الكاهن على إخفاء كلامه باتباع هذا الأسلوب، والخطابة من أبرز أنواع النثر في العصر الجاهلي، وتتلوها من ناحية الأهمية: الأمثال؛ لسيرورتها بين عامة الناس وخاصتهم .

أسلوب الشعر الجاهلي:
ينتقل الشاعر الجاهلي إلى وصف الطريق الذي يقطعه بما فيه من وحشة، ثم يصف ناقته، وبعد ذلك يصل إلى غرضه من مدح أو غيره، وهذا هو المنهج والأسلوب الذي ينتهجه الجاهليون في معظم قصائدهم ولا يشذ عن ذلك إلا القليل من الشعر.
وإذا أردنا أن نقف على أسلوب الشعر الجاهلي فلابد لنا من النظر في الألفاظ والتراكيب التي يتكون منها ذلك الشعر ، فألفاظ الشعر الجاهلي قوية صلبة في مواقف الحروب والحماسة والمدح والفخر، لينة في مواقف الغزل، فمعظم شعر النابغة الذبياني وعنترة العبسي وعمرو بن كلثوم من النوع الذي يتصف بقوة الألفاظ ،وهناك نوع من الألفاظ يتصف بالعذوبة؛ لأنه خفيف على السمع ومن ذلك قول امرىء القيس:
وما ذَرَفت عيناكِ إلا لِتَضْرِبِي بسَهْميك في أعشار قَلْبٍ مُقَتل

اغراض الشعر الجاهلي:
أغراض الشعر الجاهلي هي الموضوعات التي نظم فيها شعراء الجاهلية شعرهم؛ فإذا كان قصد الشاعر وغرضه من الشعر الاعتزاز بنفسه أو قبيلته فشعره فخر، وإذا كان قصد الشاعر التعبير عن الإعجاب بشخص ما في كرمه أو شجاعته أو غير ذلك فشعره مدح، وإذا كان قصده وغرضه النيل من شخص ما وتحقيره فذلك الهجاء :
)لَيَأتِيَنّـكَ منِّي مَنْـطِقٌ قَـذعٌ باقٍ كما دَنَّسَ القَبْـطِيَّة الوَدكُ(
وإذا كان الشاعر يهدف إلى إظهار الحزن والأسى فذلك الرثاء :
)أَيَّتُهَا النّفْسُ أَجْمـِلِي جَزَعـَا إنّ الذي تَحْذَرين قد وَقَـع(
وإذا حَلَّقَ الشاعر في الخيال فرسم صوراً بديعة فذلك الوصف :
(فلما علا مَتْنَتَيْهِ الغُـلامُ وسَكَّن من آلهِ أن يُطـَارا)
وإذا عَبَّر عن حديثه مع النساء فذلك الشعر هو الغزل :
(أفاطِمُ قبْلَ بَينِكِ مَتَّعـيني ومَنْعُكِ مَا سَألتُ كأن تَبِيني)
وإذا استعطف بشعره أميراً أو غيره فهو الاعتذار:
(ما قُلْتُ من سَيء مِمّا اُتِيْتَ بِه إذاً فَلاَ رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ يَدِي(
وإذا نظر في الكون وحياة الناس فتلك الحكمة:
)ومَنْ هَابَ أسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ ولَوْ رامَ أَسْبَابَ السمَاَءِ بِسُلَّم(
وأغراض الشعر الجاهلي التي نريد بسط القول فيها هي:
" المدح، الهجاء، الرثاء، الفخر، الوصف، الغزل، الاعتذار، الحكمة "
مع أن القصيدة العربية الواحدة تشمل عدداً من الأغراض؛ فهي تبدأ بالغزل ثم يصف الشاعر الصحراء التي قطعها ويتبع ذلك بوصف ناقته، ثم يشرع في الغرض الذي أنشأ القصيدة من أجله من فخر أو حماسة أو مدح أو رثاء أو اعتذار، ويأتي بالحكمة في ثنايا شعره فهو لا يخصص لها جزءاً من القصيدة.
المنتخبات العامة:
لأن هذه المنتخبات هي أقدم وأهم مصادر الشعر الجاهلي ،اسمحوا لي أن أفصل الحديث عنها قليلاً..
المعلقات: يقال بأن أول من رواها مجموعة في ديوان خاص بها هو حمّاد الرواية وهي عنده سبع معلقات .
المفضليات: نسبة للمفضل الضبي أوثق رواة الكوفة، وشرحها بن الأنباري وهي مائة وست وعشرون قصيدة لسبعة وستين شاعراً وهي من أوثق مصادر الشعر الجاهلي.
الأصمعيات: نسبة للأصمعي روايها، وعدد قصائدها مقطعاتها اثنتين وتسعين موزعة على واحد وسبعين شاعراً منهم أربعون جاهلياً، ولم تصل إلينا مشروحة ولم تشتمل على قصائد كاملة وإنما مختارات منها.

إضافة :
ولم يتوقف مبدأ أخذ الشعراء من بعضهم ، على المعاني فقط بل تعدى إلى الالفاظ والابيات والصور الجمالية والمواقف الانسانية ، وقد سجل بعضهم هذه الحقيقة في شعرهم مثل امرؤ القيس قوله :
" عُوجاً على الطَّلل المحُيل لأننا نبكى الديار كما بكى ابنُ خِذامِ "[4]

أبرز شعراء العصر الجاهلي :
امريء القيس بن الحارث الكندي توفي عام 74 قبل الهجر
طرفة بن العبد البكري توفي سنة 70 قبل الهجرة
زهير بن أبي سلمى المزني توفي سنة 14 قبل الهجرة
لبيد بن ربيعة العامري وهو صحابي توفي سنة 40 هـ
عمرو بن كلثوم التغلبي توفي سنة 52 قبل الهجرة
عنترة بن شداد العبسي توفي سنة 22 قبل الهجرة
الحارث بن حلزة اليشكري توفي سنة 52 قبل الهجرة
الأعشى ميمون البكري توفي سنة 7 هـ ولم يسلم
النابغة الذبياني توفي سنة 18 قبل الهجرة
عبيد بن الأبرص الأسدي توفي سنة 17 قبل الهجرة
ــــــــــــــ
[4] ديوان امرؤ القيس (طبع دار الممعارف)

**************************

العصر الجاهلي دراسة وتحليلا



اتفق الناس تسمية على تسمية العصور التي سبقت الإسلام بالعصر الجاهلي وهو في الحقيقة حقبة طويلة من الزمن قد يكون من الممكن تسميتها بالعصور الجاهلية(وليس عصرا واحدا)وسنتحدث عن هذا العصر وعن الشعر متناولة الأدب في تلك الحقبة وخصائص هذا الأدب وقيمته ثم سأعرج على شعراء هذ العصر وبعض من قصائدهم.
وكانت للعرب أسواق تجارية معروفة كسوق عكاظ لها مواسم معروفة يتوافد إليها الشعراء من كل فج ليطرحوا مالديهم من أبيات وقصائد وليستمعوا للقصائد الأجرين وكان يحدث في هذا التجمع الكثير من المسابقات والحوارات الهادفة وكثير مايحدث تحدي بين شاعرين ومباهاه وفخر .

قيمة الشعر الجاهلي:
1- القيمة الفنية: وتشمل المعاني والأخيلة والعاطفة والموسيقى الشعرية ، حيث نظم الشاعر الجاهلي أكثر شعره على أوزان طويلة التفاعيل .
2- القيمة التاريخية: كان الشعر وسيلة نقل معاناة الناس وشكواها إلى السلطة ، فالشعر الجاهلي يعتبر وثيقة تاريخية بما يخص أحوال الجزيرة وأحوال العرب الاجتماعية.
القيمة الفنية: وتشمل المعاني والأخيلة والعاطفة والموسيقى الشعرية ، حيث نظم الشاعر الجاهلي أكثر شعره على أوزان طويلة التفاعيل .

2- القيمة التاريخية: كان الشعر وسيلة نقل معاناة الناس وشكواها الى السلطة ، فالشعر الجاهلي يعتبر وثيقة تاريخية بما يخص احوال الجزيرة واحوال العرب الاجتماعية .

الوزن و القافية:
الوزن: هو التفعيلات الشعرية الموسيقية الرتيبة التي تتكون منها الابيات ، وتسمى البحور الشعرية .

القافية: وهي ما ياتي به الشاعر في نهاية. كل بيت من ابيات القصيدة ، وابرزها الحرف الاخير الذي يختم به البيت وضبطه النطقي


أنواع الشعر
الشعر العمودي والشعر التقليدي: لقد احتفظ بخاصيته التقليدية بالالتزام بنظام الاوزان والقافية .

2- الشعر المرسل: احتفظ بنظام الاوزان في الشعر وتحرر من نظام القافية الموحدة .

3- الشعر الحر: وهو الشعر الذي تحرر من نظام الاوزان والقوافي معا .

طبقات الشعراء:1-

الشعراء الجاهليون: وهم الذين لم يدركوا الاسلام كامرئ القيس .

2- الشعراء المخضرمون: وهم ادركوا الجاهلية والاسلام حسان بن ثابت .

3- الشعراء الاسلاميون: وهم الذين عاشوا في صدر الاسلام وعهد بني امية .

4- الشعراء المولدون او المحدثون: وهم من جاءوا بعد ذاك كبشار بن برد وابي نؤاس




خصائص الشعر الجاهلي:

1- الصدق: كان الشاعر يعبر عما يشعر به حقيقة مما يختلج في نفسه بالرغم من انه كان فيه المبالغة ، مثل قول عمرو بن كلثوم .

2- البساطة: ان الحياة الفطرية والبدوية تجعل الشخصية الانسانية بسيطة ، كذلك كان اثر ذلك على الشعر الجاهلي .

3- القول الجامع: كان البيت الواحد من الشعر يجمع معاني تامة ، فمثلا قالوا في امرئ القيس بقصيدته «قفا نبك‏» انه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في بيت واحد .

4- الاطالة: كان يحمد الشاعر الجاهلي ان يكون طويل النفس ، اي يطيل القصائد واحيانا كان يخرج عن الموضوع الاساسي ، وهذا يسمى الاستطراد .

5- الخيال: هو ان اتساع افق الصحراء قد يؤدي الى اتساع خيال الشاعر الجاهلي .
شكل القصيدة الجاهلية:

تبدأ القصيدة الجاهلية بذكر الأطلال ثم وصف الخمر وبعدها ذكر الحبيبة، ثم ينتقل الشاعر إلى الحماسة

حتى ما ثبت من الشعر الجاهلي .
__________________
أغراض الشعر العربي الجاهلي:
أولاً: الوصف:

لقد أحاط الشاعر الجاهلي في أوصافه بجميع مظاهر البيئة، فوصف كل ما يخطر على باله وما يتراءى أمامه من مولدات شعورية، فحين يصف "عميرة بن جُعل" ديار الحبيبة الداثرة يبدع فيقول:

قِفارٌ مَروراةٌ يَحَارُ بهـا القطـا

يظلّ بها السبعـان يعتركـان

يثيران من نسج التراب عليهما

قميصيـن أسماطًا ويرتديـان

وبالشَّرف الأعلى وحوش كأنها

على جانب الأرجاء عُوذُ هجان

ثانيًا: الغزل:

وقد اختص الشاعر قصائد بعينها وأوقفها على الغزل وذكر النساء، وفي أحيان أخرى كان يجعل الغزل في مقدمة القصيدة بمثابة الموسيقى التمهيدية للأغنية، توقظ مشاعر المبدع والسامع فتلهب الأحاسيس، وتؤجج العواطف، ورغم السمة العامة للغزل وهو الغزل الصريح المكشوف الذي يسعى للغريزة أول ما يسعى، فإن المثير أن يعجب بعض الشعراء الصعاليك (الشنفرى) بحسن أدب المرأة وأخلاقها العالية فيصفونها:

"لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعهـا * إذا ذكرت ولا بذات تلفت

كأن لها في الأرض نسيًا تقصه * على أمها وإن تكلمك تبلَّت

تبيت بُعيد النوم تهدي غبوقهـا * لجارتها إذا الهدية قلت

تحل بمنجـاة من اللـوم بيتهـا * إذا ما بيوت بالمذمة حلت
ثالثـًا: الرثاء:

وعاطفة الشاعر البدوية الفطرية كانت شديدة التوهج، فإن أحب هام وصرَّح وما عرف للصبر سبيلاً، وإن حزن فبكاء ونحيب حتى يملأ الدنيا عويلاً، وكلما جفت الدموع من عينيه استحثها لتسح وتفيض.

ومضرب المثل في الرثاء صخر أخو الخنساء الذي رثته أبياتًا، وبكته أدمعًا ودماءً، تقول الخنساء:

أعيني جـودا ولا تجمـدا ألا تبكيان لصخر الندى؟

ألا تبكيان الجريء الجميل؟ ألا تبكيان الفتى السيـدا؟

وهي ترجو (صخرًا) ألا يشعر بألم تجاه عينيها الذابلتين من البكاء وتلتمس لهما العذر:

ألا يا صخر إن بكَّيت عينـي لقد أضحكتني زمنًا طويـلاً

دَفَعْتُ بك الخطوب وأنت حي فمن ذا يدفع الخطب الجليلا؟

إذا قبح البكـاء علـى قتيـل رأيت بكاءك الحسن الجميلا

رابعًا: الفخر:

كان الجاهلي إذا فخر فجر … هكذا قالوا…

فانتماء الجاهلي لعشيرته وعائلته أمر مقدس، وعوامل ذلك متعددة منها: طبيعة الحياة القاسية التي عاناها العربي مما جعله يعتصم بقوة أكبر منه ويتحد معها؛ ليتحصن من صراع الحياة البدائية المريرة، مما جعل عمرو بن كلثوم يقول بملء فيه:

وأنـا المنعمون إذا قدرنا وأنا المهلكون إذا أتينا

وأنـا الحاكمون بما أردنا وأنا النازلون بحيث شينا

وأنـا النازلـون بكل ثغـر يخاف النازلون به المنونا

ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينًا

ألا لا يجلهن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ملأنا البر حتى ضاق عنا كذاك البحر نملؤه سفينًا

إذا بلغ الرضيع لنا فطامًا تخر له الجبابر ساجدينا

لنا الدنيا وما أمسى علينا ونبطش حين نبطش قادرينا

خامسًا: الهجاء:

والهجاء المقذع عندهم يزكم الأنوف، ويعشو العيون، ولكنَّ لهم هجاء طريفًا ومنه التهديد والوعيد بقول الشعر الذي تتناقله العرب، فيتأذى منه المهجو أكثر من التهديد بالقتل، وكان الهجاء سلاحًا ماضيًا في قلوب الأعداء فهم يخافون القوافي والأوزان أكثر من الرماح والسنان.



يقول مزرد بن ضرار:

فمن أرمه منها ببيت يَلُح به كشامة وجه، ليس للشام غاسلُ

كذاك جزائي في الهدى وإن أقل فلا البحر منزوح ولا الصوت صاحل


سادسًا: المدح:

ومن رواده زهير بن أبي سلمى وكان لا يمدح إلا بالحق، وكذا النابغة الذبياني الذي تخصص في مدح العظماء والملوك راغبًا في العطاء السخي، ومنهم "الأعشى" وكان سكيرًا مغرمًا بالنساء لا يهمه من يمدح ما دام يعطيه، وقد أنفق كل ما أعطى على خمره ونسائه.

قال زهير في مدح حصن بن حذيفة:

وأبيض فياض يداه غمامـة على معتفيه ما تغب فواضـله

أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ولكنه قد يهلك المال نائلــه

تراه إذا ما جئتـه متهلـلاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله

ظهور الشعر الجاهلي:و يشمل:

1- شعراء الفرسان .

2- شعراء الصعاليك .

3- شعراء آخرون .

1- شعراء الفرسان: نحن نعلم بان شاعر القبيلة هو لسانها الناطق وعقلها المفكر والمشير بالحق والناهي الى المنكر ، فكيف اذا جمع له الشعر والفروسية فهو صورة صادقة لتلك الحياة البدوية ، حيث كان يتدرب على ركوب الخيل ، ويشهر سيفه ، ويلوح برمحه ، فمن هؤلاء الشعراء:

- المهلهل .

- عبد يغوث .

- حاتم الطائي .

- الفند الزماني (فارس ربيعة) .

http://www.momeen.org/up/uploads/a1e3eb2754.jpg

المهلهل
هو عدي بن ربيعة التغلبي ، خال امرؤ القيس ، وجد عمرو بن كلثوم . قيل أنه من أقدم الشعراء الذين وصلت الينا أبارهم واشعارهم ، وأنه أل من هلهل الشعر ولذلك قيل له المهلهل .

كان له أ اسمه كليب رئيس جيش بكر وتغلب . كليب قتل ناقة البسوس ثم قتل كليب ، ونشبت‏ حرب البسوس بين بكر وتغلب، دامت اربعين سنة .

المختار من شعره: واكثر شعر المهلهل هو في رثاء أخيه كليب، حيث‏يقول:

كليب لا خير في الدنيا و من فيها

ان انت‏خليتها في من يخليها

نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم

سالت‏بنا الارض او زالت رواسيها

ليت السماء على من تحتها وقعت

وحالت الارض فانجابت‏بمن فيها

ومن مراثيه المشهورة في اخيه:

اهاج قذاء عيني الادكار

هدوءا فالدموع لها انحدار

و صار الليل مشتملا علينا

كان الليل ليس له نهار

دعوتك يا كليب فلم تجبني

و كيف يجيبني البلد القفار

وانك كنت تحلم عن رجال

وتعفو عنهم ولك اقتدار
توفي المهلهل عام 92 ق . ه / 530م .
الفند الزماني

اسمه شهل بن شيبان ، احد فرسان ربيعة المشهورين ، شعره قليل ، سهل ، عذب ، واكثره في الحماسة التي يتخللها شي‏ء من الحكمة ، وحينما اضطر الى الخوض في حرب البسوس ، قال:

صفحنا عن بني ذهل

وقلنا القوم اخوان

عسى الايام ان يرجعن

اقواما كما كانوا

فلما صرح الشر

وامسى وهو عريان

ولم يبق سوى العدوان

دنا لهم كما دانوا

وفي الشر نجاة حين

لا ينجيك احسان توفي الفندالزماني سنة 92ق .

2- شعراء الصعاليك: جمع صعلوك ، وهو - لغة - الفقير الذي لا مال له . اما الصعاليك في عرف التاريخ الادبي فهم جماعة من شواذ العرب وذؤبانها ، كانوا يغيرون على البدو والحضر ، فيسرعون في النهب; لذلك يتردد في شعرهم صيحات الجزع والفقر والثورة ، ويمتازون بالشجاعة والصبر وسرعة العدو ، وحين نرجع الى اخبار الصعاليك نجدها حافلة بالحديث عن الفقر ، فكل الصعاليك فقراء لا نستثني منهم احدا حتى عروة بن الورد سيد الصعاليك الذين كانوا يلجئون اليه كلما قست عليهم الحياة ليجدوا ماوى حتى يستغنوا ، فالرواة يذكرون انه كان صعلوكا فقيرا مثلهم ، ومن هؤلاء:

- الشنفري الازدي .

- تابط شرا .

- عروة بن الورد .

http://www.momeen.org/up/uploads/5b3fe3a94f.jpg

‘، الشنفري ،‘،
? - 70 ق. هـ / ? - 554 م


شاعر جاهلي ، يماني ، من فحول الطبقة الثانية وكان من فتاك العرب وعدائيهم ، وهو أحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم . قتلهُ بنو سلامان ، وقيست قفزاته ليلة مقتلهِ فكان الواحدة منها قريباً من عشرين خطوة، وفي الأمثال ( أعدى من الشنفري ) . وهو صاحب لامية العرب ، شرحها الزمخشري في أعجب العجب المطبوع مع شرح آخر منسوب إلى المبرَّد ويظن أنه لأحد تلاميذ ثعلب .وللمستشرق الإنكليزي ردهوس المتوفي سنة 1892م رسالة بالانكليزية ترجم فيها قصيدة الشنفري وعلق عليها شرحاً وجيزاً .


لامية العرب : للشنفري
أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ
فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَـلُ

فَقَدْ حُمَّتِ الحَاجَاتُ وَاللَّيْـلُ مُقْمِـرٌ
وَشُـدَّتْ لِطِيّـاتٍ مَطَايَـا وَأرْحُلُ

وفي الأَرْضِ مَنْـأَى لِلْكَرِيـمِ عَنِ الأَذَى
وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَـى مُتَعَـزَّلُ

لَعَمْـرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيـقٌ على امْرِىءٍ
سَرَى رَاغِبَـاً أَوْ رَاهِبَـاً وَهْوَ يَعْقِـلُ

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُـون : سِيـدٌ عَمَلَّـسٌ
وَأَرْقَطُ زُهْلُـولٌ وَعَرْفَـاءُ جَيْـأََلُ

هُـمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّـرِّ ذَائِـعٌ
لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْـذَلُ

وَكُـلٌّ أَبِـيٌّ بَاسِـلٌ غَيْـرَ أنَّنِـي إذا
عَرَضَتْ أُولَى الطَرَائِـدِ أبْسَـلُ

وَإنْ مُـدَّتِ الأيْدِي إلى الزَّادِ لَمْ أكُـنْ
بَأَعْجَلِهِـمْ إذْ أَجْشَعُ القَوْمِ أَعْجَلُ


تابط شرا
اسمه ثابت‏بن جابر . وسبب لقبه انه اخذ ذات يوم سيفا تحت ابطه وخرج ، وكان تابط شرا من الصعاليك حاد البصر والسمع يلحق بالخيل ، ويغزو على رجليه ، وانه مات قتيلا .

واكثر شعره في الحماسة والفخر ، ومن شعره في الفخر:

يا عبد ما لك من شوق وايراق
ومر طيف على الاهوال طراق

لا شي‏ء اسرع مني ليس ذا عذر

وذا جناح بجنب‏الريد خفاق

توفي الشاعر تابط شرا عام 530 للميلاد .

عروة بن الورد


http://www.momeen.org/up/uploads/8721a85372.jpg
عروة بن الورد من بني عبس ، وكان من فرسان العرب ، كان كريم الاخلاق عفيفا صادقا وفيا بالعهود ، وقد فضله
عروة بن الورد بن زيد العبسي ، من غطفان . من شعراء الجاهلية و فرسانها و أجوادها . كان يلقب بعروة الصعاليك لجمعه إياهم ، وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم . قال عبد الملك بن مروان:
من قال إن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد . شرح ديوانه ابن السكيت .

أبيات متفرقة له

إِذا المَرءُ لَم يَطلُب مَعاشاً لِنَفسِـهِ
شَكا الفَقرَ أَو لامَ الصَديقَ فَأَكثَـرا

وَصارَ عَلى الأَدنَينَ كَلّاً وَأَوشَكَت
صِلاتُ ذَوي القُربى لَهُ أَن تَنَكَّرا

وَما طالِبُ الحاجاتِ مِن كُلِّ وِجهَةٍ
مِنَ الناسِ إِلّا مَن أَجَـدَّ وَشَمَّـرا

فَسِر في بِلادِ اللَهِ وَاِلتَمِسِ الغِنـى
تَعِش ذا يَسارٍ أَو تَموتَ فَتُعـذَرا


# #

أَعَيَّرتُمونـي أَنَّ أُمّـي تَريـعَـةٌ
وَهَل يُنجِبَن في القَومِ غَيرُ التَرائِعِ

وَما طالِبُ الأَوتارِ إِلّا اِبـنُ حُـرَّةٍ
طَويلُ نَجادِ السَيفِ عاري الأَشاجِعِ

******
أَبلِغ لَدَيـكَ عامِـراً إِن لَقيتَهـا
فَقَد بَلَغَت دارُ الحِفاظِ قَرارَهـا

رَحَلنا مِنَ الأَجبالِ أَجبالِ طَيِّءِ
نَسوقُ النِساءَ عوذَها وَعِشارَها

تَرى كُلَّ بَيضاءِ العَوارِضِ طَفلَةٍ
تُفَرّي إِذا شالَ السِماكُ صِدارَها

وَقَد عَلِمَت أَن لا اِنقِلابَ لِرَحلِها
إِذا تَرَكَت مِن آخِرِ اللَيلِ دارَها
توفي ابن الورد سنة 596 للميلاد .

3- شعراء آخرون: وهناك افراد من الشعراء في يثرب وغيرها من مدن الحجاز والجزيرة العربية اعتنقوا اليهودية كالسموال بن عاديا ، او النصرانية كقس بن ساعدة .

السموال


http://www.momeen.org/up/uploads/45e6cb4f1f.jpg

، السَمَوأل ،‘،
? - 64 ق. هـ / ? - 560 م


السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي . و اسمه معرب من الاسم العبري "شمويل" (שְׁמוּאֵל)
وهو شاعر جاهلي يهودي حكيم من سكان خيبر في شمالي المدينة ، كان يتنقل بينها وبين حصن له سماه الأبلق. أشهر شعره لاميته وهي من أجود الشعر ، والتي مطلعها :


إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه - فكل رداء يرتديه جميلُ

وفي علماء الأدب من ينسبها لعبد الملك بن عبدالرحيم الحارثي . وهو الذي تنسب اٍليه قصة الوفاء مع امرئ القيس .ومختصر القصة أن امرئ القيس ترك عند السموأل أهله وأدراعَه أمانة حتى يعود من رحلته إلى ملك الروم ، وقد حاول الملك الحارث بين ظالم أن يغري السموأل بتسليم أمانة امرئ القيس إليه فأبى ، ثم هدَّده بقتل ابنه إذا لم يعطه ذلك فأصرَّ السموأل على موقفه مضحياً بابنه الذي قتله الحارث بن ظالم .

لامية السمؤال


إذ المرء لم يدنس من اللؤم عرضه
فـكـل رداء يرتديـه جمـيـل

وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها
فليس إلى حسن الثناء سـبيل

تـعـيرنا أنـا قـليـل عـديـدنـا
فقلـت لهـا إن الكرام قليل

ومـا قل من كانـت بقايـاه مثلنا
شـباب تسـامى لـلـعلا وكهول

ومـا ضرنـا أنـا قـليل وجـارنـا
عـزيز وجـار الأكثريـن ذليل

لنـا جـبـل يـحتـلـه مـن نـجيره
منيع يرد الـطـرف وهو كليل

رسـا أصـلـه تحـت الثرى وسما به
إلى النجم فرع لا ينال طويل

هو الأبلق الفردالذي شاع ذكره
يعز على من رامه ويطول

وإنـا لـقـوم مـا نرى القتل سبة
إذا مـا رأتـه عامر وسـلول

يـقرب حـب المـوت آجـالـنا لـنا
وتـكـرهه آجـالـهم فتـطـول

ومـا مـات مـنا سـيد حـتف أنـفه
ولا طل مـنـا حيث كـان قتيل

تسـيل عـلى حـد الـظبات نفوسـنا
وليست على غير الظبات تسيل

صـفونا فـلم نـكدر وأخـلص سـرنا
إنـاث أطـابـت حـملنا وفحول

عـلـونـا إلـى خير الظهور وحطنا
لوقت إلى خير البطـون نزول

فنحن كماء المزن مـا في نـصابنا
كـهام ولا فـينا يـعد بـخيل

وتـنكر إن شئنا على الناس قولهم
ولا ينكرون القول حين نقول

إذا سـيـد مـنـا خـلا قـام سـيـد
قؤول لما قال الكرام فـعول

ومـا أخـمدت نـار لنا دون طارق
ولا ذمنا في الـنازلين نزيل

وأيـامنا مشـهـورة فـي عـدونـا
لـها غـرر مـعلـومـة وحجول

توفي ابن عاديا سنة 560ه . ق .

قس بن ساعدة الاياديهو اسقف نجران ، وكان خطيبها البارع وحكيمها ، ويتصف بالزهد في الدنيا ، وكان يحضر سوق عكاظ ويلقي الشعر .

يروى ان النبي صلى الله عليه وآله راى قس في سوق عكاظ على جمل احمر وهو يقول :

«ايها الناس ، اسمعوا وعوا انه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت . . . آيات محكمات: مطر ونبات وآباء وامهات ، وذاهب وآت ، ضوء وظلام ، وبر وآثام ، لباس ومركب ، ومطعم ومشرب ، ونجوم تمور ، وبحور لا تغور) ، وسقف مرفوع ، وليل داج ، وسماء ذات‏ابراج ، ما لي ارى الناس يموتون ولا يرجعون . . . يا معشر اياد اين ثمود وعاد ؟ واين الآباء والاجداد ؟

ومن نوادر شعره:
وفي الذاهبين الاولين

من القرن لنا بصائر

لما رايت مواردا

للموت ليس لها مصادر

ورايت قومي نحوها

يمضي الاصاغر والاكابر

لا يرجع الماضي ولا

يبقى من الباقين غابر
ايقنت اني لا محالة

حيث صار القوم صائر توفي ابن ساعدة سنة 600 للميلاد .

‘، الأعشى ،‘،? - 7 هـ - ? - 628 م
ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي ، أبو بصير ، المعروف بأعشى قيس ،
ويقال له أعشى بكر بن وائل و الأعشى الكبير . من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات . كان كثير الوفود على الملوك من العرب، والفرس، غزير الشعر، يسلك فيه كلَّ مسلك، وليس أحدٌ ممن عرف قبله أكثر شعراً منه . وكان يُغنّي بشعره فسمّي (صناجة العرب) و كانت أشهر أبياته :

هريرة َ ودعها ، وإنْ لامَ لائمُ ، غداة َ غدٍ أمْ أنتَ للبينِ واجمُ

قال البغدادي: كان يفد على الملوك ولا سيما ملوك فارس فكثرت الألفاظ الفارسية في شعره .
عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم ، ولقب بالأعشى لضعف بصره ، وعمي في أواخر عمره. مولده ووفاته في قرية (منفوحة) باليمامة قرب مدينة الرياض وفيها داره وبها قبره .



قصيدة : هريرة َ ودعها ، وإنْ لامَ لائمُ


هريرة َ ودعها، وإنْ لامَ لائمُ،
غداة َ غدٍ أمْ أنتَ للبينِ واجمُ


لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتَهُ،
تقضّي لبناتٍ، ويسأمُ سائمُ


مبتَّلة ٌ هيفاءُ رودٌ شبابها،
لَهَا مُقْلَتَا رِئْمٍ وَأسْوَدُ فَاحِمُ


وَوَجْهٌ نَقِيُّ اللّوْنِ صَافٍ يَزينُهُ
معَ الحليِ لباتٌ لها ومعاصمُ


وَتَضْحَكُ عَنْ غُرّ الثّنَايَا، كأنّهُ
ذُرَى أُقْحُوَانٍ نَبْتُهُ مُتَنَاعِمُ


هيَ الهَمّ لا تَدْنُو، وَلا يَسْتَطِيعُها
منَ العيسِ إلاّ النّجياتُ الرّواسمُ


رَأَيْتُ بَني شَيْبَانَ يَظْهَرُ مِنْهُمُ
لقوميَ عمداً نغصة ٌ ومظالمُ


فإنْ تصبحوا أدنى العدوّ فقبلكمْ
مِنَ الدّهْرِ عَادَتْنَا الرِّبابُ وَدارِمُ


وسعدٌ وكعبٌ والعبادُ وطيءٌّ،
ودودانُ في ألفافها والأراقمُ


فما فَضّنا من صَانعٍ بَعْدَ عَهْدِكُمْ
فيطمعَ فينا زاهرٌ والأصارمُ


ولنْ تنتهوا حتى تكسّرَ بيننا
رِمَاحٌ بِأيْدِي شُجْعَة ٍ وَقَوَائمُ


وحتى يبيتَ القومُ في الصّفّ ليلة ً
يقولونَ نوّرْ صبحُ، واللّيلُ عاتمُ


وقوفاً وراءَ الطّعنِ، والخيلُ تحتهمْ،
تشدّ على أكتافهنّ القوادم


إذا ما سمعنَ الزّجرَ يمّمنَ مقدماً
عَلَيها أُسُودُ الزّارَتَينِ الضّرَاغِمُ


أبَا ثَابِتٍ أوْ تَنْتَمُونَ، فإنّمَا
يَهِيمُ لِعَيْنَيْهِ مِنَ الشرّ هَائِمُ


متى تلقنا، والخيلُ تحملُ يزّنا،
خناذيذَ منها جلّة ٌ وصلادمُ


فَتَلْقَ أُنَاساً لا يَخِيمُ سِلاحُهُمْ،
إذا كَانَ حمّاً للصّفِيحِ الجَماجمُ


وَإنّا أُنَاسٌ يَعْتَدِي البأس خَلفُنَا،
كمَا يَعتَدي المَاءَ الظماءُ الحَوَائِمُ


فَهَانَ عَلَيْنَا مَا يَقُولُ ابنُ مُسهِرٍ
برغمكَ إذْ حلّتْ علينا اللّهازمُ


يزيدُ يغضّ الطّرفَ دوني كأنّما
زَوَى بَينَ عَيْنَيْهِ عَليّ المَحَاجِمُ


فلا يَنبَسِطْ من بينِ عَينَيكَ ما انزَوَى،
وَلا تَلْقَني إلا وَأنْفُكَ رَاغِمُ


فأقسمُ باللهِ الّذي أنا عبدهُ،
لتصطفقنْ يوماً عليكَ المآتمُ


يَقُلْنَ حَرَامٌ مَا أُحِلّ بِرَبّنَا
وتتركُ أمولاً عليها الخواتمُ


أبَا ثَابِتٍ لا تَعْلَقَنْكَ رِمَاحُنَا،
أبَا ثَابِتٍ اقْعُدْ وَعِرْضُكَ سَالِمُ


أفي كُلّ عَامٍ تَقْتُلُونَ ونَتّدِي،
فتلكَ التّي تبيضّ منها المقادمُ


وَذَرْنَا وَقَوْماً إنْ هُمُ عَمَدوا لَنَا
أبَا ثَابِتٍ، وَاجْلِسْ فَإنّكَ نَاعِمُ


طَعامُ العِرَاقِ المُستَفيضُ الذي تَرى،
وفي كلّ عامٍ حلّة ٌ ودراهمُ


أتَأمُرُ سَيّاراً بِقَتْلِ سَرَاتِنَا،
وتزعمُ بعدَ القتلِ أنّكَ سالمُ

أبَا ثَابِتٍ! إنّا إذَا تَسْبِقُنّنا،
سيرعدُ سرحٌ أوْ ينبَّهُ نائمُ

بمُشْعِلَة ٍ يَغْشَى الفِرَاش رَشاشُهَا،
يبيتُ لها ضوءٌ منَ النّارِ جاحمُ


تَقَرُّ بِهِ عَيْنُ الّذي كَانَ شَامِتاً،
وَتَبْتَلُّ مِنْهَا سُرّة ٌ وَمَآكِمُ


وتلقى حصانٌ تخدمُ ابنة َعمّها،
كما كانَ يلقى النّصفاتُ الخوادمُ

إذا اتّصلتْ قالتْ: أبكرَ بنَ وائلٍ،
وبكرٌ سبتها، والأنوفُ رواغمُ

http://www.momeen.org/up/uploads/fe5db886ff.jpg

‘، الحارث بن حلزة ،‘،
? - 54 ق. هـ / ? - 570 م
الحارث بن حِلِّزَة بن مكروه بن يزيد اليشكري الوائلي . شاعر جاهلي من أهل بادية العراق ، وهو أحد أصحاب المعلقات . كان أبرص فخوراً، ارتجل معلقته بين يدي عمرو بن هند الملك بالحيرة، جمع بها كثيراً من أخبار العرب ووقائعهم حتى صار مضرب المثل في الافتخار ، فقيل: أفخر من الحارث بن حلّزة .


معلقة : الحارث بن حِلِّزَة اليشكري


آذَنَتْـنَـا بِبَيْنِهَـا أَسْمَـاءُ
رُبَّ ثَاوٍ يُمَـلُّ مِنْـهُ الثَّـوَاءُ

بَعْدَ عَهْـدٍ لَنَـا بِبُرْقَـةِ شَمَّـاءَ
فَأَدْنَـى دِيَارِهَـا الخَلْصَاءُ

فَالمُحَيَّـاةُ فَالصِّفَـاحُ فَأَعْنَـاقُ
فِتَـاقٍ فَعاذِبٌ فَالْوَفَـاءُ

فَرِيَـاضُ الْقَطَـا فَأَوْدِيَـةُ الشُّرْبُبِ
فَالشُّعْبَتَـانِ فَالأَبْـلاءُ

لا أَرَى مَنْ عَهِدْتُ فِيهَا فَأَبْكِي الــيَوْمَ
دَلْهَاً وَمَا يُحِيرُ البُكَاءُ

وَبِعَيْنَيْكَ أَوْقَـدَتْ هِنْـدٌ النَّـارَ
أَخِيرَاً تُلْـوِي بِهَـا العَلْيَاءُ

فَتَنَوَّرْتُ نَارَهَـا مِـنْ بَعِيـدٍ
بِخَزَازَى هَيْهَاتَ مِنْكَ الصِّلاءُ

أوْقَدَتْهَا بَيْنَ العَقِيـقِ فَشَخْصَيْــنِ
بِعُودٍ كَمَا يَلُوحُ الضِّيَاءُ

غَيْرَ أَنِّي قَدْ أَسْتَعِينُ عَلَى الْهَـمِّ
إذَا خَـفَّ بِالثَّـوِيِّ النَّجَاءُ

بِزَفُـوفٍ كَأَنَّـهَـا هِقْلَـةٌ أُمُّ
رِئَـالٍ دَوِّيَّـةٌ سَقْفَـاءُ

آنَسَـتْ نَبْـأَةً وَأَفزَعَهَـا القُــنَّاصُ
عَصْرَاً وَقَدْ دَنَا الإِمْسَاءُ

فَتَرَى خَلْفَهَا مِنَ الرَّجْـعِ وَالْوَقْــعِ
مَنِينَـاً كَأَنَّـهُ إِهْبَاءُ

وَطِرَاقَاً مِنْ خَلْفِهِـنَّ طِـرَاقٌ
سَاقِطَاتٌ أَلْوَتْ بِهَا الصَّحْرَاءُ

أَتَلَهَّـى بِهَا الْهَوَاجِرَ إِذْ كُلُّ ابْــنِ
هَـمٍّ بَلِيَّـةٌ عَمْيَـاءُ

وَأَتَانَا مِنَ الْحَـوَادِثِ وَالأَنْبَـاءِ
خَطْـبٌ نُعْنَـى بِهِ وَنُسَاءُ

إِنَّ إِخْوَانَنَـا الأَرَاقِـمَ يَغْلُـونَ
عَلَيْنَا فِي قِيلِهِـمْ إِحْفَـاءُ

يَخْلِطُونَ البَرِيءَ مِنَّا بِذِي الذَّنْــبِ
وَلا يَنْفَعُ الْخَلِيَّ الْخَلاءُ


زَعَمَوا أَنَّ كُلَّ مَنْ ضَرَبَ الْعَيْــرَ
مُـوَالٍ لَنَا وَأَنَّـا الوَلاءُ

أَجْمَعُوا أمْرَهُـمْ عِشَاءً فلَمَّـا
أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ

مِنْ مُنَادٍ وَمِنْ مُجِيبٍ وَمِنْ تَصْـهَالِ
خَيْلٍ خِلالَ ذَاكَ رُغَاءُ

أَيُّهَا النَّاطِـقُ الْمُرَقِّـشُ عَنَّـا
عِنْدَ عَمْـرٍو وَهَلْ لِذَاكَ بَقَاءُ

لا تَخَلْنَـا عَلَـى غَرَاتِـكَ إنَّـا
قَبْلُ مَا قَدْ وَشَى بِنَا الأَعْدَاءُ

فَبَقِينَـا عَلَى الشَّنَـاءَةِ تَنْمِيــنَا
حُصُـونٌ وَعِـزَّةٌ قَعْسَاءُ

قَبْلَ مَا الْيَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ
النَّــاسِ فِيهَا تَغَيُّـظٌ وَإِبَـاءُ

وَكَأَنَّ الْمَنُـونَ تَـرْدِي بِنَا أَرْعَنَ
جَوْناً يَنْجَابُ عَنْهُ الْعَمَاءُ

مُكْفَهِـرَّاً عَلَى الْحَـوَادِثِ لا تَرْتُوهُ
لِلدَّهْرِ مُـؤْيِدٌ صَمَّـاءُ

إِرَمِـيٌّ بِمِثْلِـهِ جَالَـتِ الْخَيْــلُ
وَتَأْبَى لِخَصْمِهَا الإِجْلاءُ

مَلِكٌ مُقْسِطٌ وَأَفْضَلُ مَنْ يَمـْـشِي
وَمِنْ دُونِ مَا لَدَيْهِ الثَّنَاءُ

أَيُّمَا خُطَّـةٍ أَرَدْتُـمْ فَأَدُّوهَــا
إِلَيْنَا تُشْفَى بِهَا الأَمْلاءُ

إِنْ نَبَشْتُمْ مَا بَيْنَ مِلْحَةَ فَالصَّاقِبِ
فِيهِ الأَمْوَاتُ وَالأَحْيَـاءُ


http://www.momeen.org/up/uploads/61f3f16e08.jpg

النابغة الذبياني ،‘،
؟؟ -18 ق .هـ - ؟؟ -605 م


هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري ، أبو أمامة . شاعر جاهلي نصراني من الطبقة الأولى . له قصيدة يعدها البعض من المعلقات ، ومطلعها:



يا دار مية بالعلياء فالسند - أقوت وطال عليها سالف الأبد


http://www.momeen.org/up/uploads/09166a2f42.jpg


‘، الأعشى ،‘،? - 7 هـ - ? - 628 م
ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي ، أبو بصير ، المعروف بأعشى قيس ،
ويقال له أعشى بكر بن وائل و الأعشى الكبير . من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات . كان كثير الوفود على الملوك من العرب، والفرس، غزير الشعر، يسلك فيه كلَّ مسلك، وليس أحدٌ ممن عرف قبله أكثر شعراً منه . وكان يُغنّي بشعره فسمّي (صناجة العرب) و كانت أشهر أبياته :

هريرة َ ودعها ، وإنْ لامَ لائمُ ، غداة َ غدٍ أمْ أنتَ للبينِ واجمُ

قال البغدادي: كان يفد على الملوك ولا سيما ملوك فارس فكثرت الألفاظ الفارسية في شعره .
عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم ، ولقب بالأعشى لضعف بصره ، وعمي في أواخر عمره. مولده ووفاته في قرية (منفوحة) باليمامة قرب مدينة الرياض وفيها داره وبها قبره .



قصيدة : هريرة َ ودعها ، وإنْ لامَ لائمُ


هريرة َ ودعها، وإنْ لامَ لائمُ،
غداة َ غدٍ أمْ أنتَ للبينِ واجمُ


لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتَهُ،
تقضّي لبناتٍ، ويسأمُ سائمُ


مبتَّلة ٌ هيفاءُ رودٌ شبابها،
لَهَا مُقْلَتَا رِئْمٍ وَأسْوَدُ فَاحِمُ


وَوَجْهٌ نَقِيُّ اللّوْنِ صَافٍ يَزينُهُ
معَ الحليِ لباتٌ لها ومعاصمُ


وَتَضْحَكُ عَنْ غُرّ الثّنَايَا، كأنّهُ
ذُرَى أُقْحُوَانٍ نَبْتُهُ مُتَنَاعِمُ


هيَ الهَمّ لا تَدْنُو، وَلا يَسْتَطِيعُها
منَ العيسِ إلاّ النّجياتُ الرّواسمُ


رَأَيْتُ بَني شَيْبَانَ يَظْهَرُ مِنْهُمُ
لقوميَ عمداً نغصة ٌ ومظالمُ


فإنْ تصبحوا أدنى العدوّ فقبلكمْ
مِنَ الدّهْرِ عَادَتْنَا الرِّبابُ وَدارِمُ


وسعدٌ وكعبٌ والعبادُ وطيءٌّ،
ودودانُ في ألفافها والأراقمُ


فما فَضّنا من صَانعٍ بَعْدَ عَهْدِكُمْ
فيطمعَ فينا زاهرٌ والأصارمُ


ولنْ تنتهوا حتى تكسّرَ بيننا
رِمَاحٌ بِأيْدِي شُجْعَة ٍ وَقَوَائمُ


وحتى يبيتَ القومُ في الصّفّ ليلة ً
يقولونَ نوّرْ صبحُ، واللّيلُ عاتمُ


وقوفاً وراءَ الطّعنِ، والخيلُ تحتهمْ،
تشدّ على أكتافهنّ القوادم


إذا ما سمعنَ الزّجرَ يمّمنَ مقدماً
عَلَيها أُسُودُ الزّارَتَينِ الضّرَاغِمُ


أبَا ثَابِتٍ أوْ تَنْتَمُونَ، فإنّمَا
يَهِيمُ لِعَيْنَيْهِ مِنَ الشرّ هَائِمُ


متى تلقنا، والخيلُ تحملُ يزّنا،
خناذيذَ منها جلّة ٌ وصلادمُ


فَتَلْقَ أُنَاساً لا يَخِيمُ سِلاحُهُمْ،
إذا كَانَ حمّاً للصّفِيحِ الجَماجمُ


وَإنّا أُنَاسٌ يَعْتَدِي البأس خَلفُنَا،
كمَا يَعتَدي المَاءَ الظماءُ الحَوَائِمُ


فَهَانَ عَلَيْنَا مَا يَقُولُ ابنُ مُسهِرٍ
برغمكَ إذْ حلّتْ علينا اللّهازمُ


يزيدُ يغضّ الطّرفَ دوني كأنّما
زَوَى بَينَ عَيْنَيْهِ عَليّ المَحَاجِمُ


فلا يَنبَسِطْ من بينِ عَينَيكَ ما انزَوَى،
وَلا تَلْقَني إلا وَأنْفُكَ رَاغِمُ


فأقسمُ باللهِ الّذي أنا عبدهُ،
لتصطفقنْ يوماً عليكَ المآتمُ


يَقُلْنَ حَرَامٌ مَا أُحِلّ بِرَبّنَا
وتتركُ أمولاً عليها الخواتمُ


أبَا ثَابِتٍ لا تَعْلَقَنْكَ رِمَاحُنَا،
أبَا ثَابِتٍ اقْعُدْ وَعِرْضُكَ سَالِمُ


أفي كُلّ عَامٍ تَقْتُلُونَ ونَتّدِي،
فتلكَ التّي تبيضّ منها المقادمُ


وَذَرْنَا وَقَوْماً إنْ هُمُ عَمَدوا لَنَا
أبَا ثَابِتٍ، وَاجْلِسْ فَإنّكَ نَاعِمُ


طَعامُ العِرَاقِ المُستَفيضُ الذي تَرى،
وفي كلّ عامٍ حلّة ٌ ودراهمُ


أتَأمُرُ سَيّاراً بِقَتْلِ سَرَاتِنَا،
وتزعمُ بعدَ القتلِ أنّكَ سالمُ

أبَا ثَابِتٍ! إنّا إذَا تَسْبِقُنّنا،
سيرعدُ سرحٌ أوْ ينبَّهُ نائمُ

بمُشْعِلَة ٍ يَغْشَى الفِرَاش رَشاشُهَا،
يبيتُ لها ضوءٌ منَ النّارِ جاحمُ


تَقَرُّ بِهِ عَيْنُ الّذي كَانَ شَامِتاً،
وَتَبْتَلُّ مِنْهَا سُرّة ٌ وَمَآكِمُ


وتلقى حصانٌ تخدمُ ابنة َعمّها،
كما كانَ يلقى النّصفاتُ الخوادمُ

إذا اتّصلتْ قالتْ: أبكرَ بنَ وائلٍ،
وبكرٌ سبتها، والأنوفُ رواغمُ

http://www.momeen.org/up/uploads/fe5db886ff.jpg

‘، الحارث بن حلزة ،‘،
? - 54 ق. هـ / ? - 570 م
الحارث بن حِلِّزَة بن مكروه بن يزيد اليشكري الوائلي . شاعر جاهلي من أهل بادية العراق ، وهو أحد أصحاب المعلقات . كان أبرص فخوراً، ارتجل معلقته بين يدي عمرو بن هند الملك بالحيرة، جمع بها كثيراً من أخبار العرب ووقائعهم حتى صار مضرب المثل في الافتخار ، فقيل: أفخر من الحارث بن حلّزة .


معلقة : الحارث بن حِلِّزَة اليشكري


آذَنَتْـنَـا بِبَيْنِهَـا أَسْمَـاءُ
رُبَّ ثَاوٍ يُمَـلُّ مِنْـهُ الثَّـوَاءُ

بَعْدَ عَهْـدٍ لَنَـا بِبُرْقَـةِ شَمَّـاءَ
فَأَدْنَـى دِيَارِهَـا الخَلْصَاءُ

فَالمُحَيَّـاةُ فَالصِّفَـاحُ فَأَعْنَـاقُ
فِتَـاقٍ فَعاذِبٌ فَالْوَفَـاءُ

فَرِيَـاضُ الْقَطَـا فَأَوْدِيَـةُ الشُّرْبُبِ
فَالشُّعْبَتَـانِ فَالأَبْـلاءُ

لا أَرَى مَنْ عَهِدْتُ فِيهَا فَأَبْكِي الــيَوْمَ
دَلْهَاً وَمَا يُحِيرُ البُكَاءُ

وَبِعَيْنَيْكَ أَوْقَـدَتْ هِنْـدٌ النَّـارَ
أَخِيرَاً تُلْـوِي بِهَـا العَلْيَاءُ

فَتَنَوَّرْتُ نَارَهَـا مِـنْ بَعِيـدٍ
بِخَزَازَى هَيْهَاتَ مِنْكَ الصِّلاءُ

أوْقَدَتْهَا بَيْنَ العَقِيـقِ فَشَخْصَيْــنِ
بِعُودٍ كَمَا يَلُوحُ الضِّيَاءُ

غَيْرَ أَنِّي قَدْ أَسْتَعِينُ عَلَى الْهَـمِّ
إذَا خَـفَّ بِالثَّـوِيِّ النَّجَاءُ

بِزَفُـوفٍ كَأَنَّـهَـا هِقْلَـةٌ أُمُّ
رِئَـالٍ دَوِّيَّـةٌ سَقْفَـاءُ

آنَسَـتْ نَبْـأَةً وَأَفزَعَهَـا القُــنَّاصُ
عَصْرَاً وَقَدْ دَنَا الإِمْسَاءُ

فَتَرَى خَلْفَهَا مِنَ الرَّجْـعِ وَالْوَقْــعِ
مَنِينَـاً كَأَنَّـهُ إِهْبَاءُ

وَطِرَاقَاً مِنْ خَلْفِهِـنَّ طِـرَاقٌ
سَاقِطَاتٌ أَلْوَتْ بِهَا الصَّحْرَاءُ

أَتَلَهَّـى بِهَا الْهَوَاجِرَ إِذْ كُلُّ ابْــنِ
هَـمٍّ بَلِيَّـةٌ عَمْيَـاءُ

وَأَتَانَا مِنَ الْحَـوَادِثِ وَالأَنْبَـاءِ
خَطْـبٌ نُعْنَـى بِهِ وَنُسَاءُ

إِنَّ إِخْوَانَنَـا الأَرَاقِـمَ يَغْلُـونَ
عَلَيْنَا فِي قِيلِهِـمْ إِحْفَـاءُ

يَخْلِطُونَ البَرِيءَ مِنَّا بِذِي الذَّنْــبِ
وَلا يَنْفَعُ الْخَلِيَّ الْخَلاءُ


زَعَمَوا أَنَّ كُلَّ مَنْ ضَرَبَ الْعَيْــرَ
مُـوَالٍ لَنَا وَأَنَّـا الوَلاءُ

أَجْمَعُوا أمْرَهُـمْ عِشَاءً فلَمَّـا
أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ

مِنْ مُنَادٍ وَمِنْ مُجِيبٍ وَمِنْ تَصْـهَالِ
خَيْلٍ خِلالَ ذَاكَ رُغَاءُ

أَيُّهَا النَّاطِـقُ الْمُرَقِّـشُ عَنَّـا
عِنْدَ عَمْـرٍو وَهَلْ لِذَاكَ بَقَاءُ

لا تَخَلْنَـا عَلَـى غَرَاتِـكَ إنَّـا
قَبْلُ مَا قَدْ وَشَى بِنَا الأَعْدَاءُ

فَبَقِينَـا عَلَى الشَّنَـاءَةِ تَنْمِيــنَا
حُصُـونٌ وَعِـزَّةٌ قَعْسَاءُ

قَبْلَ مَا الْيَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ
النَّــاسِ فِيهَا تَغَيُّـظٌ وَإِبَـاءُ

وَكَأَنَّ الْمَنُـونَ تَـرْدِي بِنَا أَرْعَنَ
جَوْناً يَنْجَابُ عَنْهُ الْعَمَاءُ

مُكْفَهِـرَّاً عَلَى الْحَـوَادِثِ لا تَرْتُوهُ
لِلدَّهْرِ مُـؤْيِدٌ صَمَّـاءُ

إِرَمِـيٌّ بِمِثْلِـهِ جَالَـتِ الْخَيْــلُ
وَتَأْبَى لِخَصْمِهَا الإِجْلاءُ

مَلِكٌ مُقْسِطٌ وَأَفْضَلُ مَنْ يَمـْـشِي
وَمِنْ دُونِ مَا لَدَيْهِ الثَّنَاءُ

أَيُّمَا خُطَّـةٍ أَرَدْتُـمْ فَأَدُّوهَــا
إِلَيْنَا تُشْفَى بِهَا الأَمْلاءُ

إِنْ نَبَشْتُمْ مَا بَيْنَ مِلْحَةَ فَالصَّاقِبِ
فِيهِ الأَمْوَاتُ وَالأَحْيَـاءُ


http://www.momeen.org/up/uploads/61f3f16e08.jpg

النابغة الذبياني ،‘،
؟؟ -18 ق .هـ - ؟؟ -605 م


هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري ، أبو أمامة . شاعر جاهلي نصراني من الطبقة الأولى . له قصيدة يعدها البعض من المعلقات ، ومطلعها:



يا دار مية بالعلياء فالسند - أقوت وطال عليها سالف الأبد


لقب بالنابغة لأنه نبغ في الشعر بعد أن كبر وتقدمت به السن , وقيل بل لأنه قال: ( فقد نبغت لنا منهم شئون) . أما الدكتور يوسف خليف الذي كتب عنه وعن عصره في كتاب " الروائع من الأدب العربي" فيغلب عليه الظن بأنه لقب به لنبوغه في الشعر وتفوقه فيه . بل هو في رأيه قمة شامخة من قمم مدرسة الصنعة الجاهلية التي سمي أربابها بعبيد الشعر ـ لعكوفهم الطويل على تجويد شعرهم و نخله و تهذيبه ـ شأنه شأن زهير بن أبي سلمى و لبيد بن ربيعة و عبيد بن الأبرص . حتى لقد ارتضاه شعراء عصره حكما بينهم في سوق عكاظ (حيث كانت تضرب له قبة حمراء متميزة , ويأتيه الشعراء من شتى القبائل ليعرضوا عليه شعرهم) .وهو الذي حكم بتفضيل الخنساء على حسان بن ثابت في قصة له مأثورة.




معلقة : النابغة الذبياني



يَـا دَارَ مَيَّـةَ بالعَليْـاءِ ، فالسَّـنَـدِ
أَقْوَتْ ، وطَالَ عَلَيهَـا سَالِـفُ الأَبَـدِ

وقَفـتُ فِيهَـا أُصَيـلا كـي أُسائِلُهـا
عَيَّتْ جَوَاباً ، ومَا بالرَّبعِ مِـنْ أَحَـدِ

إلاَّ الأَوَارِيَّ لأْيــاً مَــا أُبَيِّنُـهَـا
والنُّؤي كَالحَوْضِ بالمَظلومـةِ الجَلَـدِ

رَدَّتْ عَلـيَـهِ أقَاصِـيـهِ ، ولـبّـدَهُ
ضَرْبُ الوَلِيدَةِ بالمِسحَـاةِ فِـي الثَّـأَدِ

خَلَّـتْ سَبِيـلَ أَتِـيٍّ كَـانَ يَحْبِسُـهُ
ورفَّعَتْـهُ إلـى السَّجْفَيـنِ ، فالنَّضَـدِ


أضحتْ خَلاءً ، وأَضحى أَهلُهَا احْتَمَلُوا
أَخْنَى عَليهَا الَّذِي أَخْنَـى عَلَـى لُبَـدِ

فَعَدِّ عَمَّا تَـرَى ، إِذْ لاَ ارتِجَـاعَ لَـهُ
وانْـمِ القُتُـودَ عَلَـى عَيْرانَـةٍ أُجُـدِ


مَقذوفَةٍ بِدَخِيـسِ النَّحـضِ ، بَازِلُهَـا
لَهُ صَريفٌ ، صَريفُ القَعْـوِ بالمَسَـدِ

كَأَنَّ رَحْلِي ، وَقَـدْ زَالَ النَّهَـارُ بِنَـا
يَومَ الجليلِ ، عَلَـى مُستأنِـسٍ وحِـدِ


مِنْ وَحشِ وَجْرَةَ ، مَوْشِـيٍّ أَكَارِعُـهُ
طَاوي المَصِيرِ ، كَسَيفِ الصَّيقل الفَرَدِ

سَرتْ عَلَيهِ ، مِنَ الجَوزَاءِ ، سَارِيَـةٌ
تُزجِي الشَّمَالُ عَلَيـهِ جَامِـدَ البَـرَدِ


فَارتَاعَ مِنْ صَوتِ كَلاَّبٍ ، فَبَاتَ لَـهُ
طَوعَ الشَّوَامتِ مِنْ خَوفٍ ومِنْ صَرَدِ

فبَثّهُـنَّ عَلَـيـهِ ، واستَـمَـرَّ بِــهِ
صُمْعُ الكُعُوبِ بَرِيئَـاتٌ مِـنَ الحَـرَدِ

وكَانَ ضُمْرانُ مِنـهُ حَيـثُ يُوزِعُـهُ
طَعْنَ المُعارِكِ عِندَ المُحْجَـرِ النَّجُـدِ

شَكَّ الفَريصـةَ بالمِـدْرَى ، فَأنفَذَهَـا
شك المُبَيطِرِ ، إِذْ يَشفِي مِـنَ العَضَـدِ

كَأَنَّه ، خَارجَا مِـنْ جَنـبِ صَفْحَتِـهِ

http://www.momeen.org/up/uploads/a799d5b44d.jpg

، أوس بن حَجَر ،‘،
95 - 2 ق. هـ / 530 - 620 م
أوس بن حجر بن مالك التميمي أبو شريح.شاعر تميم في الجاهلية، أو من كبار شعرائها، أبوه حجر هو زوج أم زهير بن أبي سلمى ، كان كثير الأسفار ، وأكثر إقامته عند عمرو بن هند في الحيرة. عمّر طويلاً ولم يدرك الإسلام. في شعره حكمة و رقة ، وكانت تميم تقدمه على سائر الشعراء العرب . وكان غزلاً مغرماً بالنساء.



قصيدة : ودّعْ لميسَ وداعَ الصّـارمِ اللاحِـي

ودّعْ لميسَ وداعَ الصّـارمِ اللاحِـي
إذْ فنّكتْ في فسـادٍ بعـدَ إصْـلاحِ

إذْ تستبيـكَ بمصقـولٍ عوارضُـهُ
حمشِ اللّثاتِ عذابٍ غيـرِ ممـلاحِ

وقدْ لهـوتُ بمثـلِ الرّثـمِ آنسـة ٍ
تُصْبي الحليمَ عَرُوبٍ غير مِكْـلاحِ

كأنّ رِيقَتَها بعـد الكَـرَى اغْتَبَقَـتْ
من ماءِ أصْهَبَ في الحانوتِ نَضّاحِ

أوْ مـنْ معتّقـة ٍ ورهـاءَ نشوتُهـا
أوْ مـنْ أنابيـبِ رمّـانٍ وتـفّـاحِ

هبّتْ تلومُ وليستْ ساعـة َ اللاحـي
هلاّ انتظرتِ بهذا اللّـومِ إصباحـي

إنْ أشْرَبِ الخَمْرَ أوْ أُرْزَأ لها ثمَنـاً
فلا محالَـة َ يومـاً أنّنـي صاحـي

ولا محالَـة َ مـنْ قبـرٍ بمحنـيـة
ٍ وكفـنٍ كسـرَاة ِ الثـورِ وضّـاحِ

دَعِ العَجوزَيْـنِ لا تسمـعْ لِقِيلهمـا
وَاعْمَدْ إلى سيّدٍ في الحيّ جَحْجـاحِ

كـانَ الشّبـابُ يلهِّينـا ويعجبُـنَـا
فَمَـا وَهَبْنـا ولا بِعْنـا بِـأرْبَـاحِ

إنّي أرقتُ ولمْ تأرقْ معِي صاحـي
لمستكـفٍّ بعيـدَ الـنّـومِ لــوّاحِ

قد نمتَ عنّي وباتَ البرقَ يُسهرنـي
كما استْتَضـاءَ يَهـوديٌّ بِمِصْبـاحِ

يا منْ لبـرقٍ أبيـتُ اللّيـلَ أرقبُـهُ
في عارِضٍ كمضيءِ الصُّبحِ لمّـاحِ

دانٍ مُسِـفٍّ فوَيـقَ الأرْضِ هَيْدبُـهُ
يَكـادُ يَدفَعُـهُ مَـن قـامَ بِالـرّاحِ




الخاتمة:

**د لا ل**
2012-02-11, 12:51
، حاتَم الطائي ،‘،
? - 46 ق. هـ / ? - 577 م

حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني ، أبوعدي . شاعر جاهلي ، من قبيلة طيء فارس جواد يضرب المثل بجوده . كان من أهل نجد ، وزار الشام فتزوج من ماوية بنت حجر الغسانية ، ومات في عوارض (جبل في بلاد طيء) يعتبر أشهر العرب بالكرم و الشهامة ويعد مضرب المثل في الجود و الكرم. كان يدين بالمسيحية ، سكن وقومه في بلاد الجبلين ( أجا و سلمى ) التي تسمى الآن منطقة حائل ، وتقع شمال السعودية . توجد بقايا أطلال قصره وقبره في بلدة توارن في حائل .



قصيدة : مهلاً نـوار، اقلـي اللـوم والعـذلا،


مهلاً نـوار، اقلـي اللـوم والعـذلا،
ولا تقولي، لشيء فات، مـا فعـلا؟

ولا تقولـي لمـال، كنـت مهلكـه،

مهلاً، وإن كنت أعطي الجن والخبـلا

يرى البخيل سيـل المـال واحـدة ،
إن الجواد يرى ، فـي مالـه، سيـلا

إن البخيـلَ، إذا مـا مـات، يتبعـه

سُوءُ الثّناءِ، ويحوي الـوارِثُ الإبِـلا

فاصدقْ حديثـك، إن المـرء يتبعـه
ما كان يَبني، إذا مـا نَعْشُـهُ حُمِـلا

لَيـتَ البخيـلَ يـراهُ النّـاسُ كُلُّهُـمُ
كما يراهم، فـلا يقـرى ، إذا نـزلا

لا تعذليني على مـال وصلـت بـهِ
رحماً، وخير سبيل المال مـا وصـلا

يَسعى الفتى ، وحِمامُ الموْتِ يُدرِكُـه
ُ وكلُّ يوْمٍ يُدَنّـي، للفتـى ، الأجَـلا

إني لأعلـم أنـي سـوف يدركنـي
يومي، أصبح، عن دنيـاي، مشتغـلا

فليتَ شعري، وليـتٌ غيـرُ مُدرِكـة
ٍ لأيّ حالٍ بهـا أضْحَـى بنُـو ثُعَـلا

أبلـغْ بنـي ثعـل عنـي مغلغلـة ،
جهد الرسالـة لا محكـاً، ولا بطـلا

أغزوا بني ثعـل، فالغـزو حظكـم،
عُدّوا الرّوابي ولا تبكوا لمـن نكَـلا

ويهـاً فداؤكـم أمـي ومـا ولـدتْ،
حامُوا على مجدِكم، واكفوا من اتّكـلا


http://www.momeen.org/up/uploads/1b82e9ba08.jpg

‘، زُهَير بن أبي سُلمَى ،‘،
? - 13 ق. هـ / ? - 609 م


زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني ، من مُضَر . حكيم الشعراء في الجاهلية و في أئمة الأدب من يفضّله على شعراء العرب كافة . قال ابن الأعرابي : كان لزهير من الشعر ما لم يكن لغيره . كان أبوه شاعراً، وخاله شاعراً، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب و بجير شاعرين ، وأخته الخنساء شاعرة . ولد في بلاد مُزَينة بنواحي المدينة وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد) ، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام . قيل: كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في سنة فكانت قصائده تسمّى (الحوليات)، أشهر شعره معلقته .



معلقة : زهير بن أبي سلمى

أَمِـنْ أُمِّ أَوْفَـى دِمْنَـةٌ لَـمْ تَكَـلَّـمِ
بِحَوْمَـانَـةِ الــدُّرَّاجِ فَالمُتَـثَـلَّـمِ

وَدَارٌ لَـهَـا بِالرَّقْمَتَـيْـنِ كَأَنَّـهَـا
مَرَاجِيْعُ وَشْمٍ فِـي نَوَاشِـرِ مِعْصَـمِ

بِهَـا العِيْـنُ وَالأَرْآمُ يَمْشِيـنَ خِلْفَـةً
وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِـنْ كُـلِّ مَجْثَـمِ

وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْـدِ عِشْرِيـنَ حِجَّـةً
فَلأيَـاً عَرَفْـتُ الـدَّارَ بَعْـدَ تَوَهُّـمِ

أَثَافِيَ سُفْعـاً فِـي مُعَـرَّسِ مِرْجَـلِ
وَنُؤْيـاً كَجِـذْمِ الحَـوْضِ لَـمْ يَتَثَلَّـمِ

فَلَمَّا عَرَفْـتُ الـدَّارَ قُلْـتُ لِرَبْعِهَـا
أَلاَ أَنْعِمْ صَبَاحاً أَيُّهَـا الرَّبْـعُ وَاسْلَـمِ

تَبَصَّرْ خَلِيْلِي هَلْ تَرَى مِـنْ ظَعَائِـنٍ
تَحَمَّلْنَ بِالْعَلْيَـاءِ مِـنْ فَـوْقِ جُرْثُـمِ

جَعَلْنَ القَنَـانَ عَـنْ يَمِيـنٍ وَحَزْنَـهُ
وَكَمْ بِالقَنَـانِ مِـنْ مُحِـلٍّ وَمُحْـرِمِ

عَلَـوْنَ بِأَنْمَـاطٍ عِـتَـاقٍ وكِـلَّـةٍ
وِرَادٍ حَوَاشِيْهَـا مُشَاكِـهَـةُ الــدَّمِ

وَوَرَّكْنَ فِي السُّوبَـانِ يَعْلُـوْنَ مَتْنَـهُ
عَلَيْـهِـنَّ دَلُّ النَّـاعِـمِ المُتَـنَـعِّـمِ

بَكَرْنَ بُكُـورًا وَاسْتَحْـرَنَ بِسُحْـرَةٍ
فَهُـنَّ وَوَادِي الـرَّسِّ كَالْيَـدِ لِلْـفَـمِ

وَفِيْهِـنَّ مَلْهَـىً لِلَّطِيْـفِ وَمَنْـظَـرٌ
أَنِيْـقٌ لِعَيْـنِ النَّـاظِـرِ المُتَـوَسِّـمِ

كَأَنَّ فُتَاتَ العِهْـنِ فِـي كُـلِّ مَنْـزِلٍ
نَزَلْنَ بِـهِ حَـبُّ الفَنَـا لَـمْ يُحَطَّـمِ

فَلَمَّـا وَرَدْنَ المَـاءَ زُرْقـاً جِمَامُـهُ
وَضَعْنَ عِصِـيَّ الحَاضِـرِ المُتَخَيِّـمِ

المصدر: من عدة مصادر

**د لا ل**
2012-02-11, 13:00
دراسات في الشعر الجاهلي
ليوسف خليف
************************************************** ***
الفصل الأول

الشعر الجاهلي بين الرواية والتدوين



القضية التي يبدو انها اصبحت لا تقبل جدلا حولها

هي ان العرب في العصر الجاهلي كانوا يعرفون الكتابة

وهي قضية ثابتة بشهادة الواقع التاريخي من ناحية

وشهادة النصوص الادبية من ناحية اخرى

فالجزيرة العربية لم تكن متخلفة حضاريا ولم تكن بمعزل عن الحضارات المجاورة لها

كما صورها الباحثون القدماء ..



والنقطة الحاسمة في الموضوع ان مجتمع الجزيرة العربية

كان يعرف اسلوبين مختلفين من الحياة الاجتماعية:

احدهما مجتمع البادية وكانت وحدة الحياة فيه القبيلة المتنقلة

والاخر مجتمع المدن وكانت وحدة الحياة فيه القبيلة المستقرة

ومما لا شك فيه ان الكتابة كانت معروفة في مجتمع المدن

وبخاصة المدن التجارية..

ففي مثل هذه المدن تكون الكتابة امرا حيويا لابد منه لقيام حياة

اقتصادية منظمة بها..



وهذه المسألة اصبحت مقررة بين الباحثين ولم تعد موضع نظر بينهم

وانما المشكلة تتركز في مجتمع البادية والى اي مدة كانت الكتابة منتشرة فيه

وقد حاول بعض الباحثين امثال كرنكو و بلاشير

ان يثبتوا انتشار الكتابة في مجتمع البادية

ولكن الادلة التي جاءوا بها كانت هزيلة

وانه من النادر حتى في ايامنا هذه ان نجد بين البدو من يعرف القراءة والكتابة



وحتى في المدن التي انتشرت فيها الكتابة

لم تكن الكتابة تستخدم الا في مجالات محدودة

وذلك لانها لم تأخذ شكل ظاهرة حضارية بقدر ما اخذت شكل ظاهرة حيوية

فقد كانت ضرورة حيوية ظهرت في المجتمع لتفي ببعض احتياجاته الاساسية

وعلى وجه التحديد فقد استخدمت الكتابة في:

تسجيل الديون و تدوين الصكوك و قيد المعاملات المالية

و اثبات حسابات البيع و الشراء وفوائد الربا




وقد وقف ناصر الدين الاسد طويلا امام هذه المسألة وحاول ان يستقصي

المجالات التي كانت تستخدم فيها الكتابة في العصر الجاهلي

ونحن لا ننكر عليه محاولاته ولا نختلف معه فيما انتهى اليه من نتائج

وانما موضوع الخلاف يتركز حول ما ذهب اليه من محاولة

لاثبات ان الكتابة كانت تستخدم لتدوين الشعر في هذا العصر ..

نستكمل الفصل الاول ..


ونحن لا ننكر ان من الشعراء الجاهليين من عرفوا الكتابة

ولكن هذا لا يعني مطلقا ان العرب دونوا الشعر في ذلك العصر

وشغلوا بتدوينه او حتى فكروا في ذلك

وذلك لأن مثل هذا العمل يستلزم مستوى حضاريا معينا

تكون فيه الكتابة ظاهرة حضارية وليست مجرد ظاهرة حيوية

وهذا مالم يكن متوفرا في العصر الجاهلي..



ومن هنا كنا لانطمئن الى قصة كتابة المعلقات وتعليقها على استار الكعبة

وهذا الخبر مصدره ابن عبد ربه في القرن الرابع الهجري

ولم يقل به احد قبله

فأين كان الرواة الذين جمعوا الشعر الجاهلي و اخباره؟

وكيف اغفلوا ذكرها

ولم يذكرها حماد وهو الذي قام بجمع هذه المعلقات؟

واين كانت هذه المعلقات حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة ؟

وكيف كان مصيرها؟؟
نستكمل الفصل الاول ...


لم تكن الكتابة اذن وسيلة لتدوين الشعر في العصر الجاهلي

وان تكن قد استخدمت في ظروف معينة لتدوين بعض قصائد ومقطوعات منه

وهي قصائد ومقطوعات لا نملك دليلا على انها وصلت الى عصر التدوين مكتوبة

اما الاغلبية المطلقة من نصوص هذا الشعر فقد احتفظ بها الرواة في ذاكرتهم

وتناقلوها عبر الاجيال عن طريق الرواية الشفوية

وهي حقيقة تجد تأييدا لها فيما يقرره ابن سلام


كانت الرواية الشفوية اذن الوسيلة الاساسية لحفظ الشعر الجاهلي

وكان لكل شاعر راوٍ أو رواة يلازمونه ويأخذون عنه شعره

ثم يتولون اذاعته بين الناس

وكان هؤلاء الرواة عادة من ناشئة الشعراء الذين يلازمون كبارهم

لا من اجل الرواية فحسب وانما من اجل تعلم الشعر

وهم غالبا من اسرة الشاعر او قبيلته

واحيانا هم غرباء عن القبيلة ...



والواقع أن دور الراوي كان خطيرا

فهو الذي ينقلنا من حالة انتشار فوضوية الى حالة جمع مرتب للاثار الشعرية

كما يقول بلاشير

وكانت مهمته الاساسية معاونة الشاعر على نشر قصائده بين الجماهير

ولكنه في بعض الاحيان كان يعينه على انشائها

ويصحح ما بها من خطأ ويقوم ما اعوج منها

فإذا ما ودع الشاعر الحياة اصبح الراوي الامين على تراثه الفني

والمسئول لا عن نشره واذاعته بين الناس فحسب

وانما ايضا عن جمعه واعلان الظروف والمناسبات التي أوحت به ...



ومعنى هذا ان مهمة الراوي لم تكن تنتهي بانتهاء حياة شاعره

بل كانت تزداد اهمية وخطرا

اذ يصبح مسئولا امام التاريخ الادبي عن حمل امانة الكلمة والحفاظ عليها

وتسليمها للأجيال التالية سليمة كاملة كما سلمها صاحبها اليه

**د لا ل**
2012-02-11, 13:02
دراسة في الشعر الجاهلي \ بقلم فالح الحجية

طبقات الشعراء الجاهليين)


الشعراء الجاهليون اجمالا يمكن حصر امكاناتهم ونتاجاتهم ومكانتهم في عصرهم في ثلاث طبقات الاولى اولئك الذين كرسوا حياتهم في قول الشعر
واتخذوه حرفة لهم فهم يتغنون فيه وبكل ماجاؤا به من قصائد رائعة التنسيق والحبك والبلاغة وقد ملىء شعرهم بالصور الشعرية والاخيلة فهم قادرون على التعبير بمتا يختلج في انفسهم من عاطفة جياشة وفي قومهم باصدق تعبير ومنهم من صاغ الحكمة شعرا باحسن اسلوب وامتن عبارة واصدق احساس فهم الشعراء الفحول واصحاب المعلقات ومن شاكلهم
اما الطبقة الثانية فهم الذين لا يقولون الشعر الا عابرا او عن قلة فهم يقولون القصيدة مترجمين ما في نفوسهم من احساس او عاطفة قوية فيهم او اثر حادثة او حالة المت بهم ويغلب على شعر هؤلاء صفة السرد او الخبر الا انه لا يخلو من مقطوعات شعرية قيمة جدا
اما الطبقة الثالثة فهي طبقة الشعراء الصعاليك وهو طبقة نشاءت بين الطبقيتين وسموا بالصعاليك لفقرهم – لاحظ كتابي في الادب والفن -- المراءة في الشعر الجاهلي – وقد عاش الصعاليك على الغزو وتحدي المصاعب وحب المغامرة وكانوا يمقتون الاغنياء البخلاء ويستبيحون اموالهم ويقسمونها بينهم
وهؤلاء الصعاليك يفخرون بكبريائهم ويمتازون يخفة حركاتهم وتنقلهم وعدم مبالاتهم في حهم للمال فهم يسيرون على نهج – كل يوم له رزقه - فلا يدخرون مالا ولا يحسبون لغد حساب فان لم يجدوا طعاما لهم في يوم من الايام اخذوه بالاغارة والقتال



مكانة الشعراء الجاهليين
-------------
الشاعر العربي يتميز بمكانته العالية المرموقة في قومه وعند قبيلته او القبائل الاخرى تبعا لقوة شاعريته واشتهاره بين القبائل فكما كان يقال فلان فارس القبيلة الفلانية يقال فلان شاعرها واذا نبغ في القبيلة شاعر او ابدع في القصيد كان ذلك مدعاة للفرح والابتهاج به واقامة الحفلات والتكريم له فيما تتقدم القبائل الاخرى للتهنئة لقبيلته وذلك لان الشاعر بمثابة الفارس حا مي الاعراض فهو لسان قومه الذي يتكلم عنهم في المجتمعات والوفود وفي المناظرات والمواسم والاسواق حيث كانت اسواق الشعر قائمة ورائجة مثل سوق عكاظ وسوق المربد خيرشاهد على ذلك و هومقوي عزيمة قومه في الحرب وناقل الاخبار ويمكن القول بان الشاعر في الجاهلية بمثابة الصحيفة هذا اليوم تنشر كل خبر يقع وتنتصرلوجهة نظر محرريها اواحزابهم والعاملين فيها اوما انشئت لاجله .

خصائص الشعر العربي
----------------------
اختص الشعر العربي الجاهلي بتمثيل الحياة في الجزيرة العربية التي قيل فيها و يمثل صورة صادقة واضحة المعالم والملامح لحياة المجتمع البدوي في صور نابعة من حياة العربي ذاته فنلاحظ في الشعرالجاهلي الخيام والاطلال والحلو الترحال والابل والصحراء المجدبة والرمال المحرقة وما يعتريها اثناء جريان الرياح وفيه تتجسد معالم عادات القوم من غزو وحب وثأر وشجاعة وحفظ للجوار فالشعر تجسيد حي لمشاعرالشاعر في قومه وما يعتمل في نفسه من عاطفة وحب وكره وبغض وحكمة ورثاء ووصف لما تقع عينه عليه اويؤثر في نفسيته مثل وصف لحيوان او مكان او اطلال
ويمتاز الشعر العربي بانه يمثل صورا جلية واضحة لاعمال القوم ويمتاز بمتانة شعرية عالية وباسلوب قوي تظهر البداوة فيه جلية الا ما ندر حيث شعراء الحاضرة وبالاضافةالى ذلك فهو ديوان العرب ففيه تاريخ العرب وانسابهم ووقائعهم وحكمهم وادابهم
وقد تحدى الشعر الجاهلي عواقب ونوائب الزمن وطول المدى فهو خالد على مرور الدهر وما زالت هذه الاشعار والقصائد حية بكل معاني الحياة وتعبر في بعض الاحيان عن حالة الانسان في هذا القرن وعاطفته لحد الان وستبقى تمثل نفسية الانسان العربي ونوازعه وما يعتمل في قلبه من عواطف ومشاعرواحاسيس.

**د لا ل**
2012-02-11, 13:47
جذور (جينالوجيا) الشعر الجاهلي دراسة في نقد النقد - د. محمد بلوحي*

إن بداية ظهور الفن بعامة والشعر بخاصة عند الإنسان قضية موغلة في القدم، لا يمكن الجزم فيها بحكم، ولا سيما أن الأدلة المادية قليلة، أو منعدمة في بعض المواطن، فإذا أراد الباحث أن يقارب تراثاً شعرياً كتراثنا الجاهلي – اعتمد في الحفاظ عليه على الرواية الشفهية التي تنازعتها الأهواء والعصبيات – فإنه سيصطدم أول ما يصطدم بتباين الآراء والقراءات وتضاربها، وكل قراءة تدعي لنفسها ملك حقيقة الفصل في قضية بداية ظهور الشعر الجاهلي.


اختلف القدماء من الرواة والمدونين والنقاد في أولية الشعر الجاهلي، وألقت هذه القضية بثقلها على القراءات الحديثة، بل وجدت فيها كثيراً من الأقلام ميداناً يجب التمحيص فيه والتدقيق، بالعودة إلى المصنفات التراثية، بل وإلى الكتب المقدسة علّها تجد نصوصاً تقوي بها حجتها وتدعم بها مذهبها.


يرجع اختلاف القدماء في هذه المسألة بالأساس إلى الزخم الذي واكب عملية التدوين في العصر العباسي، والتي كان يهدف من ورائها دارسو الشعر الجاهلي إلى تدوين أكبر قدر ممكن من الأخبار والأشعار قبل اندثارها بذهاب حامليها من الرواة، وكان هدفهم الجمع أولاً ثم التمحيص ثانياً، وذلك بخلاف تدوين الحديث النبوي الشريف الذي راعى فيه المحدثون مقاييس جنبت كثيراً تدوين ما وضع على رسول الله كذباً وذلك من أجل المحافظة على المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية. كان القصد من وراء تدوين أخبار شعراء الجاهلية وشعرهم المحافظة على اللغة الصحيحة لوضع قواعدها، وضبط أحكامها، وكان هذا الاهتمام بالتدوين يقع في الدرجة الثانية إذا ما قورن بمسألة الحديث النبوي التي تتعلق بالشريعة، بل كان بعض الرواة والمدونين يرون أنّ تدوين أخبار الشعراء الجاهليين وأشعارهم لا يرقى إلى مسألة تدوين الحديث النبوي الشريف.


لقد فصل بعض القدماء في مسألة أولية الشعر العربي، فذهبوا إلى أن عمره يمتد بين القرن والقرنين قبل ظهور الإسلام على أكثر تقدير، إذ نجد الجاحظ يقرر أن عمر الشعر العربي قصير بالمقارنة مع عمر الإنسانية السحيق، فهو "حديث الميلاد، صغير السن، أول من نهج سبيله، وسهل الطريق إليه، امرؤ القيس بن حجر، ومهلهل بن ربيعة.. فإذا استظهرنا الشعر، وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام – خمسين مئة عام – وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام"(1)، أما ابن سلام الجمحي فيروي عن عمر بن شبة أنه ليس "للشعر والشعراء أول يوقف عليه، وقد اختلف في ذلك العلماء، وادعت القبائل كل قبيلة لشاعرها أنه الأول.. فادعت اليمانية لامرئ القيس، وبنو أسد لعبيد بن الأبرص، وتغلب لملهل، وبكر لعمرو بن قميئة والمرقش الأكبر، وإياد لأبي دواد.. وزعم بعضهم أن الأفوه الأودي من أقدم هؤلاء، وأنه أول من قصد القصيد، قال: وهؤلاء النفر المدعى لهم التقدم في الشعر متقاربون، لعل أقدمهم لا يسبق الهجرة بمئة سنة أو نحوها"(2)، ولم تقتصر الإشارة إلى هذه المسألة عند هذين العلمين، بل نجد أن جل الرواة قد ألمحوا إليها في مصنفاتهم ضمن أخبارهم أو تعاليقهم، ولكنهم أشاروا إلى المسألة دون الخوض والتمحيص فيها والتقليب في مضمونها.


يدرك المتأمل في هذه الروايات والأخبار أن جلها يتفق على فترة التأريخ لعمر الشعر الجاهلي ما بين القرن والقرنين كبداية للشعر العربي، وهذا ما جعل المستشرق كارل نارلينو ينتصر لقول الجاحظ ومن ذهب مذهبه من "العلماء العرب الذين قالوا بمدة مئة وخمسين سنة تقريباً للشعر الجاهلي، لم يبعدوا عن الصواب إذا فرضنا أنهم أرادوا بذلك ما وصل إلينا من الأشعار القديمة" 3-إن هذه الإشارة الأخيرة في النص يقرن فيها فرضية هذا المنحى بفرض أن هذا الاتجاه صائب إذا أراد به أصحابه ما وصل إلينا من الأشعار القديمة، أما إذا أخذنا بما لم يصل إلينا، فذاك ما يفتح باب القول بأن المدة التي أشارت إليها المصنفات القديمة والتي ذكرنا بعضها فيما سبق غير دقيقة وغير معبرة عن أوليات الشعر العربي القديم.


فالتضارب الذي وسم مواقف الكثير من القدماء من إشكالية أولية الشعر العربي هو الذي فتح المجال أمام الكثير من المستشرقين لإبداء تحفظ كبير حيال الجزم في هذه الإشكالية، والقول بأنه "ليس من الواضح متى بدأ العرب في نظم الشعر، فبعضهم يرجعه إلى آدم، والبعض يدعي تقديم قصائد من عهد إسماعيل وعلى الرغم من أن ملوك جنوب الجزيرة العربية ألّفوا نقوشهم بلغاتهم ولهجاتهم، فإن الأشعار التي اهتموا بنظمها، حسبما يقول الأثريون المسلمون، إنما كتبت بالعربية التي كتب بها القرآن، لكن يبدو أن الرأي العام يقرر أن الشعر العربي- على الشكل الذي استقر عليه فيما بعد – بدأ قبل ظهور الإسلام ببضعة أجيال قليله"(4) فالشك هو المقياس الأساس الذي تبناه المستشرقون منذ البداية في التعامل مع هذه الإشكالية التي اعتمدت جل أطروحاتها على موروث استعان في نقله له بالرواية الشفهية التي لا ترقى إلى مقام الدليل الموثق سندا، أو ماديا بواسطة الكشوف الحفرية أو المخطوطات الموثقة.


إذا كانت بعض الدراسات العربية الحديثة تسعى جاهدة إلى القول بأن جذور الشعر العربي موغلة في القدم، فإن كثيراً من المستشرقين وبخاصة مرجوليوث على وجه الخصوص حاولوا إثبات أن البداية الحقيقية للشعر العربي إنما ظهرت بعد الإسلام لا قبله "والكمية الهائلة من النقوش التي ترجع إلى ما قبل الإسلام والتي نملكها الآن مكتوبة بعدة لهجات، ليس فيها شيء من الشعر.. ولا يمكن أن تستنتج من النقوش العربية أنه كانت لدى العرب أية فكرة عن النظم أو القافية، على الرغم من أن حضارتهم في بعض النواحي كانت متقدمة جداً.. فإن كان القرآن يتحدث عن الشعر على أنه شيء يحتاج إلى تعلم، فمن المعقول أن نفترض أنه يشير إلى تلك الصنعة التي تستلزم العلم بالأبجدية، لأن القافية العربية تقوم في تكرار نفس المجموعة من الحروف الساكنة، والعلم بنظام نحوي، لأن النظم يتوقف على الفارق بين المقاطع الطويلة والقصيرة، وارتباط بعض النهايات ببعض المعاني، فيمكن إذن أن يكون ما يشهد عليه القرآن هو أنه قبل ظهوره كان بين العرب الكهان المعروفين بأنهم شعراء، ومن المحتمل أن لغتهم كانت غامضة، كما هي الحال لأي ألوان الوحي"(5) وهذا الاستنتاج يقوم على قاعدة فيلولوجية طبقها المستشرقون في دراستهم للشعر العربي القديم.


فمفهوم الشعر والشعراء في الجاهلية والملتبس بكلام وتعاويذ الكهان، وما كان يصدر عنهم من كلام مسجوع مبني على نغم موسيقي متجانس وإيقاع متناغم يتداخل في كثير من الصفات مع الإيقاع الشعري الجاهلي هو الذي خَيّل لمرجوليوث وجعله يقرّ ويؤكد أن الذي نَصّ عليه القرآن من شعر ما هو إلا سجع الكهان، وشتان بين ما هو شعر وما هو سجع الكهان، وأنهما جنسان وإن التقيا في بعض الخصوصيات التعبيرية فإنهما يختلفان في الكثير منها، لذلك فإن مذهب مرجوليوث يحتاج إلى سند علمي يؤكده، وإلا كان الحكم مبنياً على فرضيات تخمينية لا تجد من النصوص ما تشد به عضدها.


إن إشارة المستشرق كارل نالينو فتحت الباب أمام القراءة العربية الحديثة لتتجاوز الروايات والأخبار القديمة، وتؤسس لقراءة تذهب إلى أن أولية الشعر العربي القديم موغلة في القدم، بل القول أن أول شاعر عربي كان نبياً، وذلك إشارة إلى سيدنا إسماعيل عليه السلام، فنجد نجيب محمد البهبيتي يعنون الفصل التاسع من مؤلفه 6 بأن أبا الشعر العربي الأول نَبيّ وهو "إسماعيل أبو الشعر العربي نشأ بعمله في العاربة، واتخذ أول أشكاله على صورة أناشيد يتغنى بها المصلون في صلاتهم بالمعبد، ينظمها لهم إمامهم الديني الذي تولى قيادتهم الدينية بعد أن ترك أبوه له رعايتهم وتعليمهم دين التوحيد الجديد.. ولذا وجد إسماعيل نفسه مسؤولاً عن الصغيرة والكبيرة فيه فهو الإمام، وهو ناظم الأناشيد، وهو مرتلها، والمصلون من ورائه يرددون، والصلاة في المعابد الأولى كلها كانت أناشيد منظومة، تُغنى وتصحبها الموسيقى وإسماعيل هو الموجه لهذا كله، وهو القائم به وعليه. وقد أكسب هذا الماضي الأول الشعر قدسية النبي التي لزمته حتى آخر العهد الجاهلي حتى إن العرب الذين لقنوا هذا المعنى في تاريخهم كله لما تقدم إليهم النبي بالقرآن باعتباره وحيا من الله قالوا له: بل هو شعر مثل الذي كان يُوحى من قبله للشعراء، فشأنه فيما أوحي إليه شأن غيره من الشعراء فيما يوحى إليهم: أي يدافعونه عن ملك ظنوه طالبه" وهي قراءة تنطلق من فرضية تحتاج إلى أدلة موثقة تعضد به ما تذهب إليه، لأن مسألة نسبة بداية الشعر العربي القديم إلى إسماعيل عليه السلام تحتاج إلى ترو وتمحيص دقيق حتى لا نبني أحكاماً علمية بهذه الأهمية على فرضيات غير مؤسسة.


يربط البهيبتي قدسية الشعر عند العرب بالاعتقاد الذي كانت العرب تعتقده من أن الشاعر كان يقوم في قومه مقام النبي، ويحتج بقول أبي عمرو بن العلاء الذي يرويه أبو حاتم الرازي في الزينة بحيث "كان الشعراء في الجاهلية يقومون من العرب مقام الأنبياء في غيرهم"(7)، ويبني عليه البهبيتي حكماً يلتبس حكماً يلتبس فيه عليه بين ما هو شعر وما هو وحي، وحجته في ذلك قراءة رواية أبي عمرو بن العلاء دون المساس من دلالتها الأساسية أو جوهرها بشيء، وبذلك يذهب (إلى القول بأن الذين كانوا يقومون في العرب مقام الأنبياء في الجاهلية كانوا ينورون لهم طريقهم، ويوسعون لهم آفاقهم بالشعر الذي كان العرب –شأنهم في هذا شأن العالم القديم- يرونه إلهاماً يتنزل على الشاعر من وحي قوي قدسية تختار الشاعر من بين الناس لتهب له من العلم ما تصطفيه به دونهم. فهو كيان مقدس يلتف على قوة مقدسة تتحكم فيه، وتعتلج بقلبه، وتفور به، فيهيج على لسانه قولاً منسجماً مستوياً مواجا، ينتقل أثره إلى قلب سامعه، فيتجاوب القلبان بالأصل ورجع صداه ويمتزج النفسان بمعنى واحد، وكأنهما كيان واحد"(8) وتلك موازنة عجيبة من البهبيتي بين ما هو وحي وما هو شعر، وكأننا به لا يفرق بين مصدر كل واحد منهما، بل ويجعل كليهما من مصدر بشري، وذاك ما يدعو إليه الاستقراء، لأن مصدر كل منهما معروف لدى العام والخاص، ولا حاجة لنا بالتفصيل فيه، فالنبي موحى إليه لا دخل له في ما يوحى إليه إلا من جهة التبليغ، أما الشاعر فهو المبدع الخلاق لما يقوله، أما إذا كان يصطلح ويستعمل لفظي النبوة والوحي على غير ظاهر معناهما، بل على دلالة أدبية تنزاح فيها اللفظة عن معناها الأصلي إلى معنى ثان يراد به الإلهام والتفرد قياساً لما ورد في قول النبي (صلى الله عليه وسلم) لما سمع قول الشاعر الجاهلي:


سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً


*** ويأْتيكَ بالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوّد


فقال: "هذا من كلام النبوة" (9) فذاك رأي مؤسس، لأن اللفظة تأخذ دلالاتها بحسب المعنى الذي يقصد إليه.


يحاول البهبيتي أن يؤسس لرأيه القائل بأن الشعر العربي منبعه إسماعيل عليه السلام، ويورد ما أورده ابن رشيق في العمدة "حكى أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين النيسابوري أن كعب الأحبار قال له عمر بن الخطاب وقد ذكر الشعر: يا كعب هل تجد للشعراء ذكراً في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قوماً من ولد إسماعيل، أناجيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة، ويضربون الأمثال، لا نعلمهم إلا العرب"(10)، وانطلاقاً من هذا النص يصبو البهبيتي إلى التأسيس لطرحه السابق، وبعد قراءة نص ابن رشيق ومناقشته مستفيضة يخلص في النهاية إلى أن (الشعر العربي الأول نشأ في حضن المعبد، وكان نبعه إسماعيل، وهذا هو سر ارتفاع الشعر في معيار القيمة حتى يمس القدسية باعتباره فتحا من فتوح إسماعيل، وهو سر ارتقاء الشعراء إلى منزلة تضعهم في العرب موضع الأنبياء في غيرهم من الأمم، وتصير أشعارهم في صدورهم بمنزلة أناجيل الأنبياء في أسفارهم"(11)، وهي نتيجة تبرر علو منزلة الشعر والشعراء عند العرب في الجاهلية، وتفصح عن جانب من سر اهتمامهم بهذا الفن من القول حتى سموا ما جاد منه بالمعلقات، فعلقت في صدورهم ورووها أباً عن جدّ حتى وصلت إلينا، لكن الذي ينقص رأي البهبيتي النصوص الموثقة التي يعتمد عليها في مثل هذا الطرح، حتى يرقى إلى درجة الطرح العلمي المؤسس، وإلا بقي مجرد افتراض يجد الآخذ به نفسه في نهاية الأمر كمن يجري وراء سراب بقيعة يحسبه ماء حتى إذا وصل إليه لم يجد شيئاً.


نحن لا ننفي نشأة الشعر عموماً وعند العرب خاصة نشأة دينية، ونرى في هذا الرأي جانباً من الصحة، ولكنه لا يرقى إلى درجة اليقين، ولاسيما وأننا نبحث في مسألة لا نملك عليها من الأدلة الموثقة الشيء الكثير، بل ما زالت ميداناً خصباً للبحث والتنقيب، معتمدين في ذلك على العلوم الحفرية، علنا نجد ما يفسر كثيراً من جوانب مسألة أولية الفن عامة عند العرب والشعر خاصة، وهذا ما جعل بروكلمان يقر بصعوبة الفصل في مسألة أولية الشعر عند العرب، فشعر العرب كان –حسب تصوره- "فنا مستوفيا لأسباب النضج والكمال، منذ ظهر العرب على صفحة التاريخ، ولا تستطيع رواية مأثورة أن تقدم لنا خبراً صحيحاً عن أولية الشعر، وإذا فلا يسعنا إلا أن نستخلص من الملابسات المشابهة عند شعوب بدائية أخرى نتائج معينة يمكن تطبيقها أيضاً على العرب، إذا قدمت الأحوال الممكن التعرف عليها عند هؤلاء نقاطاً يعتمد عليها في ذلك"(12).


بذلك يأخذ بروكلمان بمنهج تطبيق الملابسات المشابهة التي وجدت عند الأمم البدائية الأخرى لاستخلاص فرضية حول أولية الشعر عند العرب، مشيراً إلى صعوبة الفصل في هذه المسألة لانعدام الرواية المأثورة التي تقدم الخبر الصحيح الذي يفصل في القضية، وبذلك يؤكد لنا أن أي قول يذهب إليه أي باحث في هذه المسألة هو قول احتمالي لا يقيني، خاضع لمبدأ الأخذ والرد، ولكن على الرغم من هذه الإشارة المبكرة لبروكلمان إلا أن كثيراً من القراءات العربية الحديثة خاضت في هذه المسألة محاولة في بعض الأحيان القول فيها بلغة الجزم، وفي بعض الأحيان الأخرى بلغة الاحتمال.


إن ارتباط الشعر بالحياة العامة للعرب منذ القدم جعل بعض القراءات تربط أولية الشعر الجاهلي بالكثير من المحطات الهامة في حياة الأمة العربية في سيرورة تاريخها الطويل، ولاسيما وأنها كانت أمة تقطن في موطن لزمته الكثير من الظواهر الطبيعية وما ينتج عنها من آثار أخلاقية واجتماعية وسياسية، كان على العربي الاهتمام بها أيما اهتمام حتى يوفر لنفسه أسباب البقاء، ومن أهمها الماء والكلأ وخصوبة الأرض، والدفاع عن النفس والحياض.


يشير جواد عليّ إلى أن أولية الجاهلي لا يمكن أن نقر ببدايتها بنحو قرن أو قرنين قبل ظهور الإسلام كما ذهبت إلى ذلك رواية الجاحظ وغيره، ويصف ذلك بالخطل في الرأي، والفساد في الحكم، إذ يؤكد أن "الشعر أقدم من هذا العهد بكثير، وقد أشار المؤرخ (سوزيموس)Zosimus إلى وجود الشعر عند العرب، وهو من رجال القرن الخامس للميلاد، إلى تغني العرب بأشعارهم، وترنيمهم في غزواتهم بها، وفي إشارته إلى الشعر عند العرب دلالة على قدم وجوده عندهم، واشتهاره شهرة بلغت مسامع الأعاجم، فذكره في تاريخه. في سيرة القديس (نيلوس) Nilus المتوفى حوالي سنة 430 بعد الميلاد، أن أعراب طور سيناء كانوا يغنون أغاني وهم يستقون الماء من البئر،… والأشعار المروية في كتب التواريخ والأدب عن حفر آبار مكة وغيرها من هذا القبيل، فقد روي أن (عبد المطلب) لما حفر بئر (زمزم)، قالت (خالدة بنت هاشم):


في تُرْبَة ذَاتِ غَذَاةٍ سَهْلَه


*** نَحْنُ وَهَبْنَا لِعَدِيٍّ سَجْلَه


تُرْوِي الحَجِيجَ زَعْلَةً فَزَعْلَه


وأن عبد شمس قال:


حَفَرْتُ خَمَّا وَحَفَرْتُ رَمَّا


*** حَتَّى أَرَى المَجْدَ لَنَا قَدْ تَمَّا.(13)


كما يورد نصوصاً كثيرة في التغني بالماء وحفر الآبار. والماء من المصادر الأساسية التي ألبسها العربي القديم لبوس القدسية لما لحياته وحياة الخلق من حوله من ارتباط بوجودها، من هنا يمكن ترجيح الرأي الذي ينتصر إلى ربط أولية الشعر عند العرب بحفر الآبار واستخراج الماء، لذا "نجد في كتب السير شعراً قيل في حفر بئر زمزم، وفي آبار أخرى، مما يدل على أن العرب كانوا قبل هذا العهد، إذا حفروا بئراً، قالوا شعراً فيها، وهو شعر يمكن أن نسميه شعر الآبار، وهو يعود ولاشك إلى عرف قديم، قد يتقدم على الميلاد بكثير، وهو يجب أن يكون من أقدم ما قيل من شعر، لما للبئر من أهمية في حياة العرب"(14)، وبذلك يفصل جواد علي في ربط مسألة أولية الشعر الجاهلي بالبحث عن الماء، فيذهب –بخلاف البهبيتي- إلى إرجاع أولية الشعر عند العرب إلى التغني بالماء وبوجوده، لما للماء ومصادره من أهمية بالغة في حياة العربي في صحراء قاحلة وجود الماء فيها أهم من العبادة والمعابد، وهو رأي تؤسس له النصوص الشعرية المأثورة والتي أورد البعض منها اعتماداً على ما ورد في فتوح البلدان والروض الأنف وسيرة ابن هشام وغيرها من المصادر التراثية التي اهتمت بالموضوع وما ورد فيها من أشعار مأثورة، وإن كانت لا تشكل قصائد مطولة وإنما البيت أو البيتين، لأن العربي في ذلك الوقت لم يكن مهيأ لقول القصائد الطوال، ولكن على الرغم من هذه الأبيات الشعرية القليلة التي تظهر وكأنها نتف شعرية، إلا أنها تشكل نصوصاً مؤسسة يمكن الاعتماد عليها في التأريخ لأولية الشعر العربي.


لم تقصر القراءة الحديثة القول في البحث عن أولية الشعر الجاهلي وبخاصة عند جواد عليّ على ما ورد في الماء من أشعار بل ذهبت إلى القول بأن أولية الشعر عند العرب ارتبطت بالحياة اليومية في سلمها وحربها، ومعاشها ومعادها، إذ لم يقتصر التغني بالشعر على حفر الآبار وحدها، وإنما تغنى به عند بنائهم بناء أو حفرهم خندقاً، أو إقامتهم سوراً، أو قيامهم بزرع أو حصاد، وفي أعمال أخرى يناط القيام بها إلى جماعة في الغالب، وكذلك في الغارات وفي الحروب… ورووا أن من الشعراء الجاهليين من كان يتغنى بشعره، وأن حسان بن ثابت أشارَ إلى التغني بالشعر بقوله:


تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا كُنْتَ قَائِلَهُ


*** إِنَّ الغِنَاءَ لِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ


ولابد أن تكون في الأهازيج وفي أشعار الحج، أنغام يرنم على وقعها الشعر، الذي هو شعر الغناء. فإننا نجد من النتف الباقية من الجمل التي يقولها الحجاج في أثناء حجهم، آثار شعر كان مقروناً بالغناء. ونظراً لوجود تماس مباشر بين هذا الشعر وبين الحياة العامة، فإن في استطاعتنا القول إنه قد يكون من أقدم أنواع الشعر عند العرب، وهو شعر لم ينبع من ألسنة الشعراء المحترفين، وإنما خرج على كل لسان، وساهم فيه كل شخص: رجل وامرأة، مثقف وجاهل، حكيم وسوقي. وهو بعد نابع من صميم الحياة، ومن باطن القلب، للترفيه عن النفس، ولتخفيف التعب، ومازال الناس يتغنون عند وقوع مثل هذه الأمور لهم، وهو غناء لم يحظ ويا للأسف بالرعاية والعناية، لذلك لا نجد له ذكراً في الكتب إلا في المناسبات(15)، وهي قراءة نجد أصولها فيما يذهب إليه كارل بوخر K. Bucher في مؤلفه العمل والنغم والذي أشار إليه كارل بروكلمان فأورد فيه خلاصة رأي بوخار الذي يذهب فيه إلى "أن حركات العمل الطبيعية المنتظمة، لاسيما حركات العمل الجماعي، كانت تحث من تلقاء نفسها على التغني بأغان موزونة مصاحبة للعمل وميسرة له تيسيراً نفسياً. وقد رويت لنا عن العرب أيضاً مثل هذه الأغاني التي تصحب العمل"(16). وهو ربط لأولية الشعر عند العرب بالثقافة الشعبية والأصول الأنثروبولوجية.


تمثل الثقافة الشعبية عند الكثير من الدارسين-وبخاصة عند المهتمين بالدراسات الشعبية والأنثرولوجية- المهد الأول للفن بعامة والشعر بخاصة، لاسيما عند أمة كالأمة العربية وعمق ارتباطها بالشعر كفن قولي، لأنه كان المناسب لأمة ترتحل أكثر مما تستقر، وهي قراءة تحمل الكثير من الجوانب التي تؤسس لمذهبها إّا ما راعينا إيغال القضية في القدم، وقلة الأدلة المادية التي تقطع دابر الشك باليقين، وبذلك لا يجد الدارس لمثل هذه القضايا إلا الافتراض والبناء على بعض الأدلة الشفوية بخاصة ما تعلق منها بالعادات والتقاليد المأثورة عن الأمة العربية والتي توارثتها الأجيال أباً عن جَدٍّ مشافهة، وتعلق بها العام والخاص، المثقف والجاهل، الحكيم والسوقي، الرجل والمرأة، فأصبحت ممارسة يومية للترويح عن النفس من عناء الحياة ومتاعبها.


فالقول بشعبية أولية الشعر العربي قول يرتاح له الباحث باعتبار أن الفن عامة والشعر خاصة لم يولد متكاملاً في بنيته الخارجية والداخلية كما وصل إلينا في معلقاته وإنما سبقته محاولات متكررة انفرادية وجماعية حتى استوى على عوده بالشكل الذي وصل إلينا في معلقاته وغيرها من القصائد والمقطوعات التي زخرت بها المصنفات الأدبية القديمة.


إن ربط جواد علي أولية الشعر العربي بالأناشيد والغناء المتصل بالحياة اليومية للعربي، جعله يلمّح إلى إمكانية ربط أولية هذا الشعر بالطقوس السحرية كما يربط ذلك الغربيون، لأن "بين الشعر والسحر صلة كبيرة، بل رأى البعض منهم أن الغرض الذي قصد إليه من الشعر في الأصل هو السحر، ودليل ذلك أن الغناء عند الشعوب البدائية، ليس متسقاً مع نغم العمل وإيقاع اليد العاملة، فنجد الغناء عند البناء أو الجر أو الحفر، أو الزرع لا يتسق مع نوع حركة العمل، وإنما كان يسلي العمال ويسعفهم بقوى سحرية، وهو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، أي تشجيع العمل بطريق سحري"(17)، وهي قراءة تستمد أصولها من القراءة التي ذهب إليها (برويس) Preuss في كتابه الحضارة العقلية عند الشعوب البدائية- والتي أوردها بروكلمان في مؤلفه السالف الذكر كذلك- إذ يرى أنه "افتراض لا يقوى على النهوض أمام الحقائق الثابتة في علم الأجناس البشرية، وليس بمقنع لتفسير ما وجده الباحثون عند الأمم البدائية، فإن آثار الغناء المصاحب لحركات العمل الإيقاعية المنتظمة قليلة نادرة، على حين تصاحب الأغاني في كل مكان من الأرض أعمالاً غير مرتبطة بنظم الإيقاع، كالغزل والحياكة، والجدل، مما لا يمكن أن يشتمل على وحدة إيقاعية؛ فلم يكن الغناء في مثل هذه الأحوال متسقاً مع نغم العمل تسهيلاً له كما تقدم، وإنما كان الغناء يسلي العمال ويسعفهم بقوى سحرية. وإذاً فلابد أن يكون الغرض الذي قصد إليه الشعر في الأصل، ما دام لم يكن مقصوداً منه مجرد المسامرة، هو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، وتشجيع العمل بطريق سحري"(18)، حتى يجعل من العامل عاملاً منتجاً.


يرى بروكلمان أن المنحى السحري للشعر عند العرب لم يتجل في كل الأغراض الشعرية، بل ظهر في غرض الهجاء دون سواه "فمن قبل أن ينحدر الهجاء إلى شعر السخرية والاستهزاء، كان في يد الشاعر سحر يقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير سحري. ومن ثم كان الشاعر، إذا تهيأ لإطلاق مثل ذلك اللعن، يلبس زيا خاصاً شبيهاً بزي الكاهن. ومن هنا أيضاً تسميته بالشاعر، أي العالم، لا بمعنى أنه كان عالماً بخصائص فن أو صناعة معينة، بل بمعنى كان شاعراً بقوة شعره السحرية، كما أن القصيدة كانت هي القالب المادي لذلك الشعر"(19)، وبذلك نجد بروكلمان يقصر ارتباط أولية الشعر عند العرب بالسحر في غرض الهجاء، وفي المرحلة الأولى لظهور هذا الغرض عند العرب، أما جواد علي فيعمم ذلك على الشعر الذي كان يصاحب العمل، وبذلك ينتصر لرأي (برويس) Preuss.


أما مرجليوث فينفي وجود الشعر عند العرب ولو كان موجوداً لأُثّر في "الكمية الهائلة من النقوش التي ترجع إلى ما قبل الإسلام والتي نملكها الآن مكتوبة بعدة لهجات، ليس فيها شيء من الشعر… ولا يمكن أن نستنتج من النقوش العربية أنه كانت لدى العرب أية فكرة عن النظم أو القافية، على الرغم من أن حضارتهم في بعض النواحي كانت متقدمة جداً… فإن كان القرآن يتحدث عن الشعر على أنه شيء يحتاج إلى تعلم، فمن المعقول أن نفترض أنه يشير إلى تلك الصنعة التي تستلزم العلم بالأبجدية، لأن القافية العربية تقوم في تكرار نفس المجموعة من الحروف الساكنة، والعلم بنظام نحوي، لأن النظم يتوقف على الفارق بين المقاطع الطويلة والقصيرة، وارتباط بعض النهايات ببعض المعاني. فيمكن إذن أن يكون ما يشهد عليه القرآن هو أنه قبل ظهوره كان بين العرب الكهان المعروفين بأنهم"شعراء"؛ ومن المحتمل أن لغتهم كانت غامضة، كما هي الحال في ألوان الوحي"(20)، وهو طرح معروف يكاد ينفرد به مرجليوث حول أصل الشعر العربي القديم ومدى صحته، فالعرب لم يعرفوا الشعر ولم ينظموه وأن ما عرف عنهم ما هو إلا ضرب من سجع الكهان وما شابهه من الكلام ذي الإيقاع المتجانس، وأن اسم الشاعر اختلط عند العرب باسم الكاهن، وهو رأي فيه من الغلو الذي لا يصمد أمام الشعر الوافر الذي وصل إلينا من الفترة العربية قبل الإسلام، وإن داخله بعض النحل بفعل الرواية الشفهية.


إن الاختلاف في الطرح حول أولية الشعر الجاهلي هو السمة الرئيسة التي تميزت بها جلّ الدراسات التي تعرضت لهذا الموضوع، وهذا ما حدا بيوسف خليف في مؤلفه (دراسات في الشعر الجاهلي) إلى الوقوف على هذه الحقيقة، لأن "الباحثين مختلفون حول طبيعة هذه التجارب والمحاولات التي بدأ بها الشعر العربي قبل حرب البسوس. وبين أيدينا نظريتان أساسيتان: نظرية قديمة ذهب إليها العلماء العرب منذ عصر التدوين، ونظرية حديثة يذهب إليها بعض المستشرقين، ويتابعهم فيها بعض الباحثين المحدثين"(21)، و..؟.. أن النظرية القديمة تذهب إلى أن أول نشأة الشعر العربي كانت عبارة عن مقطوعات قصيرة أو أبيات قليلة العدد، يرتجلها الشاعر في مناسبات طارئة ليعبر بها عن انطباعات سريعة مؤقتة، ثم أخذ الشعراء يطيلون في مقطوعاتهم، ويزيدون من عدد أبياتهم، خاضعين في ذلك لسُنَّة التطور الحتمية وقانون النشوء والارتقاء الطبيعي، حتى تكاملت لهم القصيدة العربية الطويلة في صورتها المعروفة على يد المهلهل في أيام حرب البسوس.


فالمهلهل أخو كليب أول من قصد القصائد الطوال وضمنها الغزل، وذاك ما تذهب إليه بعض الروايات في المصادر القديمة مثل الأغاني، كما تؤكد بعض الروايات في المصدر نفسه أن أول شاعر هو امرؤ القيس، وهو المتأخر زماناً بقليل عن زمن المهلهل، وهذا ما حدا بالمستشرق مرجوليوت إلى القول بأن "الدعوة الخاصة بالمهلهل إنما تستند إلى اسمه، فمعناه: "صانع النسيج الرقيق" والمراد هنا "النسيج الشعري"، بينما تفسير الاسم بمعنى "الصانع" أدى إلى هذه الفكرة العجيبة وهي أنه كان أول شاعر انحرف عن جادة الصدق"(22)، وهي تخمينات وتأويلات لا ترقى إلى مصاف الحجج العلمية الدامغة التي تستند إلى براهين مادية ذات طابع علمي.


فإذا كان البحث في أولية الشعر الجاهلي ينسب للمهلهل أم لامرئ القيس- وهما المتأخران زمنياً- أمراً يجد فيه الباحث صعوبة، فما بالنا بالرأي الذي يذهب إلى أن أولية الشعر العربي تعود إلى آدم أو إسماعيل عليهما السلام أو عاد وثمود، علماً أننا لا نقيم في النسب ما فوق عدنان، ولا نجد لأولية العرب المعروفين شعراً، فكيف بعاد وثمود؟… ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف على عهد عاد وثمود.(23)


إن مسألة اللسان الذي كتب به الشعر الجاهلي الأول جعلت القراءة الحديثة تثير قضية تطور اللغة العربية في حد ذاتها والمراحل التي مرت بها حتى وصلت إلينا كما هو الحال عليه في النص الشعري الجاهلي، مستوية موحدة في لغة قريش، لأن "لغة الشعر الجاهلي وهي التي يقال لها اللغة العربية الفصحى-والتي نزل بها القرآن الكريم- هي فرع من مجموعة من اللغات عرفت عند المستشرقين باسم "اللغات السامية"؛ وقد انكبت على دراستها منذ قرنين من الزمان على الأقل مجموعة كبيرة من علماء الغرب يبحثون أصولها وقواعدها وعلاقاتها بعضها ببعض معتمدين في دراساتهم على ما اكتشف من نقوش وكتابات ومخربشات لهذه اللغات في الجزيرة العربية وجنوبي العراق وفي الشام وسيناء"(24). إن هذه اللغات السامية التي تتألف من قسمين: لغات سامية شمالية تمركزت في العراق مثل البابلية والآشورية والكلدانية، وأخرى تمركزت في الشام مثل الكنعانية والفينقية والآرامية والعبرية والأوجاريتية والسريالية والنبطية وغيرها، وثانية سامية جنوبية من اللهجات العربية المختلفة: ويقصد بها: عربية قريش واللهجات الصفوية والثمودية واللحيانية، وهي لهجات عربية شمالية، وجنوبية مثل المعينية والسبئية والقتبانية والأوسانية والحضرمية والحميرية(25). فمسألة أولية الشعر العربي تفضي إلى طرح السؤال طرحاً حاداً: بأي لغة كتب أول نص شعري جاهلي؟، وكيف استوى عبر المراحل حتى وصل إلى لغة قريش فوصلنا بها في المقطوعات والقصائد التي حوتها مدونات الشعر العربي القديم؟.


إن الخوض في مسألة اللغات السامية بين شمالية وجنوبية، والتطورات التي لحقت بنظام اللسان حتى استوى على تكوينه الأخير من اسم وفعل وحرف وأيهما الأول الفعل أم الحرف أم الاسم، ومسألة النطق والكتابة وتطور الكتابة العربية حتى مراحل نضجها الأخير مسائل في غاية الصعوبة والتعقيد والفصل فيها يحتاج إلى دراسة معمقة لا يسمح بها المقام ها هنا بالإضافة إلى أسانيد علمية قوية موثقة.


وهذا ما يصعب على أي قراءة الفصل فيه، مما يبرهن على أن الفصل في أولية الشعر العربي مسألة محفوفة بالمخاطر والقول في أن أول شاعر عربي كان نبياً-كما ذهب إلى ذلك البهبيتي- أو عاد وثمود مسألة تحتاج إلى تدقيق نظر و"أن الجهود التي بذلت عن أولية الشعر العربي لم تتعد نتائجها مرحلة الفروض التي لم يثبت منها فرض بصورة علمية حتى الآن"(26)، وهذا ما يؤكده بروكلمان إذ قال:(27) "لا تستطيع رواية مأثورة أن تقدم لنا خبراً صحيحاً عن أولية الشعر-عند العرب- وإذاً لا يسعنا أن نستخلص من الدراسات المشابهة عند شعوب بدائية أخرى نتائج معينة يمكن تطبيقها أيضاً على العرب"، فالبحث العلمي اليوم بوسائله المتميزة من حفريات واجتماعيات وعلم مقارنة اللغات السامية يمكن له أن ينير طريق البحث في أولية الشعر العربي إذا توفرت له الوسائل الكفيلة بذلك، وإلا بقى البحث في هذه المسألة ضرباً من الافتراضات التي لا تستند إلى سند مادي عتيد.


إن التأريخ لأولية الشعر العربي بعصر المهلهل وامرئ القيس، أي بخمسين ومئة عام أو مئتي عام قبل ظهور الإسلام-كما ذهب إلى ذلك الجاحظ- مذهب لم تستغه القراءة الحديثة معتمدة في ذلك على أن الشعر العربي الذي استوى على هذه الدرجة الفنية الراقية والصنعة المتميزة والموسيقى المبدعة يبرهن على أن هناك مراحل متقدمة تعد بالقرون كانت فترة اختمار وتبلور واستواء قبل أن ينضج بهذا الشكل المتميز عند أقدم شاعرين وصل إلينا شعرهما كالمهلهل وامرئ القيس.


تؤكد القراءة الحديثة في مسألة أولية الشعر العربي أن اللغات السامية ترجع في كتاباتها إلى نوعين من الخطوط، الخط المسند، وهو الخط الذي دونت به اللهجات العربية الجنوبية، ثم الخط المشتق من الخط الآرامي المتأخر وخط النبط وبه كتبت اللغات السامية، والخط المسند أقدم عهداً من الخط المشتق وهو خط العرب الأول، وهناك خط ثان مأخوذ من الخط النبطي والذي يعرف عند المستشرقين بالخط العربي الشمالي، فهو الذي شاع بين ذلك وخاصة على أيدي اليهود والنصارى الذين كانوا يكتبون به حتى كاد يهيمن على الخط المسند، وكان خط العرب عند ظهور الإسلام (28).


أما بأية لغة كتبت النصوص الأولى من الشعر العربي فتلك مسألة وقفت أمامها القراءة الحديثة وقفة حذر نظرا لقلة الأدلة المادية التي تسند عليها فرضياتها مادام (أن كل النصوص التي وصلتنا كانت لهجات عربية أخرى، منها ما هو بعيد عن العربية الفصحى، ومنها ما هو قريب منها وخاصة نقش النمارة النبطي) (29). فالعربية التي وصلنا بها الشعر الجاهلي هي لغة قريش وبها نزل القرآن الكريم، مما جعل القراءة الحديثة تحاول الوقوف عند التعليل الذي يمكن أن تنتهجه لمعرفة كيفية توحد اللهجات العربية تحت راية قريش واتخاذها لغة رسمية، خاصة، وأن اللهجة (تشتمل على ألفاظ وعناصر بعضها قديم جداً يعود عهدها إلى أقدم اللهجات السامية، وبعضها يمثل التطور الذي مرَّ على اللهجات في جزيرة العرب في بادية الشام وأطراف العراق، هذا المتأخر ما يشير إلى ابتعاد معناه عن معنى الكلمة الأم، ووروده في معان جديدة تولدت من ذلك التطور)(30).


ولما كان النظر إلى هذه المسألة صعباً بسطت القراءة الحديثة أطروحات وفرضيات حاول فيها الباحثون من أمثال علي جواد في المفصل وشوقي ضيف في العصر الجاهلي، ومن قبلهم المستشرقون نولدكة وجويدي وفيشر وبلاشير تتبع المسألة والميل إلى (الرأي الذي يقول: إن القبائل العربية الشمالية اصطلحت فيما بينها على لهجة أدبية فصحى كان الشعراء على اختلاف قبائلهم وتباعدهم وتقاربها ينظمون فيها شعرهم، فالشاعر حين ينظم شعره يرتفع عن لهجة قبيلته المحلية إلى هذه اللهجة الأدبية العامة، ومن ثم اختفت جملة الخصائص التي تميزت بها كل قبيلة في لهجتها، فلم تتضح في شعر شعرائهم إلا قليلاً جداً" (31)، واختلف هؤلاء الباحثون في أي لهجة وقع عليها الاتفاق لجعلها اللغة الأدبية ذات الطابع الفصيح، وهل كان هذا الاتفاق بدافع العامل السياسي أو الثقافي، باعتبار أن الجزيرة العربية شهدت تحولات عديدة كبرى مروراً ببروز قبائل في نظم الشعر على قبائل أخرى،مما أهل لغتها لأن تكون لغة أدبية وذلك ما يذهب إليه المستشرق نالينو حيث (جمع اللغويون والنحاة منها مادتهم اللغوية، وهي قبائل مَعْد التي وحد ملوك كندة كلمتها تحت حكمهم قبل منتصف القرن الخامس الميلادي، وفي رأيه أنها تولدت من إحدى اللهجات النجدية وتهذبت في زمن مملكة كندة، وصارت لغة أدبية بين العرب)(32)، أما بروكلمان فكان يرى أن (الفصحى كانت لغة فنية قائمة فوق اللهجات وإن غذتها جميعاً)(33). وكلها قراءات تقوم على فرضيات تحاول من خلالها التأسيس لتأويلات مختلفة.


هذه الفرضيات والقراءات هي التي حاول حنفي حسنين أن يتتبعها، وهي التي جعلته ينتهي إلى (أنها جميعاً تمثل فروضاً علمية لم يثبتها أي باحث منهم، وإنما هي حدس يختلفون فيه، وبه كثير من التعميم) (34). مما جعله يؤكد أن عوامل دينية وسياسية واقتصادية، ساعدت لهجة قريش على السيادة خلال القرن السادس الميلادي فأصبحت لغة الشعر، وأن قبيلة (قريش استطاعت أن تدمغ هذه اللغة الأدبية الموحدة بطابعها الخاص، وبلهجتها المستقلة، نتيجة لمركز القوة الديني والاقتصادي الذي كانت تحتله خلال القرن السادس الميلادي، وقبيل ظهور الإسلام، حتى إِذا نزل القرآن الكريم وجد البيئة اللغوية التي تفهمه دون عناء على الرغم من اختلاف اللهجات، فقبله كان الشعر الجاهلي، يجوب آفاق الجزيرة يحمل مشعل اللهجة الواحدة، فيجد الآذان العربية كلها تطرب له وتتحمس لاستقباله) (35). وبذلك ندرك أن الشعر الذي سبق توحيد اللهجة لم تحفظه العرب، ولم تروه لأنه قيل بلهجات متفرقة استعصى على العرب الحفاظ عليها وعلى شعرها، ولو بحث الدارسون في التراث الشعبي كالأغاني والأناشيد والأهازيج لوجدوا بواكير الشعر العربي في هذه الألوان من الأشعار نظراً للارتباط العميق بالنفس في المرحلة الأولى لتبلور الحس الشعري لدى العربي، هذا الحس الذي ولد مقاطع الغناء والأناشيد والأهازيج الحماسية نظراً لارتباطها بحياته الوجدانية والمعاشية والسياسية وكان الرجز السيد الغالب على هذه المقاطع الغنائية لبساطة موسيقاه وقربها من النثرية المسجوعة ذات الإيقاع المؤثر كالمقطوعة التي أنشدتها هند بنت عتبة ونسوة من قريش في غزوة أحد لتحميس فرسان قريش من المشركين لمجابهة جيش المسلمين، والتي يروى أنها من إنشاد أعرابيات في يوم قار لتحميس الفرسان المقاتلين:


إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِق


*** وَنَفْرِشِ النَّمَارِق


أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِق


*** فِرَاق غَيْر وَامِق (36).


وبذلك تحاول هذه الأطروحات أن تذهب إلى أنه في مثل هذه المقطوعة الشعرية تبلورت بواكير الشعر العربي سواء أكان في لهجاته المحلية أم في اللغة الأدبية قبل أن يخطو إلى مرحلة القصيدة ذات المواضيع المتميزة والأخيلة الراقية والموسيقى المتعددة في بحورها المعروفة.


ولئن حاولت القراءة التاريخية أن تفصل في إشكالية أوّلية الشعر الجاهلي، بتبنيها الأطروحات التي فصلنا فيها سلفاً، فإننا ندرك أن المسألة شائكة لا يمكن الفصل فيها بقول: وإنما تبقى المسألة خاضعة للتخمينات والفرضيات التي لا تستند إلى السند العلمي القائم، لأن الإشكالية موغلة في القدم وفرضياتها مبنية على الاحتمال الذي لا يرقى إلى القول الفصل، على الرغم من أن القراءة التاريخية حاولت بكل ما أوتيت أن تبحث في الإشكالية، ويبقى جهدها جهداً يستحق التقدير، كما يعتبر جهداً علمياً أغنى المكتبة العلمية وزودها برؤى لم يكن لها أن تصل إليها لو لم يبذل روادها جهداً من أجل التأسيس لمقاربة إشكالية أولية الشعر الجاهلي، كما لم تقف القراءة للشعر الجاهلي عند هذه الإشكالية بل تعدتها لتبحث في إشكاليات اتصلت مباشرة بما وصل إلينا من نصوص هذا الشعر، فعملت من أجل دراسة وتمحيص مسألة مصادر هذا الشعر وبخاصة ما وصل إلينا عن طريق الرواة.


الإحالات:


(1) الحيوان الجاحظ: تح: عبد السلام هارون دار إحياء العلوم لبنان 1996 1/59.


(2) طبقات فحول الشعراء ابن سلام: تح: محمود محمد شاكر مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر مصر. ص: 3.


(3) تاريخ الآداب العربية كارلو نالينو: دار المعارف مصر ط:2 1970 ص 68.


(4) نشأة الشعر العربي ديفيد صمويل مرجوليوث: ضمن كتاب: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: تر عبد الرحمن بدوي دار العلم للملايين لبنان ط1/ 1979 ص: 93 – (ويقصد بالأثريين المسلمين: رواة الشعر العربي القديم- هيئة التحرير)


(5) نشأة الشعر العربي ديفيد صمويل مرجوليوث: ضمن كتاب: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: تر عبد الرحمن بدوي دار العلم للملايين لبنان ط1/ 1979 ص: 90 91.


(6) الشعرالعربي في محيطه التاريخي القديم نجيب محمد البهبيتي: دار الثقافة للنشر والتوزيع المغرب ط1/ 1987 ص: 71.


(7) الشعرالعربي في محيطه التاريخي القديم نجيب محمد البهبيتي: ص: 71.


(8) المرجع السابق: ص 72.


(9) العقد الفريد ابن عبد ربه: تح: أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأنباري دار الكتاب لبنان لبنان 5/271.


(10) الشعرالعربي في محيطه التاريخي القديم نجيب محمد البهبيتي: ص:75.


(11) المرجع السابق: ص 79.


(12) تاريخ الأدب العربي كارل بروكلمان: تر: عبد الحليم النجار دار المعارف مصر ط/2 1/44.


(13) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي: دار العلم للملايين لبنان مكتبة النهضة العراق ط2/ 1978 9/410.


(14) المرجع السابق: ص 412.


(15) ينظر المرجع السابق: ص9/412.


(16) تاريخ الأدب العربي كارل بروكلمان: تر عبد الحليم النجار 1/44 45.


(17) المرجع السابق: ص9/414.


(18) نفسه: 1/45.


(19) المرجع السابق: ص 1/46.


(20) نشأة الشعر العربي ديفيد صمويل مرجوليوث من كتاب: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: تر: عبد الرحمن بدوي ص: 90-91.


(21) دراسات في الشعر الجاهلي يوسف خليف: مكتبة غريب مصر د.ت د.ط ص: 41.


(22) نشأة الشعر العربي ديفيد صمويل مرجوليوث دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: تر: عبد الرحمن بدوي ص: 95.


(23) ابن سلام: طبقات فحول الشعراء ص: 11.


(24) الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) سيد حنفي حسنين: ص: 8.


(25) ينظر المرجع السابق: ص 9 10.


(26) الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) سيد حنفي حسنين: ص: 7.


(27) بروكلمان: تاريخ الأدب العربي 1/44.


(28) ينظر: سيد حنفي حسنين: الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) ص: 11.


(29) المرجع السابق: ص: 19.


(30) الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) سيد حنفي حسنين: ص: (20).


(31) المرجع السابق: ص: 20.


(32) الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) سيد حنفي حسنين: ص:21.


(33) المرجع السابق: ص:21.


(34) نفسه ص: 21.


(35) نفسه ص: 23.


(36) التاريخ الطبري: دار المعارف مصر 2/ 208.


* - كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة سيدي بلعباس- الجزائر


مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 81-82

**د لا ل**
2012-02-11, 14:05
إعداد فهرس للحياة العقلية في العصر الجاهلي

مظاهر الحياةالعقلية في العصر الجاهلي
صار من الثابت بين الباحثين أن العصر الجاهلي لايشمل كل ما سبق الإسلام من حقب طوالٍ، ولكنه يقتصر على حقبة لا تزيد على القرنين منالزمان، وهي ما اصطلح الباحثون على تسميتها بالجاهلية الثانية، وفي تلك الحقبة ظهرهذا الإنتاج الغزير الناضج من الشعر والنثر، واكتملت للغة العربية خصائصها التيبرزت من خلال هذا النتاج الأدبي الوفير، كما استقرَّ أيضًا رسم حروفها الألفبائية. فما انتهى إلينا، إذن، من أدب جاهلي هو أدب الجاهلية الثانية، وهو ما نستطيع الحديثعنه ودراسة فنونه وخصائصه، أما أدب ما قبل هذه الحقبة التاريخية فهو أدب ما يسمىبالجاهلية الأولى، وهو أدب لم تتوافر نصوص منه، فالحديث عنه غير ممكن. ومن هنا فإنالأبحاث التي استقصت أولية الشعر العربي أو أولية اللغة العربية تقوم على مجردالحدس والتخمين، أو على نوع من الأخبار الوهمية والخرافات.
على أن اللغةالعربية التي سُجِّلت بها النصوص الأدبية في عصر الجاهلية الثانية هي واحدة منالأسرة السامية التي تشمل: 1- الأكادية والبابلية والآشورية. 2-الآرامية. 3- الكنعانية. 4- الحبشية. 5- ثم العربية بفرعيها: الشمالي والجنوبي.

وإذاكانت الأمية قد شاعت بين العرب، فإن هذا لا يعني قط انعدام القراءة والكتابة لديهم،فلقد انتشرت بينهم القراءة والكتابة بالقدر الذي يسمح لهم بتدوين معاملاتهم وآدابهموإذا كانت الذاكرة العربية التي تميزت بالقوة قد حفظت قدرًا كبيرًا من الأشعار، فإنالتدوين أيضًا كان مساندًا للرواية الشفوية.
أمّا طرح ابن سلام في كتابه طبقاتفحول الشعراء لقضية الانتحال فينبغي أن يؤخذ على أنه دليل على ما بذله الأقدمون منجهود لتنقية الشعر الجاهلي من التزييف، ووضع المعايير العلمية الدقيقة لضمان سلامةالشعر الجاهلي وتوثيقه.
الشعر الجاهلي. أما مراكز الشعر العربي في العصرالجاهلي، فإنه بالإضافة إلى الجزيرة العربية نفسها: نجدًا وحجازًا، فقد عاش الشعرالعربي وازدهر في إمارتين اثنتين هما: إمارة الغساسنة والمناذرة، وقد قامتا فيالأطراف الشمالية من شبه الجزيرة.
أما إمارة الغساسنة، فقد قامت في بلاد الشام،حيث اتخذ الرومان، ثم خلفاؤهم البيزنطيون من بعدهم، من الغساسنة حلفاء لهم ضدأعدائهم التقليديين من الفرس، وحلفائهم من المناذرة في العراق. وقد كان الغساسنةعربًا من الجنوب نزحوا إلى الشمال، وأقاموا إمارتهم العربية تلك في شرق الأردن،وكانوا قد تنصّروا في القرن الرابع الميلادي. وكانت إمارة الغساسنة على جانب كبيرمن الثراء والتحضّر، ومن أهم ملوكهم الحارث الأصغر، ثم ابناه من بعده النعمانوعمرو، والأخير هو الذي قصده النابغة الذبياني، كما قصد حسان بن ثابت النعمان بنالمنذر أيضًا ومدحه في قصائد شهيرة، منها قصيدته التي من أبياتها:
أولاد جَفْنةحول قبر أبيهمُ قبر ابن مارية الكريم المفضِلِ
وكما قامت إمارة الغساسنة فيالشام، فقد قامت إمارة المناذرة في العراق. وكما كان الغساسنة عربًا ذوي أصولٍيمنية، فكذلك كان المناذرة. ومثلما قصد شعراءُ الجزيرة أمراءَ الغساسنة، فكذلكقصدوا أمراءَ المناذرة، الذين كان من أشهرهم المنذر بن ماء السماء حوالي (514 - 554م)، وعمرو بن هند (554 - 569م) الذي ازدهرت الحركة الأدبية في أيّامه، وقد وفدعليه في الحيرة، حاضرة المناذرة، عمرو بن قميئة والمسيَّب بن عَلَس والحارث بنحِلِّزة وعمرو بن كلثوم.كما وفد النابغةُ الذبياني على أبي قابوس النعمان بن المنذرالرابع (580 - 602م)، ووفد عليه أيضًا أوس بن حجر والمنخل اليشكري ولبيد والمثقِّبالعبدي وحجْر بن خالد.
ولا شك أن طبيعة المنافسة السياسية بين المناذرةالتابعين لدولة فارس والغساسنة الموالين للبيزنطيين قد انعكست على الحياة الأدبيةعلى نحوٍ ليس بالقليل.

ازدهر الشعر العربي، إبان الجاهلية، ازدهارًا عظيمًاتمثل في هذا العدد الكبير من الشعراء الذين تزخر المصادر بأسمائهم وأشعارهم، إذنظموا في جاهليتهم الأخيرة قبل الإسلام كثيرًا من الشِّعر. ومع هذا فقد ضاع معظمهذا الشعر، على حد قول أبي عمرو بن العلاء : "ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلاأقلُّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعر كثير". وقد اشتهرت في الجاهلية بيوتكاملة بقول الشعر، فالنعمان بن بشير، مثلاً، كان أبوه وعمه شاعرين، وكذلك جده، ثمأولاده من بعده. وكعب بن مالك الصحابي الشاعر كان أبوه وعمه شاعرين، ثم أبناؤهوأحفاده، وكذلك كان أمرُ بيت أبي سُلمى، ومنه زهير وولداه كعب وبُجير، وأخوال كعبشعراء، ومنهم بشامةُ ابن الغدير. ثم هناك حسان بن ثابت الصحابي الشاعر، وقد تسلسلالشعر في بيته لبضعة أجيال.
عرف تاريخ الشعر العربي، في العصر الجاهلي، نساءًشواعر منهنَّ على سبيل المثال: الخنساء وخِرْنَق وكبشة أخت عمرو بن معْدي كَرِبوجليلة بنت مُرَّة امرأة كُليب الفارس المشهور، ولها في كليب مراثٍ من عيون الشعرالعربي، وقيسة بنت جابر امرأة حارثة بن بدر ولها أيضًا مراثٍ في زوجها، وأميمةامرأة ابن الدُّمَيْنة. وقد كان أبو نُواس الشاعر العباسي يروي لستين شاعرة منالعرب.
والناظر في المصادر العربية تهوله تلك الكثرة من الأشعار والشعراء خاصةإذا ضَمّ إليها ما جاء في كتب التاريخ والسير والمغازي والبلدان واللغة والنحووالتفسير، إذ تزخر كلها بكثير من أشعار الجاهليين بما يوحي أن الشعر كان غذاءحياتها، وأن هذه الأمة قد وهبت من الشاعرية الفذة ما يجعل المرء يتوهم أن كل فرد منرجالها ونسائها وعلمائها كان يقول الشعر. وتدلُّ هذه الكثرة من الشعر والشعراء علىأن الشاعرية كانت فطرة فيهم، ثم ساندت هذه الفطرة الشاعرة عواملُ أخرى منها تلكالطبيعة التي عاش العربي الأول كل دقائقها من جبال ووهادٍ ووديان وسماء ونجوموأمطار وسيول وكائنات. لقد كانت الطبيعة كتابًا مفتوحًا أمام بصر الشاعر العربيوبصيرته، ومن هنا استلهمها في أشعاره. ويضاف إلى الطبيعة تلك الحروب التي ألهبتمشاعره بحماسة موّارة، ثم حياة الإنسان العربي في بساطتها وفضائلها، وفي معاناتهوصراعاته ضد الجدب والخوف معًا. ومن ثم جاء هذا الشعر ممثلاً لحياة الجزيرة العربيةفي بيئاتها وأحوالها المختلفة، ولحياة الإنسان العربي في أخلاقه وطباعه وعاداتهوعقائده وبطولاته وأفكاره.
كانت للشاعر العربي في قبيلته منزلة رفيعة. كما كانترموز القبيلة العربية الأساسية ثلاثة، هي: القائد، والفارس والشاعر. وكان الشاعر فيالقبيلة لسانها الناطق والمدافع معًا. بل كان بيت الشعر أحيانًا يرفع من شأن قبيلة،كما يُحكى عن بني أنف الناقة الذين كانوا يعيَّرون بلقبهم، حتى كان الرجل منهميحتال على إخفاء لقبه، فما إن قال فيهم الحطيئة بيته الشهير:
قومٌ هم الأنفوالأذناب غيرُهُمُ ومن يُسوِّي بأنف الناقةِ الذَّنبا
حتى صاروا يباهون بلقبهمونسبهم.
يُعدُّ الشعر العربي الجاهلي سجلاً حقيقيًا للحياة العربية والعقلالعربي في ثقافاته وخبراته الحية والمتنوعة، وقد كان الشِّعر الجاهليّ النموذجوالمثال الذي يحتذيه اللاحقون احتذاءً حفظ على الأمة العربية أصالتها، ولكنه لميحُلْ قَطُّ دون محاولات التطور والتجديد في مختلف العصور. وصار الشعر العربيالجاهلي مع قرينه الإسلامي مصدرًا أساسيًا في حركة التأليف في العلوم العربيةوالإسلامية: لغةً ونحوًا وبلاغةً وتفسيرًا، كما انبثق عنه علم العروض والقوافي، وهوأوثق العلوم صلةً بالشعر، فضلاً عن كتب المختارات الشعرية على اختلاف مناهجها، ثمتلك الشروح التي أضاءت النصَّ الشعري أمام قارئه، وبددت عامل الغرابة اللغوية، وغذتالأذواق، بل وأبقت على قريحة الشاعرية العربية، على تباين في مستوى تلك القرائح: أفرادًا وأقاليم وعصورًا.
واشتهرت في الأدب الجاهلي قصائد عُرفت بالمعلقات هيمن النماذج الرّائعة في الأدب العربي.


مظاهر الحياةالعقلية في العصر الجاهلي
صار من الثابت بين الباحثين أن العصر الجاهلي لايشمل كل ما سبق الإسلام من حقب طوالٍ، ولكنه يقتصر على حقبة لا تزيد على القرنين منالزمان، وهي ما اصطلح الباحثون على تسميتها بالجاهلية الثانية، وفي تلك الحقبة ظهرهذا الإنتاج الغزير الناضج من الشعر والنثر، واكتملت للغة العربية خصائصها التيبرزت من خلال هذا النتاج الأدبي الوفير، كما استقرَّ أيضًا رسم حروفها الألفبائية. فما انتهى إلينا، إذن، من أدب جاهلي هو أدب الجاهلية الثانية، وهو ما نستطيع الحديثعنه ودراسة فنونه وخصائصه، أما أدب ما قبل هذه الحقبة التاريخية فهو أدب ما يسمىبالجاهلية الأولى، وهو أدب لم تتوافر نصوص منه، فالحديث عنه غير ممكن. ومن هنا فإنالأبحاث التي استقصت أولية الشعر العربي أو أولية اللغة العربية تقوم على مجردالحدس والتخمين، أو على نوع من الأخبار الوهمية والخرافات.
على أن اللغةالعربية التي سُجِّلت بها النصوص الأدبية في عصر الجاهلية الثانية هي واحدة منالأسرة السامية التي تشمل: 1- الأكادية والبابلية والآشورية. 2-الآرامية. 3- الكنعانية. 4- الحبشية. 5- ثم العربية بفرعيها: الشمالي والجنوبي.

وإذاكانت الأمية قد شاعت بين العرب، فإن هذا لا يعني قط انعدام القراءة والكتابة لديهم،فلقد انتشرت بينهم القراءة والكتابة بالقدر الذي يسمح لهم بتدوين معاملاتهم وآدابهموإذا كانت الذاكرة العربية التي تميزت بالقوة قد حفظت قدرًا كبيرًا من الأشعار، فإنالتدوين أيضًا كان مساندًا للرواية الشفوية.
أمّا طرح ابن سلام في كتابه طبقاتفحول الشعراء لقضية الانتحال فينبغي أن يؤخذ على أنه دليل على ما بذله الأقدمون منجهود لتنقية الشعر الجاهلي من التزييف، ووضع المعايير العلمية الدقيقة لضمان سلامةالشعر الجاهلي وتوثيقه.
الشعر الجاهلي. أما مراكز الشعر العربي في العصرالجاهلي، فإنه بالإضافة إلى الجزيرة العربية نفسها: نجدًا وحجازًا، فقد عاش الشعرالعربي وازدهر في إمارتين اثنتين هما: إمارة الغساسنة والمناذرة، وقد قامتا فيالأطراف الشمالية من شبه الجزيرة.
أما إمارة الغساسنة، فقد قامت في بلاد الشام،حيث اتخذ الرومان، ثم خلفاؤهم البيزنطيون من بعدهم، من الغساسنة حلفاء لهم ضدأعدائهم التقليديين من الفرس، وحلفائهم من المناذرة في العراق. وقد كان الغساسنةعربًا من الجنوب نزحوا إلى الشمال، وأقاموا إمارتهم العربية تلك في شرق الأردن،وكانوا قد تنصّروا في القرن الرابع الميلادي. وكانت إمارة الغساسنة على جانب كبيرمن الثراء والتحضّر، ومن أهم ملوكهم الحارث الأصغر، ثم ابناه من بعده النعمانوعمرو، والأخير هو الذي قصده النابغة الذبياني، كما قصد حسان بن ثابت النعمان بنالمنذر أيضًا ومدحه في قصائد شهيرة، منها قصيدته التي من أبياتها:
أولاد جَفْنةحول قبر أبيهمُ قبر ابن مارية الكريم المفضِلِ
وكما قامت إمارة الغساسنة فيالشام، فقد قامت إمارة المناذرة في العراق. وكما كان الغساسنة عربًا ذوي أصولٍيمنية، فكذلك كان المناذرة. ومثلما قصد شعراءُ الجزيرة أمراءَ الغساسنة، فكذلكقصدوا أمراءَ المناذرة، الذين كان من أشهرهم المنذر بن ماء السماء حوالي (514 - 554م)، وعمرو بن هند (554 - 569م) الذي ازدهرت الحركة الأدبية في أيّامه، وقد وفدعليه في الحيرة، حاضرة المناذرة، عمرو بن قميئة والمسيَّب بن عَلَس والحارث بنحِلِّزة وعمرو بن كلثوم.كما وفد النابغةُ الذبياني على أبي قابوس النعمان بن المنذرالرابع (580 - 602م)، ووفد عليه أيضًا أوس بن حجر والمنخل اليشكري ولبيد والمثقِّبالعبدي وحجْر بن خالد.
ولا شك أن طبيعة المنافسة السياسية بين المناذرةالتابعين لدولة فارس والغساسنة الموالين للبيزنطيين قد انعكست على الحياة الأدبيةعلى نحوٍ ليس بالقليل.

ازدهر الشعر العربي، إبان الجاهلية، ازدهارًا عظيمًاتمثل في هذا العدد الكبير من الشعراء الذين تزخر المصادر بأسمائهم وأشعارهم، إذنظموا في جاهليتهم الأخيرة قبل الإسلام كثيرًا من الشِّعر. ومع هذا فقد ضاع معظمهذا الشعر، على حد قول أبي عمرو بن العلاء : "ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلاأقلُّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعر كثير". وقد اشتهرت في الجاهلية بيوتكاملة بقول الشعر، فالنعمان بن بشير، مثلاً، كان أبوه وعمه شاعرين، وكذلك جده، ثمأولاده من بعده. وكعب بن مالك الصحابي الشاعر كان أبوه وعمه شاعرين، ثم أبناؤهوأحفاده، وكذلك كان أمرُ بيت أبي سُلمى، ومنه زهير وولداه كعب وبُجير، وأخوال كعبشعراء، ومنهم بشامةُ ابن الغدير. ثم هناك حسان بن ثابت الصحابي الشاعر، وقد تسلسلالشعر في بيته لبضعة أجيال.
عرف تاريخ الشعر العربي، في العصر الجاهلي، نساءًشواعر منهنَّ على سبيل المثال: الخنساء وخِرْنَق وكبشة أخت عمرو بن معْدي كَرِبوجليلة بنت مُرَّة امرأة كُليب الفارس المشهور، ولها في كليب مراثٍ من عيون الشعرالعربي، وقيسة بنت جابر امرأة حارثة بن بدر ولها أيضًا مراثٍ في زوجها، وأميمةامرأة ابن الدُّمَيْنة. وقد كان أبو نُواس الشاعر العباسي يروي لستين شاعرة منالعرب.
والناظر في المصادر العربية تهوله تلك الكثرة من الأشعار والشعراء خاصةإذا ضَمّ إليها ما جاء في كتب التاريخ والسير والمغازي والبلدان واللغة والنحووالتفسير، إذ تزخر كلها بكثير من أشعار الجاهليين بما يوحي أن الشعر كان غذاءحياتها، وأن هذه الأمة قد وهبت من الشاعرية الفذة ما يجعل المرء يتوهم أن كل فرد منرجالها ونسائها وعلمائها كان يقول الشعر. وتدلُّ هذه الكثرة من الشعر والشعراء علىأن الشاعرية كانت فطرة فيهم، ثم ساندت هذه الفطرة الشاعرة عواملُ أخرى منها تلكالطبيعة التي عاش العربي الأول كل دقائقها من جبال ووهادٍ ووديان وسماء ونجوموأمطار وسيول وكائنات. لقد كانت الطبيعة كتابًا مفتوحًا أمام بصر الشاعر العربيوبصيرته، ومن هنا استلهمها في أشعاره. ويضاف إلى الطبيعة تلك الحروب التي ألهبتمشاعره بحماسة موّارة، ثم حياة الإنسان العربي في بساطتها وفضائلها، وفي معاناتهوصراعاته ضد الجدب والخوف معًا. ومن ثم جاء هذا الشعر ممثلاً لحياة الجزيرة العربيةفي بيئاتها وأحوالها المختلفة، ولحياة الإنسان العربي في أخلاقه وطباعه وعاداتهوعقائده وبطولاته وأفكاره.
كانت للشاعر العربي في قبيلته منزلة رفيعة. كما كانترموز القبيلة العربية الأساسية ثلاثة، هي: القائد، والفارس والشاعر. وكان الشاعر فيالقبيلة لسانها الناطق والمدافع معًا. بل كان بيت الشعر أحيانًا يرفع من شأن قبيلة،كما يُحكى عن بني أنف الناقة الذين كانوا يعيَّرون بلقبهم، حتى كان الرجل منهميحتال على إخفاء لقبه، فما إن قال فيهم الحطيئة بيته الشهير:
قومٌ هم الأنفوالأذناب غيرُهُمُ ومن يُسوِّي بأنف الناقةِ الذَّنبا
حتى صاروا يباهون بلقبهمونسبهم.
يُعدُّ الشعر العربي الجاهلي سجلاً حقيقيًا للحياة العربية والعقلالعربي في ثقافاته وخبراته الحية والمتنوعة، وقد كان الشِّعر الجاهليّ النموذجوالمثال الذي يحتذيه اللاحقون احتذاءً حفظ على الأمة العربية أصالتها، ولكنه لميحُلْ قَطُّ دون محاولات التطور والتجديد في مختلف العصور. وصار الشعر العربيالجاهلي مع قرينه الإسلامي مصدرًا أساسيًا في حركة التأليف في العلوم العربيةوالإسلامية: لغةً ونحوًا وبلاغةً وتفسيرًا، كما انبثق عنه علم العروض والقوافي، وهوأوثق العلوم صلةً بالشعر، فضلاً عن كتب المختارات الشعرية على اختلاف مناهجها، ثمتلك الشروح التي أضاءت النصَّ الشعري أمام قارئه، وبددت عامل الغرابة اللغوية، وغذتالأذواق، بل وأبقت على قريحة الشاعرية العربية، على تباين في مستوى تلك القرائح: أفرادًا وأقاليم وعصورًا.
واشتهرت في الأدب الجاهلي قصائد عُرفت بالمعلقات هيمن النماذج الرّائعة في الأدب العربي.





الحياة العقلية في العصر الجاهلي
العصر الجاهلي :*

*تمهيد:
*يجدر بنا قبل دراسة بعض نماذج الأدب الجاهلي من(الشعر والنثر)وإن كان النثر قليلا جدا مقارنة بالشعر أن نقدم بهذه اللمحة عن بيئة الأدب،و مظاهر الحياة العربية المختلفة من سياسية، واجتماعية، ودينية وعقلية فالأدب صورة للحياة وللنفس وللبيئة الطبيعية و الاجتماعية.
*ويطلق الأدب الجاهلي على أدب تلك الفترة التي سبقت الإسلام بنحو مائة وثلاثين عام قبل الهجرة.وقد شب هذا الأدب وترعرع في بلاد العرب،يستمد موضوعاته ومعانيه،ويستلهم نظراته وعواطفه من بيئتها الطبيعية والاجتماعية والفكرية،ويحدد لنا بشعره ونثره فكرة صادقة عن تلك البيئة.مما يعين الدارس على فهم أدب ذلك العصر،واستنتاج خصائصه التي تميزه عن سائر العصور الأدبية التي جاءت بعده مع أن الكثير منه مجهول لضياع أثاره ولا نعرف عنه إلا القليل .
*بلاد العرب:
يطلق على بلاد العرب جزيرة العرب أو الجزيرة العربية وتقع في الجنوب الغربي من أسيا، وهي في الواقع شبه جزيرة،لأن الماء لا يحيط بها من جهتها الشمالية،لكن القدماء سموها جزيرة تجوزا،وهي في جملتها صحراء ،بها الكثير من الجبال الجرداء،ويتخللها وديان تجري فيها السيول أحيان، وإلى جانب ذلك: بعض العيون والواحات.
*وتحد جزيرة العرب بنهر الفراة وبادية الشام شمالا،وبالخليج العربي،وبحر عمان شرقا،وبالبحر العربي والمحيط الهندي جنوبا وببحر الأحمر (بحر القلزم)غربا،وتبلغ مساحتها نحو ربع أوروبا،وتتكون الجزيرةالعربية من جزأين كبيرين:
*(ا)أما الحجاز:فسمي بهذه التسمية لأن سلسلة جبال السراة التي يصل ارتفاعها أحيانا إلى 3150م،تمتد من الشمال إلى بلاد اليمن جنوبا،فسمته العرب حجازا،لأنه حجز بين تهامة ونجد.والحجاز أرضه قفر، قليلة المطر شديدة الحرارة،إالا في بعض المناطق كالطائف التي يعتدل جوها ،وتجود أرضها وأشهر مدن الحجاز :مكة،وبها (الكعبة )البيت الحرام ،ويثرب (المدينة المنورة)التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم،وبها لحق بربه.وكان يسكن الحجاز من القبائل العربية (قريش)في مكة،و(الأوس والخزرج)في المدينة ،و(ثقيف)في الطائف.
*(ب)وأما اليمن:فيقع جنوبي الحجاز،وهو أرض منخفضة على شاطئ البحر الأحمر،مرتفعة في الداخل،وقد إشتهر بالثروة والغنى والحضارة،جوه معتدل بسبب إشرافه على المحيط الهندي(البحر العربي)و البحر الأحمر،وأمطاره غزيرة وأرضه خصبة.وأشهر مدن اليمن: نجران التي اشتهرت في الجاهلية بإعتناق أهلهاالنصرانية،وصنعاء في الوسط وهي عاصمة اليمن الحديثة،وفي الشمال الشرقي منها مأرب المعروفة بسدها الذي ورد في القران في قصة سبأ.ومن أكبر القبائل التي كانت تسكن اليمن قبيلة همدان،وقبيلتامذحج ومراد.ومناخ شبه الجزيرة قاري،حار صيفا،بارد شتاء،وليس بها أنهار ولذا يعتمد أهلها على الأمطار.
أصل العرب:
يرجع أصل العرب لإلى شعبين عضيمين كبيرين،تفرعت منهما القباائل العربية،وهما:
*(أ)عرب الشمال أوالحجازيون: وهم من نسل عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ويسمون: بالعرب المستعربة،لأن إسماعيل عليه السلام لم تكن لغته الأصلية اللغة العربية،وإنما نطق بها لما رحل مع أبيه إبراهيم إلى الحجاز وأصهلر إلى قبيلة جرهم،وتكلم بلسانهم.
*(ب)عرب الجنوب:وهم من نسل قحطان،ويسمون بالعرب العاربة،لأن العربية في الأصل لغتهم ولسانهم.وكل العدنانيين و القحطانيين ينقسمون إلى فرعين أساسيين،وكل فرع ينقسم إلى قبائل متعددة،والقبيلة هي الوحدة التي أقاموا عليها نظامهم الاجتماعي،ومن أشهر القبائل العدنانية:بكر،وتغلب وهما من فرع ربيعة،قريش وكنانة وأسد وقيس وتميم وهم من فرع مضرومن أشهر قبائل القحطانيين:طيئ وكندة ولخم والأزد وغسان، وهم من فرع كهلان،وقضاعة وجهينة و عذرة وكلب وهم من فرع حمير.
و القبيلة:
أسرة واحدة كبيرة تنتمي إلى أب وأم واحدة،ولها شيخ هو سيد القبيلة،ومن وظائفه الفصل بين المتخاصمين وسيادته مستمدة من احترام وإجلال القبيلة له و علاقة القبائل تقوم غالبا على العداء،فالقبيلة إما مغيرة أو مغار عليها،إلا أن يكون بين بعض القبائل حلف أو مهادنة.ولكل قبيلة شاعر أو أكثر يرفع ذكرها،ويتغنى بمفاخرها،ويهجو أعداءها،وكل فرد في القبيلة متعصب لقبيلته، مادح لمحاسنها،وعلى القبيلة أن تحميه، وتدافع عنه،وتطالب بدمه،فالفرد من القبيلة و إليها،حتى ليقول قائلهم:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد.
لغة العرب:
*اللغة العربية هي إحدى اللغات السامية التي نشأت عن أصل واحد،وهي:(الاشورية والعبرية والسريانية والحبشية)،وتقتصر اللغات العربية في كتابتها على الحروف دون الحركات،ويزيد حروفها عن اللغات الآرية مع كثرة الاشتقاق في صيغها وقد مرت اللغة العربية بأطوار غابت عنها مراحلها الأولى،ولكن مؤرخي العربية اتفقوا على أن للعرب منذ القديم لغتين:جنوبية أو قحطا نية،ولها حروف تخالف الحروف المعروفة، وشمالية أو عدنانية،وهي أحدث من لغة الجنوب،وكل ما وصلنا من شعر جاهلي فهو بلغة الشمال،لأن الشعراء الذين وصلتنا أشعارهم إما من قبيلة ربيعة أو مضر،وهما منا القبائل العدنانية،أو من قبائل يمنية رحلت إلى الشمال، كطيئ وكندة و تنوخ،وقد تقاربت اللغتان على مر الأيام بسبب الاتصال عن طريق الحروب و التجارة والأسواق الأدبية كسوق عكاظ قرب الطائف،وذي المجاز و مجنة قرب مكة. وبذلك تغلبت اللغة العدنانية على القحطانية،وحين نزل القران الكريم بلغة قريش،تمت السيادة للغة العدنانية،وأصبحت معروفة باللغة الفصحى. وقد كان لنزول القران بها اثر في رقيها وحفظها وإثرائها بكمية هائلة من الألفاظ و التعبيرات و المعاني مما أعان على بسط نفوذها،واستمرار الارتقاء بها في المجالات العلمية والأدبية إلى عصرنا الحالي.
العرب الذين أخذت عنهم اللغة:

*قال (أبو نصر الفارابي) في أول كتابه المسمى بالألفاظ والحروف: *كانت(قريش)أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ،وأسهلها على اللسان عند النطق،وأحسنها مسموعا، وأبينها عما في النفس.والذين أخذت عنهم العربية هم (قيس)و(تميم)و(أسد) وعليهم إتكل في الغريب و الأعراب والتصريف،ثم(هذيل)وبعض(كنانة)وبعض(الطائيين) ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر القبائل. وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط،ولا عن سكان البراري ممن يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم.
*و الذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها علما و صناعة هم أهل(البصرة) و(الكوفة) فقط من بين أمصار العرب.
*حياة العرب السياسية:
تاريخ العرب في الجاهلية غامض،ولم يدون،لتفشي الأمية بينهم،ومع ذلك فقد كانت هناك حياة سياسية، بعضها متصل بنظام حياتهم الداخلية و بعضها الأخر متصل بعلاقتهم وإتصالهم بمن حولهم:
(أ)أما فيما يتصل بنظمهم الداخلية: فقد قامت في اليمن دولة سبأ،التي كانت عاصمتها (مأرب) ،كما قامت دولة حمير التي كانت عاصمتها (ظفار) وقد حاربت الفرس والأحباش،وفي الشمال نجد العدنانيين الذين تعددت قبائلهم وأكبر فروعهم :ربيعة و مضر وكانت بينهما أحداث كثيرة وحروب طويلة،كحرب البسوس بين بكر وتغلب وحرب داحس والغبراء يبن عبس وذبيان،وكانت مكة أعظم موطن العدنانيين و قد سكنتها كنانة و قريش،وانتهت إليهما ولاية البيت الحرام ثم انحصرت في قريش.
*(ب)وأما فيما يتصل بعلاقة العرب بغيرهم:فقد اتصلوا بمن حولهم عن طريق التجارة،وأشار القران الكريم إلى ذلك وكانت هذه التجارة وسيلة إلى معرفتهم ببعض شؤون الممالك وعمرانها،كما نقلوا عن طريق تلك الرحلات كثيرا من ألفاظ تلك الأمم كالفارسية والرومية و المصرية والحبشية و أدخلوها في لغتهم. *وبالإضافة إلى ذلك فقد أقامت الدولتان الكبيرتان (الفرس و الروم) إمارتين عربيتين على حدودها لدفع غزوات العرب،فكونت (فارس) من القبائل المجاورة لحدودها إمارة الحيرة وكان أميرها يعينه ملك فارس ومن أشهرهم النعمان بن المنذر الذي مدحه النابغة الذبياني و إعتذر إليه كذلك أقام الروم إمارة الغساسنة و كانوا يدينون بالنصرانية،واشتهروا بالكرم وقد مدح حسان بن ثابت وغيره بعض أمرائهم،ونتج عن هذا الاتصال بين العرب وجيرانهم تسرب أنواع من الثقافات إليهم،ظهرت في الألفاظ و القصص و الأخبار.

*حياة العرب الأجتماعية
ينقسم العرب إلى قسمين رئيسيين:
*(أ)سكان البدو: وهم أغلب سكان الجزيرة،وعيشتهم قائمة على الإرتحال و التنقل وراء العشب و الماءومن ثم سكنوا الخيام المصنوعة من الوبر و الشعر والصوف،وقد أكثر الشعراء في وصفها و الوقوف أمام أطلالها (ما بقي من أحجار بعد رحيل سكانها) ،وأكثر طعام أهل البادية: الحليب و التمر،والإبل عماد حياتهم،يأكلون من لحومها،ويشربون من ألبانها،ويكتسبون من أوبارها،ويحملون عليها أثقالهم،ولقد قوموا بها الأشياء،وافتدوا بها أسراهم في الحروب: وقال فيها شعراؤهم القصائد الطويلة،كما كانوا يعنون بالخيل، فاستخدموها في الصيد و السباق والحروب،وكانت متاع المترفين،لذلك ورد فيها أقل مما ورد في الإبل.
*وكانت العلاقة بين القبائل العربية علاقة عداء،فسادت الحروب حياتهم وانبعثت من خلالها صيحات السلام، وظهرت عاطفة الإنتقام و الأخذ بالثأر،وكثر في أشعارهم وصف الوقائع و الفخر بالإنتصار والحرص على الشرف،ومن أجل ذلك سادت الأخلاق الحربية فيهم،وهي الشجاعة والكرم والوفاء،ومارس العرب من متع الحياة الصيد،وتفشت بينهم عادة شرب الخمر و لعب الميسر،وخاصة بين المترفين منهم،وقامت حياة العربي في الصحراء على أساس الاعتماد على النفس،ومواجهة الحياة بخيرها وشرها.وشاركت المرأة الرجل في كثير من شؤون الحياة ،وفي الحروب كن يخرجن لإثارة الحماسة،ومما يدل على مكانتها،أنه لا تكاد تخلو قصيدة من الافتتاح بذكرها والتغزل بها.
*(ب)أماسكان الحضر:فقد سكنوا المدن،وعاشوا في استقرار،واتخذوا الدور والقصور،وكانوا أقل شجاعة وأشد حبا للمال،وكان أهل اليمن أرسخ قدما في الحضارة،وقد نقل المؤرخون كثيرا من أحوالهم،في ثيابهم الفاخرة،وأطباق الذهب والفضة التي يأكلون فيها،وتزيين قصور أغنيائهم بأنواع الزينة،وقد أمدهم بذلك كثرة أموالهم عن طريق التجارة و الزراعة،وكانت (قريش) في مكة أكثر أهل الحجاز تحضرا،فقد أغنتهم التجارة ومن يأوي إليهم من الحجيج،فنعموا بما لم ينعم به غيرهم من سكان الحجاز.
حياة العرب الدينية:
تعددت الأديان بين العرب،وكان أكثرها انتشارا عبادة الأصنام و الأوثان،واتخذوا لها أسماء ورد ذكرها في القران الكريم،مثل: (اللات،والعزى،ومناة) وقد عظمها العرب وقدموا لها الذبائح،وتأثرت حياتهم بها،حتى جاء الإسلام فأزالها وأنقذهم من شرها وكان من العرب من عبدوا الشمس كما في بعض جهات اليمن ،ومن عبدوا القمر كما في كنانة،وقد انتشرت اليهودية في يثرب واليمن وانتشرت النصرانية في ربيعة و غسان و الحيرة ونجران،وهناك طائفة قليلة من العرب لم تؤمن بالأصنام ولا باليهودية ولا بالنصرانية و اتجهت إلى عبادة الله وحده وهؤلاء يسمون بالحنفاء وكان من بينهم زيد بن عمرو بن نفيل،وورقة بن نوفل وعثمان بن الحارث.وهكذا تعددت الأديان بين العرب،و اختلفت المذاهب حتى أشرق نور الإسلام فجمع بينهم،وأقام عقيدة التوحيد على أساس من عبادة الخالق وحده لا شريك له.

*حياة العرب العقلية:
*العلم نتيجة الحضارة،وفي مثل الظروف الاجتماعية التي عاشها العرب،لا يكون علم منظم،ولا علماء يتوافرون على العلم،يدونون قواعده و يوضحون مناهجه إذ أن وسائل العيش لا تتوافر،ولذلك فإن كثيرا منهم لا يجدون من وقتهم ما يمكنهم من التفرع للعلم،والبحث في نظرياته وقضاياه.
*وإذا كانت حياة العرب لم تساعدهم على تحقيق تقدم في مجال الكتب والعمل المنظم،فهناك الطبيعة المفتوحة بين أيديهم،و تجارب الحياة العملية وما يهديهم إليه العقل الفطري،وهذا ما كان في الجاهلية،فقد عرفوا كثيرا من النجوم ومواقعها،والأنواء وأوقاتها،واهتدوا إلى نوع من الطب توارثوه جيلا بعد جيل،وكان لهم سبق في علم الأنساب والفراسة،إلى جانب درايتهم القيافة والكهانة،كما كانت لهم نظرات في الحياة. *أما الفلسفة بمفهومها العلمي المنظم،فلم يصل إليها العرب في جاهليتهم ،وإن كانت لهم خطرات فلسفية لا تتطلب إلا التفات الذهن إلى معنى يتعلق بأصول الكون،من غير بحث منظم وتدليل وتفنيد،من مثل قول زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
*واكبر ما يتميز به العرب الذكاء وحضور البديهة وفصاحة القول لذلك كان أكبر مظاهر حياتهم الفكرية: لغتهم وشعرهم وخطبهم ووصاياهم و أمثالهم.

المؤلفات التي تناولت الحياة العقلية في العصر الجاهلي هي:
كتاب للشيخ مصطفى الغلاييني::::::::::::::::::::رجال المعلقات العشر.
كتاب لجورجي زيدان:::::::::::::::::: تاريخ الآداب العربية.
لعبد الرحمان شيبان::::::::::::::::::::::::::الادب الجاهلي.
كتاب لطه حسن:::::::::::::::::::العصر الجاهلي كتاب.

**د لا ل**
2012-02-11, 14:07
مظاهر الحياة العقلية في العصر الجاهلي
مقدمة :
لقد وجد في أطراف الجزيرة العربية في الجاهلية شئ من العلم، ففي اليمن كان هنالك شئ من العلم والفن وظهر ذلك في طرق إرواء الأرض وهندسة بناء القصور ، كما عُرف الطب والزراعة وبيطرة الدواب وإن لم يكن ذلك علي درجة كبيرة. وقد جائهم ذلك من الفرس والرومان والحبشة حيث كانت اليمن علي إتصال بتلك الأمم
ونجد أيضا في الحيرة العلوم والفنون وقد بنيت بها القصور كقصري الخور نق والسدير وجائهم ذلك من الفرس واليونان حيث كانت الصلة وثيقة بين الفرس وملوك الحيرة مما عمل علي نقل هذه العلوم والمعارف إلي الحيرة.
وفي الشام وُجدت أيضا بعض العلوم والفنون وقد وصلتهم من الرومان واليونان ولقد فتحت صلة الغساسنة ملوك الشام بالرومان طريق العلم إلي جزء من بلاد العرب
أما في أوساط الجزيرة حيث يقيم البدو فقد انعدم العلم اللهم إلا ما استفاده البدو من التجارب أو ما هدتهم إليه العقول أو ما جائهم فيصورة فردية من الأمم المجاورة كعلوم النجوم ومطالعها والطب حيث كانوا يداوا بعض الأمراض بالكي والنباتات الصحراوية وكذا الفراسة وعلم الأنساب والكهانة والعرافة وبيطرة الخيل والجمال والتاريخ وأعظم مظاهر الحياة العقلية عند العرب تلك اللغة التي وصلتنا بما تحمله في طياتها من أمثال وتجارب وحكم وشعر وأدب.
أخلاق العربي في الجاهلية:
لا شك أن أهل الجاهلية كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السليم ويأباها الوجدان، ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروع الإنسان ويفضى به إلى الدهشة والعجب، فمن تلك الأخلاق‏:‏
1 ـ الكرم‏:‏ وكانوا يتبارون في ذلك ويفتخرون به، وقد استنفدوا فيه نصف أشعارهم بين ممتدح به ومُثْنٍ على غيره، كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، فتأخذه هزة الكرم فيقوم إليها، فيذبحها لضيفه‏.‏ ومن آثار كرمهم أنهم كانوا يتحملون الديات الهائلة والحمالات المدهشة، يكفون بذلك سفك الدماء، وضياع الإنسان، ويمتدحون بها مفتخرين على غيرهم من الرؤساء والسادات‏.‏
2 ـ الوفاء بالعهد‏:‏ فقد كان العهد عندهم دينًا يتمسكون به، ويستهينون في سبيله قتل أولادهم، وتخريب ديارهم، وتكفي في معرفة ذلك قصة هانئ بن مسعود الشيباني، والسَّمَوْأل بن عاديا، وحاجب بن زرارة التميمي‏.‏
3 ـ عزة النفس والإباء عن قبول الخسف والضيم‏:‏ وكان من نتائج هذا فرط الشجاعة وشدة الغيرة، وسرعة الانفعال، فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إلا قاموا إلى السيف والسنان، وأثاروا الحروب العوان، وكانوا لا يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل‏.‏
4 ـ المضي في العزائم‏:‏ فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والافتخار، لا يصرفهم عنه صارف، بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله‏.‏
5 ـ الحلم، والأناة، والتؤدة‏:‏ كانوا يتمدحون بها إلا أنها كانت فيهم عزيزة الوجود؛ لفرط شجاعتهم وسرعة إقدامهم على القتال‏.‏
6 ـ السذاجة البدوية، وعدم التلوث بلوثات الحضارة ومكائدها‏:‏ وكان من نتائجها الصدق والأمانة، والنفور عن الخداع والغدر‏.‏
‏ حياة العرب الأجتماعية
ينقسم العرب إلى قسمين رئيسيين:
(أ) سكان البدو: وهم أغلب سكان الجزيرة،وعيشتهم قائمة على الإرتحال و التنقل وراء العشب و الماءومن ثم سكنوا الخيام المصنوعة من الوبر و الشعر والصوف،وقد أكثر الشعراء في وصفها و الوقوف أمام أطلالها (ما بقي من أحجار بعد رحيل سكانها) ،وأكثر طعام أهل البادية: الحليب و التمر،والإبل عماد حياتهم،يأكلون من لحومها،ويشربون من ألبانها،ويكتسبون من أوبارها،ويحملون عليها أثقالهم،ولقد قوموا بها الأشياء،وافتدوا بها أسراهم في الحروب: وقال فيها شعراؤهم القصائد الطويلة،كما كانوا يعنون بالخيل، فاستخدموها في الصيد و السباق والحروب،وكانت متاع المترفين،لذلك ورد فيها أقل مما ورد في الإبل.
(ب) أماسكان الحضر: فقد سكنوا المدن،وعاشوا في استقرار،واتخذوا الدور والقصور،وكانوا أقل شجاعة وأشد حبا للمال،وكان أهل اليمن أرسخ قدما في الحضارة،وقد نقل المؤرخون كثيرا من أحوالهم،في ثيابهم الفاخرة،وأطباق الذهب والفضة التي يأكلون فيها،وتزيين قصور أغنيائهم بأنواع الزينة،وقد أمدهم بذلك كثرة أموالهم عن طريق التجارة و الزراعة،وكانت (قريش) في مكة أكثر أهل الحجاز تحضرا،فقد أغنتهم التجارة ومن يأوي إليهم من الحجيج،فنعموا بما لم ينعم به غيرهم من سكان الحجاز.
حياة العرب الدينية:
تعددت الأديان بين العرب،وكان أكثرها انتشارا عبادة الأصنام و الأوثان،واتخذوا لها أسماء ورد ذكرها في القران الكريم،مثل: (اللات،والعزى،ومناة) وقد عظمها العرب وقدموا لها الذبائح،وتأثرت حياتهم بها،حتى جاء الإسلام فأزالها وأنقذهم من شرها وكان من العرب من عبدوا الشمس كما في بعض جهات اليمن ،ومن عبدوا القمر كما في كنانة،وقد انتشرت اليهودية في يثرب واليمن وانتشرت النصرانية في ربيعة و غسان و الحيرة ونجران،وهناك طائفة قليلة من العرب لم تؤمن بالأصنام ولا باليهودية ولا بالنصرانية و اتجهت إلى عبادة الله وحده وهؤلاء يسمون بالحنفاء وكان من بينهم زيد بن عمرو بن نفيل،وورقة بن نوفل وعثمان بن الحارث.وهكذا تعددت الأديان بين العرب،و اختلفت المذاهب حتى أشرق نور الإسلام فجمع بينهم،وأقام عقيدة التوحيد على أساس من عبادة الخالق وحده لا شريك له
الشعر في العصر الجاهلي:
يظل الشعر الجاهلي ثرياً، لا يمكن أنْ تحيط به دراسة، وينطوي الشعر الجاهلي على معضلات تعترض القاريء ، إذ يلتقي بنصوص أدبية، فيها قدر من الصعوبة والغموض، وتشتمل على قدر من الخصائص الفنية والجمالية التي لها أهميتها وقيمتها



أهم الشعراء في العصر الجاهلي:
الأعشى
? - 7 هـ / ? - 628 م
ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له أعشى بكر بن وائل والأعشى الكبير.
من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات.
فلا تحرِمنّي نداكَ الجزيل
فإنّي أُمرؤ قَبْلكُمْ لم أُهَنْ أبو طالب
85 - 3 ق. هـ / 540 - 619 م
عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم من قريش، أبو طالب والد الإمام علي كرم الله وجهه، وعم النبي صلى اللَه عليه وسلم كافله ومربيه ومناصره كان من أبطال بني هاشم رؤسائهم، ومن الخطباء العقلاء الأباة.
ألا إنَّ خيرَ الناسِ حيّاً وميِّتاً
بِوادي أشِيٍّ غيَّبَتْهُ المقابِر أوس بن حجر
95 - 2 ق. هـ / 530 - 620 م
أوس بن حجر بن مالك التميمي أبو شريح.
شاعر تميم في الجاهلية، أو من كبار شعرائها، أبوه حجر هو زوج أم زهير بن أبي سلمى، كان كثير الأسفار، وأكثر إقامته عند عمرو بن هند في الحيرة
تَنَكَّرتِ مِنّـا بَعـدَ مَعرِفَـةٍ لَمـي وَبَعدَ التَّصَابِي وَالشَّـبَابِ المُكَـرَّمِ
المعلقات العشر:
معلقة عنترة بن شداد معلقة زهير بن أبي سلمى
معلقة طرفة بن العبد معلقة امرئ القيس
معلقة لبيد بن ربيعة العامري معلقة النابغة الذبياني
معلقة عمرو بن كلثوم معلقة الأعشى
معلقة عُبَيد بن الأبرص معلقة الحارث بن حلزة

النثر: النثر هو كلام اختيرت ألفاظه وانتقيت تراكيبه وأحسنت صياغة عباراته بحيث يؤثر في المستمع عن طريق جودة صنعته. فهو يختلف عن الكلام العادي الذي يتكلم به الناس في شؤونهم العادية. وأنواع النثر الجاهلي هي: الخطابة والأمثال والحكم والقصص وسجع الكهان. وسجع الكهان يتصف بقصر جمله وكثرة غريبه والتوازن في عباراته، ويحرص الكاهن على إخفاء كلامه باتباع هذا الأسلوب، والخطابة من أبرز أنواع النثر في العصر الجاهلي، وتتلوها من ناحية الأهمية: الأمثال؛ لسيرورتها بين عامة الناس وخاصتهم ولهذا فسنتناول هذين النوعين بشيء من التفصيل
أبرز كتاب النثر:
قيس بن خارجة بن سنان زهير ابن جناب هاشم بن عبد مناف وابنه عبد المطلب
هانيء بن مسعود الشيبان حاجب بن زرارة الحارث بن عبّاد البكرى
* قس بن ساعدة أكثم بن صيفى

المؤلفات التي تناولت الحياة العقلية في العصر الجاهلي هي:
كتاب للشيخ مصطفى الغلاييني :::::::::::::::::::: رجال المعلقات العشر.
كتاب لجورجي زيدان :::::::::::::::::: تاريخ الآداب العربية.
لعبد الرحمان شيبان ::::::::::::::::::::::::: الادب الجاهلي.
كتاب لطه حسن ::::::::::::::::::: العصر الجاهلي كتاب

مدلول مصطلح الجاهلية :
ونحب أن نصحح بعض المفاهيم الخاطئة عن هذا العصر ، فقد درج أكثر القدماء والمحدثين على تفسير معنى الجاهلية بالأمية، أي عدم معرفة القراءة والكتابة، وَوُصمَ العصرُ الجاهليُّ بالتخلّف الحضاريّ، وأبناء العصر بالتخلّف الثّقافيّ. ولكن النظرة الموضوعية أسهمتْ في إزالة الغبار الذي علق بهذا المصطلح، وقد رأى فيليب حَتي أن الحقيقة خلاف ذلك. فالجاهلية في المعنى الصحيح هي ذلك العصر ، الذي لم يكن لبلاد العرب فيه ناموس وازع، ولا نبيٌّ ملهم، ولا كتاب منـزل . فمن الخطأ أن نصف بالجهل والهمجية هيئة اجتماعية امتازت بما يمتاز به عرب الجنوب من ثقافة ، وحضارة قطعتْ في ميدان التجارة والأشغال شوطاً بعيداً قبل الإسلام بقرون متطاولة “.
وهكذا ينتهي المؤلف إلى تفسير فكرة الجاهلية على أساس ديني محض، فالعرب لم يكونوا أُميين، ووصْفهم بالجاهلية إنما هو تعبير عن أميتهم الدينية. وشبيه بذلك ما ذهب إليه الدكتور ناصر الدين الأسد، حيث يقول نافياً تجهيل الجاهلية :” إن حياة العرب في الجاهلية – فيما بدا لنا- بعيدة كل البعد عما يتوهمه بعض الواهمين ، أو يقع فيه بعض المتسرعين الذين لا يتوقفون، ولا يتثبتون، فيذهبون إلى أن عرب الجاهلية لم يكونوا سوى قوم بدائيين، يحيون حياة بدائية في معزل عن غيرهم من أمم الأرض… ونذهب إلى أن عرب الجاهلية الأخيرة كانوا من الحضارة بمنزلة لا سبيل إلى تجاوزها ، ولا مزيد عليها لمستزيد….
ومن الباحثين من ذهب إلى أن كلمة الجاهلية أُطلقتْ على هذا العصر ، ليست مشتقة من الجهل الذي هو ضد العلم ونقيضه، وإنما هي مشتقة من الجهل بمعنى السفه والغضب ، والنّزق، فالكلمة إذن تنصرف إلى معنى الجهل الذي هو مقابل الحلم، ومن هذا قولُ الشنفرى الأزدي في لاميته:
ولا تزدهي الأجهالُ حِلْمي ولا أُرى سؤولاً بأعقاب الأقاويل أنمل
والى هذا المعنى يذهب عمرو بن كلثوم في معلقته إلى القول:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
بُغاةً ظالمين وما ظُلمْنا ولكنّـا سنبـدأ ظالمينـا
وواضح من هذه الأقوال أن الجهل هنا يُقصد به الحمقُ والسّفهُ ، وعدمُ ضبط النفس ، وفقدانُ سيطرة العقل ، وعدمُ السلوك الحكيم.
ولكن ينبغي أن ننبه إلى أن هذا لم يكن حال القوم في مجموعهم، ولم يكن كل من عاش في ذلك العصر متصفاً بهذه الصفات التي تتنافى مع العقل والحكمة، والاتزان، والروية . فقد كان هناك أفراد اشتهروا بالعقل السديد ،والرأي الصائب، وبُعْدِ النظر، كزهير بن أبى سلمى، وأوس بن حجر، وعبيد بن الأبرص، والحارث بن عوف، وهرم بن سنان ، وقيس بن عاصم ، والحارث بن عباد، وعامر بن الظرب العدواني ، والربيع بن زياد العبسي. وكانت سمتهم الظاهرة الحكمة ، حتى أن العرب اتخذوا من أولئك العقلاء حكاماً ، يستشيرونهم في شؤونهم ، ويحكمونهم في دمائهم ومواريثهم، اذكرُ منهم : اكثم بن صيفي ، وضمرة بن ضمرة النهشلي، وربيعة بن مخاشن، وحاجب بن زراة .
والأولى أن تكون كلمة الجاهلية قد أُطلقتْ – حين أطلقت – لتدل على شيوع عبادة الأوثان بينهم، فلا شك أن من بين العرب من كان يركع لصنم، أو ينحر لنصب، أو يتمسح بوثن، تقرباً لله وزلفى. فالجاهلية مصطلح إسلامي يشير إلى أن العرب قبل الإسلام لم تكن ناعمة بزمن الإسلام، وإشراق تعاليمه)، وليس ثمة ما يُسوّغ انصراف مصطلح الجاهلية إلى توحّش العرب ، وجهلهم بعلوم زمانهم
ويمكن ردّ التطرف ضد العرب قبل الإسلام ، ونعتهم بالتوحش ، والجهل المطبق إلى ثلاثة أسباب :
الأول : دينيّ ، ويتضح من خلال الحرص على تبيان أثر الإسلام في المجتمع العربي ، وكأنّ الإسلام قد خلق هؤلاء الذين آمنوا خلقاً جديداً ،لم يكونوا قبله شيئاً يذكر
الثّاني: شعوبي، ومن المعلوم أن الشعوبية تنوء بكراهية العرب، فلم تتركْ عادة قبيحة ، إلا وألصقتْها بالعرب، إذ لم يرُق لهم كونُ العرب أمةً تسعى للمعرفة والخير) .
الثالث : المستشرقون ، وإذا كان بعضهم – ممن اتسم سلوكه بالموضوعية، والأمانة العلمية – قد أفاد مكتبة العصر الجاهلي الأدبية ، سواء أكان ذلك بالأبحاث ، أو تحقيق بعض دواوين الشعراء ، فإن دراسات بعضهم من أمثال مرجوليوث ،ورينان وأوليري ، ” قد أساؤوا إلى العرب وأدبهم وحضارتهم وعقليتهم ” إساءة متعمدة فقد صدروا – فيما كتبوا – عن روح عنصرية يبرأ منها العلم
صورة موهومة شائعة عن حياة العرب قبل الإسلام
شرّ ما تُصابُ به الشّعوبُ ، أن يتحرّى القائمون على ثقافتها مرضاة العوام، بكل ما يسخط الحق ، ويمسخ التاريخ.
يكتب الكاتبون كتباً ومقالات ، ويتحدث الواعظون في مجالسَ وندواتٍ، فلا يكون لهؤلاء ولا لأولئك حديثٌ أحبّ إليهم ، ولا أرضى لعواطفهم من أن يخلعوا على الأمة العربية في عصر ما قبل الإسلام كلّ ما يضع من أحساب العرب، ويغضّ من أقدارهم، ويرمي بهم في مطارح الرذيلة، وكأن الإسلام قد خلق الذين أيدوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- خلقاً جديداً ، لم يكونوا قبله شيئاً يذكر بفضل أو ينسب إلى كرم.
وحقيقة الأمر ” أن الإسلام لا يمكن أن يكون شجرة منبتة الأصل عن البيئة التي وجدت فيها، لا تمتّ بنسب إلى عقول العرب، وهذا يخالف طبيعة الأشياء”).
ويكفي للدّلالة على خُلق القوم قبل الإسلام ، وعلى ما كانوا يتّصفون به من مُثُل عليا – ما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر :” يا أبا بكر ، أيّةُ أخلاق في الجاهلية هذه ، ما أشرفها ! بها يدفع الله عزّ وجلّ بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم”. وإذا أسبغ الرسول الكريم على العرب في جاهليتهم هذا الشرفَ، وأثنى عليهم، فليس عجيباً أن يروى عن عمرَ بن الخطاب – رضي الله عنه- قولُه:” إني لأعلم متى تهلك العرب، إذا جاوزوا الجاهلية فلم يأخذوا بأخلاقها ، وأدركوا الإسلام فلم يَقُدْهُمُ الورع”
ولستُ أزعم أني سأفتح في هذا الكتاب فتوحاً في التاريخ والاجتماع، ولكني أرجو أن أكشف عن بعض الحقائق.
فقد غبر الناس في وهم عجيب ، وتصوّر أعجب منه للحياة السابقة للإسلام. فعندهم أن العرب قد جاءهم الإسلام ، وهم يعيشون عيش الجماعات البدائية ، التي تبرأ حياتها من النظام، فهم في فرقة أبداً ، وفي حروب لا تنقطع، وليست حروبهم في سبيل غاية سامية، وإنما هي غارات قبلية يشنها قويُّهم على ضعيفهم، وتقوم فيها القبيلة للقبيلة، والطائفة للطائفة في جماعة لا تربط فيها بين الناس إلا تلك الروابطُ الساذجةُ من القرابة أو النّسب، التي تقوم بين أعضاء الأسرة، وأن هذه الروابطَ هي التي تنتهي عندها كلّ العلاقات، وتتكيف على مقتضاها الفضائل والأخلاق.
وأول ما أحبّ أن أقولَه هو أن هذه الصورةَ ليستْ صحيحة، وأن هذا الوهمَ خاطئ، فالعرب يوم جاءهم الإسلام لم تكن تنزل من حياتهم تلك المنزلة الجسيمة هذه الدّواعي التافهة، والعرب لم يكونوا يومئذ جماعة بدائية، يعيش أهلها عيْش السّائمة ، لا تحكمهم فيما بينهم إلا تلك العلاقاتُ ،التي لا تسود الجماعاتِ إلا في الطّور الباكر من تاريخها.
وانك ليسقط عندك هذا الوهمُ، إذا أنت نظرت فوجدت أن هذه الأمة التي تُصور لنا هذا التصوير، هي نفسها التي تتحدث لغة تستطيع ، وأنت مطمئن تمام الاطمئنان، أن تضعها في مقدمة اللغات القديمة والحديثة كلها ، سلامة ،واكتمالاً، وجمالاً ، ووفاء ،وحيوية.
فهذه اللغة موزونة ، يعتمد اللفظ من ألفاظها على بنية موسيقية سليمة … وما كذلك تكون لغات الأمم، إذا كانت عند بداية تكونها الاجتماعي، وعلى عتبة التنبه العقلي والفكري. وإنما تكون عند هذه المرتبة لغة قوم بعد أن تدور في آفاق واسعة من التعبير عن الحاجات والمشاعر ، وتمتد إلى أعماق بعيدة من التحضر لا يمكن أن تتهيأ لأمة من الأمم، إذا كانت عند مطلع التكوين الاجتماعي والقومي. فاللغة العربية لا يمكن أن تكون لغةَ قوم كانت تلك حالهم قبل الإسلام مباشرة.
الجاهلية في اللغة والأصول :
الظاهر أن الجاهلية نسبة إلى الجاهل وهو من لفظ الجهل الذي هو ضد العلم والمعرفة، وهناك رأي يقول إنها ليست من الجهل الذي هو ضد العلم، ولكن من الجهل الذي هو السفه أي ضد الحلم، وهو شدة الأنفة والخفة والغضب.
والواقع أنه لا تعارض بين الاثنين؛ فإن العرب قد أطلقت الجهل على المعنيين كما أن بينهما صلات وروابط، إحداها معرفي والآخر أخلاقي.
وقد استخدمت النصوص الشرعية معنى ثالثًا لهذه اللفظة، بأن جعلت من الجاهلية مذهبًا وطريقة تضاد وتقابل منهج الحياة في الإسلام.
فمن الآيات التي وردت فيها هذه المادة بمعنى العلم قوله تعالى: “للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف” (البقرة: 273)، ومن الآيات التي وردت فيها بمعنى الطيش والسفه قوله تعالى: “إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا” (النساء: 17).
ويلاحظ أن القرآن الكريم قد أورد مصطلح “الجاهلية” بالمعنى الثالث في سياقين:
الأول: يقابل بين النبوات وأتباعها وبين الجاهلين؛ فهي على المستوى الاعتقادي تتضمن موقفًا من الوحي والغيب بأسسه ومنطلقاته، يرتكز على تصور الخالق بشكل مادي مجسد تدركه الحواس.
الثاني: استخدم الجاهلية كمرجعية تقاس عليها الأشياء فثمة اعتقاد بالله سبحانه وتعالى له آثار سلوكية مختصة بالجاهلية يتباين بشكل كامل عن اعتقاد آخر له آثار سلوكية أخرى يختص بها الإسلام.
وبناء على ذلك، استخدمت لفظة الجاهلية كوصف للاعتقاد (آل عمران: 154، والحكم
أديان العرب في الجاهلية :
كانت لبلاد الحجاز أهميتها من الناحية الدينية، ففيها تلاقت جميع الأديان الوثنية وعبدة الكواكب والنار إلى جانب اليهودية والنصرانية، وقد كان بعض العرب يقدّسون الحيوان ويعبدونه لتحصيل البركة ويتسمّون بأسماء الحيوان، أو بأسماء طيور أو أسماء حيوانات مائية أو بأسماء نباتات أو بأسماء أجزاء من الأرض أو بأسماء حشرات، فهذه الأسماء تدل على تقديس العرب للحيوانات والنبات إلى جانب تفاؤلهم بها، كذلك كانوا يتعمدون تسمية أبنائهم بمكروه الأسماء وتسمية عبيدهم بمحبوب الأسماء، وكانت هذه التسميات تتسم بطابع الحياة التي كان يعيشها المجتمع العربي آنذاك.
ومن اللافت للانتباه أنّ العربي في تلك الحقبة كان يتجنب قتل بعض الحيوانات اعتقاداً منه أنه لو قتله جوزِيَ بقتله، بالإضافة إلى ذلك، فإنه كان يتفاءل ببعض الطيور كالحمام ويتشاءم من بعضها كالغراب، وأكثر من ذلك، فإنه كان يؤمن بوجود قوى خفية روحية مؤثرة في العالم والإنسان، وهذه تكمن في بعض الحيوانات والطيور والنبات والجماد وبعض مظاهر الطبيعة المحيطة به كالكواكب، الأمر الذي أدى به إلى أن يربط بين هذه الكائنات والموجودات وبين القوى الخفية.
ولكن هذه الحالة الاعتقادية ما لبثت أن تطورت ممثلة بالوثنية التي تجاوزت حدود المعقول، وأدت إلى عبادة قطع من الصخور التي كان يستحسن مظهرها وهيئتها، وهذا بدوره أدى إلى نسج الأساطير والقصص بالموجودات التي تحيط به، كالجبال والآبار والأشجار.
ولم يكن تقديسه لهذه المظاهر الطبيعية وعبادته لها باعتبارها تمثل أرباباً، ولكنه كان يشعر تجاهها بنوع من الإجلال والتقدير، وقد تنوّعت طرق تعاطيه معها، فتارة يقدسها، وأخرى يستقسم بها وثالثة يأكلها حين الجوع…
أ ـ عبدة الأصنام والأوثان:
كان العرب في الجاهلية يعبدون الأصنام والأوثان والأنصاب التي تحوّلت كما يبدو إلى أصنام، وكانت الأصنام على أشكال متنوعة، منها ما هو على صورة إنسان أو حيوان أو طير، ومن أشهرها (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا، واللات والعزى، ومنآة، وهبل..).
ب ـ عبدة الكواكب والنار:
لم تقتصر الحياة الدينية في شبه الجزيرة العربية على عبادة الأصنام والأوثان، بل وجدت بعض الفئات الأخرى التي انصرفت إلى عبادة الكواكب والنجوم بأشكالها المتعددة كالشمس والقمر والزهرة وعطارد والثريا وغيرها..
وقد عرفت هذه الجماعة بالصابئة التي استمدّت أصولها الاعتقادية كما تدعي بالأخذ من محاسن ديانات العالم وإخراج القبيح منها قولاً وفعلاً، ولهذا سموا بـ”الصابئة”، وقد وجد إلى جانب هؤلاء عبدة النار “المجوسية”، وكانت قد عرفت هذه الديانة عن طريق الفرس في الحيرة واليمن، كما انتشرت الزندقة بين صفوف سكان شبه الجزيرة في الحيرة.
والزنادقة قوم أنكروا الخالق والبعث، ومنهم من أنكر الرسالة وأنكر بعث الأنبياء، وإلى جانب هذه النظرات الاعتقادية وعبادة الأوثان، نجد أنه كان للعرب آراء ومعتقدات خرافية، فمثلاً كانت لهم في الجاهلية مذاهب في النفوس، فمنهم من زعم أنّ النفس هي الدم وأن الروح هي الهواء، وزعمت طائفة أن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان فإذا مات لم يزل مطيفاً به في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشاً ويسمونه “إلهام” و”الواحدة”، كما أنهم كانوا يعتقدون بالوهميات كالغول وغير ذلك…
تأثيرات عرب الجاهلية :
قال المعترضون إنه بما أن محمداً كان قد عزم على إنقاذ العرب وتحريرهم من عبادة الأصنام وهدايتهم إلى عبادة الله، وبما أنه كان يعرف أنهم كانوا في زمن إبراهيم مؤمنين بوحدانية الله، وبما أنهم حافظوا على كثير من العادات والفروض بطريق التوارث عن آبائهم الأتقياء، فإنه لم يُلزِمهم أن يتركوها كلها، بل بذل الجهد في إصلاح ديانتهم، وإبقاء كل عادة قديمة رأى أنها موافقة ومناسبة. فقال: »ومن أحسن ديناً ممَّن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً« (سورة النساء 4: 125)، وقال: »قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين« (سورة آل عمران 3: 95)، وقال: »قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين« (سورة الأنعام 6: 161). وبما أن محمداً ظن أن العرب حافظوا من عصر إبراهيم على جميع عاداتهم وفروضهم، ما عدا عبادة الأصنام والشِرك ووأد البنات والأطفال وما شاكل ذلك من العادات الكريهة، أبقى كثيراً من هذه العادات الدينية والأخلاقية في ديانته وحافظ عليها.
ومعروفٌ أن بعض قبائل جنوب بلاد العرب وشرقيها اختلطوا مع نسل حام بن نوح، وقال ابن هشام والطبري وغيرهما إن كثيرين من سكان جهات بلاد العرب الشمالية والغربية تناسلوا من سام بن نوح، وبعضهم تناسل من قحطان (يقطان)، وبعضهم تناسل من أولاد قطورة زوجة إبراهيم الثانية، وتناسل البعض الآخر (ومنهم قبيلة قريش) من إسماعيل بن إبراهيم. ولا ينكر أحد أن جميع القبائل التي تناسلت من ذرية سام كانوا يؤمنون بوحدانية الله. ولكن مع مرور العصور أخذوا الشرك وعبادة الأصنام من القبائل السورية وسكان الجهات المجاورة لهم، وأفسدوا ديانة أسلافهم، وفسدوا هم أنفسهم. ومع ذلك، لما نسيت جميع الأمم الأخرى (ما عدا اليهود) وحدانية الله، كان سكان الجهات الشمالية والغربية من شبه الجزيرة العربية متمسكين بالوحدانية تمسكاً راسخاً. والأرجح أن دخول عبادة الشمس والقمر والكواكب بين سكان تلك الجهات بدأ في عصر أيوب (أيوب 31: 26-28). وقال هيرودوت، أشهر مؤرخي اليونان (نحو 400 ق م) إن العرب سكان تلك الجهات كانوا يعبدون معبودين فقط، هما »أُرُتال« و»ألإلات« (تاريخ هيرودوت، كتاب 3 فصل . وقصد هيرودوت بالمعبود »أُرُتال« الله، فإن هذا هو اسمه الحقيقي. ومع أن هيرودوت زار بلاد العرب، إلا أنه كان أجنبياً، فلم يتيسَّر له ضبط هذا الاسم، فحرَّفه لجهله باللغة العربية وتهجئتها والنطق بها. ومن الأدلة القوية الدالة على أن هذه التسمية (أي الله) كانت مشهورة ومنتشرة بين العرب قبل زمن محمد، أنه كثيراً ما ذُكر اسم الله في سبع معلَّقات العرب (وهي تأليف مشاهير شعراء العرب قبل مولد محمد، أو على الأقل قبل بعثته) فقد ورد في ديوان النابغة ما نصه:
لهم شيمةٌ لم يعطها اللهُ غيرَهم من الجود والأحلام غير مَوَازِبِ
محلَّتهم ذاتُ الإلهِ ودينُهم قويمٌ فما يَرجون غيرَ العواقبِ
وأيضاً:
ألم ترَ أن اللهَ أعطاك سورةً ترى كل مَلِكٍ دونها يتذبذبُ
أنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ إذا طلعَت لم يبْدُ منهنَّ كوكبُ
وأيضاً:
ونحن لديه نسألُ اللهَ خُلْدَهُ يردُّ لنا مُلكاً وللأرض عامراً
ونحن نزجّي الخُلد إن فاز قِدْحُنا ونرهبُ قِدحَ الموتِ إن جاء قاهراً
وقال لبيد في ديوانه:
لعمرِك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجراتُ الطيرِ ما اللهُ صانعُ
وقد كانت الكعبة من قديم الأيام أقدس مسجد عند جميع قبائل العرب. قال ثيودور الصقلي، أحد مؤرخي اليونان (نحو 60 ق م) إن العرب كانوا يعتبرون الكعبة في ذلك الوقت مسجداً مقدساً (تاريخ ثيودور الصقلي كتاب 3) وكان يطلق على هذا المقدس »بيت الله«. ويُستدل من دخول أداة التعريف على لفظ الجلالة أن العرب لم ينسوا عقيدة وحدانية الله، وأنه كان عندهم كثير من المعبودات، حتى أطلق عليهم القرآن بسببها اسم »المشركين« لأنهم أشركوا مع الله غيره من المعبودات وعبدوها، وظنوا أنها شريكة معه في الإكرام والعبادة. ولكنهم كانوا يقولون لا نعبد هذه المعبودات الثانوية كما نعبد الله الحي (الذي هو الله) بل بالعكس إنّا نعتبرهم شفعاء، ولنا الرجاء أن بشفاعتهم نستميل الله الحقيقي لإجابة طلباتنا. وقال الشهرستاني: »إن العرب كانوا يقولون الشفيع والوسيلة منّا إلى الله تعالى هم الأصنام المنصوبة، فيعبدون الأصنام التي هي الوسائل« (الملل والنحل ص 109). ومن الأدلة على أن عبَدة الأصنام كانوا يعتقدون بهذا، ما ورد في كتاب »المواهب اللدنية«: »قدِم نفرٌ من مهاجري الحبشة حين قرأ محمد »والنجم إذا هوى« (سورة النجم 53: 1) حتى بلغ »أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى« (53: 19 و20) ألقى الشيطان في أمنيته (أي في تلاوته) »تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهنَّ لتُرتجي« فلما ختم السورة سجد (ص) وسجد معه المشركون لتوهُّمهم أنه ذكر آلهتهم بخير. وفشى ذلك بالناس وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة، ومَن بها مِن المسلمين: عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا معه (ص) وقد أمِن المسلمون بمكة، فأقبلوا سِراعاً من الحبشة«.
وذكر ابن إسحق، وابن هشام، والطبري وكثيرون غيرهم من مؤرخي الإسلام هذه الحكاية أيضاً، وأيدها يحيى، وجلال الدين، والبيضاوي في تفاسيرهم لسورة الحج 22: 52 »وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان«. وقال الشهرستاني بخصوص مذاهب قدماء العرب وعاداتهم: »والعرب الجاهلية أصناف، فصنفٌ أنكروا الخالق والبعث وقالوا بالطبع المحيي والدهر المغني، كما أخبر عنهم التنزيل. وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا. وقوله: »وما يهلكنا إلا الدهر« (سورة الجاثية 45: 23). وصِنفٌ اعترفوا بالخالق وأنكروا البعث، وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله: »أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد« (سورة ق 50: 14). وصنفٌ عبدوا الأصنام وكانت أصنامهم مختصة بالقبائل، فكان وُدٌّ لكلب، وهو بدومة الجندل، وسُواع لهذيل، ويغوث لمَذْحَج ولقبائل من اليمن، ونسر لذي الكلاع بأرض حمير، ويَعوق لهمذان، واللات لثقيف بالطائف، والعُزَّى لقريش وبني كنانة، ومناة للأوس والخزرج، وهُبَل أعظم أصنامهم. وكان هُبل على ظهر الكعبة، وكان آساف ونائلة على الصَّفا والمروة. وكان منهم من يميل إلى اليهود، ومنهم من يميل إلى النصرانية، ومنهم من يميل إلى الصابئة، ويعتقد في أنواء المنازل اعتقاد المنجِّمين في الكواكب حتى لا يتحرك إلا بنوء من الأنواء، ويقول أمطرنا بنوء كذا. وكان منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الجن. وكانت علومهم علم الأنساب، والأنواء، والتواريخ، وتفسير الأحلام، وكان لأبي بكر الصديق فيها يدٌ طولى«.
وكانت الجاهلية تفعل أشياء جاءت شريعة الإسلام بها، فكانوا لا ينكحون الأمهات والبنات، وكان أقبح شيء عندهم الجمع بين الأختين، وكانوا يعيبون المتزوّج بامرأة أبيه ويسمونه »الضيزن«. وكانوا يحجّون البيت ويعتمرون ويحرمون ويطوفون ويسعون ويقفون المواقف كلها ويرمون الجمار، وكانوا يكسبون في كل ثلاثة أعوام شهراً، ويغتسلون من الجنابة. وكانوا يداومون على المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس والسواك والاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان، وكانوا يقطعون يد السارق اليمنى (من كتاب الملل والنحل للشهرستاني).
قال ابن إسحاق وابن هشام إن ذرية إسماعيل كانوا أولاً يعبدون الله الواحد ولا يشركون معه أحداً، ثم سقطوا في عبادة الأصنام. ومع ذلك فقد حافظوا على كثير من العادات والفروض التي كانت في أيام إبراهيم، فلم ينسوا أن الله كان أرفع من معبوداتهم، بل أنه هو الحاكم والمتسلط عليها جميعاً. وذُكر في
سيرة الرسول:
»خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسمعيل غيره، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات. وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: »لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك«. فيوحدونه بالتلبية ثم يُدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده«.
وذكر في القرآن قوله »إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر، ما من شفيع إلا من بعد إذنه. ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون« (سورة يونس 10: 3). فالواضح من هذا أن العرب في أيام الجاهلية كانوا يعبدون الله بشفاعة العزى ومناة واللات (كما يطلب المسلمون في الوقت الحاضر غفران الخطايا من الله عز وجل بشفاعة الأولياء). وحينئذ يصدق على العرب الوثنيين لا مسلمي هذا الزمان قول القرآن إنهم مشركون. فينتج من ذلك أن سكان بلاد العرب حافظوا على عبادة الله إلى عصر محمد، واعترفوا بوحدانيته. وبناءً على ذلك يقول المعترضون إن محمداً أخذ هذه العقيدة من قومه وتعلمها من جدوده وأسلافه، ويتضح من اسم والده »عبد الله« واسم ابن أخيه »عبيد الله« الوارد فيهما لفظ الجلالة بأداة التعريف (وهي دلالة على الوحدانية) أن هذه العقيدة الشريفة كانت معروفة قبل بعثة محمد، وأن الديانة الإسلامية أخذت عادات الطواف والإهلال والإحرام وغيرها كثيراً من ديانة هذه القبائل القديمة.
وكان الختان من هذه العادات، كما قال الشهرستاني. ويتضح من نبذة صغيرة تسمى »رسالة برنابا« أن الختان لم يكن عند العرب فقط من قديم الزمان، بل كان مرعياً عند أمم كثيرة أيضاً، فإن مؤلف هذه الرسالة (التي كُتبت نحو سنة 200م) قال: »إن كل سوري وعربي، وجميع كهنة الأصنام يختتنون«. وكان الختان مرعياً عند قدماء المصريين أيضاً. ومع أن العرب كانوا يعبدون أصناماً كثيرة في أيام محمد، حتى كان يوجد في الكعبة 360 تمثالاً، إلا أن ابن إسحق وابن هشام قالا إن عمراً بن لحي وهذيل بن مدركة أتيا بعبادة الأصنام منسوريا إلى مكة خمسة عشر جيلاً قبل عصر محمد. ولا يحتاج أحد إلى وحي وإلهام لمعرفة قباحة وبطلان هذه العادة المستحبَّة جداً عند العرب، بحيث لم يتمكن محمد من منعهم عن مزاولتها. وهذا هو سبب تقبيل الحجاج الحجر الأسود إلى يومنا هذا.
واضحٌ أن مصدر الديانة الإسلامية الأول كان تلك الفروض الدينية والعادات والاعتقادات التي كانت متداولة وسائدة في أيام محمد بين قبائل العرب، ولا سيما قريش .
ولم أعرف جواباً يرد به المسلمون على أقوال المعترضين هذه، إلا قولهم إن هذه الفروض والعادات أنزلها الله أولاً على إبراهيم، ثم أمر محمداً أن يبلغها للناس ثانية ليتمسكوا بها تمسكاً راسخاً. ولكن واضحٌ من خمسة أسفار موسى أن الاعتقاد بوحدانية الله، وفرض الختان كان من أركان ديانة إبراهيم، إلا أنه لم يرد في التوراة والإنجيل ذكر لمكة ولا للكعبة ولا للطواف ولا للحجر الأسود ولا للإحرام. ولا شك أن العادات المرتبطة والمتعلقة بهذه الأشياء هي اختراعات عبدة الأصنام، وليس لها أدنى ارتباط ولا علاقة بدين إبراهيم.
وقال المعترضون إن بعض آيات القرآن مقتبسة من القصائد التي كانت منتشرة ومتداولة بين قريش قبل بعثة محمد. وأوردوا بعض قصائد منسوبة إلى امرئ القيس مطبوعة في الكتب باسمه تأييداً لقولهم. ولا شك أنه ورد في هذه القصائد بعض أبيات تشبه آيات القرآن، بل هي عينها، أو تختلف عنها في كلمة أو كلمتين، ولكنها لا تختلف معها في المعنى مطلقاً. وهاك الأبيات التي يوردها المعترضون، وقد أظهرنا العبارات التي اقتبسها القرآن بخط أوضح:
دنت الساعةُ وانشقَّ القمر عن غزالٍ صاد قلبي ونفر
أحور قد حرتُ في أوصافه ناعس الطرف بعينيه حَوَر
مرَّ يوم العيــد في زيـنته فرماني فتعاطى فعقر
بسهامٍ من لِحاظٍ فاتــكِ فتَرَكْني كهشيمِ المُحتظِر
وإذا ما غــاب عني ساعةً كانت الساعةُ أدهى وأمرّ
كُتب الحسنُ على وجنته بسَحيق المِسْك سطراً مُختصَر
عادةُ الأقمارِ تسري في الدجى فرأيتُ الليلَ يسري بالقمر
بالضحى والليلِ من طُرَّته فَرْقه ذا النور كم شيء زَهَر
قلتُ إذ شقَّ العِذارُ خدَّه دنت الساعةُ وانشقَّ القمر
وله أيضاً:
أقبل والعشاقُ من خلفه كأنهم من كل حدبٍ يَنْسلون
وجاء يوم العيد في زينته لمثل ذا فليعملِ العاملون
وقال المؤرخون إنه جرت العادة سابقاً بين العرب أنه إذا نبغ بينهم رجل فصيح بليغ، وألف قصيدة بديعة غراء علَّقها على الكعبة، وأن هذا هو سبب تسمية »المعلقات السبع« بهذا الاسم، لأنها عُلِّقت على الكعبة. غير أن بعض المحققين الثقاة أنكروا أن هذا هو سبب التسمية. إلا أن هذا قليل الأهمية. وقال المفسر الشهير أبو جعفر أحمد بن إسماعيل النحاس (توفي سنة 338 هـ) في هذا الصدد: »اختلفوا في جامع هذه القصائد السبع، وقيل إن أكثر العرب كانوا يجتمعون بعكاظ ويتناشدون الشعر، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: علقوها واثبتوها في خزانتي. فأما قول من قال عُلِّقت على الكعبة، فلا يعرفه أحد من الرواة. وأصح ما قيل في هذا إن حماداً الرّاوية، لما رأى زُهد الناس في الشعر، جمع هذه السبع وحضَّهم عليها، وقال لهم: هذه هي المشهورات. فسُمِّيت »القصائد المشهورة« لهذا السبب. وقال السيوطي بالفكرة نفسها، وأضاف إليها أن الأشعار كانت تُعلَّق على الكعبة (كتاب مذكر ج 2 ص 240).
ومن الحكايات المتداولة في عصرنا الحاضر أنه لما كانت فاطمة بنت محمد تتلو آية »اقتربت الساعة وانشق القمر« (سورة القمر 54: 1) سمعتها بنت امرئ القيس وقالت لها: هذه قطعة من قصائد أبي، أخذها أبوك وادعى أن الله أنزلها عليه. ومع أنه يمكن أن تكون هذه الرواية كاذبة، لأن امرء القيس توفي سنة 540م، ولم يولد محمد إلا في سنة الفيل (أي سنة 570 م) إلا أنه لا ينكر أن الأبيات المذكورة واردة في سورة القمر 54: 1 و27 و29؛ وفي سورة الضحى 93: 1 و2؛ وفي سورة الأنبياء 21: 96؛ وفي سورة الصافات 37: 61، مع اختلاف طفيف في اللفظ وليس في المعنى. مثلاً ورد في القرآن »اقتربت« بينما وردت في القصيدة »دنت«. فمن الواضح وجود مشابهة بين هذه الأبيات وبين آيات القرآن. فإذا ثبت أن هذه الأبيات هي لامرئ القيس حقيقةً، فحينئذ يصعب على المسلم توضيح كيفية ورودها في القرآن، لأنه يتعذر على الإنسان أن يصدق أن أبيات وثني كانت مسطورة في اللوح المحفوظ قبل إنشاء العالم.
ولستُ أرى مخرجاً لعلماء الإسلام من هذا الإشكال إلا أن يقيموا الدليل على أن امرء القيس هو الذي اقتبس هذه الآيات من القرآن، أو أنها ليست من نظم إمرئ القيس الذي توفي قبل مولد محمد بثلاثين سنة. ولو أنه سيصعب علينا أن نصدق أن ناظم هذه القصائد بلغ إلى هذا الحد من التهتك والاستخفاف والجراءة، بعد تأسيس مملكة الإسلام حتى يقتبس آياتٍ من القرآن ويستعملها بالكيفية المستعملة في هذه القصائد!
الخاتمة :
لا يبدو أننا نسير على طريق سَويّ رغم ادعاء مرورنا بتاريخ عريض من الرقي والتحضّر بحكم انفتاحنا على حضارات عدة، ولكن يبدو أننا وقفنا على أعتابها فقط متفرّجين دون الاستفادة من مرورنا ذاك فنكصنا إلى مقولتنا الأثيرة “انصر أخاك ظالماً ومظلوماً” لنكرّس حياتنا من جديد لمفاهيم جاهلية في عصر لن يلتفت للوراء أبداً، فمضت كل الشعوب بما اكتسبت في مسيرتها وتأخرنا نحن رغم إرادتنا الكبيرة التي نراهن عليها، وعلى ما يمكن أن تحققه مفاهيم لازلنا نلوكها بتلذذ كالحرية واحترام الإنسان لأخيه الإنسان وعدم توزيع التهم على الآخرين دون حساب رغم كل الاختلافات.
إن أشد ما يؤلم هنا هو استنفار مثقف وشاعر ليستجدي أقلام أصدقائه ضد من يرى أنهم – ربما – اقتبسوا مفردتين أو ثلاثة من قصيدة له ضمنوها قصائد بأسمائهم رغم اختلاف الصورة والبناء والرؤية. وليس هذا بالمهم، فتاريخ الاقتباسات مليء بأكثر من هذا، ولكن المهم حقاً، أو ما ينبغي التوقف عنده أن هذه “الفزعة” كانت من الخطورة بحيث لم يحسب حسابها أصدقاء الشاعر حين نصّبوا من أنفسهم قضاة بعد أن أوجدوا التهمة ثم صاغوا حكمهم بتجريم هذا الشاعر وكل ما في أيديهم أرباع أدلة قد لا تصمد كثيراً بوجه أي تمحيص منصف، فقد غفلوا تماماً في غمرة “فزعتهم” أن مثل هذه الاتهامات والتقريرات المسبقة التمترس من النوع الذي يعاقب عليه القانون الجزائي في أي بلد في العالم إذا ما طالب الشاعر المتهم “جرّهم” إلى المحكمة بادعاء اتهامهم له بقائمة كبيرة من التهم مثل (سطى، سرق، لطش، لص، محتال، سارق).
إن مقولة الغابرين تلك أعمت بصر وبصيرة أصدقاء الشاعر فتخلوا عن مقولاتهم العظيمة في المبادئ والأخلاق والقيم العليا التي يتنافخون بها ضد التمترس و “الإخوانية”، وأثبت هؤلاء أن هذه الشعارات مجرد كلام ليل يمحوه الارتطام على صخرة الجاهلية. وهنا؛ هنا فقط، تختفي أقنعة وتظهر وجوهٌ على حقيقتها.

**د لا ل**
2012-02-11, 14:09
مظاهر الحياة العقلية في العصر الجاهلي

إن طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الأشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك. فالعربي لم ينظر إلى العلم نظرة عامة شاملة كما فعل اليوناني، كان يطوف فيما حوله؛ فإذا رأى منظرا خاصا أعجبه تحرك له، و جاس بالبيت أو الأبيات من الشعر أو الحكمة أو المثل. "فأما نظرة شاملة وتحليل دقيق لأسسه وعوارضه فذلك ما لا يتفق والعقل العربي.
وفوق هذا هو إذا نظر إلى الشيء الواحد لا يستغرقه بفكره، بل يقف فيه على مواطن خاصة تستثير عجبه، فهو إذا وقف أمام شجرة، لا ينظر إليها ككل، إنما يستوقف نظره شيء خاص فيها، كاستواء ساقها أو جمال أغصانها،
و إذا كان أمام بستان، لا يحيطه بنظره، ولا يلتقطه ذهنه كما تلتقطه "الفوتوغرافيا"، إنما يكون كالنحلة، يطير من زهرة إلى زهرة، فيرتشف من كل رشفة". إلى أن قال: "هذه الخاصة في العقل العربي هي السر الذي يكشف ما ترى في أدب العرب - حتى في العصور الإسلامية - من نقص وما ترى فيه من جمال".
وقد خلص من بحثه، إلى أن هذا النوع من النظر الذي نجده عند العربي، هو طور طبيعي تمر به الأمم جميعاً في أثناء سيرها إلى الكمال،
نشاً من البيئات الطبيعية والاجتماعية التي عاش فيها العرب، وهو ليس إلا وراثة لنتائج هذه البيئات، "ولو كانت هنالك أية أمة أخرى في مثل بيئتهم، لكان لها مثل عقليتهم،
و أكبر دليل على ذلك ما يقرره الباحثون من الشبه القوي في الأخلاق والعقليات بين الأمم التي تعيش في بيئات متشابهة أو متقاربة، وإذ كان العرب سكان صحارى، كان لهم شبه كبير بسكان الصحارى في البقاع الأخرى من حيث العقل والخلق".
أما العوامل التي عملت في تكوين العقلية العربية وفي تكييفها بالشكل الذي ذكره، فهي عاملان قويان. هما: البيئة الطبيعية، وعنى بها ما يحيط بالشعب طبيعيا من جبال وانهار وصحراء وغير ذلك،
والبيئة الاجتماعية، وأراد بها ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك. وليس أحد العاملين وحده هو المؤثر في العقلية.

وحصر أحمد أمين مظاهر الحياة العقلية في الجاهلية في الأمور التالية: اللغة والشعر والأمثال والقصص. وتكلم على كل مظهر من هذه المظاهر وجاء بأمثلة استدل بها ما ذهب إليه.
والحدود التي وضعها أحمد أمين للعقلية العربية الجاهلية، هي حدود عامة، جعلها تنطبق على عقلية أهل الوبر وعقلية أهل المدر، لم يفرق فيها بين عقلية من عقلية الجماعتين.
وقد كونها ورسمها من دراساته لما ورد في المؤلفات الإسلامية من أمور لها صلة بالحياة العقلية ومن مطالعاته لما أورده "أوليري" "وبراون" وأمثالهما عن العقلية العربية،
ومن آرائه وملاحظاته لمشكلات العالم العربي ولوضع العرب في الزمن الحاضر. والحدود المذكورة هي صورة متقاربة مع الصورة التي يرسمها العلماء المشتغلون بالسامية عادة عن العقلية السامية،
وهي مثلها أيضا مستمدة من آراء وملاحظات وأوصاف عامة شاملة، ولم تستند إلى بحوث علمية ودراسات مختبرية، لذا فأنني لا أستطيع أن أقول أكر مما قلته بالنسبة إلى تحديد العقلية الساميّة، من وجوب التريث والاستمرار في البحث ومن ضرورة تجنب التعميم والاستعجال في إعطاء الأحكام.
وتقوم نظرية أحمد أمين في العقلية العربية على أساس إنها حاصل شيئين وخلاصة عاملين، أثرا مجتمعين في العرب وكوّنا فيهما هذه العقلية التي حددها ورسم معالمها في النعوت المذكورة.
والعاملان في رأيه هما: البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية. وعنى بالبيئة الطبيعية ما يحيط بالشعب طبيعياً من جبال وأنهار وصحراء ونحو ذلك،
وبالبيئة الاجتماعية ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك. وهما معاً مجتمعين غير منفصلين، أثّرا في تلك العقلية. ولهذا رفض أن تكون تلك العقلية حاصل البيئة الطبيعية وحدها، أو حاصل البيئة الاجتماعية وحدها.
وخطاً من أنكر أثر البيئة الطبيعية في تكوين العقلية ومن هنا انتقد "هيكل" "Heagel"، لأنه أنكر ما للبيئة الطبيعية من أثر في تكوين العقلي اليوناني، وحجة "هيكل" أنه لو كان للبيئة الطبيعية أثر في تكوين العقليات،
لبان ذلك في عقلية الأتراك الذين احتلوا أرض اليونان وعاشوا في بلادهم، ولكنهم لم يكتسبوا مع ذلك عقلهم ولم تكن لهم قابليتهم ولا ثقافتهم.

وردّ "أحمد أمين" عليه هو أن "ذلك يكون صحيحاً لو كانت البيئة الطبيعية هي المؤثر الوحيد، إذن لكان مثل العقل اليوناني يوجد حيث يوجد إقليمه،
و ينعدم حيث ينعدم، أما والعقل اليوناني نتيجة عاملين، فوجود جزء العلة لا يستلزم وجود المعلول".
وأثر البيئة الطبيعية في العرب، أنها جعلت بلادهم بقعة صحراوية تصهرها الشمس، ويقل فيها الماء، ويجف الهواء، وهي أمور لم تسمح للنبات أن يكثر، ولا للمزروعات أن تنمو، آلا كَلأً مبعثراً هنا وهناك،
وأنواعاً من الأشجار والنبات مفرقة استطاعت أن تتحمل الصيف القائظ، والجوّ الجاف، فهزلت حيواناتهم، وتحلت أجسامهم، وهي كذلك أضعفت فيها حركة المرور، فلم يستطع السير فيها إلا الجمل،
فصعب على المدنيات المجاورة من فرس وروم أن تستعمر الجزيرة، وتفيض عليها من ثقافتها، اللهم إلا ما تسرب منها في مجار ضيقة معوجة عن طرق مختلفة".
وأثر آخر كان لهذه البيئة الطبيعية في العرب، هو أنها أثرت في النفوس فجعلتها تشعر أنها وحدها تجاه طبيعة قاسية، تقابلها وجهاً لوجه، لا حول لها ولا قوة، لا مزروعات واسعة ولا أشجار باسقة،
تطلع الشمس فلا ظل لها، ويطلع القمر والنجوم فلا حائل، تبعث الشمس أشعتها المحرقة القاسية فتصيب أعماق نخاعه، ويسطع القمر فيرسل أشعته الفضية الوادعة فتبر لبّه، وتتألق النجوم في السماء فتمتلك عليه نفسه، وتعطف الرياح العاتية فتدمر كل ما أتت عليه.
أمام هذه الطبيعة القوية، والطبيعة الجميلة، والطبيعة القاسية، تهرع النفوس الحساسة إلى رحمن رحيم، والى بارئ مصور والى حفيظ مغيث- إلى الله-. ولعل هذا هو السر في الديانات الثلاث التي يدين بها أكثر العالم، وهي اليهودية والنصرانية والإسلام نبعث من صحراء سيناء وفلسطين وصحراء العرب.
والبيئة الطبيعية أيضاً، هي التي أثرت-على رأيه-في طبع العربي فجعلته كثيباُ صارماً يغلب عليه الوجد، موسيقاه ذات نغمة واحدة متكررة عابسة حزينة، ولغته غنية بالألفاظ، إذا كانت تلك الألفاظ من ضروريات الحياة في المعيشة البدوية، وشعره ذو حدود معينة مرسومة، وقوانينه تقاليد القبيلة وعرف الناس، وهي التي جعلته كريماً على فقره، يبذل نفسه في سبيل الدفاع عن حمى قبيلته.
كل هذه وأمثالها من صفات ذكرها وشرحها هي في رأيه من خلق هذه البيئة الطبيعية التي جعلت لجزيرة العرب وضعاً خاصاً ومن أهلها جماعة امتازت عن بقية الناس بالمميزات المذكورة.

وقد استمر "أحمد أمين"، في شرح أثر البيئة الطبيعية في عقلية العرب وفي مظاهر تلك العقلية التي حصرها كما ذكرت في اللغة والشعر والأمثال والقصص، حتى انتهى من الفصول التي خصصها في تلك العقلية،
أما أثر البيئة الاجتماعية التي هي في نظره شريكة للبيئة الطبيعية في عملها وفعلها في العقلية الجاهلية وفي كل عقلية من العقليات، فلم يتحدث عنه ولم يشر إلى فعله،
ولم يتكلم على أنواع تلك البيئة ومقوماتها التي ذكرها في أثناء تعريفه لها، وهي: "ما يحيط بالأمة من نظم اجتماعية كنظام حكومة ودين وأسرة ونحو ذلك"، ثم خلص من بحثه عن العقلية العربية وعن مظاهرها وكأنه نسي ما نسبه إلى العامل الثاني من فعل،
بل الذي رأيته وفهمته من خلال ما كتبه انه أرجع ما يجب إرجاعه إلى عامل البيئة الاجتماعية - على حد قوله - إلى فعل عامل البيئة الطبيعية وأثرها في عقلية العرب الجاهليين. وهكذا صارت البيئة الطبيعية هي العامل الأول الفعال في تكوين تلك العقلية، وحرمنا بذلك من الوقوف على أمثلته لتأثر عامل البيئة الاجتماعية في تكوين عقلية الجاهليين.
وأعتقد إن "أحمد أمين" لو كان قد وقف على ما كتب في الألمانية أو الفرنسية أو الإنكليزية عن تأريخ اليمن القديم المستمد من المسند، ولو كان قد وقف على ترجمات كتابات المسند أو الكتابات الثمودية والصفوية واللحيانية، لما كان قد أهمل الإشارة إلى أصحاب تلك الكتابات، ولعدٌل حتماً في حدود تعريفه للعقلية العربية،
ولأفرز صفحة أو أكثر إلى أثر طبيعة أرض اليمن وحضرموت في عقلية أهل اليمن وفي تكوين حضارتهم وثقافتهم، فإن فيما ذكره في فصوله عن العقلية العربية الجاهلية ما بحب رفعه وحذفه بالنسبة إلى أهل اليمن وأعالي الحجاز.
المظهر الاجتماعي
الشعر الجاهلى
هو الشعر الذى قيل قبل الإسلام بنحو من مائة وخمسين إلى مئتى عام في رأى بعض المحققين الذين أشاروا إلى أن الشعر الناضج يعود إليها وقد اشتمل على شعر عدد كبير من الشعراء على رأسهم شعراء المعلقات مثل عنترة وزهير ولبيد وامرىء القيس كما ضم دواوين عدد من الشعراء والشاعرات الذى وصلنا شعر بعضهم كاملا تقريبا ووصلتنا شذرات من شعر بعضهم ويتميز هذا الشعر بجزالة لفظه ومتانة تراكيبه واحتوائه على معلومات غنية عن البيئة الجاهلية بما فيها من حيوان وطير وجماد كما أنه عبر عن أحداث حياة العرب وتقاليدهم ومعاركهم المشهورة وأماكن معيشة قبائلهم وأسماء آبار مياههم وأسماء فرسانهم المشهورين ومحبوباتهم حتى قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه ( كان الشعر علم قوم لم يكن لديهم علم أصح منه ) واعتبر هذا الشعر سجلا لحياة الأمة العربية قبل ظهور الإسلام كما اعتمد عليه علماء اللغة في وضع قواعد النحو والاستشهاد على صحتها واعتمد عليه مفسرو القرآن في بيان معانى الكلمات ومدى ورودها في لغة العرب
اصل العرب ومساكنهم
كتب كثير من علماء الأنساب والتاريخ في اصل العرب وقد كثرت الأقوال وتضاربت الآراء خصوصا بين القديم والحديث فالاعتماد عند المتقدمين على الكتب المدونة وعند بعض العصريين على الآثار القديمة التي نقب عنها في جوف الأرض وحيث أن أمر التنقيب عقيم في جزيرة العرب وبالأخص لم يجر حتى اليوم في الربع الخالي مع صحراء الأحقاف فاصبح الاعتماد فيما يتعلق بشؤون العرب حتما على الكتب المدونة لأنه لم يكن أمامنا ما ينفي صحتها غيران كتب التاريخ والأنساب المتعلقة بي اصل العرب وتقسيمهم تحتوي على أقوال كثيرة فقد لخصت منها ما يأتي بعد جهد كبير وفحص دقيق
يرجع اصل العرب إلى سام بن نوح عليه السلام وكان مسكنهم قبل أن يسكنوا الجزيرة جهات العراق ثم نزح فريق منهم إلى الجزيرة التي يكون موقعها بالنسبة للعراق غرب جنوبي فسمى بنو سام النازحين منهم إليها (عربا) أي الغربيين لان حرف الغين المعجمة كان مفقودا من اللغة السامية فكانوا ينطقون بالعين المهملة عوضاً عن الغين المعجمة ويضعونها موضعها ومن ذلك الحين أطلق على من نزح من بني سام إلى الجزيرة العربية اسم العرب ، ثم سميت الجزيرة باسمهم .
والذي نزح هم ( عاد ) ومسكنهم الأحقاف المسماة الآن بصحراء الأحقاف الواقعة في القسم الجنوبي من الجزيرة . ( وثمود ) ومسكنهم الحجر ووادي القرى بين الحجاز والشام المسمى الآن بمدائن صالح الواقع في القسم الشمالي من الجزيرة . و ( طسم ) و ( جديس ) ، ومسكنهما اليمامة الواقعة في قلب الجزيرة ، والبحرين المسماة الآن بالأحساء ، الواقعة في القسم الشرقي من الجزيرة على الخليج العربي .

و ( عمليق ) ومسكنهم عمان ، الواقع في القسم الشرقي بجنوب من الجزيرة .
قال الجرجاني : إن بني عمليق ملكوا مصر ، ومنهم فرعون إبراهيم ، وفرعون يوسف ، وفرعون موسى . و ( أميم ) ومسكنهم رمل عالج بين اليمامة والشحر ، والمسمى الآن بالربع الخالي . و( عبيل ) ، ومسكنهم الجحفة بقرب المدينة . و ( عبد ضخيم ) ، ومسكنهم الطائف . و ( حضروا ) ومسكنهم الرس ، وأما الكلدانيون ، قال ابن خلدون في تاريخه : إنهم من الطبقة التي قبل نوح عليه السلام ، فهم من بني آدم ، ولم يكونوا من بني سام بن نوح .
ويحد الجزيرة العربية شرقاً بحر الهند والخليج العربي المسمى بالخليج الفارسي ـ لأن العرب استعمرته وبنت فيه ملاحتها قبل الفرس ـ وبعض العراق إلى الكوفة . وغرباً البحر الأحمر ، على أيلة وهي العقبة ، ثم إلى البلقاء المسماة ( الأردن ) ، وبعض بادية الشام وفلسطين وشمالاً من الكوفة والفرات بالعراق ، إلى عانة وبالس ، من الجزيرة الفراتية ، إلى سلمية وإلى مشارف غوطة دمشق إلى مشارف حوران ، إلي البلقاء من برية الشام وبعض فلسطين . وجنوبا بحر الهند .
وتنقسم الجزيرة إلى خمسة أقسام كبيرة :
الأول : القسم الشرق ، وهو يشتمل على عمان وقطر والأحساء والكويت وما حاذى ذلك من مدن وقرى ، من الجهة الشمالية إلى الكوفة .
الثاني : القسم الغربي ، وهو يشتمل على اليمن وتهامة وعسير والحجاز إلى أيلة وما حاذاها من جهة الشمال إلى البلقاء .
الثالث : القسم الشمالي ، وهو يشتمل على كل ما وقع ما بين الكوفة وحوران والبلقاء إلى أيلة من قرى وبادية
الرابع : القسم الجنوبي ، وهو يشتمل على حضرموت .
الخامس : قلب الجزيرة ، وهو يشتمل على عموم نجد ، بما فيه اليمامة والقصيم وشمر وجبلي سلمى وأجا ، وما جاور ذلك مع الربع الخالي بصحراء الأحقاف ونجران .
المظهر الديني:
ينشأ سؤال، ما هذه المعالِم؟ أو حينما ننظر إلى العرب قبل الإسلام، كيف كانوا يُمارسون شعائرهم وعقائدهم، إلى أن الإسلام جاء وحوَّلهُم من عُبَّاد أصنام وأوثان إلى مُوحّدين يَعْبُدون الله وحده لا شريك له وإلى مسلمين؟
وهذه مِنَّة كُبرى ونعْمَة كُبرى. نجد أن العرب قبل الإسلام مثل غيرهم من الأمم أيضاً، ولا يُظَن أن العرب في العَصْر الجاهلي تفرّدوا بمثل هذه العبادات، ولكن أمّة اليونان، وأمّة الرومان، والمصريون القدماء، والبابليون، والفِينِقيون، والآشوريون، كَثير من الأمم كانوا يتوجهون إلى عبادات مادية وإلى عبادة الكائنات الطَّبيعية.
أولا:فنجد أنّ العرب كانوا يتوجّهون أو بعْض العرب إلى عبادة النباتات والجمادات والطير والحيوان، لأن هذا كان يدور حَولهم فيجدون في شيء منها مصدر القوة فيَعْبدونه.
ثانيا:كانوا يتوجّهون إلى عبادة النجوم والكَواكب، وجاءتهم هذه المظاهِر من الصابِئة وبقايا الكِلدانيِّين.
ثالثا:كانوا يتوجّهون أيضاً، كانوا يتأثّرون بما يُسمَّى التثليث في العِبادة، مظهر التثليث في العبادة؛ بحيث كانوا يجْمَعون بين ثلاث ظواهر من الظواهر الطبيعية، وهي: القَمر، والشَّمس، والزُّهْرة، أو القَمر يقابِل ودّ عندهم، وكان صنماً، والشمس تقابل اللات، والزُّهْرة تُقابل العُزَّى. فالقمر والشمس والزُّهْرة، أو ودّ واللات والعُزَّى، وهذا التثليث كان شائِعاً عند عَرب الجُنوب، كما يروي ابن الكلبي في كتابه "الأصنام". كانوا يَرجِعون بآلهتهم إلى الثالوث المقدس، هو: القمر أو ود، والشمس أو اللات، والزُّهْرة أو العُزَّى.
وأيضاً نراهم يقدسون النار، ويظهر ذلك أو أثر ذلك أو أثر تقْدِيسهم النار، يظهر في إيقادهم للنار عند أحلافِهم، واستمطارهم السماء، وتقديم القرابين إليها. ويقال: إن المَجوسية كانت متفشّية في تَميم، وعُمان، والبحرين، وبعض القبائل العربية. نجد أيضاً إلى جِوار عبادة النباتات والجمادات والطَّير والحَيوان، عِبادة النجوم والكواكب، مظهر التثليث في العبادة، عبادة النار.
وعبادة الأصنام، وهي العبادة الشائعة عند العرب، الأصنام والأوثان، وفَرْقٌ بين الصَّنَم والوََثَن: "الصَّنَم": هو التمثال الذي يصنع على هيئة بَشَر أو نَبَات أو حَيوان أو ما إلى ذلك، هذا هو الصَّنَم.
أمّا "الوَّثَن": فهو حَجَر يأخذه العَربيّ أو البَدوي طبعاً في العَصْر الجاهلي ويتخذ منه رَمْزاً للعِبادة. وكانت عِبادة الأصنام منتشرة بين العرب انتشاراً واسعاً، قد صوَّروها أو نَحتوها رَمزاً لآلهتِهم. وقد يَرون في بعض الأحجار والأشجار والآبار ما يَرمز إليهم. فالعُزَّى كانت لغَطفان، وهي شجرة وقد قَطعها خالد بن الوليد، وكان مِن مأثوراته أنه قال:
منْ هُم المشركون؟ هم الذين كانوا يعبدون الأصنام ويقولون: ما نعبدهم إلاّ ليقرِّبونا إلى الله زلفى، أي: كان منهم فريق يعرف الله ولكن كان يشرك مع الله آلهة أخرى، ولذلك قال الحق -سبحانه وتعالى-: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى، ثم يقول سبحانه.. وَلا تَذَرُنَّ وَدّاًوَلا سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
إذاً، ينْشأ سُؤال: ما أشهر الأصنام التي كان يعبدها العرب؟ وهذا الذي نقوله يظهر في شِعْر الجاهليين أيضاً، ومن لا يدرس حياة العرب الدينية أو الاجتماعية أو الثقافية، دراسة موسعة ومستقْصية، لن يعرف كيف يفكّ رموز الكلمات، أو رموز بعض الإشارات في أبيات الشِعْر الجاهلي. من الأصنام التي كان يعْبدها العرب: "اللات" وكان معْبَدها في الطائف، وكانت عبادة "اللات" شائعة بين العَرب الجَنوبيِّين، وفي الحجاز، ويقال: "إنه كان صَخرة مربّعة بيضاء، بَنَت عليه ثَقيف بيتاً. وكانت قريش وجَميع العرب يعظِّمونه"؛ ولذلك سَمّوْا بـ"وهب اللات" و"عبد شمس" مثلاً.
"مناة" و"العُزَّى". وكانت "مناة" صخرة منصوبة على ساحل البحر بين المدينة ومكة، ولها مكانة. وأيضاً نَجِد "وَد" وكان من الآلهة الجنوبية ويؤلّه مع "اللات" و"العُزَّى". وربما تأثروا في هذه العِبادة بما يشاع عند المَسيحيِّين والنَّصرانيِّين. وكان هذا "وَد" صنمه بدَومة الجَنْدل. أيضاً هناك "سُواع" وهذا كان صنم هُذَيل وكِنانة. وأيضاً "يَغُوث" و"يعوق" و"نسر". وكان هناك أيضاً بعض القبائل وضعت أشكالاً وتماثيل، أشكالاً لهذه الأصنام؛ فكان "ود" على صورة "رجل"، و"سُواع على صورة "امرأة"، و"يَغُوث" على صورة "أسد"، و"يعوق" على صورة "فرس"، و"نسر" على صورة "النسر" من الطير. ومن أصنامهم أيضاً "هُبَل"، وهُبَل كان من عَقيق أحمر على صورة إنسان مكْسور اليد اليُمنى، وقريش جعلتها له من ذهب. ولكن هذه الأصنام كلها بمجيء الإسلام كُسِّرت وأزيحت ولم يَعُد منها قليل. ويقال: كان حول الكعبة في فتح مكة ثلاثمائة وستون صنماً، والمصطفى -صلى الله عليه وسلم- أزاحها وأزالها حين نشر رسالة التوحيد في مكة المكرمة، وفي الجزيرة العربية، بل وفي العالم كلّه. ومن أصنام قريش أيضاً المشهورة: "إساف" و"نائلة"، ولهما قصة تشبه الأسطورة، يقال: إنهما كانا شخصيْن أتيا أعمالاً مُسيئة فمُسِخا حَجَرين، وبعد ذلك عبدهما الناس، ومنها "رضا" و"تيم" و"شمس"، إلى آخر هذا كله. فنجد هذه الأصنام كلها انتشرت عند الجاهليين وكان لها أثر في شِعْرهم وفي نَثْرهم.
المظهر الثقافي:
لا شكّ أن معالِم الحياة الدينية تُعَد معْلَماً ثقافِياً أيضاً، لأنّ العبادات والآلهة والعقائد، رغم أنها مَزعومة وأنها باطلة، ولكنها تدلُّ على بحث أيضاً، وتدلُّ على نَظَر وتأثُر بالأمم الأخرى، وما إلى ذلك.
والحياة الثقافية عند العرب نجد لها أكثر من مِحور:
المحور الاول :هو ما علاقة عرب الشمال بعرب الجنوب، أو حضارة القحطانيِّين وحضارة سبإ، وما تلبَّس بها من معارف ومن حضارة ومن ازدهار بحضارة أهل الشمال. نجِد أن العرب الشماليِّين كانوا على صِلة بالحضارات المجاورة، كما يقول الدكتور شوقي ضيف، وكان تجار مَكة يدخلون في مصر والشام وبلاد فارس. وكان الحيريون يتصلون مباشرة بالفُرس، وبلاد فارس، والفُرس والروم كانت لهم ثقافاتهم ولهم عاداتهم ولهم تقاليدهم، وإن كان التأثير لم يكن عميقاً كما حدث في العصر العباسي مثلاً، وكان الغساسنة يتصلون بالروم وقد تنصروا وشاعت النصرانية في قبائل الشام، والعراق، ونزل بينهم كثير مِن اليهود في الحجاز واليمن.
إذاً هذا المَظهر التأثري، هو التأثر بالناحية العَقدية، فشاعت النصرانية، وشاعت اليهودية، في كَثير من المناطق العربية.
وكل ذلك معناه اتصال العرب الشماليين بالأمم المُجاورة وحضاراتها، ولكن كما قلت: أن ذلك كان في حُدود ضَيقة، وكان في حدود تأثر بالمَظهر التجاري، أو التبادل التجاري، أو المَعارف الضَّيقة، فالعرب كانوا يعْتَزّون بسِماتهم، ويعْتَزون بخصائصهم، ويعْتَزون بتقاليدهم، ويعْتَزون بأعرافهم. والعرب الجنوب يبدو أنهم بعد أن دَالت حضارتهم "حضارة سبإ" هاجروا وانتشروا في بلاد كثيرة، ولم يكن عندهم ثقافة ذات معالم بيِّنة، وحتى من وجْهة التنظيم السياسي كان يعمّهم النظام الإقطاعي، ولذلك حينما ضعُفت دولتهم الأخيرة دولة سبأ، تحولوا سريعاً إلى قبائل، وحدثت هِجْرات كثيرة من الجنوب إلى الشمال، وإلى المناطق العربية.
وهناك كتاب في هذا الشأن يمكن أن يُرجع إليه وهو كتاب: "الثقافة العربية أسبق من ثقافة العبريِّين واليونان" للأستاذ محمود عباس العقاد، وهو يرى أن المنطقة العربية القديمة تشمل الجزيرة العربية، وتشمل الشام، وتشمل العراق، وتشمل حتى مصر، والمغرب العربي، مع أن المنطقة العربية الآن هي المنطقة العربية القديمة، وهذه النظرة التوسعية الشمولية، تجعلنا نعيد كثيراً من الحِسابات والأحكام، لأن كثيراً من الباحثين حينما يتكلّم عن الثقافة العربية القديمة، يحصر كلامه في شِبه الجزيرة العربية فقط، وهذه تكون أحكاماً مسوّرة أو محدودة بقيود كثيرة.
ولكن هنا شُبْهة أثيرت، وهي: شُبْهة تَفوُّق الجِنْس الآري على الجنس السامي، سواء كانوا عرباً أو غير عرب، وهذه الشبهة أثارها المستشرقون الأوربيون وغيرهم، حتى يثبتوا أن الرومان، وأن الجنس الآري، وأن الأوربيِّين بصفة عامة، هُم جِنس مُتَفوّق تفكيراً، وسلوكاً، وحضارةً، وميراثاً، وما إلى ذلك. وهذه الشبهة مَرفوضة، لأنه ليس هناك جِنس مميز من أول التاريخ إلى آخره، وإنما التأثر والتأثير و الصلات بين الحضارات.
نسأل سؤالاً: ما أهم معارف العرب وعُلومهم في العصر الجاهلي؟ العرب لم يكن عندهم عِلْم مُنَظَّم ولكن عندهم معَارف كثيرة.
أولا:عِلْم الأنساب والأيام.
ثانيا:معْرفة العرب بالنجوم ومطالعها وأنوائها، ولذلك نرى رأياً للجاحظ في هذا الكلام وآراء كثيرة. يقول الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين": وإنَّ العرب عرفوا الأنواء ونُجوم الاهتداء، لأن من كان بالصحاح الأماليس، -أي: الأرض المستوية التي ليس بها ماء ولا شجر- مضطرّ إلى التماس ما يُنْجيه ويُؤدّيه -أي: يُعْينه- ولحاجته إلى الغَيث وفِراره مِن الجَدب، وضَنه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تَعرُّف شَأن الغَيث، مِن أين يأتي؟ ما هي أحواله؟ ما هي مَواعِيده؟ ولأنه في كل حال يرى السماء وما يجري فيها من كوكب، ويرى التعاقب بينها، والنجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجْتمعاً، وما يسير منها فارِداً، وما يكون منها راجِعاً ومستقيماً؛ كل هذا تأمله في أحوال السموات والكواكب، نشأ من أن الماء يأتيه، كما قال تعالى: {وَفِيالسَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}. فالحاجة دفَعته إلى تأمّل هذه الأشياء، وتُلَخِّص أعرابية هذه المعرفة حين قِيل لها أتعرفين النجوم؟ قالت سبحان الله! أما أعرف أشباحاً وقوفاً عليَّ كلَّ ليلة. وأيضاً هناك أعرابي وصف لبعض أهل الحَاضِرة نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات الليل، والسُّعُود والنُّحُوس.
وقال قائل لشيخ عبادي: -كان حاضراً- أما ترى هذا الأعرابي يعْرف مِن النجوم ما لا نعْرِف، قال: مَنْ لا يعْرف أجزاع بيته؟ يعني: مَن الذي لا يعرف ما في سقْف بيته، نجد وسيقان النخل تُجْعل سقفاً للخيمة.
إذاً، هناك أيضاً شهادة أخرى يقولها صاعد بن أحمد، المتوفَّى (435هـ): كان للعرب معْرفة بأوقات النجوم ومطالعها ومغايبها. وأيضاً العرب عندهم معارف طبية، والعِيافَة، والتَّنَبؤ، والفِراسَة، والقِيافَة، والحِكَم والأمثال، كل ذلك يدلُّ على رجاحة العقل وعلى النظر الدقيق.
أيضاً، نرى أن معارف العرب كما قلت: هناك معارف طبية ولكنها مبْنية على الملاحظة والخِبرة ومزجت ببعض الخرافات، وأيضاً العِيافَة والتَّنبؤ بملاحظة حَركة الطيور، والفِراسة والقِيافَة. ولكن يهمنا أن نعرف كيف ظهر أثر هذا في أشعارهم؟ نجد أن كتب الأمثال والأدب، تمتلئ بما دار على لسان لقْمان وغيره مِن حكماء الجاهلية من حِكَم، مثل قول أكثم: "مقْتل الرجل بين فكَّيْه"، وقول عامر بن ضرب: "ربّ زارع لنفسه حاصد سواه". وفي الشعر الجاهلي كَثير من هذه الحِكم. وهي تذكر في ثنايا كلامهم، وتدلُّ على ثقافة ومعرفة، ولكنها ثقافة ومعرفة نابعة من التجربة. يقول طرفة في معلّقته:
أرى العيش كنزاً ناقصاً كلّ ليلةٍ
وما تنقص الأيام والدهر ينْفَد
وأيضاً زهير في معلّقته كَثير من الحِكم، وكان شاعراً حكيماً -كما قلنا قبل ذلك-، يقول:
وأعلم ما في اليوم والأمسِقبْله
ولكنني عن عِلْم ما في غدٍعمِ
ومن لا يُصانِعْ في أموركثيرة
يضرَّس بأنياب ويوطَأبمَنْسِمِ
ومَن لا يَذُدْ عن حَوضه بسلاحه
يُهدَّمومن لا يَظلِم الناس يُظْلم
ومن هاب أسباب المناياينلْنَه
ولو رام أسباب السماءبسلَّمِ
ومهما تكن عند امرئ منخَليقةٍ
وإن خَالها تَخْفى على الناستُعْلمِ
هذه الحِكم تدلُّنا أيضاً على معرفة وثقافة وإن كانت ثقافة نَظرية.
تعريف للمعلقات
كان فيما اُثر من أشعار العرب ، ونقل إلينا من تراثهم الأدبي الحافل بضع قصائد من مطوّلات الشعر العربي ، وكانت من أدقّه معنى ، وأبعده خيالاً ، وأبرعه وزناً ، وأصدقه تصويراً للحياة ، التي كان يعيشها العرب في عصرهم قبل الإسلام ، ولهذا كلّه ولغيره عدّها النقّاد والرواة قديماً قمّة الشعر العربي وقد سمّيت بالمطوّلات ، وأمّا تسميتها المشهورة فهي المعلّقات . نتناول نبذةً عنها وعن أصحابها وبعض الأوجه الفنّية فيها :
فالمعلّقات لغةً من العِلْق : وهو المال الذي يكرم عليك ، تضنّ به ، تقول : هذا عِلْقُ مضنَّة . وما عليه علقةٌ إذا لم يكن عليه ثياب فيها خير ، والعِلْقُ هو النفيس من كلّ شيء ، وفي حديث حذيفة : «فما بال هؤلاء الّذين يسرقون أعلاقنا» أي نفائس أموالنا . والعَلَق هو كلّ ما عُلِّق .
وأمّا المعنى الاصطلاحي فالمعلّقات : قصائد جاهليّة بلغ عددها السبع أو العشر ـ على قول ـ برزت فيها خصائص الشعر الجاهلي بوضوح ، حتّى عدّت أفضل ما بلغنا عن الجاهليّين من آثار أدبية4 .
والناظر إلى المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد العلاقة واضحة بينهما ، فهي قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة ، بلغت الذّروة في اللغة ، وفي الخيال والفكر ، وفي الموسيقى وفي نضج التجربة ، وأصالة التعبير ، ولم يصل الشعر العربي إلى ما وصل إليه في عصر المعلّقات من غزل امرئ القيس ، وحماس المهلهل ، وفخر ابن كلثوم ، إلاّ بعد أن مرّ بأدوار ومراحل إعداد وتكوين طويلة .
وفي سبب تسميتها بالمعلّقات هناك أقوال منها :
لأنّهم استحسنوها وكتبوها بماء الذهب وعلّقوها على الكعبة ، وهذا ما ذهب إليه ابن عبد ربّه في العقد الفريد ، وابن رشيق وابن خلدون وغيرهم ، يقول صاحب العقد الفريد : « وقد بلغ من كلف العرب به )أي الشعر) وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم ، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة ، وعلّقتها بين أستار الكعبة ، فمنه يقال : مذهّبة امرئ القيس ، ومذهّبة زهير ، والمذهّبات سبع ، وقد يقال : المعلّقات ، قال بعض المحدّثين قصيدة له ويشبّهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت :
برزةٌ تذكَرُ في الحسـ ـنِ من الشعر المعلّقْ
كلّ حرف نـادر منـ ـها له وجـهٌ معشّ
أو لأنّ المراد منها المسمّطات والمقلّدات ، فإنّ من جاء بعدهم من الشعراء قلّدهم في طريقتهم ، وهو رأي الدكتور شوقي ضيف وبعض آخر . أو أن الملك إذا ما استحسنها أمر بتعليقها في خزانته .
هل علّقت على الكعبة؟
سؤال طالما دار حوله الجدل والبحث ، فبعض يثبت التعليق لهذه القصائد على ستار الكعبة ، ويدافع عنه ، بل ويسخّف أقوال معارضيه ، وبعض آخر ينكر الإثبات ، ويفنّد أدلّته ، فيما توقف آخرون فلم تقنعهم أدلّة الإثبات ولا أدلّة النفي ، ولم يعطوا رأياً في ذلك .

**د لا ل**
2012-02-11, 14:13
بحث حول العصر الجاهلي تعريفه و لمحة عن حياة العرب * مختصر*
تعريف العصر الجاهلي
هي تلك الفترة التي سبقت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم واستمرت قرابة قرن ونصف من الزمان .
" " سبب تسميته بالعصر الجاهلي " "
سمي بذلك لما شاع فيه من الجهل وليس المقصود بالجهل الذي هو ضد العلم بل هو الجهل الذي ضد الحلم .
العوامل التي أثرت في الأدب الجاهلي:
1 طبيعة السلالة العربية .
2 بيئة العرب الجغرافية .
3 حياة العرب الإجتماعية والأخلاقية .
4 حياتهم السياسية .
5 حياتهم الدينية .
6 حياتهم العقلية ونعني بها علومهم ومعارفهم .
7 أسواقهم واقتصادهم .
8 المعلقات كمظهر لاهتمامهم بالبلاغة والشعر.

البيئة الجغرافية للعرب " "
شبه جزيرة العرب صحراوية في معظمها يسود أرضها الجفاف ولكن حين تحظى بمطر أو ينبوع يتحول بعض أجزائها روضات بهيجة تسر الناظرين.
ولاشك أن الإنسان هو ابن الأرض تطبعه بطابعها وتلون أخلاقه ومزاجه وعاداته بلون تضاريسها ومن هنا فقد طبعت الصحراء أخلاق العرب بطابعها فتحلوا بالشهامة والكرم والنجدة وكراهة الخسة والضيم وقد كانت كل هذه الصفات موضوعات خصبة أمدت الأدب العربي بمعظم أفكاره ومعانيه.

حياة العرب الاجتماعية " "
كان عرب الجاهلية فريقيين وهم : حضر وكانوا قلة وبدو وهم الكثرة .
أما الحضر فكانوا يعيشون في بيوت مبنية مستقرة ويعملون في التجارة - الزراعة - الصناعة ويحيون حياة استقرار في المدن والقرى ومن هؤلاء المدن سكان مدن الحجاز : مكة -يثرب - الطائف - سكان مدن اليمن كصنعاء - وكثيرون من رعايا مملكة المناذرة ومملكة الغساسنة .
كما أنه من أشهر حضر الجاهلية سكان مكة وهم قريش أحلافها وعبيدها وكانت قوافلهم آمنة محترمة لأن الناس يحتاجون إلى خدمات قريش أثناء موسم الحج ولهذا ازدهرت تجارة قريش وكانت لها رحلتان تجاريتان رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام.
وأما أهل البادية فكانت حياتهم حياة ترحال وراء منابت العشب لأنهم يعيشون على ماتنتجه أنعامهم وكانوا يحتقرون الصناعة ويتعصبون للقبيلة ظالمة أو مظلومة .
2- كانت المرأة شريكة مخلصة للرجل في حياته تساعده في حاضرته أوباديته وتتمتع باحترامه حتى لقد اشتهرت بعض النساء في الجاهلية بالرأي السديد.





حياة العرب الأخلاقية " "
كانت لعرب الجاهلية أخلاق كريمة تمم الإسلام مكارمها وأيدها كما كانت لهم أخلاق ذميمة أنكرها الإسلام وعمل على محوها .
فمن أخلاقهم الكريمة: الصدق- الوفاء- النجدة- حماية الذمار- الجرأة والشجاعة- العفاف- احترام الجار- الكرم وهو أشهر فضائلهم وبه مدحهم الشعراء.
" " أما عاداتهم الذميمة " "
الغزو -النهب والسلب- العصبية القبلية - وأد البنات- شرب الخمر - لعب القمار.

حياتهم السياسية " "
كان العرب من حيث حياتهم السياسية ينقسمون إلى قسمين :
1- قسم لهم مسحة سياسية ، وهؤلاء كانوا يعيشون في إمارات مثل: إمارة الحيرة- امارة الغساسنة - إمارة كندة - مكة يمكن اعتبارها من هذا القبيل لأن نظاماً سياسياً كان ينتظمها .
2- قسم ليس لهم وضع سياسي ، وهم من البدو الرحل ينتمون إلى قبيلة معروفة وتخضع كل قبيلة لشيخها .

الحياة الدينية للعرب " "
كان معظم العرب وثنيين يعبدون الأصنام ومن أشهر أصنامهم: هبل- اللات- العزى-مناة كما كانت لهم هناك أصنام خاصة في المنازل.
كما أن من العرب من عبد الشمس والقمر والنجوم ، وكان القليل من العرب يهود أو نصارى لكنهم لم يكونوا على بصيرة وفهم لشريعتهم .
على أن فئة من عقلاء العرب لم تعجبهم سخافات الوثنية وهدتهم فطرتهم الصافية فعدلوا عن عبادة الأصنام وعبدوا الله على ملة ابراهيم عليه السلام وكانوا يسمون الحنفاء .
ومن هؤلاء: قس بن ساعدة - ورقة بن نوفل - أبو بكر الصديق - كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يتعبد في الغار على ملة ابراهيم فكان أيضا من الحنفاء .

مظاهر الحياة العقلية عند العرب

*تمهيد:
*يجدر بنا قبل دراسة بعض نماذج الأدب الجاهلي من (الشعر والنثر) وإن كان النثر قليلا جدا مقارنة بالشعر أن نقدم بهذه اللمحة عن بيئة الأدب،و مظاهر الحياة العربية المختلفة من سياسية، واجتماعية، ودينية وعقلية فالأدب صورة للحياة وللنفس وللبيئة الطبيعية و الاجتماعية.
*ويطلق الأدب الجاهلي على أدب تلك الفترة التي سبقت الإسلام بنحو مائة وثلاثين عام قبل الهجرة.وقد شب هذا الأدب وترعرع في بلاد العرب،يستمد موضوعاته ومعانيه،ويستلهم نظراته وعواطفه من بيئتها الطبيعية والاجتماعية والفكرية،ويحدد لنا بشعره ونثره فكرة صادقة عن تلك البيئة.مما يعين الدارس على فهم أدب ذلك العصر،واستنتاج خصائصه التي تميزه عن سائر العصور الأدبية التي جاءت بعده مع أن الكثير منه مجهول لضياع أثاره ولا نعرف عنه إلا القليل.



لغة العرب:

*اللغة العربية هي إحدى اللغات السامية التي نشأت عن أصل واحد،وهيhttp://www.ibtesama.com/vb/images/smilies/frown.gifالاشورية والعبرية والسريانية والحبشية)،وتقتصر اللغات العربية في كتابتها على الحروف دون الحركات،ويزيد حروفها عن اللغات الآرية مع كثرة الاشتقاق في صيغها وقد مرت اللغة العربية بأطوار غابت عنها مراحلها الأولى،ولكن مؤرخي العربية اتفقوا على أن للعرب منذ القديم لغتين:جنوبية أو قحطا نية،ولها حروف تخالف الحروف المعروفة، وشمالية أو عدنانية،وهي أحدث من لغة الجنوب،وكل ما وصلنا من شعر جاهلي فهو بلغة الشمال،لأن الشعراء الذين وصلتنا أشعارهم إما من قبيلة ربيعة أو مضر،وهما منا القبائل العدنانية،أو من قبائل يمنية رحلت إلى الشمال، كطيئ وكندة و تنوخ،وقد تقاربت اللغتان على مر الأيام بسبب الاتصال عن طريق الحروب و التجارة والأسواق الأدبية كسوق عكاظ قرب الطائف،وذي المجاز و مجنة قرب مكة. وبذلك تغلبت اللغة العدنانية على القحطانية،وحين نزل القران الكريم بلغة قريش،تمت السيادة للغة العدنانية،وأصبحت معروفة باللغة الفصحى. وقد كان لنزول القران بها اثر في رقيها وحفظها وإثرائها بكمية هائلة من الألفاظ و التعبيرات و المعاني مما أعان على بسط نفوذها،واستمرار الارتقاء بها في المجالات العلمية والأدبية إلى عصرنا الحالي.

*حياة العرب العقلية:

*العلم نتيجة الحضارة،وفي مثل الظروف الاجتماعية التي عاشها العرب،لا يكون علم منظم،ولا علماء يتوافرون على العلم،يدونون قواعده و يوضحون مناهجه إذ أن وسائل العيش لا تتوافر،ولذلك فإن كثيرا منهم لا يجدون من وقتهم ما يمكنهم من التفرع للعلم،والبحث في نظرياته وقضاياه.
*وإذا كانت حياة العرب لم تساعدهم على تحقيق تقدم في مجال الكتب والعمل المنظم،فهناك الطبيعة المفتوحة بين أيديهم،و تجارب الحياة العملية وما يهديهم إليه العقل الفطري،وهذا ما كان في الجاهلية،فقد عرفوا كثيرا من النجوم ومواقعها،والأنواء وأوقاتها،واهتدوا إلى نوع من الطب توارثوه جيلا بعد جيل،وكان لهم سبق في علم الأنساب والفراسة،إلى جانب درايتهم القيافة والكهانة،كما كانت لهم نظرات في الحياة. *أما الفلسفة بمفهومها العلمي المنظم،فلم يصل إليها العرب في جاهليتهم ،وإن كانت لهم خطرات فلسفية لا تتطلب إلا التفات الذهن إلى معنى يتعلق بأصول الكون،من غير بحث منظم وتدليل وتفنيد،من مثل قول زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
*واكبر ما يتميز به العرب الذكاء وحضور البديهة وفصاحة القول لذلك كان أكبر مظاهر حياتهم الفكرية: لغتهم وشعرهم وخطبهم ووصاياهم و أمثالهم.

**د لا ل**
2012-02-11, 14:16
النثر فى العصر الجاهلى


الادب الجاهلي: هو أدب الفترة التي سبقت ظهور الاسلام بنحو قرن ونصف قرن، وليس معني ذلك أن تلك الفترة هي كل العصر الجاهلي، فالواقع أن العصر الجاهلي أطول من ذلك كثيرا،لكن الأدب الذي وصل إلينا عاش أصحابه قبل الإسلام بقرن ونصف قرن فقط،وضاع أدب السابقين عليهم؛لأن العصر الجاهلي لم يكن عصر تدوين،فقد كان الاعتماد علي الحفظ والرواية جيلا بعد جيل.
ويشمل الادب في العصر الجاهلي فنّي القول: فن الشعر،وفن النثر.

أما الشعر: فهو الكلام الموزون المقفي،وهو الأسلوب الذي يصور به الشاعر عواطفه وإحساسه معتمدا علي موسيقي الكلمات ووزنها،وعلي عنصري الخيال والعاطفة.
أما النثر: فيقوم علي التفكير والمنطق ولا يعتمد علي وزن أو قافية،ولذلك يمكننا أن نقول : ((ان الشعر مظهر الوجدان والنثر مظهر العقل والثقافة)) ولذلك الشعر أسبق من (النثر الفني) لأن الشعر يقوم علي الخيال والعاطفة،اما النثر الفني فيقوم علي التفكير والمنطق،والخيال أسبق في الوجود من التفكير والمنطق.

ما أسباب قلة النثر الجاهلي؟
إن ما روي من النثر الجاهلي قليل بالنسبة لما روي من الشعر وذلك للأسباب الاتية:
سهولة حفظ الشعر لما فيه من إيقاع موسيقي.
الاهتمام بنبوغ شاعر في القبيلة يدافع عنها ويفخر بها.
ﺠ- كان العرب لم يدونوا أثارهم الأدبية لتفشي الاميةالامانة بينهم وإعتمادهم علي الحفظ والرواية،ومع ذلك وصل إلينا من النثر قدر يكفي لإستنباط خصائصه الفنية.

فنون النثر الجاهلي وخصائصه:
1- الخطابة. 2- الوصايا.
3- الامثال. 4- الحكم.



وسنتناول كل فن وأهم خصائصه الفنية فيما يلي:-
1-الخطابة.
وهي من أقدم فنون النثر،لأنها تعتمد علي المشافهة،لأنها فن مخاطبة الجمهور بأسلوب يعتمد علي الاستمالة وعلي اثارة عواطف السامعين،وجذب انتباههم وتحريك مشاعرهم،وذلك يقتضي من الخطيب تنوع الاسلوب،وجودة الالقاء وتحسين الصوت ونطق الإشارة.
أما الإقناع فيقوم علي مخاطبة العقل،وذلك يقتضي من الخطيب ضرب الأمثلة وتقديم الأدلة والبراهين التي تقنع السامعين.

ﺠ - للخطبة أجزاء ثلاثة هي (المقدمة – والموضوع – والخاتمة).
د- أهداف الخطبة: الإفهام والإقناع والإمتاع والإستمالة.
ﻫ- خصائص أسلوب الخطبة:
1- وضوح الفكرة. 2- جودة العبارة وسلامة ألفاظها.
3- الإكثار من السجع غير المتكلف.
4- التنوع في الاسلوب بين الخبري والانشائي.
5- قلة الصور البيانية.

ﺠ- أسباب ازدهار الخطبة في العصر الجاهلي:
ازدهرت الخطبة لاكتمال عوامل ازدهارها وهي:-
1- حرية القول. 2- دواعي الخطابة كالحرب والصلح والمغامرات.
3- الفصاحة فكل العرب كانوا فصحاء.

ولقد اجتمعت كل هذه الخصائص في خطبة (قس من ساعدة الايادي) والجدير بالذكر أنه أول من قال في خطبته: (أما بعد) وتسمي (فصل الخطاب)، لأنها تفصل المقدمة عن الموضوع.





2- الوصايا
1- الوصية: قول حكيم صادر عن مجرب يوجه الي من يحب لينتفع به، وهي من ألوان النثر التي عرفها العرب في الجاهلية.
2- أجزاء الوصية:
أ- المقدمة: وفيها تمهيد وتهيئة لقبولها.
ب- الموضوع: وفيه عرض للأفكار في وضوح واقناع هاديء.
ﺠ- الخاتمة: وفيها إجمال موجز لهدف الوصية.
ولقد رأينا ذلك في (وصية أم لإبنتها عند زواجها)
(لأمامة بنت الحارث).

3- خصائص أسلوب الوصية:
أ- وضوح الألفاظ.
ب- قصر الجمل. ﺠ- الإطناب بالتكرار والترادف والتعليل.
د- تنوع الاسلوب بين الخبر والإنشاء.
ﻫ- الإقناع بترتيب الأفكار وتفصيلها وبيان أسبابها.
و- الإيقاع الموسيقي الجميل وتجلي كل ذلك في وصية أم لإبنتها.
وهناك فرق بين الوصية والخطبة ألا وهو:-
أن الخطبة: هي فن مخاطبة الجماهير لاستمالتهم واقناعهم.
اما الوصية: فهي قول حكيم لانسان مجرب يوصي به من يحب لينتفع به في حياته.

الأمثال
المثل: قول موجز سائر علي الألسنة وارد في حادثة أو مستمد من ملاحظة في البيئة.
نشأة المثل: كانت الحادثة تقع،ويدور فيها القول،وتأتي من بين الكلمات عبارة قوية مركزة في تلخيص الموقف،او استخلاص العبرة منه،فيكون وقعها قويا علي السامع وتتلقفها الألسنة فتذيع وتنتشر وتصبح مثلا يلقي في كل موقف يشبه الموقف الذي سيقت فيه العبارة اول ما سيقت. وهذا يسمي (مورد المثل).
يضرب المثل في موقف يشبه الحالة التي ورد فيها مع المحافظة علي لفظ المثل وضبطه وهذا يسمي: (مضرب المثل) وهو استعارة تمثيلية ولذلك فكل مثل له مودر ومضرب.
أنواع المثل: أ- بعض الامثال يرتبط بحادثة واقعية.
ب- بعض الأمثال يرتبط بقصة خيالية.
ﺠ- بعض يمثل منهجا معينا في الحياة كقولهم:
(ان الحديد بالحديد يٌِفًلح)
د- وبعضها ما يحمل توجيها خاصا كقولهم: (قبل الرماء تملأ الكنائن).
ﻫ- وبعضها يبني علي ملاحظة مظاهر الطبيعة او يرتبط بأشخاص اشتهروا
بصفات خاصة.
5- ويرجع سر انتشار المثل وذيوعه في الجاهلية الي:-
أ- إنها بيئة فطرية تغلب فيها الامية وتشتد الحاجة الي التجارب المستخلصة في اقوال لها معني صادق.
ب- كذلك يرتبط المثل بحادثة او حكاية تساعد علي أانتشاره.
ﺠ- تصاغ الأمثال غالبا في عبارة حسنة،يظهر فيها دقة التشبيه بين المورد والمضرب، وذلك ما يرضي ذوق العربي.


المثل صوت الشعب
فهو مرآة تنعكس عليها صورة الحياة الاجتماعية والسياسية والطبيعية،وهي تعبير عن عامة الناس لصدوره دون تكلف،ولذلك يتجه الباحثون عن طبائع الشعوب الي دراسة أمثالها،واذا رجعنا الي الامثال وجدناها صوتا للشعب لما يأتي:-
1- لأنها مرتبطة بالبيئة وما فيها من حرب وصلح ومفاوضات.
2- تعبر عن صفات العرب وأخلاقهم وعاداتهم.
ﺠ- ترتبط بحياتهم واحداثها وتعبر عن طرق تفكيرهم ولذلك تتنوع الامثال من أمة الي أخري تبعا لأختلاف البيئة والثقافة وأختلاف العصور.






الخصائص الفنية للامثال
1- ايجاز اللفظ. 2- قوة العبارة.
3- دقة التشبيه. 4- سلامة الفكرة.
نماذج لأمثال العرب في الجاهلية
جزاءه جزاء سنمار:
يضرب لمن يحسن في عمله فيكافأ بالاساءة اليه.
رجع بخفي حنين:
يضرب هذا المثل في الرجوع بالخيبة والفشل.
انك لا تجني من الشوط العنب
يضرب لمن يرجو المعروف في غير اهله
او لمن يعمل الشر وينتظر من ورائه الخير.

4- من حكم العرب في الجاهلية
الحكمة: قول موجز مشهور صائب الفكرة رائع التعبير،يتضمن معني مسلما به،يهدف الي الخير والصواب وتعبر عن خلاصة خبرات وتجارب صاحبها في الحياة.
فيم تلتقي الحكمة والمثل؟ وفيم يختلفان؟
تتفق الحكمة مع المثل في: الايجاز،والصدق،وقوة التعبير،وسلامة الفكرة.
وتختلف الحكمة عن المثل في أمرين:-
لا ترتبط في اساسها بحادثة او قصة.
انها تصدر غالبا عن طائفة خاصة من الناس لها خبرتها وتجاربها وثقافتها.
اسباب انتشارها:-
قد شاعت الحكمة علي ألسنة العرب لاعتمادها علي التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة.







الخصائص الفنية لأسلوب الحكمة
1- روعة التعبير 2- قوة اللفظ
3- دقة التشبيه 4- سلامة الفكرة مع الايجاز
الحكمة صوت العقل:
لأن الحكمة قول موجز يقوم علي فكرة سديدة وتكون بعد تأمل وموازنة بين الامور واستخلاص العبرة منها ولذلك فهي تعبر عن الرأي والعقل.

نماذج من حكم العرب في الجاهلية
مصارع الرجال تحت بروق الطمع:
فيها دعوة الي القناعة فأن الطمع يقتل صاحبه.
رب ملوم لا ذنب له
دعوة الي التحقق من الامر قبل توجيه اللوم للبريء.
أدب المرء خير من ذهبه
معناها ان قيمة الانسان بأدبه لا بماله.
من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء
معناها (فمن استعان بقوم غير صالحين لم يفلح في عمله ويكون مثله كمثل من يقف الماء في حلقه ، فلا يجد سبيلا الي ازالة غصته).فهي تدعو الي حسن اختيار الاعوان.
من شدد نفر،ومن تراخي تألف: (( فالناس تنفر من الشديد القاسي وتميل الي اللين الرحيم)).
وهي تدعو الي اللين في المعاملة، وحسن معاملة الناس.

**د لا ل**
2012-02-11, 14:17
خصائـص النثـر الجاهلي


إن ما روى من النثر الجاهلي قليل بالنسبة لما روى من الشعر وذلك للأسباب الآتية :
1 - سهولة حفظ الشعر لما فيه من إيقاع موسيقى .
2 - وللاهتمام بنبوغ شاعر في القبيلة ، يدافع عنها ويفتخر بأمجادها .
3 - كما أن العرب لم يدونوا آثارهم الأدبية ؛ لتفشى الأمية بينهم واعتمادهم على الحفظ والروايـة .

فنون النثر الجاهلي :
1 - الخطابـة . 2 - الوصايـا . 3 - الأمثـال . 4 - الحكـم .

أولاً : الخطابـة : وهى فن مخاطبة الجماهير للإقناع والإمتاع .
وأجزاؤهـا : المقدمـة ، والموضـوع ، والخاتمـة .
خصائصها :

1 - السهولة والوضوح .
2 - قصر الفقرات .
3 - التنويع بين الخبر والإنشاء .
4 - الإطناب بالتكرار والتفصيل والإقناع بالحجج .
5 - والإمتاع بروعة الصور وجمال التعبير .
عوامل رقى الخطابة :
1 - حرية القول والشجاعة في إبداء الرأي .
2 - الفصاحة والقدرة على التعبير .
3 - الدواعي والمناسبات التي تستعمل فيهـا الخطابة من : تنافس وصراع وحروب تدفع إلى القول لإثارة الحمية وإلهاب الحماسـة.





ثانيـاً : الوصايـا :
هي القول الصادر من مجرب خبير إلى من هو أقل منه تجربة كابن أو بنت " فهي ليست في مواجهة الجماهير كالخطبة " .
خصائصها :

1 - اشتمالها على كثير من الحكم .
2 - يغلب على أسلوبها السجع لتأثيره الموسيقى .
3 - سهولة اللفظ .
4 - قصر الفقرات .
ثالثاً : الأمثـال :
المثل : قول موجز بليغ يعتمد على حادثة أو قصة أو مناسبة قيل فيها , ويضرب في الحوادث المشابهة لها .
إن المثل قول موجز بليغ يعتمد على حادثة أو قصة أو مناسبة قيل فيها , ويضرب في الحوادث المشابهة لها ، و انتشر على الألسنة له مورد ومضرب .
خصائصها :
1 - إيجاز اللفظ . قوة العبارة .

3 - دقة التشبيه وسلامة الفكرة .

رابعاً : الحكـم :

الحكمة قول موجز مشهور صائب الفكرة رائع التعبير يتضمن معنى مسلماً به يهدف إلى الخير والصـواب وبه تجربة إنسانية عميقة.

أسباب انتشارها :
1 - اعتماد العرب على التجارب .
2 - استخلاص العظة من الحوادث .
3 - نفاذ البصيرة والتمكن من ناصية البلاغة .
خصائص الحكمة :
1 - روعة التعبير .
2 - وقوة اللفظ .
3 - دقة التشبيه .
4 - سلامة الفكرة مع الإنجاز

**د لا ل**
2012-02-11, 14:19
تعريف النثر الجاهلي
النثر هو الكلام الذي لم ينظم في أوزان وقواف وهو على ضربين :
أما الضرب الأول فهو النثر العادي الذي يقال في لغة التخاطب , وليست لهذا الضرب قيمه أدبيه إلا مايجري فيه أحيانا من أمثال وحكم , وأما الضرب الثاني:
فهو النثر الذي يرتفع فيه أصحابه إلى لغة فيها فن ومهاره وبلاغه وهذا الضرب هو الذي يعني النقاد
في اللغات المختلفه ببحثه ودرسه وبيان مامر به من أحداث وأطوار ,ومايمتاز به في كل طور من صفات
وخصائص وهو يتفرع إلى جدولين كبيرين , هما الخطابه والكتابه الفنيه
ويسميها بعض الباحثين باسم النثر الفني وهي تشمل القصص المكتوب كما تشمل الرسائل الأدبيه المحبره , وقد تتسع الكتابه التاريخيه المنمقه , ومن يرجع إلى العصر الجاهلي وأخباره يجد هذا الضرب الأخير من النثر يلعب دورا مهما في حياة العرب حينئذ , إذ كان عرب الجاهليه مشغوفين بالتاريخ والقصص عن فرسانهم ووقائعهم وملوكهم , يقطعون بذلك أوقات سمرهم في الليل وحول خيامهم , وقد دارات بينهم أطراف من أخبار الأمم المجاوره لهم ممتزجه بالخرافات والأساطير , ففي السيره النبويه أن النضر بن الحارث المكي كان يقص على قريش أحاديث عن أبطال الفرس أمثال رستم وإسفنديار , وأكثر ماكان يستهويهم من القصص أحاديث قصاصهم عن أيامهم وحروبهم في الجاهليه , مما يصوره لنا كتاب شرح النقائض لأبي عبيده وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وقد تلاهما اللغويون والأدباء يعنون بتلك الأيام والحروب عنايه واسعه على نحو ماهو معروف عن ابن عبد ربه في " العقد الفريد وابن الأثير في الجزء الأول من كتابه الكامل والميداني في الفصل التاسع والعشرين من كتابه مجمع الأمثال

**د لا ل**
2012-02-11, 14:20
نبذة عن النثر في العصر الجاهلي,,, (للنثر وعشـــــــــاقه...

النثر أسبق انواع الكلام في الوجود لقرب تناولة ,وعدم تقيدة وضرورة استعماله, وما وصل الينا قليل منه بما وصل الينا من الشعر ....

أنــــــــــــــــــــــــــواع النثــــــــر:

يكاد النثر (http://www.bnikhaled.com/vb/showthread.php?t=12208)الجاهلي يقتصر على نوعين هما:

1-الخــطــب والــوصــايا
2-الــحِــكــم والأمــــثـــال

ولكـن هناك انواع اخرى على نطاق ضيق كسجع الكهان والكهان كما هو معروف يدعون علم الغيب....

كما وجد نوع اخر وهو القصص الذي كانو مشغوفين فية شغفا شديد وقد ساعدهم ذلك على اوقات فراقهم
حيث يجتمعون كانو للسمر صغارا وكبارا يستمعوون لها وكانت هذه القصص تور حول ايامهم وحروبهم والجن وغيرها...

خصـــــــــــــــــــــائص النثــــــــر الجاهلي:

يمتاز النثر (http://www.bnikhaled.com/vb/showthread.php?t=12208)في الجاهلية بجريانة مع الطبع , يسير مع الاخــــلاق البدوي وبيئتة ,فهو قوي التركيب, موجز الاسلوب, سطحي الفــــكرة

وسنلحظ هذا الاسلوب مــن خـــلال القراءة المتعمقة لاهم انواعة:

>>1-الــــــخـــــــــطب والوصـــايا<<

الخطبة والوصية كلتاهما يراد بهما التأثير في المستمع ,الا ان الاولى تكون على ملأ من الناس , والاخرى تكون لقوم معينين كوصية اب لابنة عند السفر او المـوت .

أما الخطابة فكانت ذا شأن لدى الجاهليين, وربما تفوقت على الشعر أحيانا .
وقد كانت الدواعي للخطابة كثيرة ومتنوعة منها: الفخر بالأحساب ، والسفارة بين القبائل , والنصح والارشاد....

اسمــــــاء بعض الخطباء :

قس بن سعادة الايادي ,, والحارث بن عباد البكري, اكثم بن صيفي التميمي...

نــمـأااااذج من الخــطــب والوصــــــــــــــايا:

خطبــــــــــــــــة قس بن سعــادة الاياي (في سوق عكاظ)

يبدو أن قس كان ينكر المنكرالذي شاع في الجاهلية وكانت هذة الخطبة لقس في سوق عكـــاظ

(( أيها الناس ,أسمعو واعوا, من عاش مات, ومن مات فات, وكل ماهو ات ات, ان في السماء لخبر ,وان في الارض لعبر ,ايات محكمات , ومطر ونبات ,ونجوم تزهر, وبحار تزخر ,وليل داج ,وسماء ذات ابراج ,مالي ارى الناس يذهبون, ولايرجعون؟! ارضو فاقاموا ,أم تركوا فناموا, يامعشر اياد ؟اين ثمود وعاد؟ وأين الفراعنة الشداد؟؟

فــي الــذاهبيــن الاولين من القرون الاولى لنا بصائر
لمـــا رايــــــــت مواوردا للــمـوت ليـــس لها مـصــادر
ورايــت قومـــي نحـوها تــمضــي الاصـاغر والاكـابر
لا يــرجع المــاضي اليها ولا مــن الــباقـــين غــابــر
ايــقنــت انتتي لامـحـالة حيـــث صـــار الــقوم صـائر

وهنــــاك خطبة اكثم بن صيفي بين ايدي كسرى من ارادها فقط يكتب رداْ انه يريدها

وصيــــــــــــــــــــــــــــــــــــة زهــير بن جــناب الــكــلبي لبنـــيه يقول :

((يابني اني قد كبرت سنا, وبلغت حرسا,من دهري ,فاحكمتني التجارب والامور تجارب واختبار , أياكم والخور (الضعف) عند المصائب , والتواكل عند النوائب,فان ذلك داعية للغم,وشماته للعدو,وسوء ظن للرب , واياكم ان تخونوا بالاحداث مغترين ولها امنين ومنا ساخرين فانة ما سخر قوم الاقد ابتلو , ولكن توقعوها ,فان الانسان في الدنيا غرض تحاورة الرماة , فمقصر دونه, ومجاوز لموضعة, وواقع عن يمينة وشمالة , ثم لا بد ان يصيبة))

((وصــــــــيـــــــــة ذي الاصــــــبــــــع لابــــــنـــــــة ))

(يابني أن اباك قد فني وهو حي وعاش حتى سئم العيش واني موصيك بما ان حفظتة بلغت في قومك ما بلغتة فا حفظ عني ألن جانبك لقومك يحبوك وتواضع
لهم يرفعوك وأبسط لهم وجهك يطيعوك واكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك
كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم واسمح بمالك واحم حريمك وأعزز جارك واعن من استعان بك وأكرم ضيفك واسرع النهضة في الصريخ فان لك اجلا لايعدوك وصن وجهك عن مسالة احد شيئا فبذلك يتم سؤدودك)

**د لا ل**
2012-02-11, 14:22
مميزات النثر الجاهلي القديم
الميزات العامة للنثر الجاهليّ : هو وليد الطبع ، بعيد عن الصنعة و الزخرف و الغلوّ ، يشيع فيه السجعُ ، يسير مع أخلاق البدوي و بيئته و هو قوي اللفظ ، متين التركيب ، سطحي الفكرة ، ينزع نزعة الإيجاز و الموسيقی في الجملة و الأسلوب و يرسل مقطّعاً لا يربط بين أفكاره رابط . فنون النثر الجاهليّ هي المثل و الخطابة و القصص .
النثر في صدر الإسلام :
إنّ الأدب المخضرم فقد كثيراً مِن الأغراض و المعاني الجاهليّة و تبدّل بها أغراضاً و معاني إسلامية أما أسلوبه فبقي جاهلياً في الأكثر و كذلك قلّ الشعر في هذا العصر و كثُر النثر و ازدهرت الخطابة مِن أجل الدعوة إلی دين ا... بالحكمة و الموعظة الحسنة و استنهاض المسلمين للجهاد و نشر رسالة الدين المبين .
النثر الفني في العصر الأمويّ :
كانت قاعدة البلاغة في هذا العصر الإيجاز فاتّسم النثر بسمة الإيجاز و كان شديد الصلة بالنثر القديم . يقسم النثر الإيجازي في هذا العهد إلی ثلاثة أنواع هامة : الخطابة و التوقيعات و الرسائل .


التوقيعات : عبارات بليغة موجزة تحمل في طيّاتها معانيَ وسيعةً و كان الخلفاءُ و الولاةُ يكتبونها في أسفل الشكاوی و المظالم أو المطالب و الحاجات . ظهرت في صدر الإسلام و بلغت ازدهارها في عهد بني أمية . و الميزة التي تتميّز بها التوقيعات هي الإيجاز و البلاغة .
النثر الفني في العصر العباسيّ :
اتسعت الكتابة في هذا العصر لتسجّل ما تُنتجه العقولُ الإسلاميّة مِن علوم لغوية و شرعية و علوم طبيعية و كونية و فلسفيّة و لتستوعب ما يترجم مِن اللغات الأخری و تفنن الكتّاب في نثرهم متوخّين الأسلوبَ البلاغي الأفضل و اتجهوا إلی الوضوح و الابتعاد عن الألفاظ الغامضة و المعاني المبهمه ليدخل الكلام إلی القلوب و العقول و هكذا فعل الخطباء في خُطَبِهم و المتكلّمون في محاوراتهم الكلامية و كتّاب الدواوين في رسائلهم .
مراحل النثر العربيّ في المشرق :
1- نثر صدر الإسلام و الدولة الأمويّة الذي يمتاز بالسجع و المزاوجة و الترسّل و الميل إلی الجمل القصيرة و الإيجاز التام و ترادف الجمل و الاقتباس مِن القرآن الكريم مع جمالٍ في المعنی و اللفظ .
2- نثر عبدالحميد الكاتب في أواخر الدولة الأمويّة و طريقته في الكتابة ، يمتاز بالإطناب و التفصيل و توليد المعاني ، و الموازنة بين الجمل بتقارب كلماتها في العدد و الصيغة و خلوّ الجمل مِن زخرف اللفظ و مُحسناته إلا ما جاء عفواً ، و عدم التزام السجع.



3- نثر ابن المقفع الذي يشبه نثر عبد الحميد الكاتب في بسط المعاني و توكيدها . اعتنی ابن المقفع بتكرير الجمل المتقاربة في معناها مع العناية بالتحليل النفسي و التجارب الأخلاقية و تطويع اللغة للمعاني المستحدثة .
4- نثر الجاحظ الذي يمتاز بالجمل القصار و الفقرات المتقابلة و تعدد النعوت للشيء الواحد و إجادة استخدام حروف الجر متتابعة متغايرة و استقصاء كل أجزاء المعنی و تعدد طرق التعبير ، إضافة إلی الفكاهة و السخرية و مزج الجد بالهزل ، و الإطناب غير المملّ و جزالة في الألفاظ .
5- نثر ابن العميد الذي يقوم علی توخّي السجع القصير الفقرات و الاقتباس مِن القرآن و أحاديث الرسول (ص) و تضمين الأمثال السائرة و نثر الأبيات الحكيمة و الإشارات التاريخيّة و الإكثار مِن أنواع البديع .
6- نثر القاضي الفاضل الذي ساد في القرن السادس و يمتاز بالتزام السجع الطويل المنمق و التشبيه و الاستعارة و الغلوّ المفرط في التورية و الجناس و الطباق و مراعاة النظير و التوجيه الذي هو احتمال الكلام وجهين احتمالاً مطلقاً .
هذه خصائص النثر الشرقي أما النثر في الأندلس فلم يكن يختلف عن النثر في المشرق فبعد شيوع طريقةٍ ما في الشرق كانت تشيع تلك الطريقة في الغرب كذلك و في الأندلس بالذات . بل إن كثيراً مِن أدباء الأندلس كانوا يسافرون إلی الشرق للاستفادة مِن أدبائه . فسلّام بن يزيد كان تلميذاً للجاحظ مدة عشرين سنة و كان ابن
زيدون مِن المعجبين بالجاحظ و المقلّدين له . و هكذا بقية الطرق النثرية التي كان آخرها طريقة القاضي الفاضل في الكتابة التي شاعت في الأندلس في القرن السابع الهجري . إنّ أهم خصائص النثر الأندلسي هو أن أكثر ممارسيه كانوا شعراء و كانوا يميّزون بين مواضع النثر و الشعر .
مراحل النثر العربيّ في الأندلس :
1- طور الفطرة و السذاجة و الفصاحة الذي امتدّ مُنذ فتح الأندلس في نهاية القرن الأول حتی بداية القرن الرابع أي مدة قرنين و هو طور يخلو مِن التأنق و التصنّع و كان أقرب إلی الخطابة مِنه إلی الكتابة حيثُ المعاني الواضحة المترتبة كما تترتب في ذهن الخطيب و الألفاظ السهلة و الأسلوب الخإلی مِن الالتواء و التكلّف .
2- طور القوة للكتابة الأندلسية حيثُ امتهن الكتابةَ كتّابٌ محترفون فأجادوا فيها و طوّروها و إن كانوا مقلّدين لكتاب المشرق فيها . فكانت كتابات الجاحظ و ابن العميد و تلاميذهما هي المثل الأعلی لكتّاب الأندلس . هناك وضوح في المعنی و لا إغراق في البديع .
3- طور ضعف الكتابة الأندلسية و مِن ثُمَّ زوالها ، في هذا الطور زاد الاهتمام بالألفاظ علی حساب المعاني فكانت طريقة القاضي الفاضل هي المثل الأعلی و قد تكلّف الكتّاب في التزام التزامات صعبة مِن البديع .






النثر في العهد التركي :
تناول الكتّاب في هذا العصر النثر الفنيّ و النثر العلمي . و كان النثر الفني علی نوعين الكتابة الديوانية و الرسائل الأدبيّة . كانت موضوعات النوعِ الأول الرسائلَ التي تصدر عن " ديوان الإنشاء " و مِن ميزاتها المحافظة علی الألقاب و النماذج المرعيّة و قد طغی عليها الزخرف اللفظي فشوّهها و قضی عليها انتشار اللغة التركية . أما النوع الثاني فكان موضوعها الإخوانيات و قد ذهب برونقها تكلّفُ المُحسنات اللفظية و مِن أصحابها بدر الدين الحلبي و القلقشندي . و لكن النثر العلمي فقد سار أصحابه علی الأسلوب المرسل و أسفّ المتأخرون مِنهم فاقترب إنشاؤهم مِن النثر العامي .
النثر الفني في العصر الحديث :
كان تطور النثر في هذا العهد أكثر اتساعاً و أعمق أثراً مِن تطور الشعر . و قد اجتاز النثر في هذا العهد ثلاثة أطوار : الطور الأول هو طور البعث و اليقظة ، و قد ظل النثر فيه متأثّراً بأسلوب القاضي الفاضل و أسلوب الآنحطاط . و الطور الثاني هو طور المحاولات المحمودة و قد قدّم المعنی علی اللفظ و لكن التحرر لم يكن تاماً و الطور الثالث هو طور النهضة الحقيقية و قد قصرت الكتابة علی المعاني و جری فيها علی أساليب عالمية رفيعة الفن .
أغراض النثر و فنونه : اتّسعت أغراض النثر و فنونه في هذا العهد فتناولت مشكلات الحياة و مظاهرها و نزعاتها المختلفة .
يمكن تقسيم النثر بالنظر إلی أغراضه و فنونه إلی ثلاثة أقسام :
8

1- النثر الأدبيّ : يمتاز بتخير اللفظ و التأنق في نظم العبارات و قد اشتهر فيه الشيخ ناصيف اليازجي و أحمد فارس الشدياق و الشيخ إبراهيم اليازجي و مصطفی المنفلوطي و سليمان البستاني .
2- النثر الاجتماعي : يمتاز بصحة العبارة و البعد عن الزخرف و قد اشتهر فيه المعلم بطرس البستاني و قاسم أمين و جبران خليل جبران و أحمد زغلول .
3- النثر السياسيّ : يمتاز بالسهولة و الوضوح و يعتمد الأدلة الخطابية و التصوير السريع و قد اشتهر فيه أديب إسحاق و مصطفی كامل
أقسام النثر الأدبيّ الحديث :
1 ) المقامة 2) الخطابة 3) القصة 4) التمثيل 5) الصحافة

**د لا ل**
2012-02-11, 14:23
نصوص من النثر الجاهلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنان الذي خلق الانسان وعلمه البيان واعطى العرب افصح لسان وصلى الله على نبيه المجتبى والمصطفي بافصح لسان والمقدم على سائر قحطان وعدنان وبعد فقد لفت نظري وشد انتباهي سؤال أحد الاخوة في هذا الملتقى الكريم المبارك حول النثر الجاهلي وهل هو موجود أم انه معدوم مفقود وها انا بعون الله ذكر نصوصا مما ذكره علماؤنا رحمهم الله مما نقلوه في بطون كتبهم والذي يهمني من الموضوع هو تجريد ذكر ما استطعت الوقوف عليها مجردا دون تصنيفها تحت فن معين فمعلوم أن النثر الجاهلي مقسم الى موضوعات مثل الخطابة والوصايا والامثال والحكم والمحاورات والمفاضالات (المنافرات) وهكذا وبعض العلماء ينقص من ذلك ويدمج بعضه ببعض وهذا كله لا يهمنا ولا يهمنا الا السرد الصرف مع ذكر المرجع المذكور فيه النص والله المستعان وعليه التوكل وبعد فهذا اوان الشروع بالمقصود
النص الاول
وهو عبارة عن محاورة كلامية بين مرة بن حنظلة التميمي وبين أبيه حنظلة وكان مرة من فصحاء العرب وهذا النص انقله بتمامه من كتاب الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية للطوفي الصرصري 311-312 فقال رحمه الله :ومن فصحائهم: مرة بن حنظلة التميمي وحكايته في فصاحته من أظرف ما سُمع ,وذلك أن أباه حنظلة قال له يوما في بعض عتب عليه_ وكان قد عتى عليه وعصى امره, وكان بالرد على ابيه مولعا, وكان أبوه له قاليا_:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/start.gifإنّك لمُرٌ يا مرة.
قال: أعجبتني حلاوتك يا حنظلة.
قال : إنك لخبيث كاسمك.
قال: أخبث مني من سماني.
قال: ما اراك من الناس.
قال أجل , تشبهني بمن ولدني.
قال قد يخرج الله الخبيث من الطيب.
قال : كذلك أنت من أبيك.
قال: قد حرصتُ صلاحك جهدي.
قال ما أوتيتُ إلا من عجزك.
قال: ما هذا باول كفرك النعم.
قال: من أشبه أباه فما ظلم
قال:لأدعون الله عليك, فلعله أن يخزيك.
قال: تدعوا إذن عالما بك.
قال: لا يعلم منى الا خيرا.
قال: مادح نفسه يقرئك السلام
قال :إنك ما علمتُ للئيم.
قال : ما ورثته عن كلالة.
قال: لقد كنت مشؤما على إخوتك إذ أفنيتهم.
قال:ما أكثر عمومتي يا مبارك.
قال:ولد الناس ولدا وولدتُ عدوا.
قال:الاشياء قروض, والقلوب تتجازى, ومن يزرع شوكا لا يحصد عنبا.
قال:أراحنى الله منك.
قال:قد فعل إن أحببت.
قال:وكيف لي بذلك؟.
قال:تخنق نفسك حتى تستريح.
قال:سود اللهٌ وجهَك.
قال: بيّض الله عينيك.
قال: قم من بين يديّ.
قال:على أن تؤمنني لقاك.
قال: لأمسكن من أمرك ما كنتُ مضيعا.
قال: لايحصل في يديك الا الخيبة.
قال:لعن الله أما ولدتك.
قال:إذ لَقِحت منك.
قال:أنت بأمك أشبه.
قال:ما كانت بشرٍّ من أم زوجها.
قال:والله إن قمت إليك لأبطشن بك.
قال: ما تراك أبطش مني.
قال:وإن فعلتُ تفعل؟.
قال:وانت من ذلك في شك؟!
فسكت وتركه http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/end.gif

بسم الله الرحمن الرحيم
النص الثاني
وهو عبارة عن محاورة جرت بين فصيح من فصحاء العرب واسمه ضمرة بن ضمرة النهشلي وبين النعمان بن المنذر وكان يغير على مسالح النعمان وكان يطلبه فلا يظفر به حتى اذا عيل صبره أرسل اليه أن ادخل في طاعتي ولك مائة من الابل فقبلها وأتاه حتى دخل عليه ,فلما نظر اليه ازدراه وكان دميما فقال :{تسمع بالمعيدي خير من ان تراه} فقال له:{مهلا ايها الملك إن الرجال لا يكالون بالصيعان وانما المرء باصغريه قلبه ولسانه ,إن قاتل قاتل بجنان، وإن نطق نطق ببيان.فقال صدقت , وهو ذلك .هل لك علم بالامور وولوج فيها؟ قال: والله إني لابرم منها المسحول وأنقض منها المفتول واجيلها حيث تجول,ثم انظر ما يؤول. وليس للامور بصاحب من لاينظر بالعواقب. فقال :صدقت ,لله درك فاخبرني بالعجز الظاهر والفقر الحاضر والداء العياء والسوأة السوآء . فقال :أما العجز الظاهر فالشاب قليل الحيلة , اللزوم للحليلة, الذي إذا غضبت ترضاها، وإن رضيت تفداها. واما الفقر الحاضر فالمرء لاتشبع نفسه, وإن كان من ذهب حلسه. وأما الداء العياء : فجار السوء ،إن كان فوقك قهرك, وإن كان دونك همرك،وإن اعطيته كفرك,وإن حرمته شتمك. فإن كان ذلك جارك فاخل له دارك، وعجل منه فرارك، وإلا اقم بذل وصغار ،وكن ككلب هرّار. واما السوأة السوآء: فالحليلة الصخابة ، الخفيفة الوثابة ، السليطة السبابة، التي تضحك من غير عجب ،وتغضب من غير غضب, الظاهر غيبها، المحفوف عيبها، فزوجها لا يصلح له حال،ولا ينعم له بال،إن كان غنيا لم ينفعه غناه,وإن كان فقيرا أبدت له قلاه. فأراح الله منها اهلها، ولا متع بها بعلها.} فاعجب النعمان حسن كلامه وحضور جوابه،فاحسن جائزته واحبسه قبله وفي رواية قال له: أنت ضمرة, أي كانت كأبيك . فسمي ضمرة بن ضمرة ،وكان اسمه قبل ذلك شقة بن ضمرة.

الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية ص309 وما بعدها

بسم الله الرحمن الرحيم
النص الثالث
قال الميداني في مجمع الامثال تحت المثل 146(إن العصا قرعت لذي حلم) قيل إن اول من قرعت له العصا عمرو بن مالك بن ضبيعة أخو سعد بن مالك الكناني , وذلك أن سعدا أتي النعمان بن المنذر ومعه خيل قادها واخرى عراها فقيل له: لما عريت هذه وقدت هذه؟ قال: لم أقد هذه لامنعها ولم اعر هذه لاهبها. ثم دخل على النعمان ,فسأله عن ارضه فقال: أما مطرها فغزير, واما نبتها فكثير, فقال له النعمان: إنك لقوال , وإن شئتُ اتيتك بما تعيا عن جوابه,قال : نعم ,فامر وصيفا له أن يلطمه , فلطمه لطمة, فقال ما جواب هذه ؟ قال: سفيه مامور ،قال :الطمه أخرى فلطمه,قال: ما جواب هذه ؟ قال:لو أُخذ بالاولى لم يعد للاخرى,وإنما أراد النعمان أن يتعدى سعد في المنطق فيقتله, قال: الطمه ثالثة,فلطمه, قال:ما جواب هذه ؟ قال رب يؤدب عبده, قال: الطمه أخرى فلطمه، قال فما جواب هذه ؟ قال: ملكت فأسجح, فأرسلها مثلا, قال النعمان:أصبت فامكث عندي, واعجبه ما رأي منه, فمكث عنده ما مكث. ثم إنه بد للنعمان أن يبعث رائدا, فبعث عمرا أخا سعد , فأبطأ عليه ، فأغضبه ذلك فأقسم لئن جاء ذامّا للكلأ أو حامدا له ليقتلنه, فقدم عمرو, وكان سعدعند الملك , فقال سعد: أتأذن لي أن اكلمه ؟ فقال :إذن يقطع لسانك,قال:فأشير إليه؟ قال إذن تقطع يدك , قال:فأقرع له العصا؟ قال ك فاقرعها فتناول سعد عصا جليسه وقرع بعصاه قرعة واحدة, فعرف أنه يقول له : مكانك ثم قرع بالعصا ثلاث قرعات ,ثم رفعها الى السماء ومسح عصاه بالارض , فعرف أنه يقول له: لم اجد جدبا. ثم قرع العصا مرارا ثم رفعها شيئا وأومأ الى الارض , فعرف أنه يقول : ولا نباتا, ثم قرع العصا قرعة وأقبل نحو الملك , فعرف أنه يقول : كلمه , فاقبل عمرو حتى قام بين يدي الملك, فقال له: أخبرني هل حمدت خصبا او ذممت جدبا؟ فقال عمرو : لم أذمم هزلا ,ولم أحمد بقلا الارض مشكلة لاخصبها يعرف , ولا جدبها يوصف , رائدها واقف , ومنكرها عارف ,وآمنها خائف قال الملك : أولى لك
فقال سعد بن مالكيذكر قرع العصا:
قرعت العصا حتى تبين صاحبي ***** ولم تك لولا ذاك في القوم تقرع
فقال:رأيت الارض ليس بممحل ***** ولا سارح فيهاعلى الرعي يشبع
سواء فلا جدب فيعرف جدبها ***** ولا صابها غيث غزير فتمرع
فنجى بها حوباء نفس كريمة ***** وقد كاد لولا ذاك فيهم تقطع


بسم الله الرحمن الرحيم
النص الرابع
كان بباب النعمان بن المنذر , مخالس بن مزاحم الكلبي وقاصر بن سلمة الجذامي , وكان بينهما عدواة فأتى قاصر الى ابن فرتنى -وهو عمرو بن هند أخو النعمان بن منذر_ وقال له: إن مخالسا هجاك وقال في هجائه:
لقد كان من سمّى اباك فرتنى ***** به عارفا بالنعت قبل التجارب

فسماه من عرفانه جرو جيأل ***** خليلة قشع خامل الرجل ساغب
أبا منذر أنى يقود ابن فرتنى ***** كراديس جمهور كثير الكتائب
وما ثبتت في ملتقى الخيل ساعة ***** له قدم عند اهتزاز القواضب

فلما سمع عمرو ذلك أتى النعمان فشكا مخالسا , وأنشده الابيات , فأرسل النعمان الى مخالس, فلما دخل عليه قال : لاأم لك أتهجو امرأ هو ميتا خير منك حيا , وهو سقيما خير منك صحيحا, وهو غائبا خير منك شاهدا, فبحرمة ماء المزن , وحق أبي قابوس لئن لاح لي أن ذلك كان منك لأنزعن غَلْصَمَتك من قفاك ولأطعمنك لحمك, قال مخالس: أبيت اللعن! كلا والذي رفع ذروتك بأعمادها , وأمات حسادك باكمادها ما بُلّغْـتً غير أقاويل الوشاة , ونمائم العصاة, وما هجوت أحدا , ولا أهجو امرأ ذكرت أبدا , وإني اعوذ بجدك الكريم , وعز بيتك القديم ,أن ينالني منك عقاب , أو يفاجئني منك عذاب , قبل الفحص والبيان , عن أساطير أهل البهتان, فدعا النعمان قاصرا فسأله, فقال قاصر: أبيت اللعن ! وحقك لقد هجاه, وما اروانيها سواه, فقال مخالس: لا يأخذنّ ايها الملك منك قول امرئ آفك, ولا توردني سبيل المهالك ,واستدلل على كذبه بقوله:إني ارويتُه مع ما تعرف من عداوته, فعرف النعمان صدقه, فأخرجهما , فلما خرجا قال مخالس لقاصر :شَقِىَ جدك, وسَفَل خدك، وبطل كيدك, ولاح للقوم جرمك, وطاش عني سهمك, ولأنت أضيق جحرا من نقاز, وأقل قرىً من الحامل على الكرّاز.

**د لا ل**
2012-02-11, 15:03
العصبية القبلية في العصر الجاهلي مفهومها ومظاهرها

د. خالد بن عبدالرحمن الجريسي
المصدر: كتاب العصبية القبلية

أولاً: مفهوم العصبية:
1- تعريف العصبية لغة[1] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn1):
العصبية في اللغة: مشتقة من ((العَصْبِ))، وهو: الطَّيُّ والشَّدُّ. وعََصَبَ الشيءَ يَعْصِبُهُ عَصْبًا: طَوَاه ولَوَاه، وقيل: شدَّه. والتَّعَصُّب: المحاماة والمدافعة.

والعََصَبَة: الأقاربُ من جهة الأب، وعَصَبَةُ الرَّجُلِ: أولياؤه الذكورُ من وَرَثَتِه، سُمُّوا عَصَبَةً لأنهم عَصَبُوا بنسبه، أي: أحاطوا به، فالأب طَرَفٌ والابن طرف، والعم جانب والأخ جانب، والجمع: العَصَبَات، والعرب تسمِّي قرابات الرجل: أطرافَهُ، ولمَّا أحاطتْ به هذه القراباتُ وعَصَبَتْ بنسبه، سُمُّوا: عَصَبَةً، وكلُّ شيءٍ استدار بشيء فقد عَصَبَ به.

والعُصْبَة والعِصَابة: الجماعة؛ ومنه قوله تعالى: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يُوسُف: 8]، ومنه حديث: ((اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِه الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ، لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ))[2] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn2).

وعَصِيب: شديد؛ ومنه قوله تعالى: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هُود: 77].

2- العصبية في الاصطلاح:
قال الأزهري في "تهذيب اللغة": ((والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عَصَبته والتألُّبِ معهم، على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين))[3] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn3).
وعرَّفها ابن خلدون بأنها: ((النُّعَرَةُ[4] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn4) على ذوي القربى، وأهلِ الأرحام أن ينالهم ضَيْم، أو تصيبَهم هَلَكة... ومن هذا الباب الولاء والحِلْف، إذ نُعَرَةُ كلِّ أحدٍ على أهل ولائه وحِلْفه))[5] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn5).

وعرَّفها بعضهم بأنها: ((رابطة اجتماعية سيكولوجية (نفسية) شعورية ولا شعورية معًا، تربط أفراد جماعة ما، قائمة على القرابة، ربطًا مستمرًّا، يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد؛ كأفراد أو كجماعة))[6] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn6).

وعرفها آخرون بأنها: التلاحم بالعصب، والالتصاق بالدم، والتكاثر بالنسل، ووفرة العدد، والتفاخر بالغلبة والقوة والتطاول))[7] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn7).
وهناك من الباحثين من فسرها بأنها ((رابطة الدم)) أو ((تكاتف اجتماعي)) أو ((تضامن قبلي)) [8] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn8)، إلى غير ذلك من تعريفات وتفسيرات للعصبية؛ تدور في مجملها حول معنيين رئيسين: ((الاجتماع))، و((النُّصْرة)) ؛ فهما يمثلان صُلب العصبية، ومع أن العلماء والكتّاب قد ذكروا للعصبية تعريفات متنوعة، إلا أنها لا تخرج في مجملها عن هذين المعنيين؛ سواء كان ذلك الاجتماع والتناصر حقًّا أم لا.

ثانيًا: مفهوم القَبَلِيَّة:
هي نسبةٌ إلى القَبِيلَة، ويُنسب إليها أيضًا فيقال: قَبِيلِيَّة، و((القبيلة من الناس: بنو أب واحد. ومعنى القبيلة من ولد إسماعيل: معنى الجماعة؛ يقال لكل جماعة من أب واحد: قبيلة))[9] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn9).
هذا هو المعنى العام للقبيلة، في القديم والحديث.
وإن الناظر في النظام الاجتماعي عند العرب، يدرك أن هذا المفهوم كان واسعًا في الجاهلية، ثم هذّبه الإسلام، فأقرّ بعضه، ونهى عن بعض، وتتمثل سعة النظام الاجتماعي في العهد الجاهلي، في قبوله انضمام أفراد للقبيلة لا ينتمون إلى أبيهم؛ ومن صور ذلك:

1 - المُستعرِبون:
هم ناس دخلوا جزيرة العرب، وخالطوا العرب، فأخذوا لسانهم، وأتقنوه، فصاروا منهم، ولنا في إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر - وقد كانت أَمَة - مثال ناصع، وهو من تشرفت به العرب، جاء إلى مكة صبيًّا، فاستقر بها، وشب، وخالط العرب، وصاهر جُرهُمًا، فصار بينهم كأنه منهم.
وقد أجمعت معاجم العربية على أن لفظ ((العرب المستعرِبة)) يعني: أولئك الذين ليسوا بعرب خُلَّص، وإنما هم من خالطوا العرب، فاستعربوا، فصاروا عربًا[10] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn10).

2 - الحلفاء من داخل جزيرة العرب:
وهم: قوم نزحوا من مكان إلى مكان داخلَ جزيرة العرب، فاستقروا مع قوم من قبيلة غير قبيلتهم، فحالفوهم فصاروا منهم.
ومن هؤلاء من هو معروف القبيلة والنسب، والأمثلة على ذلك عديدة.

منهم على سبيل المثال: حذيفةُ بن اليَمَان العَبْسي، ونسبه معلوم في بني عَبْس، فأصاب أبوه دمًا في قومه، فنزح إلى المدينة، وكان اسمه: حُسَيلاً، وقيل: جَرْوة، فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف اليمانية[11] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn11)، وقد تزوج منهم الرَّباب بنتَ كعبٍ من بني عبد الأشهل، فولدت له حذيفة، وكانا في بني عبد الأشهل: لهما ما لأحدهم، وعليهما ما على أيٍّ منهم.
ومنهم: ياسر بن عامر العَنْسي اليماني، استقر في مكةَ فحالف أبا حذيفة ابن المُغِيرة المخزومي؛ فزوجه أَمَته سُميَّة بنت خيَّاط، وغيرهم كثير.

3 - الموالي:
وهم: من طالهم السَّبْي، إما نتيجة للحروب، أو لسبب آخر.

ومنهم: من يكون من الأحرار فيقع ظلمًا في السَّبْي؛ ليصبح بعدها مملوكًا يُباع ويُشترى! وهذا من الظلم الشديد الذي حذر منه الإسلام؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ))[12] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn12).
وقد كان هذا واقعًا مُعاشًا قبل الإسلام، فأبطله الإسلام، ورفضه رفضًا باتًّا. وفي قصة أبي تميمة الهُجَيمي - الآتية في سياق هذا البحث - أكبر دليل على هذا الواقع المؤلم[13] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn13).

4 - التَّبَنِّي:
كان التبنّي أمرًا واقعًا قبل الإسلام؛ يلجأ إليه الناس: إما لأن أحدهم ظل عقيمًا، أو لأنه رزق إناثًا فحسب، أو لأن أولاده الذكور لا يعيشون، أو لأي سبب آخر. يصير الابن الدخيل بعدها ابنًا منتسبًا لأبيه الذي تبناه، له من الحقوق ما لأبناء الرجل من صُلْبه، وعليه من الواجبات ما عليهم. وقد يكون المتبنى معروف القبيلة والنسب؛ كزيد بن حارثةَ الكلبي رضي الله عنه الذي تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يكون معروف الجهة غيرَ معروف القبيلة والنسب؛ كسالمٍ مولى أبي حذيفة.
ولولا أن الإسلام منع هذه العادة، لأضحى المنتسبون لبعض قبائل العرب الكبرى ممن ليسوا معروفي النسب أعضاءً فيها، دون أن يطالهم نقص في حياتهم الاجتماعية.
ولم يكن من مقاصد الشرع - بمنعه عادة التبني - أن يكرِّس للقَبَلِيَّة البغيضة، وإنما أراد الإسلام بذلك تنظيم حياة الناس على أسس حَقَّة، لا اعوجاجَ فيها.
ولو كان هذا المنع لتكريس القَبَلِيَّة لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ)) [14] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn14) ؛ فجعل صلى الله عليه وسلم الولاء في مرتبة النسب.

تهذيب الإسلام للنظام الاجتماعي الذي كان سائدًا في الجاهلية:
من خلال هذا العرض يتضح أن النظام الاجتماعي في الجاهلية كان أكثر مرونة مما هو عليه الآن، ومع ذلك فقد هذبه الإسلام ليصبح أكثر مرونة.
من أجل ذلك، فإن التعصب النَّسَبي أمر لا مسوِّغ له البتة. ولعل قصة عبدالله بن حُذَافة السَّهْمي - وهو من قريش - خير دليل على بطلان مسألة الاعتداد بالنسب؛ وقد كان من أمره أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((سَلُونِي عَمَّا شِئْتُم))، فقال رجل: مَنْ أبي؟ قال: ((أَبُوكَ حُذَافَةُ))، فقام آخر، فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: ((أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ)). فلما رأى عمرُ ما في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب، قال: يا رسول الله، إنا نتوب إلى الله عز وجل[15] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn15). وقد قالت أم عبدالله ابن حذافة: ((ما سمعت بابن قطُّ أعقَّ منك؛ أأمنتَ أن تكون أمُّك قد قارفَتْ بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية؛ فتفضحَها على أعين الناس؟!))[16] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn16).

فقد برّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّ عبدالله، لكنها مع ذلك وصفت ابنها بالعقوق؛ لِمَا كانت تعرفه عن مجتمع الجاهلية، مما كان يقع فيه الناس من مقارفة الفواحش؛ علمًا أن بعضها كان مباحًا عندهم ولا يُعَدُّ عيبًا في عُرْفهم؛ فقد أخبرت عائشةُ عروةَ رضي الله عنهما: ((أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنِكاحٌ منها نكاحُ الناس اليوم؛ يخطب الرجل إلى الرجل وَلِيَّتَه أو ابنته، فيُصدِقُها، ثم يَنْكِحها، ونكاحٌ آخرُ؛ كان الرجل يقول لامرأته - إذا طَهُرَتْ من طَمْثها -: أرسلي إلى فلانٍ فاستبضِعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يَمَسُّها أبدًا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضِع منه، فإذا تبين حملُها أصابها زوجُها إذا أحبّ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الولد! فكان هذا النكاح نكاحَ الاستبضاع، ونكاحٌ آخرُ؛ يجتمع الرهط ما دون العشَرة، فيدخلون على المرأة، كلُّهم يُصيبها، فإذا حمَلت ووضعت، ومر عليها ليالٍ بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنُك يا فلانُ، تسمِّي من أحبَّتْ باسمه، فيَلْحَقُ به ولدُها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهنّ البغايا، كن يَنْصِبنَ على أبوابهن راياتٍ تكون عَلَمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جُمِعوا لها، ودَعَوْا لهم القافةَ[17] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn17)، ثم ألحقوا ولدها بالذي يَرَوْنَ، فالتاطَ[18] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn18) به، ودُعِي ابنَه، لا يمتنع من ذلك، فلما بُعث محمدٌ صلى الله عليه وسلم، هدم نكاحَ الجاهلية كلَّه، إلا نكاح الناس اليوم))[19] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn19).

فإذا علمنا أن الإسلام هو الذي هدم الأنكحة الباطلة؛ التي كان الناس عليها، علمنا أن الأوعية الاجتماعية - القبائل والأنساب - كان كثير منها مبنيًا على أساس غير صحيح، يدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُخْرِجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ))[20] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn20)، وأن سلامة الأنساب وطهارتها لم تتضح ولم تكتمل إلا بالإسلام والالتزام به، وعلمنا يقينًا أن الافتخار بالأنساب إنما هو دعوى جاهلية محضة.

هذا هو الواقع الأليم الذي كان يعيشه الناس في الجاهلية، فاستنقذهم الإسلام منه؛ وأقام المجتمعات على النحو السليم؛ وبذا يمكن أن نتفهَّم قصد نَهَار بن تَوْسِعة[21] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn21)، حين قال:
أَبِي الإِسْلاَمُ لاَ أَبَ لِي سِوَاهُ إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمِ[22]


فقد تيقن أن القبيلة: هي وعاء اجتماعي لتنظيم التواصل والتعارف بين الناس وحَسْبُ، وليس موضوعًا للافتخار؛ إذ لا فخر لأحد بأوضاع جاهلية قبيحة أبطلها الإسلام، وعادات مستشرية هذبها.
من خلال التعريفات السابقة لـ ((العصبية)) و((القبلية)) يمكن أن نعرِّف ((العصبية القبلية)) بأنها: ((تضامنُ قومٍ تَجْمَعُهم آصرة النسب أو الحلف، مع نصرة بعضهم بعضًا ضِدَّ من يناوئهم؛ ظالمين كانوا أم مظلومين)). وقد سأل واثلةُ ابن الأسقع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن العصبية؟ فقال: ((أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ))[23] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn23).

أنواع العصبيات:
للعصبية أنواع متعددة، وما سبق في تعريفها من أنها تعصُّب ذوي القربى والتحالف، وتضامن أبناء القبيلة؛ إنما هو أصل معناها في اللغة، وهو يعود إلى كلمة عَصَبَة، غير أن معناها قد تُوسِّع فيه بعدُ، فأُطلقت على أنواع أخرى من التعصُّبات؛ بحسب الغرض الذي نشأت لأجله، والسبب الذي اعتمدَتْ عليه، وإن من الصعوبة البالغة، حصر أنواعها، لكن يمكن أن نضرب أمثلة لها بعصبيات: ((الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو المذهب، أو الوطن، أو الحزب، أو القوم، أو الجنسية... وهكذا))، ومنها - لا شك - عصبية النسب، أو العصبية القبلية التي هي مَدار بحثنا هذا.

ثالثًا: مظاهر العصبية القبلية في العصر الجاهلي:
لم يكن العرب في الجاهلية أمة واحدة، ولا شعبًا واحدًا، بل كانوا قبائل وعصائب متفرقة، تحكمها أعراف قبلية متنوعة، وقد كانت العصبية القبلية هي أساس النظام الاجتماعي الجاهلي، الذي شعاره: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا))[24] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn24)، الداعي إلى نصرة المنتسب إلى القبيلة دون اعتبارٍ لكونه مُحِقًّا أو غير محق، وبخاصة " أن مجتمع القبيلة في العصر الجاهلي - بعلاقاته وعاداته وأعرافه - مجتمع يولد فيه العربي، ثم ينشأ متشرِّبًا عاداته وأعرافه التي تُبنى على دعامة أساسية هي النسب، وحينما يفتح الفرد عينيه على ما حوله يجد أن كل امرئ في قبيلته يتغنَّى بانتمائه إليها، ويعتدُّ بأَرُومَته[25] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn25)؛ بدءًا من والده وإخوته، وانتهاءً إلى رهطه وعشيرته، فـ((جنسيته)) هي جنسية القبيلة المنحدر منها، و((هُويَّته)) التي يحملها في حِلِّه وتَرحاله اسمُ قبيلته، ذلك الاسم الذي يميزه عن أفراد القبائل الأخرى، ويعصمه عن أن يتيه بينهم"[26] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn26).

وبما أنّ العصبية القبلية كانت أساسًا للنظام الاجتماعي في العصر الجاهلي، فقد تأصَّلت في نفوس العرب بعامة، والأعراب منهم بخاصة؛ لعيشهم في الصحارى والقِفَار. وتجلّت في كثير من نواحي حياتهم، وقد كان من أهم مظاهرها:

1- الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب:
"كان التفاخر والتعاظم بين أهل الجاهلية سمة اجتماعية سائدة؛ إذ كانت المفاخرة بمآثر الآباء والأجداد، وبالسيادة والريادة، أمرًا شائعًا، حتى إنهم ينطلقون أحيانًا إلى المقابر، فكانوا يشيرون إلى القبر بعد القبر، ويقولون: فيكم مثل فلان، ومثل فلان؟!"[27] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn27)

"ومن أهم مظاهر التزام الفرد بالقبيلة: حرصه الشديد على النسب، والاعتزاز به، فقد كان أقوى صلة تربطه بقومه، وتشدّ أواصر العصبية معهم، فلا غرابة بعد ذلك أن يطمح إلى أن يجعل نسبه في الذروة من الشرف والرفعة، وأن يجعل الأجداد والآباء - الذين ينتمي إليهم - في مقام السادة العظماء. نجد صدى ذلك في قول معاوية بن مالك[28] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn28):
إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ عُصْبَةٍ مَشْهُورَةٍ حَشَدٍ لَهُمْ مَجْدٌ أَشَمُّ تَلِيدُ
أَلْفَوْا أَبَاهُمْ سَيِّدًا وَأَعَانَهُمْ كَرَمٌ وَأَعْمَامٌ لَهُمْ وَجُدُودُ
إِذْ كُلُّ حَيٍّ نَابِتٌ بِأَرُومَةٍ نَبْتَ العِضَاهِ فَمَاجِدٌ وَكَسِيدُ[29]


فالشاعر يؤكِّد انتماءه إلى قومه، الذين يشكلون عُصْبة قوية ملتحمة الأطراف، تشمخ متطاولة بأمجادها نحو السماء، قد رعاها الآباء، والأعمام، والجدود، حتى جعلوها كشجرة وارفة الظلال تنضح عبيرًا فوّاحًا من المجد والسيادة.

وعلى هذه الشاكلة يَنْزِع سلامةُ بن جندل السَّعدي[30] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn30) إلى الفخر بانتسابه إلى قومه، الذين يجمعون إلى شرف المحتد[31] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn31)، شجاعةً في القتال، ورأيًا صائبًا في حل قضايا القبيلة، وإحلال الوفاق والوئام بين أفرادها؛ فيقول:
إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ عُصْبَةٍ سَعْدِيَّةٍ ذَرْبَى الأَْسِنَّةِ[32] كُلَّ يَوْمِ تَلاَقِي
لاَ يَنْظُرُونَ إِذَا الكَتِيبَةُ أَحْجَمَتْ نَظَرَ الْجِمَالِ كُرِبْنَ بِالأَْوْسَاقِ[33]
يَكْفُونَ غَائِبَهُمْ وَيُقْضَى أَمَُْرُهُمْ فِي غَيْرِ نَقْصٍ مِنْهُمُ وَشِقَاقِ
وَالْخَيْلُ تَعْلَمُ مَنْ يَبُلُّ نُحُورَهَا بِدَمٍ كَمَاءِ الْعَنْدَمِ[34] المُهْرَاقِ[35]

إن اعتزاز الإنسان العربي بنسبه جعله يغلو فيه أحيانًا، فلا يرى نسبًا يضاهي نسب قبيلته نُبْلاً وشرفًا، ولا يرضى أن يتطاول أحد من القبائل الأخرى فيدعي لنفسه نسبًا أشرف من نسبه، أو حَسَبًا أشرف أرومة منه، وما الرواية الآتية إلا صورة واضحة لذلك الغلو.

فقد ورد أن بدر بن مَعْشَر - من بني مُدرِكة - وقف في الجاهلية بسوق عكاظ يفخر بنسبه، ويقول:
نَحْنُ بَنُو مُدْرِكَةَ بنِ خِنْدِفِ مَنْ يَطْعَنُوا فِي عَيْنِهِ لم يَطْرِفِ[36]
وَمَنْ يَكُونُوا قَوْمَهُ يُغَطْرِفِ[37] كَأَنَّهُ لُجَّةُ بَحْرٍ مُسْدِفِ[38]

ثم مد رجله، وقال: أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضربها. فلم يطق الأحمر بن مازن الهوازني عنجهيته، وادعاءه رفع نسب قبيلته فوق أنساب القبائل الأخرى، فاستلّ سيفه وضرب رِجْلَه فأَنْدَرها[39] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn39) من الركبة، غير مبالٍ بحرمة الشهر الحرام، وقد كاد الشر أن يستفحل بين قبيلتي الرجلين، لولا أنهم جنحوا إلى الصلح فيما بينهم[40] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn40).

تلك - لا شك - صورة للغلو الشديد في التعصب القبلي، وهي - إنصافًا - الصورة السائدة في العصر الجاهلي. وكانت تلك الحادثة دافعًا حدا بالأحمر الهوازني إلى المزيد من الفخر بنفسه وقبيلته حين صورها في قوله[41] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn41):
إِنِّي وَسَيْفِي حَلِيفَا كُلِّ دَاهِيَةٍ مِنَ الدَّوَاهِي الَّتِي بِالْعَمْدِ أَجْنِيهَا
إِنِّي نَقَمْتُ عَلَيْهِ الْفَخْرَ حِينَ دَعَا جَهْرًا وَأَبْرَزَ عَنْ رِجْلٍ يُعَرِّيهَا
ضَرَبْتُهَا آنِفًا إِذْ مَدَّهَا بَطَرًا وَقُلْتُ: دُونَكَهَا، خُذْهَا بِمَا فِيهَا
لَمَّا رَأَى رِجْلَهُ بَانَتْ بِرُكْبَتِهَا أَوْمَا إِلَى رِجْلِهِ الأُْخْرَى يُفَدِّيهَا[42]

2- الطَّبَقِيَّة:
لقد كان أهل الجاهلية يعاملون الناس حسب منازلهم ودرجاتهم، ويُعمِلون مبدأ عدم التكافؤ بين الناس؛ فقد كان هناك سادة القوم وأشرافهم؛ من أمراء العرب، ورجال الدين، والتجار، ورؤساء العشائر، والشعراء، وغيرهم، وكان هناك من ينتمون إلى الطبقات الدنيا؛ كالفقراء، والصعاليك، والمحتاجين، وأبناء السبيل، وأصحاب الحِرف اليدوية، بالإضافة إلى العبيد وغيرهم، وكانت هناك طبقات وبيوت ترى لنفسها فضلاً على غيرها، وامتيازًا، فتترفع على الناس، ولا تشاركهم في عادات كثيرة، حتى في بعض مناسك الحج.
ولقد أشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى أولئك الذين اختصوا أنفسهم بامتيازات، وترفعوا على الناس، بل على دعوات الرسل - عليهم السلام - وفي السيرة النبوية الكثير من المواقف، والأحداث البارزة، الشاهدة على هذا الواقع الطبقي الجاهلي[43] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn43).

3- الأخذ بالثأر:
لا شك أن معاقبة الجاني والثأر منه أمر جائز، فقتل القاتل مثلاً شيء لا ينكره شرع ولا عقل ولا عرف، إنما المذموم هو قتل غير القاتل بحجة أنه من آل فلان، أو ترك القاتل لأنه ليس كُفْئًا للمقتول، ثم السعي في قتل من هو كفء للمقتول وإن كان بريئًا، وهو ما كان سائدًا في العصر الجاهلي. فقد كان من خُلُق القوم في الجاهلية: الحرص على الأخذ بالثأر على أي حال، واستثارة الهمم للقتال، ليتمثل بذلك اعتزاز العربي بعصبيته، وصون كرامته، والحفاظ على هذه الكرامة إنما هو حفاظ على حيَاته نفسها، وكيانه في مجتمع ينهار فيه كل شيء إذا لم يَذُد فيه عن حياضه، ويركب للشر كل مركب[44] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn44)، ويهون على العربي أمر الحياة، ويستهين بالموت من أجل ثأره، فإذا وجب الثأر دفاعًا عن الحرمات وحفظًا للكرامة، فإن المَنِيّة عند العربي خير من إعطاء الدَّنِيّة. فالأخذ بالثأر إذًا هو معنًى من المعاني التي تعبر عن روح العصبية، وهذا الخلق - على ما فيه من شر - يتصل بكرامة العربي التي تدفعه إلى أن يقتص بنفسه من المعتدين، بيد أنه تنقصه الشريعة التي يدين بها الجميع، ويمتثلون لنصوصها، ويخضعون لوجوه تطبيقها. إلى جانب هذا كان معنى الثأر أيضًا يستتبع ضروبًا من الشجاعة، والرجولة، والاستبسال، جعلت حصونهم ظهور خيلهم، ومِهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجُنَّتهم السيوف، وعُدَّتهم الصبر.

وتتشعب معاني الأخذ بالثأر، وما يتصل به من فكرة دفع الديات، وما يرتبط به أيضًا من قيم وعادات خاصة برفضها أو بقبولها والرضا بها؛ حسمًا للقتال وإقرارًا للسلام، ثم علاقة ذلك كله بمفهموم الكرامة عند العربي، ومعنى الشرف في معجم أخلاقه[45] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn45).

4- الحروب:
إن ((النُّعَرَة)) - وهي الصياح، ومناداة القوم بشعارهم؛ من أجل الاستغاثة بهم، وحثهم على الحرب - هي مظهر أساس من مظاهر العصبية، وحين ينادي أحد قومه؛ فلا بد من إجابته، دون النظر إلى طبيعة موقفه، أو فعله، هل هو ظالم أو مظلوم[46] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn46)، ومن ذلك قول قُرَيْط بن أُنَيْف أحد بني العَنْبَر:
قَوْمٌ إِذَا الشَّرُّ أَبْدى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إِلَيْه زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانا
لاَ يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلَى ما قَالَ بُرْهَانَا[47]

ويمضي العربي بهذه الروح الجَسُور إلى القتال، لا يتردَّد ولا تخور قواه، ولا تصده هيبة الموت عن الإقدام؛ فقد عقد العزم على الحرب، فلا رجعة عنها؛ وهذا أحدهم يقول: ((حتى إذا جاشت نارها، وسُعِّرت لظاها، وكَشَفَت عن ساقها، جعلتُ مَقَادَها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوض خُضَاخِضها[48] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn48)، حتى أنغمسَ في غمرات لُجَجها، وأكون فُلْكًا[49] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn49) لفرساني إلى بُحْبوحة كَبْشها[50] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn50)، فأستمطرها دمًا، وأترك حماتها جَزَرَ السباعِ[51] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn51) وكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَم[52] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn52)))[53] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn53).

ومع ذلك: فإن حياة الجاهليين لم تكن ثأرًا ودماء وحسب، ولم تَحُلْ روحُ العصبية بينهم وبين التمسك ببعض القيم والفضائل التي أقرها الإسلام، وقد صوَّرتها لنا بعض أشعارهم، كما عبر عنها ما نُسِب إليهم من خطابة، بل إن قيم العصبية نفسها لم تكن كلها مما يرفضه الدين، وتنبذه طبيعة الحياة المتحضرة، فإذا كانت هذه العصبية قد دفعت العربي إلى الثأر، والدماء، والاعتداد بالقوة، والرغبة في البطش والعدوان، فقد دفعته في الجانب الآخر إلى ضروب من الشجاعة، والاستبسال، والحفاظ على الكرامة، والاعتزاز بالشرف[54] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn54).

5- مظاهر أخرى:
ما ذكرته آنفًا هو أبرز مظاهر العصبية القبلية في العصر الجاهلي وهناك مظاهر أخرى تتمثل فيما يلي:
أ - التحاكم إلى أهواء مشايخ العشائر والطواغيت والكهان ونحوهم وترك التحاكم إلى طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ب - التنقُّص من قَدْر القبيلة التي لا تسعى إلى الشر، وتكره الظلم كما في تتمة أبيات قُريط بن أنيف[55] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn55) وهي قوله:
لكنَّ قَوْمِي وإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وإِنْ هَانَا
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ومِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا[56]

فقد مدح الشاعر في البيتين الأولين القوم الذين يسرعون جماعات وأفرادًا في نصرة أخيهم عند النائبات والملمات دون أن يطلبوا منه على استغاثته دليلاً وبرهانًا، ثم استدرك واستثنى قومه - على سبيل التنقص لهم - لأنهم لا يفعلون ذلك على الرغم من كثرة عددهم، بل يقابلون الظلم بالصفح والإساءة بالإحسان، فالبيتان ظاهرهما المدح وباطنهما الذم لأنهما استدراك بعد مدح كما ذُكر آنفًا.

ومنه قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلاَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ[57]


وهذا البيت جاء في غرض الهجاء لهذه القبيلة وهو أيضًا ((ذم بما يشبه المدح)) فقوله ((قُبيِّلة)) من تصغير التحقير، والمراد أنها ضعيفة جدًا وفاقدة للقدرة على الغدر أو الظلم.
جـ - التفرق الحسي والمعنوي وعِمِّيَّة الراية وترك الإمارة ورد الصاع صاعين ومنه:
أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا[58]


د - التقليد في الباطل واتباع طريقة الآباء دون تمييز كما وصفهم الله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزّخرُف: 23].

حكم الإسلام في العصبية الجاهلية
لقد بات من المسلّم به أن الشريعة الإسلامية لم تأت لتهدم كل ما كان عليه الناس قبلها، لتؤسس على أنقاضه بناءً جديدًا لاصلة له بفطرة البشر وما تقتضيه سنن الاجتماع، وإنما جاءت لتُحِقّ الحق وتبطل الباطل، ومما لا شك فيه أيضًا أن عادات العرب وتقاليدهم وأخلاقهم ومعاملاتهم في العصر الجاهلي - بمختلف جوانب الحياة - لم تكن سيئة كلها، بل منها ماكان ممدوحًا فأقره الإسلام ونبي الإسلام؛ انطلاقًا من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُِتَمِّمَ صَالِحَ الأَْخْلاَقِ))[59] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn59)، ومنها ما كان مذمومًا فأبطله الإسلام، أو صحّح فهمه، وطريق إعماله، فأصبح بعدها أمرًا محمودًا.

وبما أن العصبية الجاهلية كانت بمثابة الأساس للأعراف القبلية السائدة آنذاك، وكانت في الوقت نفسه من أسباب الفرقة، والتقاتل بين الناس؛ لذا فقد ركز الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، "وحاربها بكل قوة، ودون هوادة، وحذر منها، وسد منافذها؛ لأنه لا بقاء للدين العالمي، ولا بقاء للأمة الواحدة مع هذه العصبيات، ومصادر الشريعة الإسلامية زاخرة بإنكارها، وتشنيعها، وما أكثر النصوص في ذلك"[60] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn60).

ويمكن تلخيص حكم الإسلام في العصبية الجاهلية في الأمور الآتية:
1- إلغاء العصبية الجاهلية، والتحذير منها؛ ويتجلى ذلك في كثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ)) [61] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn61)، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ومَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ[62] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn62)؛ يَغْضبُ لعَصَبَةٍ، أو يَدْعُو إلَى عَصَبَةٍ، أو يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ؛ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ))[63] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn63).

2- تقرير المساواة بين الناس، وعدم الاعتراف بالامتيازات الطبقية، أو النفوذ الموروث؛ فأساس التفاضل: التقوى والعمل الصالح؛ قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...} الآية [الحُجرَات: 13]، وعن أبي نَضْرة قال: حدثني من سمع خُطْبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق؛ فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلاّ بِالتَّقْوَى)) [64] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn64)، وعن عائشةَ رضي الله عنها أن قريشًا أهمَّهم شأنُ المرأة المخزومية التي سرقَتْ، فقالوا: من يكلّم فيها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامةُ، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلّمه أسامةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟))، ثم قام فاختطب، فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)) [65] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn65).

3- إلغاء كل مظاهر العبودية لغير الله؛ من نحو تقديس الأعراف القبلية، والانسياق معها باطلاً دون تبصُّر، إلا لمجرد الهوى واجتماع الناس عليها، ومِنْ ثَمَّ إثبات العبودية لله وحده؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذّاريَات: 56].

4- النهي عن الطعن في الأنساب، وعن التفاخر؛ والتعاظم بالآباء، والأجداد، والمآثر، والأمجاد؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى َلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، ولا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))[66] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn66).

ومن أعظم صور التواضع في الإسلام: أن جبريل عليه السلام جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى السماء، فإذا مَلَك ينزل، فقال جبريل عليه السلام: إن هذا الملك ما نزل منذ يومِ خُلِقَ قبل الساعةِ، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلَني إليك ربُّك: أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يجعلك، أو عبدًا رسولاً؟ قال جبريل عليه السلام: تواضعْ لربك يا محمّد، قال: ((بَلْ عَبْدًا رَسُولاً)) [67] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftn67).
ـــــــــــــــــــــــ
[1] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref1) انظر: مادة (ع ص ب) في "تهذيب اللغة" للأزهري (45-51)، و"الصحاح" للجوهري (1/182-183)، و"لسان العرب" لابن منظور (4/2964-2966)، و"القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص 148)، و"موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم" للتهانوي (946).
[2] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref2) جزء من حديث أخرجه مسلم (1763)، من حديث عمر رضي الله عنه.
[3] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref3) "تهذيب اللغة" للأزهري (2453 ع ص ب).
[4] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref4) النُّعَرَةُ: بضم النون، وفتح العين؛ كـ«هُمَزَة»، والعامَّة تقول: النَّعْرَة على وزن التَّمْرَة. انظر: "تاج العروس" للزبيدي (7/543 ن ع ر).
[5] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref5) "مقدمة ابن خلدون" (ص235).
[6] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref6) "فكر ابن خلدون، العصبية والدولة" لمحمد عابد الجابري (ص168).
[7] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref7) "خُلُق ودين (دراسات اجتماعية أخلاقية)" لإبراهيم سلامة (ص81).
[8] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref8) "فلسفة التاريخ عند ابن خلدون" لزينب الخضيري (ص179- 182).
[9] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref9) "لسان العرب" لابن منظور (5/3519 ق ب ل).
[10] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref10) المرجع السابق (4/ 2863 ع ر ب)، وانظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (1/121).
[11] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref11) انظر: "تهذيب الكمال" للحافظ المِزِّيّ (5/495).
[12] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref12) أخرجه البخاري (2227)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[13] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref13) انظر ما سيأتي (ص89-90).
[14] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref14) رواه الشافعي في "المسند" (ص456)، وابن حبان (4950)، والبيهقي (10/293)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
[15] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref15) متفق عليه، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أخرجه البخاري (92)، ومسلم (2360).
[16] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref16) أخرجه مسلم (2359)، من حديث أنس رضي الله عنه.
[17] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref17) القافة: جمع قائف، وهو الذي ينظر إلى شبه الولد بأبيه. انظر: "لسان العرب" (5/3776 ق و ف).
[18] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref18) التاط: التاط ولدًا، واستلاطه: استلحقه، أي: بنسبه. انظر: "لسان العرب" (5/4098 ل و ط).
[19] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref19) أخرجه البخاري (5127). وانظر في شرح الحديث: «فتح الباري» للحافظ ابن حجر (9/184-186).
[20] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref20) أخرجه عبدالرزاق في "المصنف" (13273)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (32173) من حديث جعفر الصادق عن أبيه رفعه.
[21] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref21) شاعر فارس، من بكر بن وائل، عاش في العصر الأموي، في عهد هشام بن عبدالملك، من سكان خراسان، له ترجمة في "تاريخ دمشق" لابن عساكر (62/314).
[22] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref22) انظر: "الكتاب" لسيبويه (2/282).
[23] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref23) أخرجه أبو داود (5119)، والطبراني في "الكبير" (236).
[24] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref24) وقد قيل: إن أول من قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» هو جُنْدُب بن العنبر، وقد عنى بها ظاهرها، وهو: ما اعتيد من حمية الجاهلية. كما في: "فيض القدير" للمناوي (3/59). لكنَّ الإسلام هذَّب هذا المبدأ الجاهلي فيما بعد؛ ففي "صحيح البخاري" (2444) من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله، هذا نَنْصُرُهُ مظلومًا، فكيف نَنْصُرُهُ ظالمًا؟ قال: «تأخُذُ فوقَ يَدَيْهِ».
[25] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref25) الأَرُومة: أصل كل شجرة، وأصلُ الحَسَب: أَرومة، وكذلك أصلُ كل شيء ومجتمَعُه. انظر: "معجم المقاييس" لابن فارس (1/49-50 أرم).
[26] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref26) "الخفجي" مجلة شهرية، العدد 12، ذو القعدة 1413هـ - يونيو 1993م، الشاعر والقبيلة، د. عبدالغني زيتوني (ص20).
[27] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref27) "الإسلام والعروبة" لمجدي رياض (ص98).
[28] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref28) هو: ابن مالك بن جعفر بن كلاب، شاعر جاهلي، لقبه: معوِّد الحكماء. انظر: "نزهة الألباب في الألقاب" لابن حجر (2/187).
[29] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref29) "المفضليات" للمفضل الضبِّي (ص355).
[30] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref30) شاعر جاهلي من بني تميم، من الفرسان، ومن وُصَّاف الخيل. انظر: "الأعلام" للزركلي (3/106).
[31] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref31) المَحْتِد: الأصل. انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي، (ص352 ح ت د).
[32] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref32) ذَرِب الشيءُ ذَرْبًا، أي: صار حديدًا ماضيًا. انظر: "المصباح المنير" للفيومي (ص79 ذرب).
[33] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref33) الأوساق: جمع وَسْقٍ، وهو ستون صاعًا، وقال الخليل بن أحمد: الوَسْق: حِمْل البعير، والوِقْر: حمل البغل والحمار. انظر: "مختار الصحاح" للرَّازي (ص619- و س ق). فالأوساق: الأحمال الثقيلة، والمقصود هنا: تجشُّم قومِه تحمّلَ مشاقِّ الحرب وويلاتِها دون سائر الأقوام.
[34] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref34) العندم: شجر أحمر، «دم الأخوين» انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص1473/عندم)
[35] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref35) "ديوان سلامة بن جندل" صنعة: محمد بن الحسن الأحول، (ص151- 152).
[36] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref36) لم يطرف: أي مات، وهو كقولهم: «ما بَقِيَتْ منهم عين تَطْرِف». انظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (ص1075 ط رف)
[37] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref37) يُغطرف: يمشي مختالاً فخورًا. انظر: القاموس المحيط (ص 1088 غ ط ر ف).
[38] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref38) مسدف: مظلم. انظر: القاموس المحيط (ص 1058 س د ف)
[39] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref39) فأَنْدَرَها: ندر الشيءُ، سقط وشذّ. والمقصود: فقطعها برُكْبتها. انظر: "مختار الصحاح" للرَّازي (561 ن د ر).
[40] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref40) "العقد الفريد" لابن عبد ربه، (6/87 - 88).
[41] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref41) "المؤتلف والمختلف" للآمدي، (ص42).
[42] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref42) انظر: "مجلة الخفجي" الشاعر والقبيلة، (ص20 - 21).
[43] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref43) انظر: "الإسلام والعروبة" لمجدي رياض (ص96 - 97).
[44] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref44) "القيم الخُلُقية في الخطابة العربية" لسعيد حسين منصور (ص24).
[45] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref45) انظر: "القيم الخلقية في الخطابة العربية" لسعيد حسين منصور (ص24 - 26).
[46] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref46) انظر: "الإسلام والعروبة" لمجدي رياض، (ص94).
[47] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref47) البيتان في "خزانة الأدب" للبغدادي (7/413-414)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (1/296).
[48] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref48) خُضَاخِضها، بالضم: الكثير الماء والشجر من الأمكنة. "القاموس المحيط" (ص827 خ ض ض).
[49] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref49) فُلْكًا: سفينة. "القاموس المحيط" (ص1228 ف ل ك).
[50] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref50) كبشها: كبش القوم: سيدهم، وقائدهم. "القاموس المحيط" (ص778 ك ب ش).
[51] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref51) جَزَر السباع: قِطَعًا لها. "القاموس المحيط" (ص465 ج ز ر).
[52] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref52) القشعم من النسور: المُسِنّ، الضخم. "القاموس المحيط" (ص1484 ق ش ع م).
[53] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref53) "جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب" للسيد أحمد الهاشمي (1/231).
[54] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref54) انظر: "القيم الخُلُقُية في الخطابة العربية"، لسعيد حسين منصور، (ص25، 33).
[55] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref55) انظر: (ص39).
[56] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref56) البيتان في "خزانة الأدب" للبغدادي (7/413-414)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (1/296).
[57] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref57) انظر: "جمهرة الأمثال" للعسكري (1/81).
[58] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref58) البيت لعمرو بن كلثوم بن مالك، من بني تغلب (39 ق.هـ). انظر: "خزانة الأدب" لابن حجَّة الحموي (1/64، 423، 252).
[59] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref59) أخرجه أحمد (8939)، والبخاري في "الأدب المفرد" (273)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (45).
[60] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref60) "رِدَّة ولا أبا بكر لها" لأبي الحسن الندوي (ص12).
[61] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref61) أخرجه أبو داود (5121)، من حديث جبير بن مُطعِم رضي الله عنه.
[62] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref62) عِمِّيَّة، أي: في الأمر الأعمى للعصبية، فلا يستبين المقاتلُ ما وجه الأمرِ الذي عليه يقاتِل. انظر: "لسان العرب" (4/3115 ع م ي).
[63] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref63) جزء من حديث أخرجه مسلم (1848)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[64] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref64) سبق تخريجه (ص7)، هامش (1).
[65] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref65) متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688).
[66] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref66) أخرجه مسلم (2865)، من حديث عِيَاض بن حِمَارٍ المجاشعي رضي الله عنه.
[67] (http://www.asabia.com/Articles/ArticleDetails.aspx?CategoryID=2&ArticleID=48#_ftnref67) أخرجه أحمد (7160)، والبزار في "كشف الأستار" (2462)، وأبو يعلى في "مسنده" (6105)، وابن حبان (2137)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

**د لا ل**
2012-02-11, 15:08
يمكن الحديث عن "النثر الجاهلي" إلاّ بطريقة استرجاعية تخترق حاجزين أساسيين يفصلان "العصر الجاهلي" عن العصور اللاحقة في تاريخ الثقافة العربية-الإسلامية،
أولهما: القرآن والممارسة النبوية، ومن ثمّ الصورة التي ركبّت لذلك العصر من خلالهما.
والثاني: التدوين المتأخر عن تلك الحقبة الذي استدعى "بعض المظاهر الثقافية" لذلك العصر، وتحديداً المظاهر التي تمكنت من اختراق الحاجز الأول، لأنها تطابقت في رؤيتها معه.
ومهما حفرت الدراسات المتخصصة في العصر الجاهلي عامة، وفي آدابه خاصة، سعياً وراء العثور على "حقيقة موضوعية" لذلك العصر، فإنها ستواجه بالحاجزين اللذين أشرنا إليهما. ذلك إن "الشؤون الجاهلية" في معظمها، أعيد تشكيلها في ضوء معايير الرؤية الدينية، وإكراهات عصر التدوين بملابساته الثقافية والسياسية والاجتماعية وبمنظوره المغاير لما كانت عليه الطبيعة الثقافية للحقبة الجاهلية. وإذا خُصص الحديث في "النثر الجاهلي" فالأمر يزداد التباساً وغموضاً بسبب التدخل اللانهائي بين النص القرآني بوصفه نثراً وضروب النثر الأخرى التى عُرفت آنذاك من جهة، وبين الرسول بوصفه نبيّاً ومحدّثاً وخطيباً وطائفة كبرى من المتنبئين والمحدّثين والخطباء. ويزداد ذلك التداخل إذا أخذنا في الاعتبار شيوع الروح الديني والتنبؤي والأدب النثري كما يدل عليه القرآن والحديث والشذرات المتناثرة التي وصلت إلينا من النثر المنسوب إلى تلك الحقبة. يضاف إلى كل ذلك، إستراتيجية الإقصاء والاستحواذ المزدوجة التي مارسها الخطاب الديني تجاه مظاهر التعبير النثري المعاصرة له، أو تلك التي سبقته. ففي عصر شفاهي مثل العصر الجاهلي تزداد احتمالات التداخل بين الخطابات الشفاهية، وتذوب في بعضها، ويعاد أحياناً إنتاجها في صور مختلفة في ضوء مقتضيات الرواية الشفهية وحاجات التلقي وأيدلوجيا العصر الذي تظهر فيه المرويات أو تعاد فيه روايتها، وإجمالاً فان الثقافات الشفاهية لم توفر ظروفاً تساعد على حماية نصوصها الأدبية، وهي في واقع الحال لا تستطيع ذلك لأن تلك النصوص رهينة التداول الشفاهي الذي يتعرّض لإكراهات وانزياحات واقصاءات كثيرة. وغالباً ماتدمج الشذرات والنبذ المتبقية من نصوص متماثلة في الموضوع والأسلوب فتظهر من تلك الأمشاج نصوص جديدة تسهل نسبتها إلى هذا أو ذاك، وتخضع لروح العصر الذي تعرف فيه، ويظهر الراوي بوصفه وسيطاً بين جملة من النصوص ومتلقيها، وعموماً فالنصوص القديمة، بما فيها الدينّية تمنح الوسيط(= الراوي) مكانة مهمة، فهو يوصل بين قطبين: مصدر النص وغالباً ما يكون مجهولاً، وفي النصوص الدينية إلهياً، ومتلقيه. وهذا الملتقي يكون جمهوراً قبلياً أو طائفة دينية أو نخبة في مجلس أو فرداًَ مخصوصاً. وقوة التواصل بين الوسيط والمتلقي هي التي تٌكتسب - في الثقافات الشفاهية - المرويات الشفوية دلالاتها وأهميتها ووظائفها. وعلى أية حال فالصورة التى ركبّها القرآن والرسول للعصر الجاهلي تقتضي وقفة نستكشف من خلالها المنظور القرآني للأدب والنثر السردي بخاصة، وطبيعة الممارسات التى عزّز بها الرسول ماهية ذلك المنظور الديني.
(http://www.maraya.net/Memo/Sirat/intro_21/intro21_2.html)

**د لا ل**
2012-02-11, 15:12
المعلقاات الشعرية

تحتل المعلقات المقام الاول بين قصائد الجاهلية .
هي قصائد طوال من اجود ما وصل الينا من الشعر الجاهلي . وقد زعم ابن عبد ربه وابن رشيق وابن خلدون انها سبع قصائد ، فكتبت‏بماء الذهب وعلقت على استار الكعبة ، سميت‏ب: المعلقات تارة والمذهبات تارة اخرى ، وسميت‏بالسبع الطوال ثالثة وايضا بالسموط .
وقد ذهب الرواة الى ان اول قصيدة نالت اعجاب المحكمين في سوق عكاظ هي معلقة امرئ القيس .
اهم شعراء المعلقات:

ونحدث عن:
1- امرؤ القيس الكندي: لقب بالملك الضليل ، لقب ذكر في نهج البلاغة ، توفي سنة 540م .
2- طرفة بن العبد البكري: كان اقصرهم عمرا ، اشتهر بالغزل والهجاء ، توفي سنة 569م .
3- الحارث بن حلزة اليشكري: اشتهر بالفخر ، واطول الشعراء عمرا ، توفي سنة 580م .
4- عمرو بن كلثوم: كان مشهورا بالفخر ، امه ليلى بنت المهلهل ، توفي سنة 600م .
5- علقمة الفحل: كان شاعرا بدويا ، توفي سنة 603م .
6- النابغة الذبياني: زعيم الشعراء في سوق عكاظ ، توفي سنة 604م . 7- عنترة بن شداد العبسي: اشتهر بانه احد فرسان العرب ، واكثر شعره بالغزل والحماسة ، توفي سنة 615م .
8- زهير بن ابي سلمى: كان اعفهم قولا ، واكثرهم حكمة ، ابنه كعب بن زهير من شعراء صدر الاسلام ، توفي زهير سنة 627م .
9- الاعشى الاكبر (اعشى القيس)، اراد ان يلتحق بالاسلام فخدعه قومه حيث قالوا له: نعطيك مائة ناقة لكي تؤجل اسلامك الى السنة القادمة ، فوافق ، وبعد ستة اشهر توفي اي مات كافرا وذلك سنة 629م .
10- لبيد بن ربيعة العامري: الوحيد الذي اسلم ، وقال الشعر في العهد الجاهلي والاسلامي .

**د لا ل**
2012-02-11, 15:15
بحث عن المعلّقات
التعريف المختصر الكامل للمعلقات من كافة الجوانب
كان فيما اُثر من أشعار العرب ، ونقل إلينا من تراثهم الأدبي الحافل بضع قصائد من مطوّلات الشعر العربي ، وكانت من أدقّه معنى ، وأبعده خيالاً ، وأبرعه وزناً ، وأصدقه تصويراً للحياة ، التي كان يعيشها العرب في عصرهم قبل الإسلام ، ولهذا كلّه ولغيره عدّها النقّاد والرواة قديماً قمّة الشعر العربي وقد سمّيت بالمطوّلات ، وأمّا تسميتها المشهورة فهي المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80). نتناول نبذةً عنها وعن أصحابها وبعض الأوجه الفنّية فيها :
فالمعلّقات لغةً من العِلْق : وهو المال الذي يكرم عليك ، تضنّ به ، تقول : هذا عِلْقُ مضنَّة . وما عليه علقةٌ إذا لم يكن عليه ثياب فيها خير1 ، والعِلْقُ هو النفيس من كلّ شيء ، وفي حديث حذيفة : «فما بال هؤلاء الّذين يسرقون أعلاقنا» أي نفائس أموالنا2 . والعَلَق هو كلّ ما عُلِّق3 .
وأمّا المعنى الاصطلاحي فالمعلّقات : قصائد جاهليّة بلغ عددها السبع أو العشر ـ على قول ـ برزت فيها خصائص الشعر الجاهلي بوضوح ، حتّى عدّت أفضل ما بلغنا عن الجاهليّين من آثار أدبية4 .
والناظر إلى المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد العلاقة واضحة بينهما ، فهي قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة ، بلغت الذّروة في اللغة ، وفي الخيال والفكر ، وفي الموسيقى وفي نضج التجربة ، وأصالة التعبير ، ولم يصل الشعر العربي الى ما وصل إليه في عصر المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)من غزل امرئ القيس ، وحماس المهلهل ، وفخر ابن كلثوم ، إلاّ بعد أن مرّ بأدوار ومراحل إعداد وتكوين طويلة .
وفي سبب تسميتها بالمعلّقات هناك أقوال منها :
لأنّهم استحسنوها وكتبوها بماء الذهب وعلّقوها على الكعبة ، وهذا ما ذهب إليه ابن عبد ربّه في العقد الفريد ، وابن رشيق وابن خلدون وغيرهم ، يقول صاحب العقد الفريد : «وقد بلغ من كلف العرب به (أي الشعر) وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم ، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة ، وعلّقتها بين أستار الكعبة ، فمنه يقال : مذهّبة امرئ القيس ، ومذهّبة زهير ، والمذهّبات سبع ، وقد يقال : المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)، قال بعض المحدّثين قصيدة له ويشبّهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت :
برزةٌ تذكَرُ في الحسـ ـنِ من الشعر المعلّقْ
كلّ حرف نادر منـ ـها له وجهٌ معشّق5
أو لأنّ المراد منها المسمّطات والمقلّدات ، فإنّ من جاء بعدهم من الشعراء قلّدهم في طريقتهم ، وهو رأي الدكتور شوقي ضيف وبعض آخر6 . أو أن الملك إذا ما استحسنها أمر بتعليقها في خزانته .
هل علّقت على الكعبة؟
سؤال طالما دار حوله الجدل والبحث ، فبعض يثبت التعليق لهذه القصائد على ستار الكعبة ، ويدافع عنه ، بل ويسخّف أقوال معارضيه ، وبعض آخر ينكر الإثبات ، ويفنّد أدلّته ، فيما توقف آخرون فلم تقنعهم أدلّة الإثبات ولا أدلّة النفي ، ولم يعطوا رأياً في ذلك .
المثبتون للتعليق وأدلّتهم :
لقد وقف المثبتون موقفاً قويّاً ودافعوا بشكل أو بآخر عن موقفهم في صحّة التعليق ، فكتبُ التاريخ حفلت بنصوص عديدة تؤيّد صحّة التعليق ، ففي العقد الفريد7 ذهب ابن عبد ربّه ومثله ابن رشيق والسيوطي8وياقوت الحموي9وابن الكلبي10وابن خلدون11 ، وغيرهم إلى أنّ المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)سمّيت بذلك; لأنّها كتبت في القباطي بماء الذهب وعلّقت على أستار الكعبة ، وذكر ابن الكلبي : أنّ أوّل ما علّق هو شعر امرئ القيس على ركن من أركان الكعبة أيّام الموسم حتّى نظر إليه ثمّ اُحدر ، فعلّقت الشعراء ذلك بعده .
وأمّا الاُدباء المحدّثون فكان لهم دور في إثبات التعليق ، وعلى سبيل المثال نذكر منهم جرجي زيدان حيث يقول :
«وإنّما استأنف إنكار ذلك بعض المستشرقين من الإفرنج ، ووافقهم بعض كتّابنا رغبة في الجديد من كلّ شيء ، وأيّ غرابة في تعليقها وتعظيمها بعدما علمنا من تأثير الشعر في نفوس العرب؟! وأمّا الحجّة التي أراد النحّاس أن يضعّف بها القول فغير وجيهة; لأنّه قال : إنّ حمّاداً لمّا رأى زهد الناس في الشعر جمع هذه السبع وحضّهم عليها وقال لهم : هذه هي المشهورات»12 ، وبعد ذلك أيّد كلامه ومذهبه في صحّة التعليق بما ذكره ابن الأنباري إذ يقول : «وهو ـ أي حمّاد ـ الذي جمع السبع الطوال ، هكذا ذكره أبو جعفر النحاس ، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنّها كانت معلّقة على الكعبة»13 .
وقد استفاد جرجي زيدان من عبارة ابن الأنباري : «ما ذكره الناس» ، فهو أي ابن الأنباري يتعجّب من مخالفة النحاس لما ذكره الناس ، وهم الأكثرية من أنّها علقت في الكعبة .
النافون للتعليق :
ولعلّ أوّلهم والذي يعدُّ المؤسّس لهذا المذهب ـ كما ذكرنا ـ هو أبو جعفر النحّاس ، حيث ذكر أنّ حمّاداً الراوية هو الذي جمع السبع الطوال ، ولم يثبت من أنّها كانت معلّقة على الكعبة ، نقل ذلك عنه ابن الأنباري14 . فكانت هذه الفكرة أساساً لنفي التعليق :
كارل بروكلمان حيث ذكر أنّها من جمع حمّاد ، وقد سمّاها بالسموط والمعلّقات للدلالة على نفاسة ما اختاره ، ورفض القول : إنّها سمّيت بالمعلّقات لتعليقها على الكعبة ، لأن هذا التعليل إنّما نشأ من التفسير الظاهر للتسمية وليس سبباً لها ، وهو ما يذهب إليه نولدكه15.
وعلى هذا سار الدكتور شوقي ضيف مضيفاً إليه أنّه لا يوجد لدينا دليل مادّي على أنّ الجاهليين اتّخذوا الكتابة وسيلة لحفظ أشعارهم ، فالعربية كانت لغة مسموعة لا مكتوبة . ألا ترى شاعرهم حيث يقول :
فلأهدينّ مع الرياح قصيدة منّي مغلغلة إلى القعقاعِ
ترد المياه فما تزال غريبةً في القوم بين تمثّل وسماعِ؟16
ودليله الآخر على نفي التعليق هو أنّ القرآن الكريم ـ على قداسته ـ لم يجمع في مصحف واحد إلاّ بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) (طبعاً هذا على مذهبه) ، وكذلك الحديث الشريف . لم يدوّن إلاّ بعد مرور فترة طويلة من الزمان (لأسباب لا تخفى على من سبر كتب التأريخ وأهمّها نهي الخليفة الثاني عن تدوينه) ومن باب أولى ألاّ تكتب القصائد السبع ولا تعلّق17 .
وممّن ردّ الفكرة ـ فكرة التعليق ـ الشيخ مصطفى صادق الرافعي ، وذهب إلى أنّها من الأخبار الموضوعة التي خفي أصلها حتّى وثق بها المتأخّرون18 .
ومنهم الدكتور جواد علي ، فقد رفض فكرة التعليق لاُمور منها :
1 ـ أنّه حينما أمر النبي بتحطيم الأصنام والأوثان التي في الكعبة وطمس الصور ، لم يذكر وجود معلقة أو جزء معلّقة أو بيت شعر فيها .
2 ـ عدم وجود خبر يشير إلى تعليقها على الكعبة حينما أعادوا بناءَها من جديد .
3 ـ لم يشر أحد من أهل الأخبار الّذين ذكروا الحريق الذي أصاب مكّة ، والّذي أدّى إلى إعادة بنائها لم يشيروا إلى احتراق المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)في هذا الحريق .
4 ـ عدم وجود من ذكر المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)من حملة الشعر من الصحابة والتابعين ولا غيرهم .
ولهذا كلّه لم يستبعد الدكتور جواد علي أن تكون المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)من صنع حمّاد19 ، هذا عمدة ما ذكره المانعون للتعليق .
بعد استعراضنا لأدلة الفريقين ، اتّضح أنّ عمدة دليل النافين هو ما ذكره ابن النحاس حيث ادعى انّ حماداً هو الذي جمع السبع الطوال .
وجواب ذلك أن جمع حماد لها ليس دليلا على عدم وجودها سابقاً ، وإلاّ انسحب الكلام على الدواوين التي جمعها أبو عمرو بن العلاء والمفضّل وغيرهما ، ولا أحد يقول في دواوينهم ما قيل في المعلقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80). ثم إنّ حماداً لم يكن السبّاق الى جمعها فقد عاش في العصر العباسي ، والتاريخ ينقل لنا عن عبد الملك أنَّه عُني بجمع هذه القصائد (المعلقات) وطرح شعراء أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة20 .
وأيضاً قول الفرزدق يدلنا على وجود صحف مكتوبة في الجاهلية :
أوصى عشية حين فارق رهطه عند الشهادة في الصحيفة دعفلُ
أنّ ابن ضبّة كان خيرٌ والداً وأتمّ في حسب الكرام وأفضلُ
كما عدّد الفرزدق في هذه القصيدة اسماء شعراء الجاهلية ، ويفهم من بعض الأبيات أنّه كانت بين يديه مجموعات شعرية لشعراء جاهليين أو نسخ من دواوينهم بدليل قوله :
والجعفري وكان بشرٌ قبله لي من قصائده الكتاب المجملُ
وبعد ابيات يقول :
دفعوا إليَّ كتابهنّ وصيّةً فورثتهنّ كأنّهنّ الجندلُ21
كما روي أن النابغة وغيره من الشعراء كانوا يكتبون قصائدهم ويرسلونها الى بلاد المناذرة معتذرين عاتبين ، وقد دفن النعمان تلك الأشعار في قصره الأبيض ، حتّى كان من أمر المختار بن أبي عبيد واخراجه لها بعد أن قيل له : إنّ تحت القصر كنزاً22 .
كما أن هناك شواهد أخرى تؤيّد أن التعليق على الكعبة وغيرها ـ كالخزائن والسقوف والجدران لأجل محدود أو غير محدود ـ كان أمراً مألوفاً عند العرب ، فالتاريخ ينقل لنا أنّ كتاباً كتبه أبو قيس بن عبدمناف بن زهرة في حلف خزاعة لعبد المطّلب ، وعلّق هذا الكتاب على الكعبة23 . كما أنّ ابن هشام يذكر أنّ قريشاً كتبت صحيفة عندما اجتمعت على بني هاشم وبني المطّلب وعلّقوها في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم24 .
ويؤيّد ذلك أيضاً ما رواه البغدادي في خزائنه25 من قول معاوية : قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حِلزه من مفاخر العرب كانتا معلّقتين بالكعبة دهراً26 .
هذا من جملة النقل ، كما أنّه ليس هناك مانع عقلي أو فنّي من أن العرب قد علّقوا أشعاراً هي أنفس ما لديهم ، وأسمى ما وصلت إليه لغتهم; وهي لغة الفصاحة والبلاغة والشعر والأدب ، ولم تصل العربية في زمان إلى مستوى كما وصلت إليه في عصرهم . ومن جهة اُخرى كان للشاعر المقام السامي عند العرب الجاهليين فهو الناطق الرسمي باسم القبيلة وهو لسانها والمقدّم فيها ، وبهم وبشعرهم تفتخر القبائل ، ووجود شاعر مفلّق في قبيلة يعدُّ مدعاة لعزّها وتميّزها بين القبائل ، ولا تعجب من حمّاد حينما يضمّ قصيدة الحارث بن حلزّة إلى مجموعته ، إذ إنّ حمّاداً كان مولى لقبيلة بكر بن وائل ، وقصيدة الحارث تشيد بمجد بكر سادة حمّاد27 ، وذلك لأنّ حمّاداً يعرف قيمة القصيدة وما يلازمها لرفعة من قيلت فيه بين القبائل .
فإذا كان للشعر تلك القيمة العالية ، وإذا كان للشاعر تلك المنزلة السامية في نفوس العرب ، فما المانع من أن تعلّق قصائد هي عصارة ما قيل في تلك الفترة الذهبية للشعر؟
ثمّ إنّه ذكرنا فيما تقدّم أنّ عدداً لا يستهان به من المؤرّخين والمحقّقين قد اتفقوا على التعليق .
فقبول فكرة التعليق قد يكون مقبولا ، وأنّ المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)لنفاستها قد علّقت على الكعبة بعدما قرئت على لجنة التحكيم السنوية ، التي تتّخذ من عكاظ محلاً لها ، فهناك يأتي الشعراء بما جادت به قريحتهم خلال سنة ، ويقرأونها أمام الملإ ولجنة التحكيم التي عدُّوا منها النابغة الذبياني ليعطوا رأيهم في القصيدة ، فإذا لاقت قبولهم واستحسانهم طارت في الآفاق ، وتناقلتها الألسن ، وعلّقت على جدران الكعبة أقدس مكان عند العرب ، وإن لم يستجيدوها خمل ذكرها ، وخفي بريقها ، حتّى ينساها الناس وكأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً .
موضوع شعر المعلّقات
لو رجعنا إلى القصائد الجاهلية الطوال والمعلّقات منها على الأخصّ رأينا أنّ الشعراء يسيرون فيها على نهج مخصوص; يبدأون عادة بذكر الأطلال ، وقد بدأ عمرو بن كلثوم مثلاً بوصف الخمر ، ثمّ بدأ بذكر الحبيبة ، ثمّ ينتقل أحدهم إلى وصف الراحلة ، ثمّ إلى الطريق التي يسلكها ، بعدئذ يخلص إلى المديح أو الفخر (إذا كان الفخر مقصوداً كما عند عنترة) وقد يعود الشاعر إلى الحبيبة ثمّ إلى الخمر ، وبعدئذ ينتهي بالحماسة (أو الفخر) أو بذكر شيء من الحِكَم (كما عند زهير) أو من الوصف كما عند امرئ القيس .
ويجدر بالملاحظة أنّ في القصيدة الجاهلية أغراضاً متعدّدة; واحد منها مقصود لذاته (كالغزل عند امرئ القيس ، الحماسة عند عنترة ، والمديح عند زهير . .) ،
عدد القصائد المعلّقات
لقد اُختلف في عدد القصائد التي تعدّ من المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)، فبعد أن اتّفقوا على خمس منها; هي معلّقات : امرئ القيس ، وزهير ، ولبيد ، وطرفة ، وعمرو بن كلثوم . اختلفوا في البقيّة ، فمنهم من يعدّ بينها معلّقة عنترة والحارث بن حلزة ، ومنهم من يدخل فيها قصيدتي النابغة والأعشى ، ومنهم من جعل فيها قصيدة عبيد بن الأبرص ، فتكون المعلّقات (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)عندئذ عشراً .
نماذج مختارة من القصائد المعلّقة مع شرح حال شعرائها
أربع من هذه القصائد اخترناها من بين القصائد السبع أو العشر مع اشارة لما كتبه بعض الكتاب والأدباء عن جوانبها الفنية.. لتكون محور مقالتنا هذه :
امرؤ القيس
اسمه : امرؤ القيس ، خندج ، عدي ، مليكة ، لكنّه عرف واشتهر بالاسم الأوّل ، وهو آخر اُمراء اُسرة كندة اليمنيّة .
أبوه : حجر بن الحارث ، آخر ملوك تلك الاُسرة ، التي كانت تبسط نفوذها وسيطرتها على منطقة نجد من منتصف القرن الخامس الميلادي حتى منتصف السادس .
اُمّه : فاطمة بنت ربيعة اُخت كليب زعيم قبيلة ربيعة من تغلب ، واُخت المهلهل بطل حرب البسوس ، وصاحب أوّل قصيدة عربية تبلغ الثلاثين بيتاً .
نبذة من حياته :
قال ابن قتيبة : هو من أهل نجد من الطبقة الاُولى28 . كان يعدّ من عشّاق العرب ، وكان يشبّب بنساء منهنّ فاطمة بنت العبيد العنزية التي يقول لها في معلّقته :
أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدلّل
وقد طرده أبو ه على أثر ذلك . وظل امرؤ القيس سادراً في لهوه إلى أن بلغه مقتل أبيه وهو بدمّون فقال : ضيّعني صغيراً ، وحمّلني دمه كبيراً ، لا صحو اليوم ولا سكرَ غداً ، اليوم خمرٌ وغداً أمرٌ ، ثمّ آلى أن لا يأكل لحماً ولا يشرب خمراً حتّى يثأر لأبيه29 .
إلى هنا تنتهي الفترة الاُولى من حياة امرئ القيس وحياة المجون والفسوق والانحراف ، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته ، وهي فترة طلب الثأر من قَتَلة أبيه ، ويتجلّى ذلك من شعره ، الّذي قاله في تلك الفترة ، الّتي يعتبرها الناقدون مرحلة الجدّ من حياة الشاعر ، حيكت حولها كثير من الأساطير ، التي اُضيفت فيما بعد إلى حياته . وسببها يعود إلى النحل والانتحال الذي حصل في زمان حمّاد الراوية ، وخلف الأحمر ومن حذا حذوهم . حيث أضافوا إلى حياتهم ما لم يدلّ عليه دليل عقلي وجعلوها أشبه بالأسطورة . ولكن لا يعني ذلك أنّ كلّ ما قيل حول مرحلة امرئ القيس الثانية هو اُسطورة .
والمهم أنّه قد خرج إلى طلب الثأر من بني أسد قتلة أبيه ، وذلك بجمع السلاح وإعداد الناس وتهيئتهم للمسير معه ، وبلغ به ذلك المسير إلى ملك الروم حيث أكرمه لما كان يسمع من أخبار شعره وصار نديمه ، واستمدّه للثأر من القتلة فوعده ذلك ، ثمّ بعث معه جيشاً فيهم أبناء ملوك الروم ، فلمّا فصل قيل لقيصر : إنّك أمددت بأبناء ملوك أرضك رجلاً من العرب وهم أهل غدر ، فإذا استمكن ممّا أراد وقهر بهم عدوّه غزاك . فبعث إليه قيصر مع رجل من العرب كان معه يقال له الطمّاح ، بحلّة منسوجة بالذهب مسمومة ، وكتب إليه : إنّي قد بعثت إليك بحلّتي الّتي كنت ألبسها يوم الزينة ليُعرف فضلك عندي ، فإذا وصلت إليك فالبسها على الُيمن والبركة ، واكتب إليّ من كلّ منزل بخبرك ، فلمّا وصلت إليه الحلّة اشتدّ سروره بها ولبسها ، فأسرع فيه السمّ وتنفّط جلده ، والعرب تدعوه : ذا القروح لذلك ، ولقوله :
وبُدِّلْتُ قرحاً دامياً بعد صحّة فيالك نُعمى قد تحوّلُ أبؤسا
ولمّا صار إلى مدينة بالروم تُدعى : أنقرة ثقل فأقام بها حتّى مات ، وقبره هناك .
وآخر شعره :
ربّ خطبة مسحنفَرهْ وطعنة مثعنجرهْ
وجعبة متحيّرهْ تدفنُ غداً بأنقرةْ
ورأى قبراً لامرأة من بنات ملوك العرب هلكت بأنقره فسأل عنها فاخبر ، فقال :
أجارتنا إنّ المزار قريبُ وإنّي مقيم ما أقام عسيبُ
أجارتَنا إنّا غريبانِ هاهنا وكلّ غريب للغريب نسيبُ30
وقد عدَّ الدكتور جواد علي والدكتور شوقي ضيف وبروكلمان وآخرون بعض ما ورد في قصّة امرئ القيس وطرده ، والحكايات التي حيكت بعد وصوله إلى قيصر ودفنه بأنقرة إلى جانب قبر ابنة بعض ملوك الروم ، وسبب موته بالحلة المسمومة ، وتسميته ذا القروح من الأساطير .
قالوا فيه :
1 ـ النبيّ(صلى الله عليه وآله) : ذاك رجل مذكور في الدنيا ، شريف فيها منسيّ في الآخرة خامل فيها ، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار31 .
2 ـ الإمام علي(عليه السلام) : سُئل من أشعر الشعراء؟ فقال :
إنّ القوم لم يَجروا في حَلبة تُعرفُ الغايةُ عند قصبتها ، فإنْ كان ولابُدّ فالملكُ الضِّلِّيلُ32 . يريد امرأ القيس .
3 ـ الفرزدق سئل من أشعر الناس؟ قال : ذو القروح .
4 ـ يونس بن حبيب : إنّ علماء البصرة كانوا يقدّمون امرأ القيس .
5 ـ لبيد بن ربيعة : أشعر الناس ذو القروح .
6 ـ أبو عبيدة معمّر بن المثنّى : هو أوّل من فتح الشعر ووقف واستوقف وبكى في الدمن ووصف ما فيها . . .33
معلّقة امرئ القيس
البحر : الطويل . عدد أبياتها : 78 بيتاً منها : 9 : في ذكرى الحبيبة . 21 : في بعض مواقف له . 13 : في وصف المرأة . 5 : في وصف الليل . 18 : في السحاب والبرق والمطر وآثاره . والبقية في اُمور مختلفة .
استهلّ امرؤ القيس معلّقته بقوله :
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزِلِ بِسِقْط اللِّوَى بين الدَّخُوْلِ فَحَوْمَلِ
فتوضِحَ فالمقراة لم يعفُ رسمُها لما نسجتها من جنوب وَشَمْأَلِ
وقد عدّ القدماء هذا المطلع من مبتكراته ، إذ وقف واستوقف وبكى وأبكى وذكر الحبيب والمنزل ، ثمّ انتقل إلى رواية بعض ذكرياته السعيدة بقوله :
ألا ربّ يوم لَكَ منهُنَّ صالحٌ ولاسيّما يومٌ بدراة جُلجُلِ
ويومَ عقرت للعِذارى مطيّتي فيا عجباً من رحلِها المتحمّلِ
فضلّ العذارى يرتمينَ بلحمها وشحم كهذّاب الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
وحيث إنّ تذكّر الماضي السعيد قد أرّق ليالي الشاعر ، وحرمه الراحة والهدوء; لذا فقد شعر بوطأة الليل; ذلك أنّ الهموم تصل إلى أوجها في الليل ، فما أقسى الليل على المهموم! إنّه يقضّ مضجعهُ ، ويُطير النوم من عينيه ، ويلفّه في ظلام حالك ، ويأخذه في دوامة تقلّبه هنا وهناك لا يعرف أين هو ، ولا كيف يسير ولا ماذا يفعل ، ويلقي عليه بأحماله ، ويقف كأنّه لا يتحرّك . . يقول :
وليل كموج البحرِ أرخى سدوله عليّ بأنواع الهمومِ ليبتلي
فقُلْتُ لَهُ لمّا تمطّى بصلبِهِ وأردف أعجازاً وناءَ بِكَلْكَلِ
ألا أيّها الليلُ الطويل ألا انجلي بصبح وما الأصْبَاحُ منكَ بِأمْثَلِ
وتعدّ هذه الأبيات من أروع ما قاله في الوصف ، ومبعث روعتها تصويره وحشيّة الليل بأمواج البحر وهي تطوي ما يصادفها; لتختبر ما عند الشاعر من الصبر والجزع .
فأنت أمام وصف وجداني فيه من الرقّة والعاطفة النابضة ، وقد استحالت سدول الليل فيه إلى سدول همّ ، وامتزج ليل النفس بليل الطبيعة ، وانتقل الليل من الطبيعة إلى النفس ، وانتقلت النفس إلى ظلمة الطبيعة .
فالصورة في شعره تجسيد للشعور في مادّة حسّية مستقاة من البيئة (http://www.cars2arab.com/vb/forumdisplay.php?f=80)الجاهلية .
ثمّ يخرج منه إلى وصف فرسه وصيده ولذّاته فيه ، وكأنّه يريد أن يضع بين يدي صاحبته فروسيته وشجاعته ومهارته في ركوب الخيل واصطياد الوحش يقول :
وقد أَغتدي والطير في وُكُناتِها بِمُنْجرد قيدِ الأوابدِ هيكلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِل مُدْبر معاً كجُلْمُودِ صَخْر حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
وهو وصف رائع لفرسه الأشقر ، فقد صوّر سرعته تصويراً بديعاً ، وبدأ فجعله قيداً لأوابد الوحش إذا انطلقت في الصحراء فإنّها لا تستطيع إفلاتاً منه كأنّه قيد يأخذ بأرجلها .
وهو لشدّة حركته وسرعته يخيّل إليك كأنّه يفرّ ويكرّ في الوقت نفسه ، وكأنّه يقبل ويدبر في آن واحد ، وكأنّه جلمود صخر يهوى به السيل من ذورة جبل عال .
ثمّ يستطرد في ذكر صيده وطهي الطهاة له وسط الصحراء قائلاً :
فظلّ طهاةُ اللحمِ ما بين منضج صفيف شواء أو قدير معجّلِ
وينتقل بعد ذلك إلى وصف الأمطار والسيول ، التي ألمّت بمنازل قومه بني أسد بالقرب من تيماء في شمالي الحجاز ، يقول :
أحارِ ترى برقاً كأنّ وميضَهُ
كلمعِ اليدين في حبيٍّ مكَلّلِ
يضيءُ سناهُ أو مصابيحُ راهب
أهانَ السَّليطَ في الذُّبالِ المفتّلِ
قعدتُ له وصحبتي بين حامِر
وبين إكام بُعْدَ ما متأمّلِ
استهلّ هذه القطعة بوصف وميض البرق وتألّقه في سحاب متراكم ، وشبّه هذا التألّق واللمعان بحركة اليدين إذا اُشير بهما ، أو كأنّه مصابيح راهب يتوهّج ضوؤها بما يمدّها من زيت كثير .
ويصف كيف جلس هو وأصحابه يتأمّلونه بين جامر وإكام ، والسحاب يسحّ سحّاً ، حتّى لتقتلع سيوله كلّ ما في طريقها من أشجار العِضاه العظيمة ، وتلك تيماء لم تترك بها نخلاً ولا بيتاً ، إلاّ ما شيّد بالصخر ، فقد اجتثّت كلّ ما مرّت به ، وأتت عليه من قواعده واُصوله .
لبيد بن ربيعة
هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة . . الكلابي
قال المرزباني : كان فارساً شجاعاً سخيّاً ، قال الشعر في الجاهلية دهراً34 .
قال أكثر أهل الأخبار : إنّه كان شريفاً في الجاهلية والإسلام ، وكان قد نذر أن لا تهبّ الصبا إلاّ نحر وأطعم ، ثمّ نزل الكوفة ، وكان المغيرة بن شعبة إذا هبّت الصبا يقول : أعينوا أبا عقيل على مروءته35 .
وحكى الرياشي : لمّا اشتدّ الجدب على مضر بدعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وفد عليه وفد قيس وفيهم لبيد فأنشد :
أتيناك يا خير البريّة كلّها لترحمنا ممّا لقينا من الأزلِ
أتيناك والعذراء تدمى لبانها وقد ذهلت أمّ الصبيّ عن الطفلِ
فإن تدعُ بالسقيا وبالعفو ترسل الـ ـسّماءَ لنا والأمر يبقى على الأَصْلِ
وهو من الشعراء ، الّذين ترفعوا عن مدح الناس لنيل جوائزهم وصِلاتهم ، كما أنّه كان من الشعراء المتقدّمين في الشعر .
وأمّا أبوه فقد عرف بربيعة المقترين لسخائه ، وقد قُتل والده وهو صغير السّنّ ، فتكفّل أعمامهُ تربيتَه .
ويرى بروكلمان احتمال مجيء لبيد إلى هذه الدنيا في حوالى سنة 560م . أمّا وفاته فكانت سنة 40هـ . وقيل : 41هـ . لمّا دخل معاوية الكوفة بعد أن صالح الإمام الحسن بن علي ونزل النخيلة ، وقيل : إنّه مات بالكوفة أيّام الوليد بن عقبة في خلافة عثمان ، كما ورد أنّه توفّي سنة نيف وستين36 .
قالوا فيه :
1 ـ النبي(صلى الله عليه وآله) : أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل37
وروى أنّ لبيداً أنشد النبي(صلى الله عليه وآله) قوله :
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلُ
فقال له : صدقت .
فقال :
وكلّ نعيم لا محالة زائلُ
فقال له : كذبت ، نعيم الآخرة لا يزول38 .
2 ـ المرزباني : إنّ الفرزدق سمع رجلاً ينشد قول لبيد :
وجلا السيوف من الطلولِ كأنّها زبر تجدّ متونَها أقلامُها
فنزل عن بغلته وسجد ، فقيل له : ما هذا؟ فقال : أنا أعرف سجدة الشعر كما يعرفون سجدة القرآن39 .
القول في إسلامه
وأمّا إسلامه فقد أجمعت الرواة على إقبال لبيد على الإسلام من كلّ قلبه ، وعلى تمسّكه بدينه تمسّكاً شديداً ، ولا سيما حينما يشعر بتأثير وطأة الشيخوخة عليه ، وبقرب دنوّ أجله; ويظهر أنّ شيخوخته قد أبعدته عن المساهمة في الأحداث السياسية التي وقعت في أيّامه ، فابتعد عن السياسة ، وابتعد عن الخوض في الأحداث ، ولهذا لا نجد في شعره شيئاً ، ولا فيما روي عنه من أخبار أنّه تحزّب لأحد أو خاصم أحداً .
وروي أنّ لبيداً ترك الشعر وانصرف عنه ، فلمّا كتب عمر إلى عامله المغيرة ابن شعبة على الكوفة يقول له : استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الإسلام . أرسل إلى لبيد ، فقال : أرجزاً تُريد أم قصيداً؟ فقال :
أنشدني ما قلته في الإسلام ، فكتب سورة البقرة في صحيفة ثمّ أتى بها ، وقال : أَبدلني الله هذا في الإسلام مكان الشعر . فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فنقص من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد40 .
وجعله في اُسد الغابة من المؤلّفة قلوبهم وممّن حسن إسلامه41 ، وكان عمره مائة وخمساً وخمسين سنة ، منها خمس وأربعون في الإسلام وتسعون في الجاهلية42 .
معلّقة لبيد بن ربيعة
البحر : الكامل . عدد الأبيات : 89 موزّعة فيما يلي : 11 في ديار الحبيبة . 10 في رحلة الحبيبة وبعدها وأثره . 33 في الناقة . 21 في الفخر الشخصي . 14 في الفخر القبلي .
يبدأ الشاعر معلقته ببكاء الأطلال ووصفها ، وكيف أنّ الديار قد درست معالمها حتّى عادت لا ترى فقد هجرت ، وأصبحت لا يدخلها أحدٌ لخرابها :
عفت الديار محلّها فمقامها بمنىً تأبّد غولها فرجامها
رزقت مرابيع النجوم وصابها ودقَ الرواعد جودها فرهامها
ثمّ عاد بمخيلته شريط الذكريات ، ذكريات فراق الأحبّة فيتحدّث عن الظعائن الجميلات الرشيقات ، وعن هوادجهنّ المكسوّة بالقماش والستائر :
مشاقتك ظعن الحيّ يوم تحمّلوا فتكنّسوا قطناً تصرّ خيامها
من كلِّ محفوف يظلّ عصيّه روح عليه كلّةٌ وقرامها
ويرى أن يقطع أمله منها ويترك رجاءه فيها ما دامت نوار قد تغيّر وصلها :
ما قطع لبانه من تعرّض وصله ولشرّ واصل خلّة صرّامها
ثمّ يأخذ في وصف ناقته بألفاظ غريبة وتعابير بدوية متينة ، فهو يشبهها بالغمامة الحمراء تدفعها رياح الجنوب فيقول :
فلها هبابٌ في الزمامِ كأنّها صهباء خفّ مع الجنوب حمامُها
واُخرى يشبّهها بالبقرة الوحشيّة قائلاً :
خنساءُ ضيّعتِ الغريرَ فلم ترِمْ عُرْضَ الشّقائقِ طوفها وبُغامُها
لمعفّر قَهْد تنازعَ شلوهُ غبسٌ كواسبُ ، لا يُمَنّ طعامُها
وعلى الرغم من تعرّضه لوصف الناقة فلم تفته الحكمة :
صادفْنَ منها غرّة فأصبنها إنّ المنايا لا تطيش سهامها
ويقول :
لتذودهنّ وأيقنت إن لم تَزُدْ أن قد أحمّ من الحتوفِ حمامها
فهو مؤمن بقضاء الله ، قانع بما قسم له وكتب عليه ، راض بذلك ، ويدعو النّاس إلى الرضا :
فاقنع بما كتب المليكُ فإنّما قسم الخلائق بيننا علاّمها
ثمّ ينتقل لبيد للفخر بفروسيّته ، وكونه يحمي قومه في موضع المحنة والخوف ، يرقب لهم عند ثغور الأعداء وهو بكامل عدّته متأهّباً للنزال ، حتّى إذا أجنّه الظلام نزل من مرقبه إلى السهل ، وامتطى جواده القوي السريع :
ولقد حميت الحيّ تحمل مثكتي
فرطٌ وشاحي إذ غدوت لجامها
فعلوت مرتقباً على ذي هبوة
حرج إلى أعلامهنّ قَتَامُها
حتّى إذا ألقت يداً في كافر
وأجنّ عورات الثغور ظلامها
أسهلت وانتصبتْ كجذعِ منيفة
جرداءَ يَحْصَرُ دونَها جرّامُها
ولبيد خير شاعر برّ قومه ، فهو يحبّهم ويؤثرهم ويشيد بمآثرهم ويسجّل مكرماتهم ، ويفخر بأيّامهم وأحسابهم ، فسجّل في معلّقته فضائل قومه ، وافتخر بأهله وخصّهم بأجود الثناء :
إنّا إذا التقت المجامعُ لم يزل
منّا لزازُ عظيمة جشّامُّها
من معشر سنّت لهم آباؤهم
ولكلّ قوم سنّةٌ وإمُامها
لا يطبعون ولا يبور فعالُهم
إذ لا يميل مع الهوى أحلامُها
وهم السعاةُ إذا العشيرة اُفظِعَتْ
وهُمُ فوارسها وهم حكّامُها
وهُمُ ربيعٌ للمجاور فيهمُ
والمرملاتِ إذا تطاولَ عامُها
وهُمُ العشيرةُ أن يُبَطّئ حاسدٌ
أو أن يميلَ مع العدى لوّامُها
زهير بن أبي سلمى
هو زهير بن أبي سلمى ـ واسم أبي سلمى : ربيعة بن رباح المزني من مزينة ابن أد بن طايخة .
كانت محلّتهم في بلاد غطفان ، فظنّ الناس أنّه من غطفان ، وهو ما ذهب إليه ابن قتيبة أيضاً .
وهو أحد الشعراء الثلاثة الفحول المقدّمين على سائر الشعراء بالاتّفاق ، وإنّما الخلاف في تقديم أحدهم على الآخر ، وهم : امرؤ القيس وزهير والنابغة . ويقال : إنّه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير ، وكان والد زهير شاعراً ، واُخته سلمى شاعرة ، واُخته الخنساء شاعرة ، وابناه كعب ومجبر شاعرين ، وكان خال زهير أسعد بن الغدير شاعراً ، والغدير اُمّه وبها عرف ، وكان أخوه بشامة بن الغدير شاعراً كثير الشعر .
ويظهر من شعر ينسب إليه أنّه عاش طويلا إذ يقول متأفّفاً من هذه الحياة ومشقّاتها حتّى سئم منها :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم
قالوا فيه :
1 ـ الحطيئة اُستاذ زهير : سئل عنه فقال : ما رأيت مثله في تكفِّيه على أكتاف القوافي ، وأخذه بأعنّتها حيث شاء ، من اختلاف معانيها امتداحاً وذمّاً44 .
2 ـ ابن الاعرابي : كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره45 .
3 ـ قدامة بن موسى ـ وكان عالماً بالشعر ـ : كان يقدّم زهيراً .
4 ـ عكرمة بن جرير : قلت لأبي : مَن أشعر الناس؟ قال : أجاهليةٌ أم إسلامية؟ فقلت : جاهلية ، قال : زهير46 .
مميّزات شعره :
امتاز زهير بمدحيّاته ، وحكميّاته ، وبلاغته ، وكان لشعره تأثير كبير في نفوس العرب . وكان أبوه مقرّباً من اُمراء ذبيان ، وخصوصاً هرم بن سنان والحارث ابن عوف ، وأوّل قصيدة نظمها في مدحهما على أثر مكرمة أتياها . معلّقته المشهورة .
ويؤخذ من بعض أقواله أنّه كان مؤمناً بالبعث كقوله :
يؤخَّر فيودَع في كتاب فيدَّخَرْ ليومِ الحسابِ أو يعجّلْ فينتقمِ
وممّا يدلّ على تعقّله وحنكته وسعة صدره حِكمه في معلّقته ، وقد جمع خلاصة التقاضي في بيت واحد :
وإنّ الحقّ مقطعه ثلاث : يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ
معلّقة زهير بن أبي سلمى
البحر : الطويل . عدد الأبيات : 59 موزّعة فيما يلي : 6 في الأطلال . 9 في الأظعان . 10 في مدح الساعين بالسلام . 21 في الحديث إلى المتحاربين . 13 في الحكم .
يبدأ الشاعر معلّقته بالحديث عمّا صارت إليه ديار الحبيبة ، فقد هجرها عشرين عاماً ، فأصبحت دمناً بالية ، وآثارها خافتة ، ومعالمها متغيّرة ، فلمّا تأكّد منها هتف محيّياً ودعا لها بالنعيم :
أمن اُمّ أوفى دِمنةٌ لم تَكَلَّمِ بحَوْمانَةِ الدّرّاجِ فالمتثَلَّمِ
وقفتُ بها من بعدِ عشرينَ حجّةً فَلاَْياً عرفتُ الدار بعد توهُّمِ
فلمّا عرفتُ الدار قلت لربعها ألا أنعم صباحاً أيّها الربع وأسلمِ
ثمّ عاد بالذاكرة إلى الوراء يسترجع ساعة الفراق ، ويصف النساء اللاتي ارتحلن عنها ، فيتبعهنّ ببصره كئيباً حزيناً ، ويصف الطريق الّتي سلكنها ، والهوادج التي كنّ فيهاو . . . :
بكرن بكوراً واستحرنَ بسحره
فهنّ ووادي الرسّ كاليدِ للفمِ
جعلن القنان عن يمين وحزنه
وكم بالقنان من محلّ ومحرمِ
فلمّا وردنَ الماء زرقاً جمامه
وضعْنَ عِصِيَّ الحاضرِ المتخيَّمِ
وفيهنّ ملهى للّطيف ومنظر
أنيق لعين الناظر المتوسّمِ
وكأنّه حينما وصل إلى هذا المنظر الجميل الفتّان سبح به خاطره إلى جمال الخلق وروعة السلوك ، وحبّ الخير والتضحية في سبيل الأمن والاستقرار ، فشرع يتحدّث عن الساعين في الخير ، المحبّين للسلام ، الداعين إلى الإخاء والصفاء ، فأشاد بشخصين عظيمين هما هرم والحارث ، وذلك لموقفهما النبيل في إطفاء نار الحرب بين عبس وذبيان ، وتحمّلهما ديات القتلى من مالهما وقد بلغت ثلاثة آلاف بعير ، قال :
سعى ساعياً غيظ من مرّة بعدما
تبزّل ما بين العشيرة بالدمِ
فأقسمت بالبيت الّذي طاف حوله
رجال بنوه من قريش وجرهمِ
يميناً لنعم السّيّدان وُجدتما
على كلّ حال من سحيل ومبرمِ
تداركتما عبساً وذبيان بعدما
تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشمِ
وقد قلتما : إن ندرك السلم واسعاً
بمال ومعروف من القول نسلمِ
فأصبحتما منها على خير موطن
بعيدين فيها من عقوق ومأثمِ
ثمّ وجّه الكلام إلى الأحلاف المتحاربين قائلاً :
هل أقسمتم أن تفعلوا ما لاينبغي؟ لا تظهروا الصلح ، وفي نيّتكم الغدر; لأنّ الله سيدخره لكم ويحاسبكم عليه ، إن عاجلاً أو آجلاً ، يقول :
ألا أبلغ الأحلاف عنّي رسالة وذبيان هل أقسمتم كلّ مقسمِ
فلا تكتمنّ الله ما في صدوركم ليخفى ومهما يكتم اللهُ يعلمِ
يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر ليوم الحساب أو يعجّل فينقمِ
ويختمها بتأكيد معروف الممدوحين عليه فيقول :
سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتمُ ومن يكثر التسآلَ يوماً سيحرمِ
عنترة بن شدّاد العبسي
هو عنترة بن عمرو بن شدّاد بن عمرو... بن عبسي بن بغيض47، وأمّا شدّاد فجدّه لأبيه في رواية لابن الكلبي، غلب على اسم أبيه فنسب إليه، وقال غيره: شدّاد عمّه، وكان عنترة نشأ في حجره فنسب إليه دون أبيه، وكان يلقّب بـ (عنترة الفلحاء) لتشقّق شفتيه. وانّما ادّعاه أبوه بعد الكبر، وذلك لأنّه كان لأمة سوداء يقال لها زبيبة، وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من اُمّه استعبده.
وكان سبب ادّعاء أبي عنترة إيّاه أنّ بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس، فتبعهم العبسيّون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة فيهم، فقال له أبوه أو عمّه في رواية اُخرى: كرّ يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يحسِن الكرّ، إنّما يحسن الحلاب والصرّ، فقال: كرّ وأنت حرّ، فكرّ وقاتل يومئذ حتّى استنقذ ما بأيدي عدوّهم من الغنيمة، فادّعاه أبوه بعد ذلك، وألحق به نسبه48.
كان شاعرنا من أشدّ أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده، وكان لا يقول من الشعر إلاّ البيتين والثلاثة حتّى سابّه رجل بني عبس فذكر سواده وسواد اُمّه وسواد اُخوته، وعيّره بذلك، فقال عنترة قصيدته المعلّقة التي تسمّى بالمذهّبة وكانت من أجود شعره: هل غادر الشعراء من متردّمِ49 .
وكان قدشهد حرب داحس والغبراء فحسن فيها بلاؤه وحمد مشاهده.
أحبّ ابنة عمّه عبلة حبّاً شديداً، ولكنّ عمّه منعه من التزويج بها. وقد ذكرها في شعره مراراً وذكر بطولاتها أمامها، وفي معلّقته نماذج من ذلك.
وقد ذكر الأعلم الشنتمري في اختياراته من أشعار الشعراء الستة الجاهليين ص461 أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) حينما أنشد هذا البيت :
ولقد ابيتُ على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكلِ
قال(صلى الله عليه وآله): ما وصف لي أعرابي قط، فأحببتُ أن أراه إلاّ عنترة .
نماذج من شعره:
بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني
أصبحتُ عن عرضِ الحتوفِ بمعزلِ
فأجبتها إنّ المنيّة منهلٌ
لابدّ أن اُسقى بذاك المنهلِ
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي
أنّي امرؤٌ سأموتُ إن لم اُقتلِ
ومن إفراطه:
وأنا المنيّة في المواطن كلّها والطعنُ منّي سابقُ الآجالِ
وله شعر يفخر فيه بأخواله من السودان:
إنّي لتعرف في الحروب مواطني في آل عبس مشهدي وفعالي
منهم أبي حقّاً فهم لي والدٌ والاُمّ من حام فهم أخوالي50
قال الدكتور جواد علي: اِن صحّ هذا الشعر هو لعنترة دلّ على وقوف الجاهليين على اسم «حام» الوارد في التوراة على أنّه جدّ السودان، ولابدّ أن تكون التسمية قد وردت إلى الجاهليين عن طريق أهل الكتاب51.
وقد اختلف في موته، فذكر ابن حزم52 انّه قتله الأسد الرهيص حيّان بن عمرو بن عَميرة بن ثعلبة بن غياث بن ملقط. وقيل: إنّه كان قد أغار على بني نبهان فرماه وزر بن جابر بن سدوس بن أصمع النبهاني فقطع مطاه، فتحامل بالرميّة حتّى أتى أهله فمات53.
معلّقة عنترة العبسي
البحر: الكامل. عدد الأبيات : 80 بيتاً. 5 في الأطلال. 4 في بعد الحبيبة وأثره. 3 في موكب الرحلة. 9 في وصف الحبيبة. 13 في الناقة. 46 في الفخر الشخصي . . .
يبدأ عنترة معلّقته بالسؤال عن المعنى الذي يمكن أن يأتي به ولم يسبقه به أحد الشعراء من قبل، ثمّ شرع في الكلام فقال: إنّه عرف الدار وتأكّد منها بعد فترة من الشكّ والظنّ فوقف فيها بناقته الضخمة ليؤدّي حقّها ـ وقد رحلت عنها عبلة وصارت بعيدة عنه ـ فحيّا الطلل الّذي قدم العهد به وطال...
فيقول:
هل غادر الشعراء من متردّمِ
أم هل عرفت الدار بعد توهُّمِ
يا دار عبلة بالجواء تكلّمي
وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
فوقفت فيها ناقتي وكأنّها
فدن لأقضي حاجة المتلوّمِ
حُيّيتَ من طللِ تقادمَ عهدهُ
أقوى وأقفر بعد اُمّ الهيثمِ
ثمّ سرد طرفاً من أسباب هيامه، فقال:
إنّها ملكت شغاف قلبه بفم جميل، أبيض الأسنان طيّب الرائحة، يفوح العطر من عوارضه:
إذ تستبيك بذي غروب واضح عذب مقبّله لذيذ المطعمِ
ثمّ قارن بين حاله وحالها; فهي تعيش منعّمة، وهو يعيش محارباً، وتمنّى أن توصله إليها ناقة قويّة لا تحمل ولا ترضع وتضرب الآثار بأخفافها فتكسرها... فقال:
تمسي وتصبح فوق ظهر حشيّة
وأبيت فوق سراة أدهم ملجمِ
وحشيتي سرج على عبل الشوى
نهد مراكله نبيل المحزمِ
ثمّ يتجّه بالحديث إلى الحبيبة يسرد أخلاقه وسجاياه قائلاً:
إن ترخي قناع وجهك دوني فإنّي خبير ماهر بمعاملة الفرسان اللابسين الدروع، وأنا كريم الخلق لين الجانب إلاّ إذا ظُلمت فعند ذلك يكون ردّي عنيفاً مرّاً:
إن تغدفي دوني القناع فإنّني
طبّ بأخذ الفارس المستلئم
أثني عليّ بما علمت فإنّني
سهل مخالقتي إذا لم اُظلمِ
فإذا ظُلمت فإنّ ظلمي باسل
مرّ مذاقته كطعم العلقمِ
ثمّ يستمرّ البطل في وصف بطولته لحبيبته، فيحثّها أن تسأل عنه فرسان الوغى الّذين شهدوه في معترك الوغى وساحات القتال ليخبروها بأنّ لعنترة من الشجاعة ما تجعله لا يهاب الموت بل يقحم فرسه في لبّة المعركة، ويقاتل، وبعد الحرب ـ وكعادة الجيش المنتصر ـ فإنّ أفراده ينشغلون بجمع الغنائم، امّا هو فيده عفيفة عن أخذ الغنائم، فقتاله لا للغنيمة وإنّما لهدف أبعد وهو أن يكسب لقومه شرف الانتصار.
ويستمرّ في مدح نفسه فيذكر في شعره معان نبيلة، وهي معان ارتفعت عنده إلى أروع صورة للنبل الخلقي حتّى لنراه يرقّ لأقرانه الّذين يسفك دماءهم، يقول وقد أخذه التأثّر والانفعال الشديد لبطشه بأحدهم:
فشككت بالرمح الطويل ثيابَهُ ليس الكريم على القنا بمحرّمِ
فهو يرفع من قدر خصمه، فيدعوه كريماً، ويقول إنّه مات ميتة الأبطال الشرفاء في ساحة القتال.
وكان يجيش بنفسه إحساس عميق نحو فرسه الّذي يعايشه ويعاشره حين تنال منه سيوف أعدائه ورماحهم، يقول مصوّراً آلامه وجروحه الجسديّة وقروحه النفسية:
فأزورّ من وَقْعِ القَنا بِلبَانهِ وشكا إليّ بعبرة وتَحَمْحُمِ
لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ولكان لو عَلِمَ الكلامَ مكلِّمي
وكأنّما فرسه بضعة من نفسه.
ثمّ يختم قصيدته بأنّه يعرف كيف يسوس أمره ويصرف شؤونه، فعقله لا يغرب عنه، ورأيه محكم، وعزيمته صادقة، ولا يخشى الموت إلاّ قبل أن يقتصّ من غريمه:
ذلّل ركابي، حيث شئت مشايعي
لبّي وأحفره بأمر مبرمِ
ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن

**د لا ل**
2012-02-11, 15:22
الأدب :


كلمة عامة وشاملة وهو يمثل الجانب الايجابي سلوكات أي من شأنه أن يرفع من قيمة الفرد



الجاهلي :


هو كل سلوك من شأنه أن يحط من قيمة الفرد يمثل الجانب السلبي



الأدب الجاهلي :


مفهومه العام : يطلق على الفترة الزمانية 150 إلى 200 ما بلغنا من شعر ونثر في تلك الفترة



مفهومه الخاص : هو ما يتصل بالشعر والنثر حيث أن العرب قسموا كلامهم إلى شعر ونثر




وبعد التمهيد المبسط بالتعريف بالمفهومين ندخل عالم الشعر بــ :



طبقات الشعراء :


الطبقة الأولى : الشعراء الجاهليون


الطبقة الثانية : الشعراء المخضرمون


الطبقة الثالثة : الشعراء الإسلاميون


الطبقة الرابعة : الشعراء المحدثون (المولدون )




وان شاء الله سنقوم بدراسة الطبقة الأولى وهى الشعراء الجاهليون ، شعراء المعلقات



شعراء المعلقات :


امرئ القيس


عمر ابن كلثوم


زهير بن أبي سلمه


النابغة الذبياني


عنترة بن ربيعة


الحارث بن حلزة



وهناك من يضيف :



علقمة الفحل


الأعشى


النابغة الجعدي


عروة بن الورد





وبإذن الله كل مرة أقدم لكم شاعرا من هؤلاء مع عشر أبيات الأولى من معلقته وشرحها



وقبل هذا .....هذه لمحة حول مفهوم المعلقة




تعريف المعلقات :


لغة : من العلق وهو المال الذي يكرم عليه المرء ، تقول ، هذا علق مضنة وما عليه علقة إذا لم يكن عليه نياب فيها خير والعلق هو النفيس من كل شيء وفي حديث حذيفة : فما بال هؤلاء الذين يسرقون أعلاقنا ، أي نفائس أموالنا والعلق هو ما عُلِق


اصطلاحا : فالمعلقات قصائد جاهلية بلغ عددها السبع أو العشر على قول برزت فيها خصائص الجاهلي حتى عدت أفضل مابلغنا عن الجاهلين من آثار أدبية أربعة والناظر إلى المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد العلاقة واضحة بينهما فهي قصائد نفسية ذات قيمة كبيرة بلغت الذروة في اللغة وفي الخيال والفكر والموسيقى وفي نضج التجربة وأصالة التعبير ، ولم يصل الشعر العربي إلى ما وصل إليه في عصر المعلقات من غزل امرئ القيس وحماس المهلهل وفخر ابن كلثوم إلا بعد أن مر بادوار ومراحل إعداد وتكوين طويل المدى




المثبتون لتعليق المعلقات :



بن عبد ربه ، ابن رشيق ، السيوطي ، ياقوت ألحمري ، ابن الكلبي ، ابن خلدون ، ...



وهناك معارضون للتعليق ومن بينهم الدكتور جواد علي الذي رفض فكرة التعليق لأمور عدة نذكر بعضها :


· 1- انه حينما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتحطيم الأصنام والأوثان التي في الكعبة وطمس الصور لم يذكر وجود المعلقات أو جزء معلقة أو بيت شعر فيها


· 2- عدم وجود خبر يشير إلى تعليقها على الكعبة حينما أعادوا بناءها من جديد


· 3- عدم وجود من ذكر المعلقات من حملة الشعر من الصحابة والتابعين ولا غيرهم




امرؤالقيس



نحو (130 - 80 ق. هـ = 496 - 544م)


هو امرؤالقيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية بن ثور وهو كندة. شاعرجاهلي يعد أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد. كان أبوه ملكأسد وغطفان، ويروى أن أمّه فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير أخت كليب ومهلهل ابنيربيعة التغلبيين. وليس في شعره ما يثبت ذلك، بل إنه يذكر أن خاله يدعى ابن كبشة حيث يقول:

خالي ابنُ كبشة قد علمتَ مكانه - وأبو يزيدَ ورهطُهُأعمامي

قال الشعر وهو غلام، وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ ذلكأباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته، فأبعده إلى حضرموت موطن أبيه وعشيرته، وهو في نحوالعشرين من عمره. أقام زهاء خمس سنين، ثم جعل يتنقل مع أصحابه في أحياء العرب، يشربويطرب ويغزو ويلهو، إلى أن ثار بنو أسد على أبيه فقتلوه، فبلغه ذلك وهو جالس للشرابفقال: رحم الله أبي! ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً، لا صحو اليوم ولا سكر غداً،اليوم خمر وغداً أمر. وذهب إلى المنذر ملك العراق، وطاف قبائل العرب حتى انتهى إلىالسموأل، فأجاره ومكث عنده مدة، ثم قصد الحارث بن شمر الغساني في الشام، فسيرهالحارث إلى القسطنطينية للقاء قيصر الروم يوستينياس، ولما كان بأنقرة ظهرت في جسمهقروح فأقام فيها إلى أن مات.

وليس يعرف تاريخ ولادة امرئ القيس ولا تاريخوفاته، ويصعب الوصول إلى تحديد تواريخ دقيقة مما بلغنا من مصادر. وتذهب بعضالدراسات الحديثة إلى أن امرأ القيس توفي بين عام 530م. وعام 540م. وأخرى إلى أنّوفاته كانت حوالي عام 550م. وغيرها تحدّد عام 565م. إلاّ أن هناك بعض الأحداثالثابتة تاريخياً ويمكن أن تساعد على تحديد الفترة التي عاش فيها



العشر أبيات الاولى من معلقته :




قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ


فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها

لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ


تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَـا

وَقِيْعَـانِهَا كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُــلِ


كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـوا

لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ


وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُـمُ

يَقُوْلُوْنَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّـلِ


وإِنَّ شِفـَائِي عَبْـرَةٌ مُهْرَاقَـةٌ

فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ


كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَـا

وَجَـارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَـلِ


إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَـا

نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ


فَفَاضَتْ دُمُوْعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً

عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي


ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ

وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ




شرح العشر الابيات الاولى :


خاطب الشاعر صاحبيه ، وقيل بل خاطب واحدا وأخرج الكلام مخرج الخطاب لاثنين ، لان العرب من عادتهم إجراء خطاب الاثنين على الواحد والجمع ، فمن ذلك قول الشاعر: فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر، وأن ترعياني أحمِ عِرضاً ممنّعاً خاطب الواحد خطاب الاثنين ، وإنما فعلت العرب ذلك لان أدنى أعوان الرجل هم اثنان : راعي إبله وراعي غنمه ، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة ، فجرى خطاب الاثنين على الواحد لمرور ألسنتهم عليه ، ويجوز أن يكون المراد به : قف قف ، فإلحاق الألف إشارة الى أن المراد تكرير اللفظ كما قال أبو عثمات المازني في قوله تعالى : "قال رب أرجعون " المراد منه أرجعني أرجعني ، جعلت الواو علما مشعرا بأن المعنى تكرير اللفظ مرارا ، وقيل : أراد قفن على جهة التأكيد ، فقلب النون ألفا في حال الوصل ، لأن هذه النون تقلب ألفا في حال الوقف ، فحمل الوصل على الوقف ، ألا ترى أنك لو وقفت على قوله تعالى : "لنسفعن" قلت : لنسفعا . ومنه قول الأعشى: وصلِّ على حين العشيّات والضحى ولا تحمد المثرين واللهَ فاحمدا = أراد فاحمدَن ، فقلب نون التأكيد ألفا ، يقال يكى يبكي بكاء وبكى ، ممدودا ومقصورا ، أنشد ابن الأنباري لحسان بن ثابت شاهدا له: بكت عيني وحق لها بكاها، وما يعني البكاء ولا العويل فجمع بين اللغتين ، السقط : منقطع الرمل حيث يستدق من طرفه ، والسقط أيضا ما يتطاير من النار ، والسقط أيضا المولود لغير تمام ، وفيه ثلاث لغات :سَقط وسِقط وسُقط في هذه المعاني الثلاثة ، اللوى:رمل يعود ويلتوي ، الدخول وحومل: موضعان . يقول : قفا وأسعداني وأعيناني ، أو : قف وأسعدني على البكاء عند تذكري حبيباً فارقته ومنزلا خرجت منه ، وذلك المنزل أو ذلك الحبيب أو ذلك بمنقطع الرمل المعوج بين هذين الموضعين



والجمع أرسم ورسوم ، وشمال ، فيها ست لغات : شمال وشمال وشأمل وشمول وشَمْل و شَمَل ، نسج الريحين: اختلافهما عليها وستر إحداهما إياها بالتراب وكشف الأخرى التراب عنها . وقيل : بل معناه لم يقتصر سبب محوها على نسج الريحين بل كان له أسباب منها هذا السبب ، ومر السنين ، وترادف الامطار وغيرها . وقيل : بل معناه لم يعف رسم حبها في قلبي وإن نسجتها الريحان . والمعنيان الاولان أظهر من الثالث ، وقد ذكرها كلها ابن الانبارى


الآرآم : الظباء البيض الخالصة البياض ، وأحداهما رئم ، بالكسر ، وهي تسكن الرمل ، عرصات (في المصباح) عرصة الدار : ساحتها ، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء ، والجمع عراص مثل كلبة الكلاب ، وعرصات مثل سجدة وسجدات ،وعن الثعالبي : كل بقعة ليس فيها بناء فهي عرصة ، و(في التهذيب) : سميت ساحة الدار عرصة لأن الصبيان يعرصون فيها أي يلعبون ويمرحون ؛ قيعان : جمع قاع وهو المستوي من الأرض ، وقيعة مثل القاع ، وبعضهم يقول هو جمع ، وقاعة الدار : ساحتها ، الفلفل قال في القاموس : كهدهد وزبرج ، حب هندي . ونسب الصاغاني الكسر للعامة : و(في المصباح) ، الفلفل: بضم الفاءين ، من الأبرار ، قالوا : لايجوز فيه الكسر . يقول الشاعر : انظر بعينيك تر ديار الحبيبة التي كانت مأهولة بأهلها مأنوسة بهم خصبة الأرض كيف غادرها أهلها وأقفرت من بعدهم أرضها وسكنت رملها الظباء ونثرت في ساحتها بعرها حتى تراه كأنه حب الفلفل . في مستوى رحباتها




غداة : (في المصباح) ، الغداة : الضحوة ، وهي مؤنثة ، قال ابن الأنباري . ولم يسمع تذكيرها ، ولو حملها حامل على معنى أول النهار جاز له التذكير ، والجمع غدوات ، البين : الفرقة ، وهو المراد هنا ، وفي القاموس : البين يكون فرقة ووصلا ، قال الشارح : بأن يبين بينا وبينونة ، وهو من الأضداد ، اليوم : معروف ، مقدارة من طلوع الشمس إلى غروبها ، وقد يراد باليوم والوقت مطلقا ، ومنه الحديث : "تلك أيام الهرج" أي وقته ، ولا يختص بالنهار دون الليل ، تحملوا واحتملوا : بمعنى : ارتحلوا ، لدي : بمعنى عند ، سمرات ، بضم الميم : من شجر الطلح ، الحي: القبيلة من الأعراب ، والجمع أحياء ، نقف الحنظل : شقة عن الهبيد ، وهو الحب ، كالإنقاف والانتفاف ، وهو ، أي الحنظل ، نقيف ومنقوف ، وناقفة وهو الذي يشقه . والشاعر يقول : كأني عند سمرات الحي يوم رحيلهم ناقف حنظل ، يريد ، وقفت بعد رحيلهم في حيرة وقفة جاني الحنظلة ينقفها بظفره ليستخرج منها حبها


نصب وقوفا على الحال ، يريد ، قفا نبك في حال وقف أصحابي مطيتهم علي ، والوقوف جمع واقف بمنزلة الشهود والركوع في جمع شاهد وراكع ، الصحب : جمع صاحب ، ويجمع الصاحب على الأصحاب والصحب والصحاب والصحابة والصحبة والصحبان ، ثم يجمع الأصحاب على الأصاحيب أيضا ، ثم يخفف فيقال الأصاحب ، المطي : المراكب ، واحدتها مطية ، وتجمع المطية على المطايا والمطي والمطيات ، سميت مطية لأنه يركب مطاها أي ظهرها ، وقيل : بل هي مشتقة من المطو وهو المد في السير ، يقال : مطاه يمطوه ، فسميت الرواحل به لانها تمد في السير ، نصب الشاعر أسى على أنها مفعول له. يقول : لقد وقفوا علي ، أي لاجلي أو على رأسي وأنا قاعد ، رواحلهم ومراكبهم ، يقول لي : لا تهلك من فرط الحزن وشدة الجزع وتجمل بالصبر . وتلخيص المعنى : انهم وقفوا عليه رواحلهم يأمرونه بالصبر وينهونه عن الجزع


المهراق والمراق: المصبوب ، وقد أرقت الماء وهرقته وأهرقته أي صببته ، المعول : المبكى ، وقد أعول الرجل وعول إذا بكى رافعا صوته به ، والمعول : المعتمد والمتكل عليه أيضا ، العبرة : الدمع ، وجمعها عبرات ، وحكى ثعلب في جمعها العبر مثل بدرة وبدر. يقول : وإن برئي من دائي ومما أصابنى وتخلصي مما دهمني يكون بدمع أصبه ، ثم قال : وهل من معتمد ومفزع عند رسم قدر درس ، أو هل موضع بكاء عند رسم دارس ؟ وهذا استفهام يتضمن معنى الإنكار ، والمعنى عند التحقيق : ولا طائل في البكاء في هذا الموضع ، لأنه لا يرد حبيبا ولا يجدى على صاحبه خيراً، أو لا أحد يعول عليه ويفزع إليه في هذا الموضع . وتلخيص المعنى : وإن مخلصي مما بي هو بكائي . ثم قال : ولا ينفع البكاء عند رسم دارس


الدأب والدأب ، بتسكين الهمزة وفتحها : العادة ، وأصلها متابعة العمل والجد في السعي ، يقال : دأب يدأب دأبا ودئابا ودؤوبا ، وأدأبت السير : تابعته ، مأسل ، بفتح السين: جبل بعينه ، ومأسل ، بكسر السين : ماء بعينه ، والرواية فتح السين. يقول عادتك في حب هذه كعادتك من تينك ، أي قلة حظك من وصال هذه ومعاناتك الوجد بها كقلة حظك من وصالها ومعاناتك الوجد بهما ، قبلها أي قبل هذه التي شغفت بها الآن


ضاع الطيب وتضوع ؛ انتشرت رائحته ، الريا : الرائحة الطيبة. يقول : إذا قامت أم الحويرث وأم الرباب فاحب ريح المسك منهما كنسيم الصبا إذا جاءت بعرف القرنفل ونشره . شبه طيب رياهما بطيب نسيم هب على قرنفل وأتى برياه ، ثم لما وصفهما بالجمال وطيب النشر وصف حاله بعد بعدهما


الصبابة ، رقة الشوق ،وقد صب الرجل يصب صبابة فهو صب ، والأصل صبب فسكنت العين وأدغمت في اللام ، والمحمل : حمالة السيف، والجمع المحامل ،والحمائل جمع الحمالة . يقول : فسالت دموع عيني من فرط وجدي بهما وشدة حنيني إليهما حتى بل دمعي حمالة سيفي . نصب صبابة على أنه مفعول له كقولك : زرتك طمعا في برك ، قال الله تعالى : " من الصواعق حذر الموت "، أي لحذر الموت ، وكذلك زرتك للطمع في برك ، وفاضت دموع العين مني للصبابة

في رب لغات : وهي ، رُبْ ورُبَ ورُبُ ورَبَ ، ثم تلحق التاء فتقول : ربة وربت ، ورب : موضوع في كلام العرب للتقليل ، وكم : موضوع للتكثير ، ثم ربما حملت رب على كم في المعني فيراد بها التكثير ، وربما حملت كم على رب في المعني فيراد بها التقليل . ويروى ؛ ألا رب "يوم" كان منهن صالح ، والسي : المثل ، يقال : هما سيان أم مثلان . ويجوز في يوم الرفع والجر ، فمن رفع جعل ما موصولة بمعني الذي ، والتقدير : ولا سيّ اليوم الذي هو بدارة جلجل ، ومن خفض جعل ما زائدة وخفضه بإضافة سي إليه فكأنه قال : ولا سي يومأي ولا مثل يوم دارة جلجل ، وهو غدير بعينه . يقول : رب يوم فزت فيه بوصال النساء وظفرت بعيش صالح ناعم منهن ولا يوم من تلك الأيام مثل يوم دارة جلجل ، يريد أن ذلك اليوم كان أحسن الأيام وأتمها ، فأفادت ولا سيما التفضيل والتخصيص

هذا تفصيل عن امرؤ القيس وحياته

**د لا ل**
2012-02-11, 15:23
عنترة بن شداد



نحو (... - 22 ق. هـ = ... - 601م)



هو عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن مخزوم بن ربيعة، وقيل بن عمرو بن شداد، وقيل بن قراد العبسي، على اختلاف بين الرواة. أشهر فرسان العرب في الجاهلية ومن شعراء الطبقة الولى. من أهل نجد. لقب، كما يقول التبريزي، بعنترة الفلْحاء، لتشقّق شفتيه. كانت أمه أَمَةً حبشية تدعى زبيبة سرى إليه السواد منها. وكان من أحسن العرب شيمة ومن أعزهم نفساً، يوصف بالحلم على شدة بطشه، وفي شعره رقة وعذوبة. كان مغرماً بابنة عمه عبلة فقل أن تخلوله قصيدة من ذكرها. قيل أنه اجتمع في شبابه بامرئ القيس، وقيل أنه عاش طويلاً إلى أن قتله الأسد الرهيفي أو جبار بن عمرو الطائي.
وتعدّدت الروايات في وصف نهايته، فمنها: أنّ عنترة ظل ذاك الفارس المقدام، حتى بعد كبر سنه وروي أنّه أغار على بني نبهان من طيء، وساق لهم طريدة وهو شيخ كبير فرماه
- كما قيل عن ابن الأعرابي- زر بن جابر النبهاني قائلاً: خذها وأنا ابن سلمى فقطعمطاه، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله ، فقال وهو ينزف: وإن ابنَ سلمى عنده فاعلموادمي- وهيهات لا يُرجى ابن سلمى ولا دمي
رماني ولم يدهش بأزرق لهذَمٍ- عشيّةحلّوا بين نعْقٍ ومخرَم
وخالف ابن الكلبي فقال: وكان الذي قتله يلقب بالأسدالرهيص. وفي رأي أبي عمرو الشيباني أنّ عنترة غزا طيئاً مع قومه، فانهزمت عبس، فخرّعن فرسه ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب، فدخل دغلا وأبصره ربيئة طيء، فنزل إليه،وهاب أن يأخذه أسيراً فرماه فقتله. أما عبيدة فقد ذهب إلى أن عنترة كان قد أسنّواحتاج وعجز بكبر سنّه عن الغارات، وكان له عند رجل من غطفان بكر فخرج يتقاضاهإيّاه فهاجت عليه ريح من صيف- وهو بين ماء لبني عبس بعالية نجد يقال له شرج آخر لهم يقال لها ناظرة- فأصابته فقتلته



العشر أبيات الاولى :




هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَـرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ

أَعْيَاكَ رَسْمُ الدَّارِ لَمْ يَتَكَلَّـمِ حَتَّى تَكَلَّمَ كَالأَصَـمِّ الأَعْجَـمِ

وَلَقَدْ حَبَسْتُ بِهَا طَوِيلاً نَاقَتِي أَشْكُو إلى سُفْعٍ رَوَاكِدِ جثَّـمِ

يَا دَارَ عَبْلَـةَ بِالجَوَاءِ تَكَلَّمِي وَعِمِّي صَبَاحَاً دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي

دَارٌ لآنِسَةٍ غَضِيْضٍ طَرْفُـهَا طَوْعَ العِناقِ لذيـذةِ المُتَبَسَّـمِ

فَوَقَفْتُ فِيهَا نَاقَتِي وَكَأنَّـهَا فَدَنٌ لأَقْضِي حَاجَـةَ المُتَلَـوِّمِ

وَتَحُلُّ عَبْلَـةُ بِالجَـوَاءِ وَأَهْلُنَـا بِالْحَـزْنِ فَالصَّمَـانِ فَالمُتَثَلَّـمِ

حُيِّيْتَ مِنْ طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ أَقْوَى وَأَقْفَـرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَـمِ

حَلَّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ فَأَصْبَحَتْ عَسِرَاً عَلَيَّ طِلاَبُكِ ابْنَـةَ مَخْرَمِ

عُلِّقْتُهَا عَرَضَاً وَاقْتُـلُ قَوْمَهَا زَعْمَاً لَعَمْرُ أَبِيكَ لَيْسَ بِمَزْعَـمِ

وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّـي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلَـةِ المُحِبِّ المُكْـرَمِ






مناسبة القصيدة :




لعنترة ديوان طبع طبعات مختلفة ومن طبعاته تلك التي حققها عبد المنعم شلبي وكتب مقدمتها إبراهيم الابياري ونشرتها المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة بدون تاريخ إن اغلب شعره في الوصف والحماسة والفخر وبعضه في الغزل واقله في الهجاء وذروته شعر المعلقة ولنظمها سبب يتصل بأصل عنترة إذا انتزع الشاعر الفارس إقرار أبيه بنسبه انتزاعا وبقى عليه انتزاع إقرار الناس بملكاته وحدث أن شتمه رجل من عبس وعيره بلونه فرد عليه عنترة قائلا :


إني لاحتضر البأس وأوافي المغنم .....وأعف عن المسألة وأجود بما ملكت يدي



فقال له الرجل أنا اشعر منك فرد عليه عنترة ستعلم دلك وانشد معلقته وفيها دليل على عبقريته في نظمها على الكامل وجعل رويها الميم وهي في شرح القز ويني 74 بيت وفي غيره من الكتب 75بيت





شرح الأبيات العشر الاولى :




المعلقة من حيث المبني :




إن المتمعن في المقطع الأول من المعلقة يجدها تعبر عن البكاء والدموع والذكريات التي حوتها الليالي وهي كذلك تعبر عن الألم العمى في نفسية الشاعر وهده عادة الشعراء الجاهليين


بدا عنترة معلقته بالوقوف على الأطلال والتسليم عليها والجزع لفراق الأحبة ووصف الديار المقفرة بعد رحيل أهلها عنها وهو ما نجده في الأبيات 08 الأولى إذ يقول فيها :




........



بغض النظر عن هده المقدمة الطلالية هناك أبيات يتحدث فيها الشاعر عن عشقه لعبلة ويأسه من فراقها فراح يشكو الصد والبعد ثم أشار إلى تبعه أخبارها وافتتانه بحبها وابتسامتها والتفاتتها إلا أن تغزل عنترة بعبلة نمط آخر من الغزل وهو الغزل العفيف الحب العذري كما برع عنترة في غرض الوصف وأطال فمن شدة حبه لجواده بلغ به المقام إلى التحليل النفسي وانتقل من التأدب و المصانعة في مخاطبة الأدهم إلى المشاركة الوجدانية


لقد صبر الأدهم عن الألسنة الوالغة في جلده ولحمه غادية رائعة في صدره كحبال البئر صاعدة هابطة ولم يخذل عنترة ولكن عنترة أحس بها في نفسه من شكوى مكظومة وألم حبيس إذ يقول :


يدعونا عنترة والرماح كأنما .......أشطان بئر لبان الأدهم


مازلت ارميهم نعرة اشتكي ...ولو كان لو علم الكلام مكلم



كما نجده يصف الحرب ومجرياتها وبلائه الحسن فيها ، ثم ينتقل إلى غرض الفخر وبما أن عنترة كان عاجزا عن مجارات سادة عبس لنسبه وأمجاده التالية فهو قادر على قهرهم بقوة الساعد ومضاء السيف من القوة الأنسب لها وزيدت الختام أن عنترة اطلع على الفخر الفردي نزعة واقعية وتتمثل في تقدير الخلق الكريم والقويم والعمل النافع والأمجاد الموروثة




من حيث المبنى :




1- نغم موسيقي رشيق تخلل كل القصيدة فاستعمل بحر الكامل الذي يتلاءم والأغراض الموجودة في القصيدة ولو كان يجزي والمحاورة اشتكى ولو كان لو علم الكلام مكلم


2- البناء متين شأنه شأن الشعراء الجاهلين المنظومين على القوة في التعيير والبلاغة نجده مثلا استعمل المقاطع تعبيرا عن آلمه وحزنه فيها يقول متردم ، رسم ، الدار ، أما حين راح يستعطف عبلة ويتذكر الذكريات الخالية قد استعمل مفردات ذات الحروف الخفيفة التي تحمل في طياتها معاني الود والشوق وظف


3- وظ الشاعر الكثير من الصور البيانية تعبيرا عن جمال الطبيعة وكذلك في وصف جوداه في قوله


4-و:ان قارة تاجر قسيمة ........سبقت عوارضها البك من الفم



زهير بن أبي سلمى





(... - 13 ق. هـ = ... - 609 م)








هو زهير بن أبي سُلمى ربيعةبن رباح بن قرّة بن الحارث بن إلياس بن نصر بن نزار، المزني، من مضر. حكيم الشعراءفي الجاهلية، وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة. كان له من الشعر ما لميكن لغيره، ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة، وكان يقيم في الحاجر من ديار نجد،واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل كان ينظم القصيدة في شهر ويهذبها في سنة، فكانتقصائده تسمى الحوليات. إنه، كما قال التبريزي، أحد الثلاثة المقدمين على سائرالشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه، والآخران هما امرؤ القيسوالنّابغة الذبياني. وقال الذين فضّلوا زهيراً: زهير أشعر أهل الجاهلية



مناسبة قصيدة زهير بن ابي سلمة





هناك حوادث هامة أثرت في حياة زهير وصقلت موهبته منها الشعرية


حرب الداحس والغبراء : لما شب زهير كانت الحرب دائرة الرحى بين عبس وذبيان وطال بها الأمد


زوجته أم أوفى : وهي مناط غزله في معلقته بها افتتح قصيدته المطولة مما يدل على انه كان يحبها فذكر ديارها وبكى أطلالها ولكن الأقدار شاءت إن يموت أولاده فتزوج امرأة أخرى


وفاة ابنه سالم : يروى أن كان جميل المنظر وسيمة الطلعة رثاه والده في بعض الأبيات متأثرا بفراقه.


نظم زهير قصيدته استجابة لموقف هرم بن سنان والحارث بن عوف حيث مدحهما بصنيعهما وسعيهما في حقن الدماء وتحملهما ديات القتلى من القبيلتين عبس وذبيان ، دامت هذه الحرب 40 سنة ولم يقصد زهير بشعره تكسبا وإنما اعترافا منه بالفضل





مضمون المعلقة من حيث المعنى :




إن الناظر لمعلقة زهير بن أبي سلمه يجد أن هذا الأخير وقف في أبياته على جوانب عديدة إذ استطاع إن يحقق لصنعة الشعر في العصور القديمة كل ما يمكن من تجويد ، فالشعر عنده حرفة وقد اعتمد على الكثير من الأغراض ، إذ استهل معلقته كعادة الجاهلين بذكر الديار والوقوف على الآثار وهذا ما نستخلصه في البيت الأول ...من البيت 01 إلى 05


شرحها : في هذه الأبيات يصف الشاعر ديار أم أوفى فيقول أنها أصبحت كالوشم في المعصم ، والمعصم هو موضع السوار من اليد ، أما في البيت الثاني من الآبيات الأربعة يقول بهذه الديار بقر وحشي واسعات العيون وضباي يمشين خلفه ( تتابع ) أما البيتين الثالث والرابع فيقول وفقت بدار آم أوفى عشرين عام وعرفت دارها بعد جهد ومشقة ( توهم ) فلما عرفت الدار قلت مجيبا إياها طاب عيشك في صباحك ثم ينتقل الشاعر إلى نظم المعلقة وهو الإشادة الحميدة بالسيدين هرم بن سنان والحارث بن عوف



وهذه الآبيات التي قالها مشيدا بهما :



فأقسمت بالبيت الذي طاق حوله ...رجال بنوه من قريش وجرهم


يمينا لنعم السيدان وجدتما ....على كل حال من سحيل ومبرم


تداركتما عبسا وذبيان بعدما ....تفاونوا ودقوا بينهم عطر منشم


نجد بغض النظر عن الأغراض الأخرى غرض الحكمة في قوله :


سأمت تأليف الحياة ومن يعش ....ثمانين حولا لا أبا لك يسأم


رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ...تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم


ومن لم يصانع في أمور كثيرة ...يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم




مضمون القصيدة من حي المبنى :



للمعنى علاقة وثيقة بالمبنى وانطلاقا لما شرحناه نكتشف مضمون القصيدة من حيث المبنى


كما جاءت ألفاظ الشاعر زهير متناسقة الألفاظ واضحة المعاني دقيقة بحيث تمكن زهير من إشراكنا شعوريا في رحلته فيها من تعب ، واعتمد على نغمة موسيقية تحت تفعيلات البحر الطويل


فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

**د لا ل**
2012-02-11, 15:24
معلقة عمرو بن كلثوم





عمرو بن كلثوم هو من قبيلة تغلب كان أبوه كلثوم سيد تغلب و أمه ليلى بنت المهلهل المعروف ( بالزير ) و في هذا الجو من الرفعة

و السؤدد نشأ الشاعر شديد الإعجاب بالنفس و بالقوم أنوفاً عزيز الجانب ، فساد قومه و هو في الخامسة عشرة من عمره تقع
معلقة ابن كلثوم في ( 100 ) بيت أنشأ الشاعر قسماً منها في حضرة عمرو بن هند ملك الحيرة و كانت تغلب قد انتدبت الشاعر للذود عنها
حين احتكمت إلى ملك الحيرة ، لحل الخلاف الناشب بين قبيلتي بكر و تغلب ، و كان ملك الحيرة ( عمرو بن هند ) أيضاً .
مزهواً بنفسه و قد استشاط عضباً حين وجد أن الشاعر لا يقيم له ورناً و لم يرع له حرمة و مقاماً فعمد إلى حيلة يذله بها فأرسل ( عمرو بن هند ) إلى عمرو بن كلثوم ( يستزيره )
و أن يزير معه أمه ففعل الشاعر ذلك و كان ملك الحيرة قد أوعز إلى أمه أن تستخدم ليلى أم الشاعر و حين طلبت منها أن تناولها الطبق قالت ليلى : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها . . . . ثم صاحت ( واذلاه ) يالتغلب ! فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم فوثب إلى سيف معلق بالرواق
فضرب به رأس عمرو بن هند ملك الحيرة و على إثر قتل الملك نظم الشاعر القسم الثاني من المعلقة و زاده عليها .
( و هي منظومة على البحر الوافر ) و من أطرف ما ذكر عن المعلقة أن بني تغلب كباراً و صغاراً كانوا يحفظونها و يتغنون بها




زمناً طويلاً . توفي الشاعر سنة نحو ( 600 ) للميلاد بعد أن سئم الأيام و الدهر.





الأبيات العشر من معلقته :






1- أَلا هُبِّي بصَحْنِكِ فَاصْبَحينا ............. وَلا تُبْقِي خُمورَ الأَندَرِينا



2- مُشَعْشَعَةً كانَّ الحُصَّ فيها ....... إِذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا




3- تَجُورُ بذي اللُّبَانَةِ عَنْ هَوَاهُ .......... إِذا مَا ذاقَها حَتَّى يَلِينا




4- تَرَى الّلحِزَ الشّحيحَ إِذا أُمِرَّتْ ............ عَلَيْهِ لمِالِهِ فيها مُهينا




5- صَبَنْتِ الْكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ...... وكانَ الْكَأْسُ مَجْراها الْيَمِينا




6- وَمَا شَرُّ الثّلاثَةِ أُمَّ عَمْروٍ ............ بِصاحِبِكِ الّذِي لا تصْبَحِينا




7- وَكَأسٍ قَدْ شَرِبْتُ بِبَعْلَبَكِّ ...... وَأُخْرَى في دِمَشْقَ وَقَاصِرِينا




8- وَإِنَّا سَوْفَ تُدْرِكُنا الَمنَايَا ................ مُقَدَّرَةً لَنا وَمُقَدِّرِينا




9- قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ظَعِينا ............ نُخَبِّرْكِ الْيَقِينَ وَتُخْبِرِينا








10- قِفِي نَسْأَلْكِ هَلْ أَحْدَثْتِ صِرْماً .... لِوَ شْكِ الْبَيْنِ أَمْ خُنْتِ اْلأَمِينَا





شرح الأبيات العشر :




هب من نومه يهب هبا : إذا استيقظ ، الصحن : القدح العظيم والجمع الصحون ، الصبح: سقي الصبوح ، والفعل صبح يصبح ، أبقيت الشيء وبقيته بمعنى ، الأندرون : قرى بالشام يقول : ألا استيقظي من نومك أيتها الساقية واسقيني الصبوح بقدحك العظيم ولا تدخري خمر هذه القرى



شعشعت الشراب : مزجته بالماء ، الحص : الورس ، وهونبت في نوار أحمر يشقه الزعفران . ومنهم من جعل سخينا صفة ومعناه الحار ، من سخن يسخن سخونة ، ومنهم من جعله فعلا من سخي يسخى سخاء ، وفيه ثلاث لغات : إحداهن ما ذكرنا ، والثانية سخو يسخو ، والثالثة سخا يسخو سخاوة يقول : اسقنيها ممزوجة بالماء كأنها من شدة حمرتها بعد امتزاجها بالماء ألقي فيها نور هذا النبت الأحمر ، وإذا خالطها الماء وشربناها وسكرنا جدنا بعقائل أموالنا وسمحنا بذخائر أعلاقنا ، هذا إذا جعلنا سخينا فعلا وإذا جعلناه صفة كان المعنى : كأنها حال امتزاجها بالماء وكون الماء حارا نور هذا النبت . ويروي شحينا ، بالشين المعجمة ، أي إذا خالطها الماء مملوءة به . والشحن : الملء ، والفعل شحن يشحن ، والشحين بمعنى المشحون كالقتيل بمعنى المقتول ، يريد أنها حال امتزاجها بالماء وكون الماء كثيرا تشبه هذا النور



يمدح الخمر ويقول : انها تميل صاحب الحاجة عن حاجته وهواه إذا ذاقها حتى يلين ، أي إنها تنسي الهموم والحوائج أصحابها فاذا شربوها لانوا ونسوا أحزانهم وحوائجهم




اللحز : الضيق الصدر ، الشحيح البخيل الحريص ، والجمع الأشحة الأشحاء ، الشحاح أيضا مثل الشحيح ، والفعل شح يشح والمصدر الشح وهو البخل معه حرص يقول : ترى الانسان الضيق الصدر البخيل الحريص مهينا لماله فيها ، أي في شرائها ، إذا أمرت الخمر عليه ، أي إذا أديرت عليه



الصبن : الصرف ، والفعل صبن يصبن يقول : صرفت الكأس عنا يا أم عمرو وكان مجرى الكأس على اليمين فأجريتها على اليسار



يقول : ليس بصاحبك الذي لا تسقينه الصبوح هو شر هؤلاء الثلاثة الذين تسقيهم ، أي لست شر أصحابي فكيف أخرتني وتركت سقيي الصبوح



يقول : ورب كأس شربتها بهذه البلدة ورب كأس شربتها بتينك البلدتين



يقول : سوف تدركنا مقادير موتنا وقد قدرت تلك المقادير لنا وقدرنا لها ، المنايا : جمع المنية وهي تقدير الموت



أراد يا ظعينة فرخم ، والظغينة : المرأة في الهودج ، سميت بذلك لظعنها مع زوجها ، فهي ، فعيلة بمعنى فاعلة ، ثم أكثر استعمال هذا الأسم للمرأة حتى يقال لها ظعينة وهي في بيت زوجها يقول : فقي مطيتك أيتها الحبيبة الظاعنة نخبرك بما قاسينا بعدك وتخبرينا بما لاقيت بعدنا



الصرم : القطيعة ، الوشك : السرعة ، والوشيك : السريع ، الأمين : بمعنى المأمون يقول : فقي مطيتك نسألك هل أحدثت قطيعة لسرعة الفراق أم هل خنت حبيبك الذي نؤمن خيانته ؟ أي هل دعتك سرعة الفراق إلى القطيعة أو الخيانة في مودة من لا يخونك في مودته إياك





معلقة طرفة بن العبد




هو عمرو بن العبد الملقب ( طرفة ) من بني بكر بن وائل ، ولد حوالي سنة 543 في البحرين من أبوين شريفين

و كان له من نسبه ما يحقق له هذه الشاعرية فجده و أبوه و عماه المرقشان و خاله المتلمس
كلهم شعراء مات أبوه و هو بعد حدث فكفله أعمامه إلا أنهم أساؤوا تريبته و ضيقوا عليه فهضموا
حقوق أمه و ما كاد طرفة يفتح عينيه على الحياة حتى قذف بذاته في أحضانها يستمتع بملذاتها فلها و سكر و لعب
و أسرف فعاش طفولة مهملة لاهية طريدة راح يضرب في البلاد حتى بلغ أطراف جزيرة العرب ثم عاد إلى قومه
يرعى إبل معبد أخيه ثم عاد إلى حياة اللهو بلغ في تجواله
بلاط الحيرة فقربه عمرو بن هند فهجا الملك فأوقع الملك به مات مقتولاً و هو دون الثلاثين من عمره سنة 569 . من آثاره : ديوان شعر أشهر ما فيه المعلقة
نظمها الشاعر بعدما لقيه من ابن عمه من سوء المعاملة و ما لقيه من ذوي قرباه من الاضطهاد في المعلقة ثلاثة أقسام كبرى
( 1 ) القسم الغزالي من ( 1 ـ 10 ) ـ ( 2 ) القسم الوصفي ( 11 ـ 44 ) ـ ( 3 ) القسم الإخباري ( 45 ـ 99 ) .
و سبب نظم المعلقة ( إذا كان نظمها قد تم دفعة واحدة فهو ما لقيه من ابن عمه من تقصير و إيذاء و بخل و أثرة و التواء عن المودة
و ربما نظمت القصيدة في أوقات متفرقة فوصف الناقة الطويل ينم على أنه وليد التشرد و وصف اللهو و العبث يرجح أنه نظم
قبل التشرد و قد يكون عتاب الشاعر لابن عمه قد نظم بعد الخلاف بينه و بين أخيه معبد . شهرة المعلقة و قيمتها : بعض النقاد
فضلوا معلقة طرفة على جميع الشعر الجاهلي لما فيها من الشعر الإنساني ـ العواصف المتضاربة ـ الآراء في الحياة ـ و الموت
جمال الوصف ـ براعة التشبيه ، و شرح لأحوال نفس شابة و قلب متوثب . في الخاتمة ـ يتجلى لنا طرفة شاعراً جليلاً من فئة
الشبان الجاهليين ففي معلقته من الفوائد التاريخية الشيء الكثير كما صورت ناحية واسعة من أخلاق العرب الكريمة و تطلعنا
على ما كان للعرب من صناعات و ملاحة و أدوات ... و في دراستنا لمعلقته ندرك ما فيها من فلسفة شخصية و من فن و تاريخ



الأبيات العشر من معلقته :






1-لخِولة أَطْلالٌ بِيَرْقَةِ ثَهْمَدِ ........... تَلُوحُ كَبَاقي الْوَشْمِ في طَاهِرِ الْيَدِ


2 - وُقُوفاً بِهَا صَحْبي عَلَيَّ مطِيَّهُمْ ......... يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَلَّدِ

3 -كأنَّ حُدُوجَ الَمْالِكِيَّةِ غُدْوَةً ............. خَلا يا سَفِين بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ

4 -عَدُو لِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِينِ ابْنِ يَامِنٍ ......... يَجُوز بُهَا الْمّلاحُ طَوراً وَيَهْتَدِي

5 -يَشُقُّ حَبَابَ الَماءِ حَيْزُ ومُها بها ......... كما قَسَمَ التِّرْبَ الْمَفايِلُ باليَدِ

6 -وفِي الَحيِّ أَخْوَى يَنْفُضُ المرْ دَشادِنٌ ......... مُظَاهِرِ سُمْطَيْ لُؤْلؤٍ وَزَبَرْجَدِ

7 -خَذُولٌ تُراعي رَبْرَباً بِخَميلَةٍ ............... تَنَاوَلُ أَطْرَافَ الَبريرِ وَتَرْتَدِي

8 - وَتَبْسِمُ عَنْ أَلْمى كأَنَّ مُنَوّراً ........... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٍ لَهُ نَدِ

9 -سَقَتْهُ إِيَاُة الشَّمْس إِلا لِثَاتِهِ ............. أُسِفّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بإثْمدِ


10 -وَوَجْهٌ كأنَّ الشَّمْسَ أَلفَتْ رِداءَهَا ......... عَلَيْهِ نَقِيُّ اللَّوْنِ لَمْ يَتَخَدَّدِ


شرح العشر ابيات :



خولة : اسم امرأة كلبية ، الطلل : ماشخص من رسوم الدار ، والجمع أطلال وطلول ، البرقة والأبرق والبرقاء : مكان اختلط ترابه بحجارة أو حصى ، والجمع الأبارق والبراق والبرق ، ثهمد : موضع ، تلوح : تلمع ، واللوح اللمعان ، الوشم : غرز ظاهر اليد وغيره بإبرة وحشو المغارز بالكحل أو النقش بالنيلج ، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لعن الله الواشمة والمستوشمة " يقول : لهذه المرأة أطلال ديار بالموضع الذي يخالط أرضه حجارة وحصى من ثهمد فتلمع تلك الأطلال لمعان بقايا الوشم في ظاهر الكف


تفسير البيت هنا كتفسيره في قصيدة أمرىء القيس ، التجلد : تكلف الجلادة ، أي التصبر


الحدج : مركب من مراكب النساء ، والجمع حدوج وأحداج ، المالكية : منسوبة إلى بني مالك قبيلة من كلب ، الخلايا: جمع الخلية وهي السفينة العظيمة ، السفين : جمع سفينة ، النواصف : جمع الناصفة ، وهي أماكن تتسع من نواحي الأودية مثال السكك وغيرها ، دد ، قيل : هو اسم واد في هذا البيت ، وقيل دد مثل يد ، يقول : كأن مراكب العشيقة المالكية غدوة فراقها بنواحي وادي دد سفن عظام . شبه الشاعر الإبل و عليها الهوادج بالسفن العظام ، وقيل : بل حسبها سفنا عظاما من فرط لهوه وولهه ، إذا حملت ددا على اللهو ، وإن حملته على أنه واد بعينه فمعناه على القول الأول

عدولي : قبيلة من أهل البحرين ، وابن يامن : رجل من أهلها ، الجور : العدول عن الطريق ، والباء للتعدية ، الطور : التارة ، والجمع الأطوار يقول : هذه السفن التي تشبهها هذه الإبل من هذه القبيلة أو من سفن هذا الرجل ، الملاح يجريها مرة على استواء واهتداء ، وتارة يعدل بها فيميلها عن سنن الاستواء ، وكذلك الحداة تارة يسوقون هذه الإبل على سمت الطريق ، وتارة يميلها عن الطريق ليختصروا المسافة ، وخص سفن هذه القبيلة وهذا الرجل لعظمها وضخمها ثم شبه سوق الإبل تارة على الطريق وتارة على غير الطريق بإجراء الملاح السفينة مرة على سمت الطريق ومرة عادلا عن ذلك السمت
حباب الماء : أمواجه ، الواحدة حبابة ، الحيزوم : الصدر ، والجمع : الحيازم ، الترب والتراب والترباء والتورب والتيراب والتوراب واحد ، الفيال : ضرب من اللعب ، وهو أن يجمع التراب فيدفن فيه شيء، ثم يقسم التراب نصفين ، ويسأل عن الدفين في أيهما هو ، فمن أصاب فسمر ومن أخطأ فمر ، يقال : فايل هذا الرجل يفايل مفايلة وفيالا إذا لعب بهذا الضرب من اللعب . شبه الشاعر شق السفن الماء بشق المفايل التراب المجموع بيده
الأحوى : الذي في شفتيه سمرة ، يقال : حوي الفرس مال إلى السواد ، فعلى هذا شادن صفة أحوى ، وقيل بدل من أحوى ، وينفض المرد صفة أحوى ، الشادن : الغزال الذي قوي واستغني عن أمه ، المظاهر : الذي لبس ثوبا فوق ثوب أو درعا فوق درع ، السمط : الخيط الذي نظمت فيه الجواهر ، والجمع سموط يقول : وفي الحي حبيب يشبه ظبيا أحوى في كحل العينين وسمرة الشفتين في حال نفض الظبي ثمر الأراك لأنه يمد عنقه في تلك الحال ، ثم صرح بأنه يريد إنسانا ، وقال قد لبس عقدين أحدهما من اللؤلؤ والآخر من الزبرجد ، شبهه بالظبي في ثلاثة أشياء : في كحل العينين وحوة الشفتين ، وحسن الجيد ، ثم أخبر أنه متحل بعقدين من لؤلؤ وزبرجد

خذول : أي خذلت أولادها ، تراعي ربربا: أي ترعى معه ، الربرب : القطيع من الظباء وبقر الوحش ، الخميلة : رملة منبتة ، البرير: ثمر الأراك المدرك البالغ ، الواحدة بريرة ، الارتداء والتردي : لبس الدراء يقول : هذه الظبية التي اشبهها الحبيب ظبية خذلت اولادها وذهبت مع صواحبها في قطيع من الظباء ترعى معها في أرض ذات شجر أو ذات رملة منبتة تتناول اطراف الأراك وترتدي بأغصانه ، شبه الشاعر طول عنق الحبيب وحسنه بذلك


الألمى : الذي يضرب لون شفتيه إلى السواد ، والانثى لمياء ، والجمع لمي ، والمصدر اللمى ، والفعل لمي يلمى ، البسم والتبسم والابتسام واحد ، كأن منورا يعني اقحوانا منورا ، فحذف الموصوف اجتزاء بدلالة الصفة عليه ، نور النبت خرج نوره فهو منور ، حر كل شيء: خالصة ، الدعص : الكثيب من الرمل ، والجمع الادعاص ، الندى يكون دون الابتلال ، والفعل ندي يندى ندى ، ونديته تندية يقول وتبسم الحبيبة عن ثغر ألمى الشفتين كأنه أقحوان خرج نوره في دعص ند يكون ذلك الدعص فيما بين رمل خالص لايخالطه تراب ، وإنما جعله نديا ليكون الاقحوان غضا ناضرا


إياة الشمس وإياها : شعاعها ، اللثة : مغرز الأسنان ، والجمع اللثات ، الإسفاف : إفعال سففت الشيء أسفه سفا ، الإثمد : الكحل ، الكدم : العض . ثم وصف ثغرها فقال : سقاة شعاع الشمس ، أي كأن الشمس أعارته ضوءها . ثم قال : إلا لثاته ، يستثنى اللثات لأنه لا يستحب بريقها . ثم قال : إلا لثاته ، يستثنى اللثات لأنه لا يستحب بريقها . ونساء العرب تذر الإثمد على الشفاه واللثات فيكون ذلك أشد لمعان الأسنان

التخدد : التشنج والتغضن يقول : وتبسم عن وجه كأن الشمس كسته ضياءها وجمالها ، فاستعار لضياء الشمس اسم الرداء ، ثم ذكر ان وجهها نقي اللون غير متشنج متغضن . وصف وجهها بكمال الضياء والنقاء والنضارة ، وجر الوجه عطفا على ألمى




الحارث بن حلزة




نحو (... - 54 ق. هـ = ... - 570 م)





هو الحارث بن ظليم بن حلزّة اليشكري ، من عظماء قبيلة بكر بن وائل ، كان شديد الفخر بقومه حتى ضرب
به المثل فقيل : أفخر من الحارث بن حلزة ، ولم يبق لنا من أخباره إلا ما كان من أمر الاحتكام إلى عمرو بن هند سنة ( 554 ـ 569 )
لأجل حل الخلاف الذي وقع بين القبيلتين بكر و تغلب توفي سنة 580 للميلاد أي في أواخر القرن السادس الميلادي على وجه
التقريب . أنشد الشاعر هذه المعلقة في حضرة الملك عمرو بن هند رداً على عمرو بن كلثوم
و قيل أنه قد أعدّها و روّاها جماعة من قومه لينشدوها نيابة عنه لأنه كان برص و كره أن ينشدها من وراء سبعة ستور
ثم يغسل أثره بالماء كما كان يفعل بسائر البرص ثم عدل عن رأيه و قام بإنشادها بين يدي الملك
و بنفس الشروط السابقة فلما سمعها الملك و قد وقعت في نفسه موقعاً حسناً أمر برفع الستور و أدناه منه و أطمعه في جفنته

و منع أن يغسل أثره بالماء ... كان الباعث الأساسي لإنشاد المعلقة دفاع الشاعر عن قومه و تفنيد أقوال خصمه عمرو بن كلثوم ـ



معلومات حول المعلقة :





تقع المعلقة في ( 85 ) خمس و ثمانين بيتاً نظمت بين عامي ( 554 و 569 ) . شرحها الزوزني ـ
و طبعت في اكسفورد عام 1820 ثم في بونا سنة 1827 و ترجمت إلى اللاتينية و الفرنسية و هي همزية على البحر الخفيف




تقسم المعلقة إلى : 1 ـ مقدمة : فيها وقوف بالديار ـ و بكاء على الأحبة و وصف للناقة ( 1 ـ 14( 2 ـ المضمون : تكذيب أقوال التغلبيين من ( 15 ـ 20 )
عدم اكتراث الشاعر و قومه بالوشايات ( 21 ـ 31 ) مفاخر البكريين ( 32 ـ 39 ) مخازي التغلبيين و نقضهم للسلم ( 40 ـ 55 )
استمالة الملك ـ ذكر العداوة ( 59 ـ 64 ) مدح الملك ( 65 ـ 68 ) خدما البكريين للملك ( 69 ـ 83 ( القرابة بينهم
وبين الملك ( 84 ـ 85 ( . قيمة المعلقة : هي نموذج للفن الرفيع في الخطابة و الشعر الملحمي و فيها قيمة أدبية
و تاريخية كبيرة تتجلى فيها قوة الفكر عند الشاعر و نفاذ الحجة كما أنها تحوي القصص و ألواناً من التشبيه الحسّي
كتصوير الأصوات و الاستعداد للحرب و فيها من الرزانة ما يجعلها أفضل مثال للشعر السياسي و الخطابي في ذلك العصر .

و في الجملة جمعت المعلَّقة العقل و التاريخ و الشعر و الخطابة ما لم يجتمع في قصيدة جاهلية أخرى



الأبيات العشر من المعلقة :






1- آذَنَتْنا ببَيْنهِا أَسْمَاءُ ..................... ربَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ اُلْثَّوَاءُ

2- بَعْدَ عَهْدٍ لَنَا بِبُرْقَةِ شَمّا ............... ءَ فَأَدْنَى دِيَارِهَا اٌلْخَلْصاءُ

3- فَالُمحَيَّاةُ فالصِّفاحُ فَأَعْنا ............... قُ فِتَاقٍ فَعادِبٌ فَالْوَفَاءُ

4- فَرِياضُ اُلْقَطَا فأوْدِيَةُ الشُّرْ ...............بُبِ فالشُّعْبَتَانِ فالأَبْلاءُ

5- لا أرى مَنْ عَهِدْتُ فيهَا فأبكي اٌلْـ ......... ـيَوْمَ دَلْهاً وَمَا يُحِيرُ اُلْبُكَاء

6- وَبِعَيْنَيْكَ أَوْقَدَتْ هِنْدٌ اُلْنَّا ................. رَ أَخِيراً تُلْوِي بِها اُلْعَلْيَاءُ

7- فَتَنَوَّرْتُ نَارَهَا مِنْ بَعيدٍ ............... بِخَزَازَى هَيْهاتَ منْكَ الصَّلاءُ

8- أوْقَدَتْها بَينَ اُلْعَقِيقِ فَشَخْصَيْـ ............نِ بِعُودٍ كما يَلُوحُ الضٍّيَاءُ

9- غَيْرَ أَنّي قَدْ أَسْتَعِينُ على اٌلَهْمٍّ ........... إذا خَفَّ بالثَّوِيٍّ النٍّجاءُ




10- بِزَفُوفٍ كَأُنَّهَا هقْلَةٌ أُمُّ .......................... رئَالٍ دوِّيَّةٌ سَقْفاءُ





شرح العشر أبيات الاولى :




الإيذان : الإعلام ، البين : الفراق ، الثواء والثوي : الإقامة ، والفعل ثوى يثوي يقول : أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا ، أي بعزمها على فراقنا , ثم قال : رب مقيم تمل إقامته ولم تكن أسماء منهم ، يريد أنها وإن طالت إقامتها لم أمللها ، والتقدير : رب ثاو يمل من ثوائه


العهد : اللقاء ، والفعل عهد يعهد يقول : عزمت على فراقنا بعد أن لقيتها ببرقة شماء وخلصاء التي هي أقرب ديارها إلينا

هذه كلها مواضع عهدها بها يقول : وقد عزمت على مفارقتنا بعد طول العهد

الاحارة : الرد من قولهم : حار الشيء يحور حورا ، أي رجع ، وأحرته أنا أي رجعته فرددته يقول : لا أرى في هذه المواضع من عهدت فيها ، يريد أسماء ، فأنا أبكي اليوم ذاهب العقل وأي شيء رد البكاء على صاحبه ؟ وهذا استفهام يتضمن الجحود ، أي لا يرد البكاء على صاحبه فائتا ولا يجدي عليه شيئا .. تحرير المعنى: لما خلت هذه المواضع منها بكيت جزعا لفراقها مع علمي بأنه لا طائل في البكاء ، الدله : ذهاب العقل ، والندليه إزالته

ألوى بالشيئ : أشار به . العلياء : البقعة العالية يخاطب نفسه ويقول : وإنما أوقدت هند النار بمرآك ومنظر منك ، وكأن البقعة العالية التي أوقدتها عليها كانت تشير إليك بها .. يريد أنها ظهرت لك أتم ظهور فرأيتها أتم رؤية

التنور : النظر إلى النار ، خزازى : بقعة بعينها ، هيهات : بعد الأمر جدا ، الصلاء : مصدر صلى النار ، وصلي بالنار يصلى صلى ويصلا إذا احترق بها أو ناله حرها يقول : ولقد نظرت إلى نار هند بهذه البقعة على بعد بيني وبينها لأصلاها ، ثم قال : بعد منك الاصطلاء بها جدا ، أي أردت أن آتيها فعاقتني العوائق من الحروب وغيرها

يقول : أوقدت هند تلك النار بين هذين الموضعين بعود فلاحت كما يلوح الضياء

غير أني : يريد لكني ، انتقل من النسيب إلى ذكر حاله في طلب المجد ، الثوي والثاوي : المقيم ، النجاء : الاسراع في السير ، والباء للتعدية يقول : ولكني أستعين على إمضاء همي وقضاء أمري إذا أسرع المقيم في السير لعظيم الخطب وفظاعة الخوف

الزفيف : إسراع النعامة في سيرها ثم يستعار لسير غيرها ، والفعل زف يزف ، والنعت زاف ، والزفوف مبالغة ، الهقلة : النعامة ، والظليم هقل ، الزأل : ولد النعامة ، والجمع : رئال ، الدوية منسوبة إلى الدو وهي المفازة ، سقف : طول مع انحناء ، والنعت أسقف يقول : أستعين على إمضاء همي وقضاء أمري عند صعوبة الخطب وشدته بناقة مسرعة في سيرها كأنها في إسراعها في السير نعامة لها أولاد طويلة منحنية لا تفارق المفاوز






لبيد بن ربيعة



( ... - 41 هـ = ... - 661 م)


هو لبيد بن ربيعة بن مالك العامري، أبو عقيل، من هوازن قيس. كان من الشعراء المعدودين وأحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية، من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام، ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم. يعد من الصحابة، ومن المؤلفة قلوبهم. ترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً. وسكن الكوفة وعاش عمراً طويلاً.
اهتم المستشرقون الغربيون بشعراء المعلقات وأولوا اهتماماً خاصاً بالتعرف على حياتهم، فقد قالت ليدي آن بلنت وقال فلفريد شافن بلنت عن لبيد في كتاب لهما عن المعلقات السبع صدر في بداية القرن العشرين: عاش أيضاً في الجاهلية والإسلام. عمر طويلاً وترك نظم الشعر بعد إسلامه. قصة إسلامه أسطورة ورعٍ، إذ أن أخيه أربد قدم إلى الرسول بتفويض من كلاب وقد عزم، كما يقال، على غدره وقتله. حين نطق بعض كلمات عاقة ضربته صاعقة برق واختفى

كان لبيد شاعراً مخضرماً شهد الجاهلية والإسلام. هناك عدة روايات حول إسلامه. وفق الأغاني كان لبيد ضمن وفد ذهب إلى الرسول بعد وفاة أخ لبيد أربد، الذي قتلته صاعقة بعد يوم أو يومين من إلقائه خطبة ضد مباديء العقيدة الإسلامية. وهناك اعتنق الإسلام وكان طاعناً في السن. يقول آخرون إن تعليق القصائد على باب الكعبة كان عادة الشعراء كتحد عام في سوق عكاظ القادم، وهذا ما جعل لبيد يقول:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل*** وكل نعيم لا محالة زائل

استقر لبيد في الكوفة بعد إسلامه حيث وافته المنية قرابة نهاية عهد معاوية (660 ميلادية) في سن 157 سنة كما يذكر ابن قتيبة أو 145 كما ورد في الأغاني، تسعون منها في الجاهلية وما تبقى في الإسلام.
أرسل حاكم الكوفة يوماً في طلب لبيد وسأله أن يلقي بعضاً من شعره فقرأ لبيد الجزء الثاني من القرآن الكريم (سورة البقرة) وقال عندما انتهى " منحني الله هذا عوض شعري بعد أن أصبحت مسلماً."

عندما سمع الخليفة عمر بذلك أضاف مبلغ 500 درهم إلى 2000 درهم التي كان يتقاضها لبيد. حين أصبح معاوية خليفة اقترح تخفيض راتب الشاعر، ذكره لبيد أنه لن يعيش طويلاً. تأثر معاوية ودفع مخصصه كاملاً، لكن لبيد توفي قبل أن يصل المبلغ الكوفة.


أبيات العشر من المعلقة



ِعَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا _ بِمِنَىً تَأَبَّـدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَـا



فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَـا _ خَلَقَاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُهَا



دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا _ حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُهَا وَحَرَامُهَا



رُزِقَتْ مَرَابِيْعَ النُّجُومِ وَصَابَهَا _ وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جَوْدُهَا فَرِهَامُهَا



مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُدْجِنٍ _ وَعَشِيَّةٍ مُتَجَـاوِبٍ إِرْزَامُهَا



فَعَلا فُرُوعُ الأَيْهُقَانِ وأَطْفَلَتْ _ بِالجَلْهَتَيْـنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَـا



وَالعِيْـنُ سَاكِنَةٌ عَلَى أَطْلائِهَا _ عُوذَاً تَأَجَّلُ بِالفَضَـاءِ بِهَامُهَا



وَجَلا السُّيُولُ عَنْ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا _ زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلامُـهَا



أَوْ رَجْعُ وَاشِمَةٍ أُسِفَّ نَؤُورُهَا _ كِفَفَاً تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَا



فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيْفَ سُؤَالُنَا _ صُمَّاً خَوَالِدَ مَا يَبِيْنُ كَلامُهَا




شرح أبيات المعلقة




عفا لازم ومتعد ، يقال : عفت الريح المنزل وعفا المنزل نفسه عفوا وعفاء ، وهو في البيت لازم ، المحل من الديار : ما حل فيه لأيام معدودة ، والمقام منها ما طالت إقامته به ، منى : موضع يحمى ضرية غير منى الحرم ، ومنى ينصرف ولا ينصرف يذكر ويؤنث ، تأبد : توحش وكذلك أبد يؤبد يأبد أبودا ، الغول والرجام : جبلان معروفان . ومنه قول أوس بن حجر : زعمتم أن غولا والرجام لكم ومنعجا فاذكروا فالأمر مشترك يقول : عفت ديار الأحباب وانمحت منازلهم ماكان منها للحلول دون الإقامة وما كان منا للإقامة ، وهذه الديار كانت بالموضع المسمى منى ، وقد توحشت الديار الغولية والديار الرجامية منها لارتحال قطانها واحتمال . سكانها ، والكناية في غولها ورجامها راجعة إلى الديار ، قوله : تأبد غولها ، أي ديار غولها ورجامها . فحذف المضاف
المدافع : أماكن يندفع عنها الماء من الربى والأخياف ، والواحد مدفع ، الريان : جبل معروف . ومنه قول جرير : ياحبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كنا التعرية : مصدر عريته فعري وتعرى ، الوحي : الكتابة ، والفعل وحى يحي والحي الكتاب ، والجمع الوحي ، السلام : الحجارة ، والواحد سلمة بكسر اللام ، فمدفع معطوف على قوله غولها يقول : توحشت الديار الغولية والرجامية ، وتوحشت مدافع جبل الريان لارتحال الأحباب منها واحتمال الجيران عنها. ثم قال : وقد توحشت وغيرت رسوم هذه الديار فعريت خلقا وإنما عرتها السيول ولم تنمح بطول الزمان فكأنه كتاب ضمن حجرا ، شبه بقاء الآثار لعدة أيام ببقاء الكتاب في الحجر ، ونصب خلقا على الحال ، والعامل فيه عري ، والمضمر الذي أضيف اليه سلام عائد إلى الوحي

التجرم : التكمل والانقطاع ، يقال ، تجرمت السنة وسنة مجرمة أي مكملة ، العهد ، اللقاء ، والفعل عهد يعهد ، الحجج : جمع حجة وهي السنة . وأراد بالحرام الأشهر الحرم ، وبالحلال أشهر الحل ، الخلو : المضي ومنه الأمم الخالية ، ومنه قوله عز وجل "وقد خلت القرون من قبلي" يقول : هي آثار ديار قد تمت وكملت وانقطعت إذ بعد عهد سكانها بها سنون مضت أشهر الحرم وأشهر الحل منها ، وتحرير المعنى : قد مضت بعد ارتحالهم عنها سنون بكمالها ، خلون : المضمر فيه راجع إلى الحجج ، وحلالها بدل من الحجج ، وحرامها معطوف عليها ، والسنة لا تعدو أشهر الحرم وأشهر الحل ، فعبر عن مضي السنة بمضيهما


مرابيع النجوم : الأنواء الربيعية وهي المنازل التي تحلها الشمس فصل الربيع ، الواحد مرباع ، الصوب : الإصابة ، يقال : صابه أمر كذا وأصابه بمعنى ، الودق : المطر ، وقد ودقت السماء تدق ودقا إذا أمطرت الجود : المطر التام العام ، وقال ابن الأنباري : هو المطر الذي يرضي أهله وقد جاد يجوده جودا فهو جود ، الرواعد : ذوات الرعد من السحاب ، واحدتها راعدة ، الرهام والرهم : جمع رهمة وهي المطرة التي فيها لين يقول : رزقت الديار والدمن أمطار الأنواء الربيعية فأمرعت وأعشبت وأصابها مطر ذوات الرعود من السحائب ما كان منه عاما بالغا مرضيا أهله وما كان منه لينا سهلا . وتحرير المعنى : أن تلك الديار ممرعة معشبة لترادف الأمطار المختلفة عليها ونزاهتها

السارية : السحابة الماطرة ليلا ، والجمع السواري ، المدجن : الملبس آفاق السماء بظلامه لفرط كثافته ، والدجن إلباس الغيم آفاق السماء ، وقد أدحن الغيم ، الإرزام : التصويت ، وقد أرزمت الناقة إذا رغت ، والأسم الرزمة ، ثم فسر تلك الأمطار فقال : هي كل مطر سحابة سارية ومطر سحاب غاد يلبس آفاق السماء بكثافته وتراكمه وسحابة عشية تتجاوب أصواتها ، أي كأن وعودها تتجاوب ، جمع لها أمطار السنة لأن أمطار الشتاء أكثرها يقع ليلا ، وأمطار الربيع يقع أكثرها غداة وأمطار الصيف يقع أكثرها عشيا . كذا زعم مفسرو هذا البيت
الأيهقان : بفتح الهاء وضمها : ضرب من النبت وهو الجرجير البري ، أطفلت أي صارت ذوات الأطفال ، المجلهتان : جانبا الوادي : ثم أخبر عن إخصاب الديار وأعشابها فقال : علت بها فروع هذا الضرب من النبت وأصبحت الظباء والنعام ذوات أطفال بجانبي وادي هذه الديار ، قوله : ظباؤها ونعامها ، يريد وأطفلت ظباؤها وباضت نعامها ، لأن النعام تبيض ولا تلد الأطفال ، ولكنه عطف النعام على الظباء في الظاهر لزوال اللبس . ومثله قول الشاعر: إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا أي وكحلن العيون ، وقوله الآخر: تراه كأن الله يجدع أنفه وعينيه أن مولاه صار له وفر أي ويفقأ عينيه ، وقول الآخر : ياليت زوجك قد غدا منقلدا سيفا ورمحا أي وحاملا رمحا ، تضبط نظائر ما ذكرنا ، وزعم كثير من الأئمة النحويين والكوفيين أن هذا المذهب سائغ في كل موضع ، ولوح أبو الحسن الأخفش إلى أن المعول فيه على السماع
العين : واسعات العيون ، الطلا : ولد الوحش حين يولد إلى أن يأتي عليه شهر ، والجمع الأطلاء ، ويستعار لولد الإنسان وغيره ، العوذ : الحديثات النتاج ، الواحدة عائذ ، مثل عائط وعوط ، وحائل وحول ، وبازل وبزل ، وفاره وفره ، وجمع الفاعل على فعل قليل معول فيه على الحفظ ، الاجل أجلا ، الفضاء : الصحراء ، البهام : أولاد الضأن اذا انفردت ، وإذا اختلطت بأولاد الضأن أولاد الماعز قيل للجمع بهام ، وإذا انفردت أولاد العز من أولاد الضأن لم تكن بهاما ، وبقر الوحش بمنزلة الضأن ، وشاة الجبل بمنزلة المعز عند العرب ، وواحدة البهام بهم ، وواحد البهم بهمة ، ويجمع البهام على البهمات يقول : والبقر الواسعات العيون قد سكنت وأقامت على أولادها ترضها حال كونها حديثات النتاج وأولادها تصير قطيعا في تلك الصحراء فالمعنى من هذا الكلام : أنها صارت مغنى الوحش بعد كونها مغنى الإنس . ونصب عوذا على الحال من العين
جلا : كشف ، يجلو جلاء ، وجلوت العروس جلوة من ذلك ، وجلوت السيف جلاء صقلته ، منه أيضا ، السيول : جمع سيل مثل بيت بيوت ، شيخ وشيوخ ، الطلول : جمع الطلل ، الزبر : جمع زبور وهو الكتاب ، والزبر الكتابة ، والزبور فعول بمعنى المفعول بمنزلة الركوب والحلوب بمعنى المركوب والمحلوب ، الإجداد والتجديد واحد يقول : وكشفت السيول عن أطلال الديار فأظهرتها بعد ستر التراب إياها ، فكأن الديار كتب تجدد الأقلام كتابتها .. فشبه الشاعر كشف السيول عن الأطلال التي غطاها التراب بتجديد الكتاب سطور الكتاب الدارس ، وظهور الأطلال بعد دروسها بظهور السطور بعد دروسها ، وأقلام مضافة إلى ضمير زبر ، وأسم كان ضمير الطلول

الرجع الترديد والتجديد ، وهو من قولهم : رجعته أرجعته رجعا فرجع يرجع رجوعا . وقد فسرنا الواشمة ، الاسفاف : الذر ، وهو من قولهم : سف زيد السويق وغيره يسفه سفا النؤور : ما يتخذ من دخان السراج والنار ، وقيل : النيلج ، الكفف : جمع كفة وهي الدارات ، وكل شيئ مستدير كفة ، بكسر الكاف ، وجمعها كفف ، وكل مستطيل كفة بضمها ، والجمع كفف ، كذا حكى الأئمة ، تعرض وأعرض : ظهر ولاح ، الوشام : جمع وشم ، شبه ظهور الأطلال بعد دروسها بتجديد الكتابة وتجديد الوشم يقول : كأنها زبر أو ترديد واشمة وشما قد ذرت نؤورها في دارات ظهر الوشام فوقها فأعادتها كما تعيد السيول الأطلال إلى ما كانت عليه ، فجعل إظهار السيل الأطلال كإظهار الواشمة الوشم ، وجعل دروسها كدروس الوشم ، نؤورها اسم ما لم يسم فاعله ، وكففا هو المفعول الثاني بقي على انتصابه بعد إسناد الفعل إلى المفعول ، وشامها : فاعل تعرض وقد أضيف إلى ضمير الواشمة


الصم : الصلاب ، والواحد أصم والواحدة صماء ، خوالد : بواق ، يبين : بان يبين بيانا ، وأبان قد يكون بمعنى أظهر ويكون بمعنى ظهر ، وكذلك بين وتبين بالتضعيف قد يكون بمعنى ظهر وقد يكون بمعنى عرف واستبان كذلك ، فالأول لازم والأربعة الباقية قد تكون لازمة وقد تكون متعدية ، وقولهم : بين الصبح لذي عينين ، أي ظهر فهو هنا لازم ويروى في البيت : ما يبين كلامها وما يبين ، بفتح الياء وضمها ، وهما هنا بمعنى ظهر يقول : فوقفت أسأل الطلول عن قطانها وسكانها ، ثم قال وكيف سؤالنا حجارة صلابا بواقي لا يظهر كلامها ، أي كيف يجدي هذا السؤال على صاحبه وكيف ينتفع به السائل ؟ لوح إلى أن الداعي إلى هذا السؤال فرط الكلف والشغف وغاية الوله ، وهذا مستحب في النسيب والمرئية لأن الهوى والمصيبة يدلهان صاحبهما

**د لا ل**
2012-02-11, 15:27
النابغة الذبياني


(... - 18 ق. هـ = ... - 605 م)

هو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن مرّة بن عوف بن سعد، الذبياني، الغطفاني، المضري. شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، من أهل الحجاز، ينتهي نسبه كما قال التبريزي إلى قيس بن عيلان، ويكنى بأبي أمامة، وقيل بأبي ثمامة، كما هو وارد في "الشعر والشعراء"، وبأبي عقرب على ما يذهب إليه البغدادي في خزانة الأدب. والنابغة لقب غلب على الشاعر، اختلف النقاد في تعليله وتفسيره، أما ابن قتيبة فيذكر أنه لقب بالنّابغة لقوله:
وحلّت في بني القين بن جسر- فقد نبغت لهم منا شؤون
وردّ ابن قتيبة هذا اللقب إلى قولهم: "ونبغ- بالشعر- قاله بعد ما احتنك وهلك قبل أن يهتر". وفي رأي البغدادي، أن هذا اللقب لحقه لأنه لم ينظم الشعر حتى أصبح رجلاً. وربّما كان اللقب مجازاً، على حدّ قول العرب: نبغت الحمامة، إذا أرسلت صوتها في الغناء، ونبغ الماء إذا غزر. فقيل: نبغ الشاعر، والشاعر نابغة، إذا غزرت مادة شعره وكثرت. ولا يعرف شيئاً يذكر عن نشأة الشاعر قبل اتصاله بالبلاط، فيما خلا ما نقله صاحب الروائع عن المستشرق دي برسفال، من مزاحمة النّابغة لحاتم الطائيّ على ماوية، وإخفاقه في ذلك.

وتتفق روايات المؤرخين على أن النّابغة نال حظوة كبيرة عند النعمان الذي قرّبه إليه بعد أن أحسن وفادته. ولا شك أن الشاعر نزل من نفس الملك منزلة طيبة فآثره هذا بأجزل عطاياه وأوفر نعمه، مما لم ينله شاعر قبله، ويذكر أبو الفرج في أغانيه أن النّابغة كان يأكل ويشرب في آنية من الفضة والذهب. وعن ابن قتيبة عن ابن الكلبي الرواية الآتية التي تثبت مكانة الشاعر عند النعمان. قال حسان بن ثابت: رحلت النعمان فلقيت رجلاً فقال: أين تريد فقلت هذا الملك قال: فإنك إذا جئته متروك شهراً، ثم يسأل عنك رأس الشهر ثم أنت متروك شهراً آخر ثم عسى أن يأذن لك فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه، وإن رأيت أبا أمامة النّابغة فاظعن، فإنه لا شيء لك. قال: فقدمت عليه، ففعل بي ما قال، ثم خلوت به وأصبت منه مالاً كثيراً ونادمته فبينما أنا معه في قبة إذ جاء رجل يرجز. فقال النعمان: أبو أمامة فأذنوا له، فدخل فحيا وشرب معه، ووردت النعم السود، فلما أنشد النابغة قوله:
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكب- إذا طلعت لم يبدُ منهنَّ كوكبُ
دفع إليه مائة ناقة من الإبل السود، فيها رعاؤها، فما حسدت أحداً حسدي النّابغة لما رأيت من جزيل عطيته، وسمعت من فضل شعره.


الأبيات العشر الاولى

يَـا دَارَ مَيَّـةَ بالعَليْـاءِ ، فالسَّنَـدِ
أَقْوَتْ ، وطَالَ عَلَيهَا سَالِـفُ الأَبَـدِ
وقَفـتُ فِيـهَا أُصَيلانـاً أُسائِلُهـا
عَيَّتْ جَوَاباً ، ومَا بالرَّبـعِ مِنْ أَحَـدِ
إلاَّ الأَوَارِيَّ لأْيـاً مَـا أُبَـيِّـنُـهَا
والنُّؤي كَالحَوْضِ بالمَظلومـةِ الجَلَـدِ
رَدَّتْ عَليَـهِ أقَـاصِيـهِ ، ولـبّـدَهُ
ضَرْبُ الوَلِيدَةِ بالمِسحَـاةِ فِي الثَّـأَدِ
خَلَّتْ سَبِيـلَ أَتِـيٍّ كَـانَ يَحْبِسُـهُ
ورفَّعَتْهُ إلـى السَّجْفَيـنِ ، فالنَّضَـدِ
أمْسَتْ خَلاءً ، وأَمسَى أَهلُهَا احْتَمَلُوا
أَخْنَى عَليهَا الَّذِي أَخْنَـى عَلَى لُبَـدِ
فَعَدِّ عَمَّا تَرَى ، إِذْ لاَ ارتِجَـاعَ لَـهُ
وانْـمِ القُتُـودَ عَلَى عَيْرانَـةٍ أُجُـدِ
مَقذوفَةٍ بِدَخِيسِ النَّحـضِ ، بَازِلُهَـا
لَهُ صَريفٌ ، صَريفُ القَعْـوِ بالمَسَـدِ
كَأَنَّ رَحْلِي ، وَقَدْ زَالَ النَّـهَارُ بِنَـا
يَومَ الجليلِ ، عَلَى مُستأنِـسٍ وحِـدِ
مِنْ وَحشِ وَجْرَةَ ، مَوْشِيٍّ أَكَارِعُـهُ
طَاوي المَصِيرِ ، كَسَيفِ الصَّيقل الفَرَدِ



شرح ابيات المعلقة



1- العلياء: مكان مرتفع من الأرض.قال ابن السكت: قال: بالعلياء، فجاء بالياء لأنه بناها على عليت، والسند: سند الوادي في الجبل، وهو ارتفاعه حيث يسند فيه: أي يصعد فيه

2- ويروى وقفت فيها طويلا، ويروى طويلاناً وأصيلالاً فمن روى أصيلا أراد عشيا، ومن روى طويلا جار أن يكون معناه وقوفا طويلا، ويجوز أن يكون معناه وقفا طويلا، ومن روى أصيلانا ففيه قولان، أحدهما أنه تصغير أصلان وأصلان جمع أصيل كما يقال رغيف ورغفان، والقول الآخر بمنزلة غفران وهذا هو القول الصحيح، والأول خطأ لأن أصلانا لا يجوز أن يصغر إلا أن يرد إلى أقل العدد.
وهو حكم كل جمع كثير، وقوله عييت يقال عيبت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه وقوله: جوابا منصوب على المصدر أي عيت أن تجيب وما بها أحد ومن زائدة للتوكيد فأنا به عيي

3-
ويروى أواري بضم الهمزة والنصب أجود، والأواري والأواخي واحد وهي التي تحبس بها الخيل، واللأي، البطء يقال التأت عليه صاحبته أي بعد بطء استبانها، والنؤي حاجز من تراب يعمل حول البيت والخيمة لئلا يصل إليها الماء والمظلومة الأرض من غير عمارة، ولا حجارة، وإنما قصد إلى الجلد لأن الحفر فيها يصعب فيكون ذلك أشبه شيء بالنؤي.
4- يروى بفتح الراء وضمها ردت عليه أقاصيه، وهذه الرواية أجود لأنه إذا قال ردت عليه أقاصيه. فأقاصيه في موضع رفع فأسكن الياء لأن الضمة فيها ثقيلة وإذا روي ردت فأقاصيه في محل نصب. والفتح لا يستثقل فكان يجب أن يفتح الباء إلا أنه يجوز إسكانها في الضرورة لأنه تسكين في الرفع والخفض، فأجرى النصب مجراهما وأيضا فإنه إذا روي ردت، فقد أضمر ما لم يجر ذكره أراد ردت عليه الأمة، إلا أن هذا يجوز إذا عرف معناه، وأقاصيه ما شذ منه ولبده سكنه أي سكنه حضر الوليدة والثأد الموضع الندي التراب، الثأد ثأد يثأد فهو ثئد
5- الأتي: النهر الصغير، أي خلت الأمة سبيل الماء في الأتي تحفرها، ورفعته ليس يريد به علت الماء، ومعناه [قدمته، وبلغت به] كما تقول ارتفع القوم إلى السلطان والسجفان ستران رقيقان يكونان في مقدمة البيت، والنضد ما نضد من متاع البيت
6- ويروى ارتحلوا، أخنى: أفسد لأن الخنا الفساد والنقصان، وقيل أخنى عليها أتى
7- يعني ما ترى من خراب الديار، والقتود خشب الرحل وهو للجمع الكثير وفي القليل أقتاد والواد قتد
8-
مقذوفة: أي مرمية باللحم، والدخيس والدخاس الذي قد دخل بعضه في بعض من كثرته، والنحض: اللحم، وهو جمع نحضة بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، والبازل الكبير، والصريف: الصياح، والصريف من الإناث من شدة الإعياء، ومن الذكور من النشاط. والقعد بالضم البكرة، إذا كان خشبا وإذا كان حديدا فهو خطاف، ويروى صريف صريف بالرفع على المصدر وعلى النصب أجود وعلى البدل أحسن.
9- زال النهار أي انتصف، وبنا بمعنى علينا، والجليل الثمام أي موضع فيه ثمام. والمستأنس الناظر بعينه ومنه قوله تعالى: (إني آنست نارا) أي أبصرت ومنه قيل إنسان لأنه مرئي ويروى على مستوحش وهو الذي أوجس في نفسه الفزع
10-
خص وحش وجرة لأنها فلاة قليلة الشرب، والموشى الذي فيه ألوان مختلفة، طاوي أي ضامر، والمصير: المصار وجمعه مصران وجمع مصران مصارين أي هو يلمع كسيف الصقيل، والفرد الذي ليس له نظير ويجوز فيه فتح الراء وضمها.








الأعشى بن قيس


(... - 7 هـ = ... - 628 م)



هو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضُبيعة، من بني قيس بن ثعلبة، وصولاً إلى علي بن بكر بن وائل، وانتهاء إلى ربيعة بن نزار. يعرف بأعشى قيس، ويكنّى بأبي بصير، ويقال له أعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير. عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم، ولقب بالأعشى لضعف بصره، وعمي في أواخر عمره. مولده ووفاته في قرية منفوحة باليمامة، وفيها داره وبها قبره.
من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، كان كثير الوفود على الملوك من العرب، والفرس، فكثرت الألفاظ الفارسية في شعره. غزير الشعر، يسلك فيه كل مسلك، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعراً منه. كان يغني بشعره فلقب بصنّاجة العرب، اعتبره أبو الفرج الأصفهاني، كما يقول التبريزي: أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وذهب إلى أنّه تقدّم على سائرهم، ثم استدرك ليقول: ليس ذلك بمُجْمَع عليه لا فيه ولا في غيره.


كان الأعشى بحاجة دائمة إلى المال حتى ينهض بتبعات أسفاره الطويلة ويفي برغباته ومتطلباته فراح بلاد العرب قاصداً الملوك.. يمدحهم ويكسب عطاءهم. ولم يكن يجتمع إليه قدر من المال حتى يستنزفه في لذّته.. ثم يعاود الرحلة في سبيل الحصول على مال جديد، ينفقه في لذّة جديدة.
أما ديوان الأعشى فليس أقلّ من دواوين أصحاب المعلقات منزلة عند النقّاد والرواة. عني به بين الأقدمين أبو العباس ثعلب- كما ذكر صاحب الفهرست- ثمّ عكف الأدباء على ما جمعه ثعلب، ينتقون منه القصائد والشواهد، وفي طليعة هؤلاء التبريزي الذي جعل قصيدة الأعشى اللامية "ودّع هريرة" إحدى معلقات الجاهليين كذلك اعتبرت لامية الأعشى: "ما بكاءُ الكبير بالأطلال" .. من المعلقات العشر في شرح آخر لتلك القصائد. وبين المستشرقين الذين أكبوا على شعر أبي بصير جمعاً واستدراكاً وشرحاً سلفستر دي ساسي (1826م- 1242هـ)، ثوربكه (1875م- 1292هـ)، ورودلف جاير الذي أمضى نصف قرن في صحبة الأعشى وشعره، بحيث أصدر في (1928م- 1347هـ) ديوان الشاعر القيسي في طبعة بعنوان: "الصبح المنير في شعر أبي بصير"..





الابيات العشر من معلقته :




وَدّعْ هُرَيْـرَةَ إنّ الرَّكْـبَ مرْتَحِـلُ
وَهَلْ تُطِيقُ وَداعـاً أيّهَـا الرّجُـلُ ؟
غَـرَّاءُ فَرْعَـاءُ مَصْقُـولٌ عَوَارِضُـهَا
تَمشِي الهُوَينَا كَمَا يَمشِي الوَجي الوَحِلُ
كَـأَنَّ مِشْيَتَـهَا مِنْ بَيْـتِ جَارَتِهَـا
مَرُّ السَّحَابَةِ ، لاَ رَيْـثٌ وَلاَ عَجَـلُ
تَسمَعُ للحَلِي وَسْوَاساً إِذَا انصَرَفَـتْ
كَمَا استَعَانَ برِيـحٍ عِشـرِقٌ زَجِـلُ
لَيستْ كَمَنْ يكرَهُ الجِيـرَانُ طَلعَتَـهَا
وَلاَ تَـرَاهَـا لسِـرِّ الجَـارِ تَخْتَتِـلُ
يَكَـادُ يَصرَعُهَـا ، لَـوْلاَ تَشَدُّدُهَـا
إِذَا تَقُـومُ إلـى جَارَاتِهَـا الكَسَـلُ
إِذَا تُعَالِـجُ قِـرْنـاً سَاعـةً فَتَـرَتْ
وَاهتَزَّ مِنهَا ذَنُـوبُ المَتـنِ وَالكَفَـلُ
مِلءُ الوِشَاحِ وَصِفْرُ الـدّرْعِ بَهكنَـةٌ
إِذَا تَأتّـى يَكَـادُ الخَصْـرُ يَنْخَـزِلُ
صَدَّتْ هُرَيْـرَةُ عَنَّـا مَـا تُكَلّمُنَـا
جَهْلاً بأُمّ خُلَيْدٍ حَبـلَ مَنْ تَصِـلُ ؟
أَأَنْ رَأَتْ رَجُلاً أَعْشَـى أَضَـرَّ بِـهِ
رَيبُ المَنُونِ ، وَدَهْـرٌ مفنِـدٌ خَبِـلُ





شرح الابيات :




قال أبو عبيدة: هريرة قينة كانت لرجل من آل عمرو بن مرثد، أهداها إلى قيس بن حسان بن ثعلبة بن عمرو بن مرثد فولدت له خليدا وقد قال في قصيدته
والركب لا يستعمل إلا للإبل، وقوله وهل تطيق وداعا، أي أنك تفزع إن ودعتها
قال الأصمعي] الغراء: البيضاء الواسعة الجبين، وروي عنه أنه قال الغراء البيضاء النقية العرض، والفرعاء الطويلة الفرع: أي الشعر [والعوارض الرباعيات والأنياب] تمشى الهوينى: أي على رسلها، والوجى يشتكي حافره، ولم يخف، وهو مع ذلك وحل فهو أشد عليه.
وغراء مرفوع لأنه خبر مبتدأ ويجوز نصبه بمعنى أعني، وعوارضها مرفوعة على أنها اسم ما لم يسم فاعله والهوينى في موضع نصب على المصدر وفيها زيادة على معنى مصدر.
المشية: الحالة، وقوله مر السحابة أي تهاديها كمر السحابة، وهذا مما يوصف به [النساء].
الحلي واحد يؤدي عن جماعة، ويقال في جمعه حلي، والوسواس جرس الحلي، إذا انصرفت: يريد إذا خفت، فمرت الريح، تحرك الحلي، فشبه صوت الحلي بصوت خشخشة العشرق على الحصباء
تختتل وتختل واحد [بمعنى تسرق وتخدع] فهي لا تفعل هذا
يقول لولا أنها تشدد إذا قامت لسقطت وإذا في موضع نصب والعامل فيها يصرعها
ذنوب المتن: العجيزة والمعاجز مقر الوشاح.
صفر الوشاح: أي خميصة البطن، دقيقة الخصر، فوشاحها يقلق عليها لذلك هي تملأ الدرع لأنها ضخمة، والبهكنة الكبيرة الخلق، وتأتى تترفق من قولك هو يتأتى لك لأمر، وقيل تأتى: تهيأ للقيام، والأصل تتأتى فحذف إحدى التاءين، تنخزل: تنثني، وقيل تتقطع ويقال خزل عنه حقه إذا قطعه
الدجن: إلباس الغيم السماء. وقوله للذة المرء كناية عن الوطء ويروى تصرعه. لا جاف: أي لا غليظ والتفل: المنتن الرائحة وقيل هو الذي لا يتطيب.

**د لا ل**
2012-02-11, 15:29
عَبيد بن الأبرَص
؟؟؟ - 25 ق.هـ / ؟؟؟ - 598 ق م


عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم الأسدي، أبو زياد، من مضر.
شاعر من دهاة الجاهلية وحكمائها، وهو أحد أصحاب المجمهرات المعدودة طبقة ثانية عن المعلقات. عاصر امرؤ القيس وله معه مناظرات ومناقضات، وعمّر طويلاً حتى قتله النعمان بن المنذر وقد وفد عليه في يوم بؤسه.
ت تعريف / بمعلقة عبيد بن الأبرص

على الرغم من هزال هذه القصيدة واضطرابها من الناحية الفنية، فإنها تعتبر من أشهر قصائد عبيد بن الأبرص، ذلك أن المنذر قد طلب إلى الشاعر أن يلقيها في حضرته. وقد أوردها التبريزي ضمن مجموعة (القصائد العشر). بدأها عبيدُ بذكر المنازل المقفرة وتقلّب صروف الزمان عليها، ثم انتقل إلى الحديث عن سنّة الحياة في تحوّل كل شيء، ونهاية الإنسان إلى الموت، ويستطرد في بقية القصيدة، أي في ثلاثة أرباعها، إلى وصف سفره بالنّاقة، ثم إلى وصف فرسه.
وأجمل ما في القصيدة هو المقطع الأخير الذي وصف به المعركة التي جرت بين العقاب والثعلب وانتصارها عليه. وهو وصف يكاد ينسينا جفاف المطلع واتشاحه بالألوان القاتمة. وقد ذكرها ابن سيده مثلاً على "الشعر المهزول غير المؤتلف البناء". وقال ابن كناية "ولم أر أحداً ينشد هذه القصيدة على إقامة العروض. "وقيل أيضاً: "كادت ألا تكون شعراً". وكل هذا لم يمنع من شهرة القصيدة. اعتمدنا في ذلك على: مطاع صفدي وإيليا حاوي، موسوعة الشعر العربي: الشعر الجاهلي، إشراف د. خليل حاوي، تحقيق وتصحيح أحمد قدامة، بيروت: شركة خياط، 1974، جـ2، ص582.


معلقة عبيد الأبرص

أقفـرَ من أهلهِ مَلْحـوبُ *** فالقُطبيَّــات فالذَّنـــوبُ

فَراكِـسٌ فثُعَيـلٍبــاتٌ *** فَـذاتَ فَـرقَـينِ فالقَـلِيبُ

فَعَـرْدةٌ ، فَقَفــا حِـبِرٍّ *** لَيسَ بِها مِنهُــمُ عَـريبُ

وبُدِّلَتْ مِنْ أهْلِها وُحوشًا *** وغًـيَّرتْ حالَها الخُطُــوبُ

أرضٌ تَوارَثَهـا الجُدوبُ *** فَكُـلُّ من حَلَّهـا مَحْـروبُ

إمَّـا قَتيـلاً وإمَّـا هَلْكـًا *** والشَّيْبُ شَـيْنٌ لِمَنْ يَشِـيبُ

عَينـاكَ دَمْعُهمـا سَـروبٌ *** كـأنَّ شَـأنَيهِمـا شَـعِيبُ

واهِيــةٌ أو مَعـينُ مَـعْنٍ *** مِنْ هَضْبـةٍ دونَها لَهـوبُ

أو فَلْجُ وادٍ بِبَطْـنِ أرضٍ *** لِلمـاءِ مِنْ تَحْتِهـا قَســيبُ

أوْ جَدولٌ في ظِلالِ نَخْـلٍ *** لِلمـاءِ مِنْ تَحتِهـا سَـكوبُ

تَصْبو وأنَّى لكَ التَّصابي ؟ *** أنَّي وقَد راعَـكَ المَشـيبُ

فإنْ يَكُـنْ حـالَ أجْمَعِهـا *** فلا بَـدِيٌّ ولا عَجـيبُ

أوْ يـكُ أقْفَـرَ مِنها جَـوُّها *** وعادَها المَحْـلُ والجُـدوبُ

فكُـلُّ ذي نِعْمـةٍ مَخلـوسٌ *** وكُـلُّ ذي أمَـلٍ مَكـذوبُ

فكُـلُّ ذي إبِـلٍ مَـوْروثٌ *** وكُـلُّ ذي سَـلْبٍ مَسْـلوبُ

فكُـلُّ ذي غَيْبـةٍ يَـؤوبُ *** وغـائِبُ المَـوْتِ لا يَغـيبُ

أعاقِـرٌ مِثْـلُ ذاتِ رَحْـمٍ *** أوْ غـانِمٌ مِثْـلُ مَنْ يَخـيبُ

مَنْ يَسْـألِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ *** وســــائِلُ اللهِ لا يَخـيبُ

باللهِ يُـدْرَكُ كُـلُّ خَـيْرٍ *** والقَـوْلُ في بعضِـهٍِ تَلغـيبُ

واللهُ ليسَ لهُ شَــريكٌ *** عـلاَّمُ مـا أخْفَـتِ القُلُـوبُ

أفْلِحْ بِما شِئْتَ قدْ يَبلُغُ بالضَّعْـ *** ـفِ وقَدْ يُخْـدَعُ الأرِيبُ

يَعِـظُ النَّاسُ مَنْ لا يَعِـظُ الدْ *** دَهْـرُ ولا يَنْفَـعُ التَّلْبِيبُ

إلاَّ سَــجِيَّـاتُ ما القُلُـو *** بُ وكمْ يُصَـيِّرْنَ شائنًا حَبِيبُ

سـاعِدْ بِأرضٍ إنْ كُنتَ فيها *** ولا تَقُـلْ إنَّنـي غَـريبُ

قدْ يُوصَلُ النَّازِحُ النَّائي وقد *** يُقْطَـعُ ذو السُّـهْمَةِ القَـريبُ

والمَرْءُ ما عاشَ في تَكْذيبٍ *** طُـولُ الحَيــاةِ لـهُ تَعْـذيبُ

يا رُبَّ مـاءٍ وَرَدتُّ آجِـنٍ *** سَـــبيلُهُ خـائفٌ جَـدِيبُ

رِيشُ الحَمـامِ على أرْجائِهِ *** لِلقَـلبِ مِنْ خَـوْفِـهِ وَجِـيبُ

قَطَعتـهُ غُـدْوة مُشِــيحًا *** وصــاحِبي بـادِنٌ خَبــوبُ

غَـيْرانةٌ مُوجَـدٌ فَقـارُهـا *** كـأنَّ حـارِكَهــا كَثِـيبُ

أخَـلَّفَ بـازِلاً سَـــديسٌ *** لا خُـفَّـةٌ هِـيَ ولا نَـيُـوبُ

كـأنَّهـا مِنْ حَمـيرِ غـاب *** جَـوْنٌ بِصَفْحـَتِــهِ نُـدوبُ

أوْ شَـبَبٌ يَـرْتَعي الرُّخامِي *** تَـلُـطُّـهُ شَـمْألٌ هَـبُـوبُ

فـذاكَ عَصْـرٌ وقدْ أرانـي *** تَحْمِـلُنـي نَهْـدَةٌ سَـرْحوبُ

مُضَـبَّرٌ خَلْـقُهـا تَضْـبيرًا *** يَنْشَـقُّ عَنْ وَجْهِهـا السَّـبيبُ

زَيْـتِـيَّـةٌ نائـمٌ عُـروقُهـا *** ولَـيِّنٌ أسْــرُها رَطِـيبُ

كـأنَّهـا لِقْــوَةٌ طَـلُـوبٌ *** تَـيْـبَسُ في وَكْـرِها القُـلُوبُ

بَـانَـتْ علَى إرْمٍ عَـذوبـًا *** كـأنَّهـا شَــيْخةٌ رَقُــوبُ

فَأَصْـبَحَتْ في غَـداةِ قُـرٍّ *** يَسْـقُطُ عَنْ رِيشِـها الضَّـريبُ

فَأبْصَرَتْ ثَعْلَـبًا سَـريعـًا *** ودونَـهُ سَــبْسَـبٌ جَـديـبُ

فَنَفَّـضَتْ رِيشَـها ووَلَّـتْ *** وَهْـيَ مِنْ نَهْضَـةٍ قَـريـبُ

فاشْـتالَ وارْتاعَ مِنْ حَسِيسٍ *** وفِعْلـهُ يَفعَــلُ المَـذْؤوبُ

فَنَهَضَـتْ نَحْـوَهُ حَثِـيثـًا *** وحَـرَّدتْ حَـرْدَهُ تَسِــيبُ

فَـدَبَّ مِنْ خَلفِهـا دَبيبـًا *** والعَـيْنُ حِمْـلاقُهـا مَقْلـوبُ

فـأدْرَكَتْـهُ فَطَـرَّحَتْــهُ *** والصَّـيْدُ مِنْ تَحْتِهـا مَكْـروبُ

فَجَـدَّلَـتْـهُ فَطَـرَّحَتْــهُ *** فكَـدَّحَتْ وَجْهَـهُ الجَـبوبُ

فعـاوَدَتْـهُ فَـرَفَّـعَـتْـهُ *** فـأرْسَـلَـتْـهُ وهُوَ مَكْـروبُ

يَضغُو ومِخْلَـبُهـا في دَفِـهِ *** لا بُـدَّ حَـيْزومُـهُ مَنقُــوبُ

**د لا ل**
2012-02-11, 15:33
السبع المعلقات (تحليل أنثروبولوجي) بنية المطالع في المعلقات – عبد المالك مرتاض

[/URL]

أولاً: لماذا الطلل؟

لقد علّل ابن قتيبة نقلاً عن بعض معاصريه أنّ “مُقصِّدَ القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار: فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها؛ إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن، على خلاف ما عليه نازلة المدر من انتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان، ثمّ وصل ذلك بالنسيب (…) ليُمِيلَ نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه”([URL="http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn1"][1] (http://www.dernounisalim.com/?attachment_id=1393)).
وإذاً، فقد نَبَّه النقاد القدماء لعلة ابتداء مقصِّدِي القصائدِ بذكر الديار، ووصف الدمن، والوقوف على الربوع يبكون لديها، ويشكون من تَحّمُّل أهلها عنها، ومزايلة الأحبة إياها فيذكرون الأيام الخوالي، والأزمان المواضي؛ وما كانوا نَعِموا به فيها من اللحظات السعيدات، مع الحبيبات الوامقات: إما بالنظرات والرنوات، وإما بتبادل أسقاط الحديث، وأما بنيل أكثر من ذلك منهنّ… يذكرون كلّ ذلك فتذرف منهم العيون تذرافاً، وتهيم بهم الصبابة، وترتعش في أعماقهم العواطف، وتلتعج في قلوبهم المشاعر، فينهال عليهم الشعر الجميل انهيالاً، كما تنهال من أعينهم الدموع الغزار حتى تبلّ محامِلَهم.
وكان هذا الدّيْدُن جِبِلّةً في ذلك المجتمع البدويّ الذي لم يك نظامه ينهض على الاستقرار كما كان ذلك مفترضاً في الحواضر العربية مثل مكة، ويثرب، وصنعاء، والحيرة…، وإنما كان ينهض على نظام التظعان: انتجاعاً للكلأ، والتماساً لمدافِع الماء، وارتشافاً لمنابعها، وارتواء بما في غدرانها؛ فكان المقام لا يكاد يستقرّ بهم قرارُه. وعلى الرغم من أنّ تلك المقامات التي كانت تقع لهم على عيون الماء وغدران الأمطار لا دَيَّارَ يعرفُ مُدَدَ أزمنتها؛ فإننا نفترض، مع ذلك، أنها كانت لا تزيد عن الشهرين والثلاثة. وعلى قِصَر هذه المدد التي كانت تُقَضَّى بتلك الغدران والمراعي المُمْرِعَةِ إلاّ أنها كانت مُجْزِئةً لاضطرام علاقات غرامية بين فتيات وفتيان ما أشدّ ما كانت قلوبهم تهفو للحبّ وتتعلقّ به. وغالباً ما كانت تلك العلاقات الغراميّة تقع بين أقاربَ وأهلِ عشيرة، لقيام تلك الحياة البدويّة المتنقلة على النظام القبلي أو العَشَريّ. وربما كانت تقع بين أجنبيّ عن القبيلة المتنقّلة بإحدى فتياتها…. وغالباً ما كان ذلك الحب يظلّ مكتوماً غير معلنٍ، وخفيَّاً غير ظاهرٍ؛ وإلاّ فهي المآسي للحبيبين الاثنين… ذلك بأنّ العرب كانوا يُحرِّمون على مَن يحبُّ فتاة ويشتهر حبُّه إيّاها أن يُقْدِم على اختطابها من أهلها. وكانوا يعدُّون ذلك من الفضائح وملطّخات الشرف. وإنّا لا نحسب أنّ أولئك الشعراء كانوا يصفون الدِمَنَ والأطلال، وخصوصاً أوائلهم، لمجرد حبّ الوصف، وإمتاع المتلقين؛ وإنما كانوا يصّورون عواطفهم الجيّاشة، ويعبرون عن تجاربهم الحميمة من خلال أشعارهم. من أجل ذلك كثيراً ما كنا نُلْفيهم يذكرون أسماء المواضع التي يقع حوالها الطلل البالي الذي زايلته الحبيبة وتحمّلت عنه إلى سوائه من مُخْصِبات الأرض، ومُرْوِيَات الأودية.
ولكننا نحسب أنّ ذِكْر أسماء النساء الحبيبات (زهير: أمّ أوفى؛ لبيد: نوار؛ عنترة: أم الهيثم؛ الحارث بن حلزة: هند…..) في المعلقات خصوصاً لم يكن يعني أن تلك الأسماء كانت تنصرف حقاً إلى حبيبات الشعراء، وإلاّ رُبَّتما كانوا قُتِلُوا قتلاً وَحِيّاً، وفُتِكَ بهم فتكاً ذريعاً. وإنما هي، في تمثّلنا على الأقل، أسماءٌ رمزيّة لا تعني إلاّ سمةً دالة على نساء بدون تخصيص للنسب، ولا تدليل على الانتماء العائليّ الحقيقيّ؛ ففي كلّ قبيلة عربية كان يوجد عدد لا يحصى من النساء ممن كن يَتَكَنَّين أويَتَسمين أُمَّ أوفى، ونَواراً، وأمَّ الهيثم، وهِنْداً…
والحق أنَّ ظاهرة الطلل في الشعر العربي قبل الإسلام الذي اتخذها له دأْباً لم تأتِ عبثاً؛ و لا لمجرد البكاء على عهود ماضية، وأزْمُنٍ خالية؛ ولا لمجرد الحنين والتعلق بالمكان؛ فتلك جوانب عاطفية وقد تناولها الناس قديماً وحديثاً من ابن قتيبة إلى نقاد عهدنا هذا؛ وإنما الذي يجب التوقّف لديه هو أن هذه الطلليات، أو المطالع الطللية، أو المقدمات الطللية- فبكلّ عبّر النقاد فيما نحسب -كانت جزءاً من تلك الحياة البدوية، الرعويّة، الشظِفَة، الضنْكة التي كان نظامها ينهض على إجبارية التنقل من مرعىً إلى مرعىً، ومن وادٍ إلى واد، ومن غديرٍ إلى غدير. وكانت القبيلة ربما اضطرت إلى التنقل فجأةً عن مستقرها من منزلها إذا خشيت العدوان عليها، أو الإغارة المبيتّة ضدها كما جاءت، مثلاً، بعض ذلك قبيلة بني أسدٍ حين تَوجَّسَتْ أن يُصَبِّحَها امرؤ القيس طلباً بثأر أبيه([2] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn2)).
ولما كان نظام حياتهم ينهض على الترحال، وعلى التكيف بطقس الصحراء القاسي الجاف؛ فقد كانوا يجتزئون بأقل ما يمكن التبلّغُ به في الطعام والشراب من وجهةٍ، وبأقلّ ما يمكن التدثّر به من وجهة أخراةٍ. فكانوا، في باديتهم، أقدر على الإجتزاء بأيسر الطعام وأشْظَفِهِ وأسوئه كأكْلِهمُ الْعِلْهِزَ، والحيّات، والجراد، وبأقلّ الشراب وأخبثه كالفظّ والمجدوح([3] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn3))، فكانوا أقدر الناس على احتمال الجوع، والظمأ، ووعثاء الأسفار، وأصبرهم على التنقّل في مجاهل الصحراء.
ولم تكن تلك الحواضر العربية القديمة، القليلة، مثلُ مكّة، والطائف، ويثرب، والحيرة، وصنعاء، كافيةً لأن تشعّ بحضارتها، واستقرارها، ونظامها الحَضَريّ القارّ.
وعلى غير ما يحاول أن يثبت أستاذنا نجيب محمد البهبيتيّ([4] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn4)) من أن العرب كانوا على حظ عظيم من الحضارة والرقي والتعلم: فإننا نميّز بين الحياة في القرى، والحياة في البادية القاحلة. ولا سواءٌ قومٌ تُفْعِمُهُمُ الحساسية بالحياة، وتطبع عواطفهم بالرقة لدى الحبّ، كما تطبع مشاعرهم بالغلظة والقسوة لدى التعرض للمهانة والضيم؛ قومٌ يحرصون على الموت كحرصهم على الحياة لا يبالون أن يُقْتُلُوا أو يُقْتَلُوا: حبُّ الضيف شِنْشِنَتُهُمْ، وإكرامه جبلَّتُهُم، ورعي الذمام خُلُقُهم، والوفاء بالعهد طبعهم، وفصاحة اللسان مجْدهُم، وذكاء الجنان هبة الطبيعة إياهم… وقوم ينتلقون من فجّ إلى فج، ومن كنف إلى كنف دون أن يستقر لهم قرار، لا يكادون يصطحبون أثناء تظعانهم إلاّ المُحِلاّت([5] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn5)).
ولعلّ كل ذلك، أو بعضه على الأقل، تجسده هذه المطالع الطلليّة التي وردت في القصائد التي عرفت في تاريخ النقد العربي تحت مصطلح “المعلقات”، أو “السبع الطوال” ([6] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn6)) التي تسميها العرب أيضاً “السُّمُوط”، فيما يزعم المفضّل الضبيّ([7] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn7)).
وقد لاحظنا أن بنبة كل معلقة تقوم على ثلاثة عناصر لا تكاد تعدوها، ولا تكاد تمرق عن نظامها: إذ كلٌّ منهنّ تبتدئ بذكر الطلل أو وصفه، ثم ذكر الحبيبة ووصفها، ثم الانتقال، من بعد ذلك، إلى الموضوع. ولا نستثني من هذا النظام إلاّ معلقة عمرو بن كلثوم التي تخرق العادة بابتدائها بالغزل، ثم وصف الطلل، قبل الانطلاق إلى الفخر. وعلى الرغم من خرق هذا الترتيب، فإن المعلقة تظلّ محافظة على البنية الثلاثية العناصر.
وما عدا ذلك فامرؤ القيس يبتدئ معلقته بوصف الطلل، أو البكاء على الربوع الدارسة، ثم يتدرج إلى الغزل الجسديّ بالنساء فيتوقف خصوصاً لدى حادثة دارة جلجل، لينتهي إلى الفَرَس والليل، والمطر ووصف القفر، أو طبيعة البلاد العربية اليمنية خصوصاً.
بينما نلفي زهيراً يبتدئ بالطلل، ويعوج على الغزل، وينتهي إلى وصف الحرب والتزهيد فيها. على حين أنّ طرفة، هو أيضاً، يبتدئ معلقته بذكر الطلل، ويثنّي بالغزل، وينتهي إلى وصف الناقة والافتخار بنفسه وبشيمه، وبإقباله على تبذير ماله في شراب الخمر، والإقبال على الملذّات. ولا يأتي إلاّ بعض ذلك لبيد الذي يبتدئ بوصف الطلل، ويثنّي بالتوقف لدى الغزل، لينتهي إلى الناقة فيصفها ويمجّدها، وينوّه بمكانتها، ويختم معلقته بوصف البقرة الوحشية وصفاً دقيقاً قائماً على تجربة ومُجسداً لمعرفة؛ ولكن على أساس ما لناقته بتلك البقرة الوحشية من علاقة، والتي منها التشابه في السرعة. أما عمرو بن كلثوم فيخالف جميع أصحاب السموط، كما سبقت الإشارة، بابتدائه بالغزل، ثمّ تعريجه على وصف الطلل، قبل الانتهاء إلى الفخر بنفسه، والاعتداد بقومه، في حماسة عجيبة، وغضبة عربية رهيبة.
وأما عنترة بن شداد فإنّا ألفيناه يبتدئ معلقته بوصف الطلل، قبل أن ينزلق إلى الحديث عن امرأة يجتهد في إغرائها به لينتهي، آخر الأمر، إلى وصف فرسه وحُسْنِ تجاوبه معه في المعارك، وقدرته العجيبة على فهمه، وإدراكه الذكيّ لما كان يريده منه وهو يجندل الأبطال في ساحة الوغى.
ولا يأتي الحارث بن حلّزة إلاّ بعض ذلك الضيع حيث يبتدئ بوصف الطلل، والتثنية بوصف حبيبته هندٍ، قبل الانتهاء إلى وصف الناقة التي ينزلق منها إلى وصف الحرب وشدائدها وأهوالها.
فكأنّ نظام البناء العامّ في هذه المعلقات يقوم على:

الطلل -المرأة – الفرس.
الطلل -المرأة – البعير.
الطلل -المرأة – الحرب
الطلل -المرأة -الماء.
الطلل -المرأة -الفخر.
وبتعبير رياضياتيٍّ (نحن نميّز بين النسبة إلى الرياضة، وإلى الرياضيات) تغتدي بنية المعلقات قائمة على بعض هذه القيم أو الرموز:
ا + ب + جـ
ا + ب + د
ا + ب + هـ
ا + ب + و
ا + ب + ز
إلا معلقة عمرو بن كلثوم فإنها تبتدئ بـ (ب)، ثم (أ)، ثم (ج).
ولكننا، لدى اختصار هذه النظرة إلى بنية هذه المعلقات، نلفيها؛ في أغلبها، تنهض على: الطلل- الغزل -الحرب. ذلك بأنّ الجُزْءَ الثالث من كل معلقة يمثّل، غالباً، إما الحرب صراحة؛ كما يمثل ذلك في معلقات زهير، والحارث بن حلّزة، وعنترة؛ وإمّا شيئاً من ملازماتها كما يتمثل بعض ذلك في وصف الفرس وجَوَبَان القفار ليلاً، ومعاشرة الذئاب والوحوش الضّارية حيث إنّ هذه المواضيع، كما نرى، هي أدنى ما تكون إلى الحرب، وأبعد ما تكون عن السلم؛ وكما يتمثل في الفخر الملتهب الذي يصادفنا في معلقة عمرو بن كلثوم خصوصاً. وإذن، فهناك خمس معلقاتٍ، على الأقلّ، ينتهين بالحديث عن الحرب، إما بصورة مباشرة، وإما بصورة غير مباشرة.
ومثل هذه السيرة تمثل، بصدق، الحياة العربية قبل ظهور الإسلام حيث كان البقاء للأقوى لا للأصلح، والوجود للأشجع لا للأجبن، إذْ لم تكُ أي قبيلةٍ بمنأىً عن الحرب إما بشنّها هي الغارة على سَوائِها؛ وإما بتعرضها، هي نفسها، لغارةٍ تشُنُّها عليها قبيلةً أخراةٌ مُعادية.
وذلك همٌّ آخر الهموم التي كانت تَضْطَرُّ القبائل العربيّة البدويّة إلى التّظعان على وجه الدهر، والتي كانت تحول دون قيام مجتمع مستقرٍّ ينهض على نظام مدنيّ. وقد نلحظ، أثناء ذلك، أنّ كلّ هذه العلاقات كانت تنهض على ما يسميه الأناسيّون (الأنثروبولوجيون) “نظام القرابة” ([8] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn8)).
كما أننا نلاحظ أنّ الماء يرتبط بالخصب، وأنّ الخصب يرتبط بالأرض، وأنّ الأرض ترتبط بالإخصاب لدى المرأة، وأنّ المرأة نلفيها في مركز اهتمام النصوص الشعريّة الجاهلية. وكلّ ذلك يحدث في وسط يتغيّر عبر الرُّتُوبِ، ويُمارُسُ عليه الانتقال والتحول، ولكنْ داخل حيز مغلق لا يعدوه.
ونتوقف الآن لدى طلليلة امرئ القيس لنحاول قراءتها من الوجهتين الانثروبولوجية والسِمَائياتيَّة، لنصف ونَُؤَّوِل معاً. ولعلَّنا، ببعض هذا السعي، أن نضيف شيئاً إلى القراءات الكثيرة التي سُبِقْنا إليها، قديماً وحديثاً.
وقبل أن نثبت الأبيات الستة الطلليلة المرقسيّة، نودّ أن نومئ إلى أننا لا نريد أن ننزلق إلى الحديث عن انتماء هذه الأبيات أو عدم انتمائها حقاً إلى امرئ القيس، وذلك على أساس ما ادّعت قبيلة كلب([9] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn9)) من أنها لامرئ قيسها المعروف بابن الحُمَام([10] (http://www.dernounisalim.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%88%d9%84%d 9%88%d8%ac%d9%8a-%d8%a8%d9%86%d9%8a/#_ftn10))، وقل إن شئت ابن حُمام، وق

**د لا ل**
2012-02-11, 15:35
المعلقات الشعرية

المعلقات هي من أشهر ما كتب العرب في الشعر وسميت معلقات. وقد قيل لها معلقات لأنها مثل العقود النفيسة تعلق بالأذهان. ويقال أن هذه القصائد كانت تكتب بماء
الذهب وتعلق على استار الكعبة قبل مجيء الإسلام، وتعتبر هذه القصائد أروع وأنفس ما قيل في الشعر العربي القديم لذلك اهتم الناس بها ودونوها وكتبوا شروحا لها,
وهي عادة ما
تبدأ بذكر الأطلال وتذكر ديار محبوبة الشاعر وتكون هذه المعلقات من محبته له شهاره الخاص.
وقيل إن حماد الراوية هو أول من جمع القصائد السبع الطوال وسماها بالمعلقات (السموط). وكان يقول أنها من أعذب ماقالت العرب وأن العرب كانو يسمونها بالسموط
(المعلقات). ذهب الأدباء والكتاب من بعده لدراستها. مثل ابن الكلبي. وابن عبد ربه صاحب العقد الفريد وأضاف بكتابه أمر تعليقها بالكعبة. قد تجدهم سبع قصائد
في كل كتاب قديم لكن منهم من أضاف قصيدة لشاعر وأهمل قصيدة الاخر. فاحتاروا من هم السبعة. فجعلوها عشر. (تاريخ الأدب العربي. [شوقي أبو خليل]
.وكتبت هذه المقاله من كتاب اسمه البطوله الذي كتبه ورد خطيب .

باللغة ..

فالمعلّقات لغةً من العِلْق : وهو المال الذي يكرم عليك ، تضنّ به ، تقول : هذا عِلْقُ مضنَّة . وما عليه علقةٌ إذا لم يكن عليه ثياب فيها خير ، والعِلْقُ هو النفيس من كلّ
شيء ، وفي حديث حذيفة : «فما بال هؤلاء الّذين يسرقون أعلاقنا» أي نفائس أموالنا . والعَلَق هو كلّ ما عُلِّق .
اصطلاحاً..

قصائد جاهليّة بلغ عددها السبع أو العشر ـ على قول ـ برزت فيها خصائص الشعر الجاهلي بوضوح ، حتّى عدّت أفضل ما بلغنا عن الجاهليّين من آثار أدبية.
والناظر إلى المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد العلاقة واضحة بينهما ، فهي قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة ، بلغت الذّروة في اللغة ، وفي الخيال والفكر ، وفي الموسيقى وفي
نضج التجربة ، وأصالة التعبير ، ولم يصل الشعر العربي إلى ما وصل إليه في عصر المعلّقات من غزل امرؤ القيس ، وحماس المهلهل ، وفخر ابن كلثوم ، إلاّ بعد أن مرّ بأدوار
ومراحل إعداد وتكوين طويلة .

هل المعلقات الظاهرة المتميزة الوحيدة........؟

هل المعلقات الظاهرة المتميزة الوحيدة في تراثنا الشعري في عصر ما قبل الإسلام؟ هل من المنطق
اختزال طليعة ما قدمه العرب من شعر في عصر ما قبل الإسلام إلى سبع أو عشر قصائد؟ لماذا لم
تقدم القبائل الأخرى قصائدها المميزة؟ أين دور قبيلة قريش؟ لماذا لم يخرج منها شاعراً له معلقة؟.
هذه تساؤلات ربما يطرحها بعض المهتمين بالشعر العربي، ونتائج البحث للإجابة عليها تؤكد أنه رغم
أن المعلقات العشر تمثل أكثر القصائد تميزاً في الشعر العربي في عصر ما قبل الإسلام، ومن يشك
في ذلك عليه أن يتصفح موقع واحة المعلقات وقراءة ما كتبه الشراح القدامى والباحثون المعاصرون
عنها، إلا أن ذلك لا يعني أنها الظاهرة المتميزة الوحيدة في شعر ذلك العصر، بل إن هناك ظواهر
أخرى متميزة لا يمكن إغفالها أو التقليل من قدرها ينبغي أن تحظى باهتمامنا، إذا ما أردنا أن نتخذ
من الشعر العربي أداة للنهوض باللغة العربية في واقعنا المعاصر.

النظر في هذين المؤلفين القيمين من تراثنا الأدبي العظيم يمكن أن يوضحا هذه الحقيقة بشكل لا لبس
فيه: كتاب طبقات فحول الشعراء الجاهليين لابن سلام الجمحي المتوفي سنة 232 هجرية، وكتاب
جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام لأبي زيد القرشي المتوفي سنة 170 هجرية. حيث
صنف الجمحي الشعراء الجاهليين في 12 طبقة تضم 73 شاعراً، واختار أبو زيد القرشي 49 شاعراً
ليكونوا أفضل الشعراء العرب في الجاهلية والإسلام وصنفهم إلى 7 مجموعات رئيسية.

فقد بدأ الجمحي تصنيفه لأفضل الشعراء الجاهليين بعشر طبقات رئيسية، في كل طبقة 4 شعراء، وأضاف لهم طبقتين آخرتين هما: طبقة أصحاب المراثي، وعددهم أيضاً 4 شعراء؛ وطبقة شعراء القرى، وعددهم 29 شاعراً موزعون كالتالي: 5 شعراء من المدينة، 9 من مكة، 5 من الطائف، 3 من البحرين، و7 شعراء من اليهود.

أما أبو زيد القرشي فقد صنف أفضل الشعراء إلى سبع مجموعات، تمثل كل مجموعة منهم ظاهرة مميزة، فبالإضافة إلى المعلقات السبع، وقد أسماها السبع الطوال، تحدث عن: المجمهرات، المنتقيات، المذهبات، عيون المراثي، المشوبات، والملحمات.

من جهة أخرى، فإن المعلقات نفسها ظاهرة زمنية محدودة لا يتجاوز عمرها المائة عام، مقارنة بعصر ما قبل الإسلام الذي تزيد مدته عن ألفي عام. وهو أمر يفرض علينا ضرورة التمييز بين ظاهرة التعليق وظاهرة المعلقات. التعليق عرف في أواخر العصر الجاهلي، بينما المعلقات لم تعرف إلا عام 200 هجرية، وكان أول من نقلها إلينا وعرفنا بها هو حماد الراوية


ما حاجتنا إلى المعلقات اليوم؟

 
اللغة أداة البيان ووعاء الفكر، الارتقاء بها، والتنقيب عن ذخائرها، والنهل من مفرداتها، وإعادة تعميق استخداماتها في حياتنا اليومية والاجتماعية، وتوظيف أكبر قدر منها في حياتنا الثقافية والعلمية والتعليمية، كبديل للمفردات والمفاهيم والاصطلاحات الدخيلة علينا من اللغات الأخرى، يعد مؤشراً أساسياً من مؤشرات النهوض. إذ لم نسمع في التاريخ الإنساني عن أمة واحدة نجحت في النهوض في ظل الاستعانة بلغة أخرى على حساب لغتها بحجة أنها لغة العصر، وإنما استعانت باللغات الأخرى فوظفتها لخدمة مفردات لغتها واصطلاحاتها ودلالات معانيها. وكانت حذرة كل الحذر من مفاهيم اللغات الأخرى، خشية أن تطغى على مفاهيم لغتها الأصلية. فانتشار مفهوم دخيل ذو دلالات معينة من شأنه أن يقمع المفهوم المستخدم في لغتنا الأصلية، فيكون ذلك مدعاة للاستهانة أو الاستخفاف به، أو استخدامه في غير موضعه وبشكل سلبي، أو عدم استخدامه أصلاً. وهذا الأمر لا يقبله عقل.

الألمان يضرب بهم المثل في الاعتزاز بلغتهم، وكذلك الإيطاليين، والروس، والأسبان، والصينيين، واليابانيين وغيرهم. غير أن الموقف الأبرز جسده الفرنسيين، صحافة ومفكرين وعامة، عندما شنوا مؤخراً هجوماً لاذعاً على رئيسهم نيكولاي ساركوزي عندما تحدث باللغة الإنجليزية أثناء زيارته للولايات المتحدة ولم يتحدث باللغة الفرنسية. فالمتعارف عليه في الدول المتقدمة، أن الرئيس أينما ذهب لا يتحدث إلا بلغة بلده، حتى ولو كان يجيد لغة الدولة التي يزورها. ويثور التساؤل هنا عن حال مناهج التعليم في هذه البلدان، هل تكون بغير لغتها الوطنية، وكذلك الحال لغة التخاطب التجاري والحكومي وما إلى ذلك.

بالنسبة لنا نحن العرب، الاستعانة باللغة الإنجليزية اليوم باعتبارها لغة العلم الحديث أمر هام ولا غنى عنه، بل إن الاستعانة باللغات الأخرى للأمم المتقدمة أمر ضروري لبناء قوتنا وتحقيق نهضتنا. لكن هناك فرق بين أن نتعامل مع اللغة الإنجليزية بالشكل الأمثل الذي لا يضر بلغتنا العربية، وبين أن تكون وسيلة يستخدمها البعض لانتزاع لغة القرآن الكريم من عقولنا أو يتقلص استخدامنا لها في كل مناحي حياتنا، حتى داخل بيوتنا، وبين أطفالنا. ما من شك أن هناك خيط رفيع يفصل بين الحالتين، يمكن تلخيصه بالقول أننا بحاجة إلى اللغات الأخرى من خلال لغتنا العربية، لا على حسابها، وعلى من يجيد اللغة الإنجليزية، عليه أن يجيد اللغة العربية قبلها. إن كل عمالقة الترجمة في تاريخنا العربي، الذين نقلوا إلى العربية أعمالاً رائدة، امتلكوا ناصية اللغة العربية بشكل جدير بالتقدير.

إنني أتساءل: لماذا أصبحت اللغة العربية في بلادنا ليست لغة التخاطب التجاري؟ ولا لغة التخاطب الحكومي في كثير من الوزارات والدوائر الحكومية؟ ولا لغة التخاطب بين كثير من الأكاديميين والمهنيين العرب؟ لماذا أصبحنا في هذه الأيام قلما نجد أسماء عربية لمحلاتنا أو شركاتنا أو مؤسساتنا؟ المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري طالب بمنع أي أسماء غير عربية في محلات القاهرة. ما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا الطرح. إنني أقترح للإجابة على هذه التساؤلات أن نقارن بين ما يحدث في باريس أو لندن أو بون أو طوكيو أو موسكو، وبين ما يحدث في مدننا العربية، ونتخذ من ذلك موعظة لنتبين حقيقة إجحافنا بحق لغتنا العظيمة.

إن الأدهى والأمر هو أن يتنصل من استخدام اللغة العربية بعض العرب ممن يدّعون أنهم يفضلون التحدث باللغة الإنجليزية، وهم الذين تعلموها من قاموس جيب صدر قبل مائة عام! علينا أن نتخذ من اهتمام الألمان والفرنسيين والإيطاليين والروس والصينيين واليابانيين بلغتهم قدوة في هذا الجانب، وعلينا كذلك أن نتعظ من عدونا الصهيوني، الذي أحيا لغة اندثرت منذ آلاف السنين لتكون أداة بيانه ووعاء فكره وإحدى مقومات قوته ووحدته.

إن اعتزازنا بلغتنا والاهتمام بها وتطوير استخدامنا لها، أساس الحفاظ على هويتنا وشخصيتنا الحضارية، والمدخل الحقيقي للإفاقة من سباتنا العميق وتحقيق نهضتنا وبناء قوتنا. وهنا أود أن أتوجه بتحية إجلال وتقدير إلى الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، على جعله العام 2008 عام الهوية في الإمارات، وأحيي الصحف ومراكز البحوث الإماراتية ومفكريها وأبناءها الذين اعتبروا أن إحياء اللغة العربية هو أساس الاهتمام بالهوية.

ويأتي الاهتمام بالقرآن الكريم والسنة النبوية كمصدر أساسي من مصادر تدعيم اللغة العربية، وهنا أوجه تحية إجلال للقرية الإلكترونية على مشروعها الجديد قيد الإنجاز، المسمى: "أطلس القرآن الكريم"، وهو حالياً وبشكل مؤقت يمثل إحدى الصفحات الفرعية لموقع المسالك دوت كوم
كما يأتي الشعر والأدب العربي، كمصدر أساسي آخر لتعميق اللغة العربية في نفوس أبنائنا، وخاصة في مراحل التعليم المدرسي. ولا ننسى أن القرآن الكريم نزل على محمد صلى الله عليه وسلم مستخدماً مفردات العرب واصطلاحاتهم في عصر ما قبل الإسلام، لذلك فكثيراً ما يقول شراح الشعر العربي لبيت من الأبيات عبارتهم المشهورة: "وكذلك قال القرآن كذا وكذا". وتأتي الاستفادة من الوسائل التتقنية الحديثة، وشبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، وتطويع الوسائط المتعددة لتساعد على تقديم اللغة العربية بشكل جذاب وبسيط ومشوق. وهنا تكمن القيمة الفعلية لواحة المعلقات.

من هنا، وضمن هذا السياق، فإن الاهتمام بالمعلقات، كنموذج من النماذج الهامة المساعدة على تدريس اللغة العربية في مدارسنا، وهي التي اتسمت بدقة المعنى وبعد الخيال وبراعة الوزن وصدق التصوير لحياة العرب الاجتماعية، وخاصة من خلال إظهارها بالصورة الممتعة المقدمة في واحة المعلقات، من الممكن أن يكون وسيلة مؤثرة وإيجابية تسهم في ترغيب أبنائنا في اللغة العربية وتعميق الاعتزاز بها في عقولهم ونفوسهم. إنني أطالب القائمين على نظم التعليم في الدول العربية منح المعلقات اهتماماً خاصاً. وجعلها مقرراً أساسياً من مقررات تدريس مادة اللغة العربية. ليس بالشكل التلقيني الجامد والمنفر، وإنما بالأسلوب التفاعلي الممتع والجذاب الذي يطرحه موقع واحة المعلقات، من خلال المزج بين الوسائط المكتوبة والمقروءة والمسموعة والمرئية، ووفقاً لتقنية التطوير الثاني لشبكة المعلومات الدولية Web 2، وما ارتبط بها من فهرسة حديثة للموضوعات، وتعاون متبادل بتقديم المستخدمين لإسهاماتهم، فضلاً عن تطويع خريطة القمر الصناعي لناسا وجوجل لتحديد الأماكن الوارد ذكرها في قصائد الشعر بشكل مباشر أو غير مباشر.




لمعلقات بين التذهيب والتعليق

 
اختار العرب قبل الإسلام من أشعارهم بعض القصائد اتسمت بدقة المعنى وبعد الخيال وبراعة الوزن وصدق التصوير لحياتهم الاجتماعية، اعتبروها واعتبرها النقاد والرواة والشراح قمة الشعر العربي. أسموها: "المطولات"، لكثرة عدد أبياتها، و"المذهبات"، لكتابتها مذهبة. غير أن تسميتها الأشهر: "المعلقات"، لتعليقها على ستار الكعبة، بعد الحصول على موافقة لجنة تحكيم تنظم سنوياً عرفت بسوق عكاظ.

وفيه يأتي الشعراء بما جادت به قريحتهم خلال سنة، فيقرأون قصائدهم أمام الملأ وأمام لجنة التحكيم، التي كان من أعضائها النابغة الذبياني، ليعطوا رأيهم في القصيدة، فإذا لاقت قبولهم واستحسانهم طارت في الآفاق وتناقلتها الألسن وعلقت على جدران الكعبة، أقدس مكان عند العرب، وإن لم يستجيدوها خمل ذكرها وخفي بريقها، حتى ينساها الناس وكأنها لم تكن شيئاً مذكوراً.

والمعلقات لغة، من العِلْق، وهو النفيس من كل شيء، والعَلَق هو كل ما عُلِّق. وهي اصطلاحاً قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة عددها سبع، هي: معلقة امرؤ القيس، معلقة طرفة بن العبد، معلقة زهير ابن أبي سلمى، معلقة لبيد العامري، معلقة عمرو ابن كلثوم، معلقة عنترة العبسي، ومعلقة الحارث بن حلزة. أو عشر، مضاف إليها ثلاث أخرى هي: معلقة النابغة الذبياني، معلقة الأعشى، ومعلقة عبيد بن الأبرص. وقد بلغت هذه المعلقات الذروة في اللغة والخيال والفكر والموسيقى ونضج التجربة وأصالة التعبير، برزت فيها خصائص الشعر في عصر ما قبل الإسلام بوضوح حتى عدت من أفضل الآثار الأدبية لهذا العصر.

ورغم أن أبا جعفر النحاس لم يعترف بتعليقها أصلاً، إلا أن ابن عبد ربه الأندلسي له رأي آخر في العقد الفريد كان الأكثر شهرة بين الناس قديماً وحديثاً، قال فيه: "وقد بلغ من كلف العرب به (أي الشعر) وتفضيلهم له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات السبع، وقد يقال: المعلقات". قال ابن الكلبي: أن أول ما علق هو شعر امرئ القيس على ركن من أركان الكعبة أيّام الموسم حتى نظر إليه ثم اُحدر، فعلقت الشعراء ذلك بعده.

وللمعلقة الواحدة عدة روايات لأكثر من راوي، عرفناهم وعرفنا رواياتهم والفروق الدقيقة في ما بينها، من كتب التراث العربي التي ارتبطت بأسماء الرواة كمؤلفين، أو بأسماء الشراح الكبار من أمثال الزوزني والخطيب التبريزي والأنباري وغيرهم. كما عرفناهم من خلال حواشي ومقدمات المحققين المعاصرين للمعلقات، أو أحدث الدراسات عن المعلقات في الأدب العربي المعاصر والحديث، ومنها دراسات لكتاب غربيين أيضاً.

من أشهر هؤلاء الرواة: الأصمعي، الأعلم، البطليوسي، أبوعبيدة، القرشي، الطوسي، أبو سهل، والنحاس. كما أن هناك روايات تنسب للشراح الكبار المذكورين آنفاً. ويمكن القول أن درجة الاختلاف بين رواية وأخرى لنفس المعلقة لها عدة صور، منها: عدم المطابقة في ترتيب بعض الأبيات تقديماً وتأخيراً، التباين في بعض الكلمات التي قد تكون مرادفة لبعضها البعض أو مختلفة المعنى، وأحياناً وجود الفروق في بعض الحروف كحروف الجر.

لذلك، وإن كان الحرص على تقديم الروايات جميعاً، أمر مطلوب، إلا أن ذلك لا يمنع من أفضلية اتخاذ رواية واحدة، مثل رواية الزوزني على سبيل المثال، كرواية أساسية، تبنى عليها الشروح المختلفة للمعلقات والمواد الأخرى المرتبطة بها، مع الإشارة في عجالة إلى الفروق مع الروايات الأخرى.


شعراء المعلقات هم

أعشى قيس
النابغة الذبياني
امرؤ القيس
زهير بن أبي سلمى
طرفة بن العبد
عبيد بن الأبرص
عمرو بن كلثوم
عنترة بن شداد
لبيد بن ربيعة

 
وأشهر تلك المعلقات سبعة هي

* أمن أم أوفى دمنة لم تكلم، لـ (زهير بن أبي سلمى)0
* هل غادر الشعراء من متردم، لـ (عنترة بن شداد)0
* ألا هبي بصحنك فأصبحينا، لـ (عمرو بن كلثوم).
* آذتنا ببينها أسماء، لـ (الحارث بن حلزة اليشكري).
* عفت الديار محلها ومقامها، لـ (لبيد بن ربيعة العامري).
* قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، لـ (امرؤ القيس).
* لخولة أطلال ببرقة ثهمد، لـ (طرفة بن العبد.)



نبذة عن شاعر المعلقات طرفة بن العبد

هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن بكر بن وائل الشاعر المشهور ،
وطرفه بالتحريك ، والجمع الطرفاء ، وطرفة لقبه الذي عرف به ، واسمه عمرو .
وقد عاش الشاعر يتيماً ، ونشأ في كنف خاله المتلمس ، فأبى أعمامه أن يقسموا ماله ،
وظلموا حقاً لأمه وردة ، وحرم من إرث والده .
وطرفة من الطبقة الرابعة عند ابن سلام ، ويقال :هو أشعر الشعراء بعد امرىء القيس ، ومرتبته
ثاني مرتبة ولهذا ثني بمعلقته ، وقد أجمعت المصادر على انه أحدث الشعراء سناً، وأقلهم عمراً،
كان في بيئة كلها شعر ، فالمرقش الأكبر عم والده ، والمرقش الأصغر عمه ، والمتلمس خاله ،
وأخته الخرنق شاعرة أيضاً، رثته حين وفاته .وكان طرفة معاصرا ًللملك عمرو بن هند ، وكان
ينادمه ، ولكنه هجاه ، فبعث به الى عامل له بالبحرين ، بأن يأخذ جائزته منه ،وأوعز عمرو الى
عامله المكعبر بقتله ، فقتله شاباً ، في هجر ، قيل : ابن العشرين عاماً ، وقيل: ابن الست و
عشرين عاماً ويقال : انه من أوصف الناس للناقة . وقد سئل لبيد عن أشعر الناس : فقال :
الملك الضليل ، ثم سئل : ثم من ؟ قال : الشاب القتيل ، يعني طرفة . . . وللشاعر
ديوان صغير مطبوع . توفي نحو سنة 60 ق. هـ / 564 م.

**د لا ل**
2012-02-11, 15:54
التعريف المختصر الكامل للمعلقات من كافة الجوانب

كان فيما اُثر من أشعار العرب ، ونقل إلينا من تراثهم الأدبي الحافل بضع قصائد من مطوّلات الشعر العربي ، وكانت من أدقّه معنى ، وأبعده خيالاً ، وأبرعه وزناً ، وأصدقه تصويراً للحياة ، التي كان يعيشها العرب في عصرهم قبل الإسلام ، ولهذا كلّه ولغيره عدّها النقّاد والرواة قديماً قمّة الشعر العربي وقد سمّيت بالمطوّلات ، وأمّا تسميتها المشهورة فهي المعلّقات . نتناول نبذةً عنها وعن أصحابها وبعض الأوجه الفنّية فيها :
فالمعلّقات لغةً من العِلْق : وهو المال الذي يكرم عليك ، تضنّ به ، تقول : هذا عِلْقُ مضنَّة . وما عليه علقةٌ إذا لم يكن عليه ثياب فيها خير1 ، والعِلْقُ هو النفيس من كلّ شيء ، وفي حديث حذيفة : آ«فما بال هؤلاء الّذين يسرقون أعلاقناآ» أي نفائس أموالنا2 . والعَلَق هو كلّ ما عُلِّق3 .
وأمّا المعنى الاصطلاحي فالمعلّقات : قصائد جاهليّة بلغ عددها السبع أو العشر ـ على قول ـ برزت فيها خصائص الشعر الجاهلي بوضوح ، حتّى عدّت أفضل ما بلغنا عن الجاهليّين من آثار أدبية4 .
والناظر إلى المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد العلاقة واضحة بينهما ، فهي قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة ، بلغت الذّروة في اللغة ، وفي الخيال والفكر ، وفي الموسيقى وفي نضج التجربة ، وأصالة التعبير ، ولم يصل الشعر العربي الى ما وصل إليه في عصر المعلّقات من غزل امرئ القيس ، وحماس المهلهل ، وفخر ابن كلثوم ، إلاّ بعد أن مرّ بأدوار ومراحل إعداد وتكوين طويلة .
وفي سبب تسميتها بالمعلّقات هناك أقوال منها :
لأنّهم استحسنوها وكتبوها بماء الذهب وعلّقوها على الكعبة ، وهذا ما ذهب إليه ابن عبد ربّه في العقد الفريد ، وابن رشيق وابن خلدون وغيرهم ، يقول صاحب العقد الفريد : آ«وقد بلغ من كلف العرب به (أي الشعر) وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم ، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة ، وعلّقتها بين أستار الكعبة ، فمنه يقال : مذهّبة امرئ القيس ، ومذهّبة زهير ، والمذهّبات سبع ، وقد يقال : المعلّقات ، قال بعض المحدّثين قصيدة له ويشبّهها ببعض هذه القصائد التي ذكرت :
برزةٌ تذكَرُ في الحسـ ـنِ من الشعر المعلّقْ
كلّ حرف نادر منـ ـها له وجهٌ معشّق5
أو لأنّ المراد منها المسمّطات والمقلّدات ، فإنّ من جاء بعدهم من الشعراء قلّدهم في طريقتهم ، وهو رأي الدكتور شوقي ضيف وبعض آخر6 . أو أن الملك إذا ما استحسنها أمر بتعليقها في خزانته .
هل علّقت على الكعبة؟
سؤال طالما دار حوله الجدل والبحث ، فبعض يثبت التعليق لهذه القصائد على ستار الكعبة ، ويدافع عنه ، بل ويسخّف أقوال معارضيه ، وبعض آخر ينكر الإثبات ، ويفنّد أدلّته ، فيما توقف آخرون فلم تقنعهم أدلّة الإثبات ولا أدلّة النفي ، ولم يعطوا رأياً في ذلك .
المثبتون للتعليق وأدلّتهم :
لقد وقف المثبتون موقفاً قويّاً ودافعوا بشكل أو بآخر عن موقفهم في صحّة التعليق ، فكتبُ التاريخ حفلت بنصوص عديدة تؤيّد صحّة التعليق ، ففي العقد الفريد7 ذهب ابن عبد ربّه ومثله ابن رشيق والسيوطي8وياقوت الحموي9وابن الكلبي10وابن خلدون11 ، وغيرهم إلى أنّ المعلّقات سمّيت بذلك; لأنّها كتبت في القباطي بماء الذهب وعلّقت على أستار الكعبة ، وذكر ابن الكلبي : أنّ أوّل ما علّق هو شعر امرئ القيس على ركن من أركان الكعبة أيّام الموسم حتّى نظر إليه ثمّ اُحدر ، فعلّقت الشعراء ذلك بعده .
وأمّا الاُدباء المحدّثون فكان لهم دور في إثبات التعليق ، وعلى سبيل المثال نذكر منهم جرجي زيدان حيث يقول :
آ«وإنّما استأنف إنكار ذلك بعض المستشرقين من الإفرنج ، ووافقهم بعض كتّابنا رغبة في الجديد من كلّ شيء ، وأيّ غرابة في تعليقها وتعظيمها بعدما علمنا من تأثير الشعر في نفوس العرب؟! وأمّا الحجّة التي أراد النحّاس أن يضعّف بها القول فغير وجيهة; لأنّه قال : إنّ حمّاداً لمّا رأى زهد الناس في الشعر جمع هذه السبع وحضّهم عليها وقال لهم : هذه هي المشهوراتآ»12 ، وبعد ذلك أيّد كلامه ومذهبه في صحّة التعليق بما ذكره ابن الأنباري إذ يقول : آ«وهو ـ أي حمّاد ـ الذي جمع السبع الطوال ، هكذا ذكره أبو جعفر النحاس ، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنّها كانت معلّقة على الكعبةآ»13 .
وقد استفاد جرجي زيدان من عبارة ابن الأنباري : آ«ما ذكره الناسآ» ، فهو أي ابن الأنباري يتعجّب من مخالفة النحاس لما ذكره الناس ، وهم الأكثرية من أنّها علقت في الكعبة .

النافون للتعليق :
ولعلّ أوّلهم والذي يعدُّ المؤسّس لهذا المذهب ـ كما ذكرنا ـ هو أبو جعفر النحّاس ، حيث ذكر أنّ حمّاداً الراوية هو الذي جمع السبع الطوال ، ولم يثبت من أنّها كانت معلّقة على الكعبة ، نقل ذلك عنه ابن الأنباري14 . فكانت هذه الفكرة أساساً لنفي التعليق :
كارل بروكلمان حيث ذكر أنّها من جمع حمّاد ، وقد سمّاها بالسموط والمعلّقات للدلالة على نفاسة ما اختاره ، ورفض القول : إنّها سمّيت بالمعلّقات لتعليقها على الكعبة ، لأن هذا التعليل إنّما نشأ من التفسير الظاهر للتسمية وليس سبباً لها ، وهو ما يذهب إليه نولدكه15.
وعلى هذا سار الدكتور شوقي ضيف مضيفاً إليه أنّه لا يوجد لدينا دليل مادّي على أنّ الجاهليين اتّخذوا الكتابة وسيلة لحفظ أشعارهم ، فالعربية كانت لغة مسموعة لا مكتوبة . ألا ترى شاعرهم حيث يقول :
فلأهدينّ مع الرياح قصيدة منّي مغلغلة إلى القعقاعِ
ترد المياه فما تزال غريبةً في القوم بين تمثّل وسماعِ؟16
ودليله الآخر على نفي التعليق هو أنّ القرآن الكريم ـ على قداسته ـ لم يجمع في مصحف واحد إلاّ بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) (طبعاً هذا على مذهبه) ، وكذلك الحديث الشريف . لم يدوّن إلاّ بعد مرور فترة طويلة من الزمان (لأسباب لا تخفى على من سبر كتب التأريخ وأهمّها نهي الخليفة الثاني عن تدوينه) ومن باب أولى ألاّ تكتب القصائد السبع ولا تعلّق17 .
وممّن ردّ الفكرة ـ فكرة التعليق ـ الشيخ مصطفى صادق الرافعي ، وذهب إلى أنّها من الأخبار الموضوعة التي خفي أصلها حتّى وثق بها المتأخّرون18 .
ومنهم الدكتور جواد علي ، فقد رفض فكرة التعليق لاُمور منها :

1 ـ أنّه حينما أمر النبي بتحطيم الأصنام والأوثان التي في الكعبة وطمس الصور ، لم يذكر وجود معلقة أو جزء معلّقة أو بيت شعر فيها .
2 ـ عدم وجود خبر يشير إلى تعليقها على الكعبة حينما أعادوا بناءَها من جديد .
3 ـ لم يشر أحد من أهل الأخبار الّذين ذكروا الحريق الذي أصاب مكّة ، والّذي أدّى إلى إعادة بنائها لم يشيروا إلى احتراق المعلّقات في هذا الحريق .
4 ـ عدم وجود من ذكر المعلّقات من حملة الشعر من الصحابة والتابعين ولا غيرهم .
ولهذا كلّه لم يستبعد الدكتور جواد علي أن تكون المعلّقات من صنع حمّاد19 ، هذا عمدة ما ذكره المانعون للتعليق .
بعد استعراضنا لأدلة الفريقين ، اتّضح أنّ عمدة دليل النافين هو ما ذكره ابن النحاس حيث ادعى انّ حماداً هو الذي جمع السبع الطوال .
وجواب ذلك أن جمع حماد لها ليس دليلا على عدم وجودها سابقاً ، وإلاّ انسحب الكلام على الدواوين التي جمعها أبو عمرو بن العلاء والمفضّل وغيرهما ، ولا أحد يقول في دواوينهم ما قيل في المعلقات . ثم إنّ حماداً لم يكن السبّاق الى جمعها فقد عاش في العصر العباسي ، والتاريخ ينقل لنا عن عبد الملك أنَّه عُني بجمع هذه القصائد (المعلقات) وطرح شعراء أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة20 .
وأيضاً قول الفرزدق يدلنا على وجود صحف مكتوبة في الجاهلية :
أوصى عشية حين فارق رهطه عند الشهادة في الصحيفة دعفلُ
أنّ ابن ضبّة كان خيرٌ والداً وأتمّ في حسب الكرام وأفضلُ
كما عدّد الفرزدق في هذه القصيدة اسماء شعراء الجاهلية ، ويفهم من بعض الأبيات أنّه كانت بين يديه مجموعات شعرية لشعراء جاهليين أو نسخ من دواوينهم بدليل قوله :
والجعفري وكان بشرٌ قبله لي من قصائده الكتاب المجملُ
وبعد ابيات يقول :
دفعوا إليَّ كتابهنّ وصيّةً فورثتهنّ كأنّهنّ الجندلُ21
كما روي أن النابغة وغيره من الشعراء كانوا يكتبون قصائدهم ويرسلونها الى بلاد المناذرة معتذرين عاتبين ، وقد دفن النعمان تلك الأشعار في قصره الأبيض ، حتّى كان من أمر المختار بن أبي عبيد واخراجه لها بعد أن قيل له : إنّ تحت القصر كنزاً22 .
كما أن هناك شواهد أخرى تؤيّد أن التعليق على الكعبة وغيرها ـ كالخزائن والسقوف والجدران لأجل محدود أو غير محدود ـ كان أمراً مألوفاً عند العرب ، فالتاريخ ينقل لنا أنّ كتاباً كتبه أبو قيس بن عبدمناف بن زهرة في حلف خزاعة لعبد المطّلب ، وعلّق هذا الكتاب على الكعبة23 . كما أنّ ابن هشام يذكر أنّ قريشاً كتبت صحيفة عندما اجتمعت على بني هاشم وبني المطّلب وعلّقوها في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم24 .
ويؤيّد ذلك أيضاً ما رواه البغدادي في خزائنه25 من قول معاوية : قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حِلزه من مفاخر العرب كانتا معلّقتين بالكعبة دهراً26 .
هذا من جملة النقل ، كما أنّه ليس هناك مانع عقلي أو فنّي من أن العرب قد علّقوا أشعاراً هي أنفس ما لديهم ، وأسمى ما وصلت إليه لغتهم; وهي لغة الفصاحة والبلاغة والشعر والأدب ، ولم تصل العربية في زمان إلى مستوى كما وصلت إليه في عصرهم . ومن جهة اُخرى كان للشاعر المقام السامي عند العرب الجاهليين فهو الناطق الرسمي باسم القبيلة وهو لسانها والمقدّم فيها ، وبهم وبشعرهم تفتخر القبائل ، ووجود شاعر مفلّق في قبيلة يعدُّ مدعاة لعزّها وتميّزها بين القبائل ، ولا تعجب من حمّاد حينما يضمّ قصيدة الحارث بن حلزّة إلى مجموعته ، إذ إنّ حمّاداً كان مولى لقبيلة بكر بن وائل ، وقصيدة الحارث تشيد بمجد بكر سادة حمّاد27 ، وذلك لأنّ حمّاداً يعرف قيمة القصيدة وما يلازمها لرفعة من قيلت فيه بين القبائل .
فإذا كان للشعر تلك القيمة العالية ، وإذا كان للشاعر تلك المنزلة السامية في نفوس العرب ، فما المانع من أن تعلّق قصائد هي عصارة ما قيل في تلك الفترة الذهبية للشعر؟
ثمّ إنّه ذكرنا فيما تقدّم أنّ عدداً لا يستهان به من المؤرّخين والمحقّقين قد اتفقوا على التعليق .
فقبول فكرة التعليق قد يكون مقبولا ، وأنّ المعلّقات لنفاستها قد علّقت على الكعبة بعدما قرئت على لجنة التحكيم السنوية ، التي تتّخذ من عكاظ محلاً لها ، فهناك يأتي الشعراء بما جادت به قريحتهم خلال سنة ، ويقرأونها أمام الملإ ولجنة التحكيم التي عدُّوا منها النابغة الذبياني ليعطوا رأيهم في القصيدة ، فإذا لاقت قبولهم واستحسانهم طارت في الآفاق ، وتناقلتها الألسن ، وعلّقت على جدران الكعبة أقدس مكان عند العرب ، وإن لم يستجيدوها خمل ذكرها ، وخفي بريقها ، حتّى ينساها الناس وكأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً .
موضوع شعر المعلّقات
لو رجعنا إلى القصائد الجاهلية الطوال والمعلّقات منها على الأخصّ رأينا أنّ الشعراء يسيرون فيها على نهج مخصوص; يبدأون عادة بذكر الأطلال ، وقد بدأ عمرو بن كلثوم مثلاً بوصف الخمر ، ثمّ بدأ بذكر الحبيبة ، ثمّ ينتقل أحدهم إلى وصف الراحلة ، ثمّ إلى الطريق التي يسلكها ، بعدئذ يخلص إلى المديح أو الفخر (إذا كان الفخر مقصوداً كما عند عنترة) وقد يعود الشاعر إلى الحبيبة ثمّ إلى الخمر ، وبعدئذ ينتهي بالحماسة (أو الفخر) أو بذكر شيء من الحِكَم (كما عند زهير) أو من الوصف كما عند امرئ القيس .
ويجدر بالملاحظة أنّ في القصيدة الجاهلية أغراضاً متعدّدة; واحد منها مقصود لذاته (كالغزل عند امرئ القيس ، الحماسة عند عنترة ، والمديح عند زهير . .) ،
عدد القصائد المعلّقات
لقد اُختلف في عدد القصائد التي تعدّ من المعلّقات ، فبعد أن اتّفقوا على خمس منها; هي معلّقات : امرئ القيس ، وزهير ، ولبيد ، وطرفة ، وعمرو بن كلثوم . اختلفوا في البقيّة ، فمنهم من يعدّ بينها معلّقة عنترة والحارث بن حلزة ، ومنهم من يدخل فيها قصيدتي النابغة والأعشى ، ومنهم من جعل فيها قصيدة عبيد بن الأبرص ، فتكون المعلّقات عندئذ عشراً .
نماذج مختارة من القصائد المعلّقة مع شرح حال شعرائها
أربع من هذه القصائد اخترناها من بين القصائد السبع أو العشر مع اشارة لما كتبه بعض الكتاب والأدباء عن جوانبها الفنية.. لتكون محور مقالتنا هذه :
امرؤ القيس
اسمه : امرؤ القيس ، خندج ، عدي ، مليكة ، لكنّه عرف واشتهر بالاسم الأوّل ، وهو آخر اُمراء اُسرة كندة اليمنيّة .
أبوه : حجر بن الحارث ، آخر ملوك تلك الاُسرة ، التي كانت تبسط نفوذها وسيطرتها على منطقة نجد من منتصف القرن الخامس الميلادي حتى منتصف السادس .
اُمّه : فاطمة بنت ربيعة اُخت كليب زعيم قبيلة ربيعة من تغلب ، واُخت المهلهل بطل حرب البسوس ، وصاحب أوّل قصيدة عربية تبلغ الثلاثين بيتاً .

نبذة من حياته :
قال ابن قتيبة : هو من أهل نجد من الطبقة الاُولى28 . كان يعدّ من عشّاق العرب ، وكان يشبّب بنساء منهنّ فاطمة بنت العبيد العنزية التي يقول لها في معلّقته :
أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدلّل
وقد طرده أبو ه على أثر ذلك . وظل امرؤ القيس سادراً في لهوه إلى أن بلغه مقتل أبيه وهو بدمّون فقال : ضيّعني صغيراً ، وحمّلني دمه كبيراً ، لا صحو اليوم ولا سكرَ غداً ، اليوم خمرٌ وغداً أمرٌ ، ثمّ آلى أن لا يأكل لحماً ولا يشرب خمراً حتّى يثأر لأبيه29 .
إلى هنا تنتهي الفترة الاُولى من حياة امرئ القيس وحياة المجون والفسوق والانحراف ، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته ، وهي فترة طلب الثأر من قَتَلة أبيه ، ويتجلّى ذلك من شعره ، الّذي قاله في تلك الفترة ، الّتي يعتبرها الناقدون مرحلة الجدّ من حياة الشاعر ، حيكت حولها كثير من الأساطير ، التي اُضيفت فيما بعد إلى حياته . وسببها يعود إلى النحل والانتحال الذي حصل في زمان حمّاد الراوية ، وخلف الأحمر ومن حذا حذوهم . حيث أضافوا إلى حياتهم ما لم يدلّ عليه دليل عقلي وجعلوها أشبه بالأسطورة . ولكن لا يعني ذلك أنّ كلّ ما قيل حول مرحلة امرئ القيس الثانية هو اُسطورة .
والمهم أنّه قد خرج إلى طلب الثأر من بني أسد قتلة أبيه ، وذلك بجمع السلاح وإعداد الناس وتهيئتهم للمسير معه ، وبلغ به ذلك المسير إلى ملك الروم حيث أكرمه لما كان يسمع من أخبار شعره وصار نديمه ، واستمدّه للثأر من القتلة فوعده ذلك ، ثمّ بعث معه جيشاً فيهم أبناء ملوك الروم ، فلمّا فصل قيل لقيصر : إنّك أمددت بأبناء ملوك أرضك رجلاً من العرب وهم أهل غدر ، فإذا استمكن ممّا أراد وقهر بهم عدوّه غزاك . فبعث إليه قيصر مع رجل من العرب كان معه يقال له الطمّاح ، بحلّة منسوجة بالذهب مسمومة ، وكتب إليه : إنّي قد بعثت إليك بحلّتي الّتي كنت ألبسها يوم الزينة ليُعرف فضلك عندي ، فإذا وصلت إليك فالبسها على الُيمن والبركة ، واكتب إليّ من كلّ منزل بخبرك ، فلمّا وصلت إليه الحلّة اشتدّ سروره بها ولبسها ، فأسرع فيه السمّ وتنفّط جلده ، والعرب تدعوه : ذا القروح لذلك ، ولقوله :
وبُدِّلْتُ قرحاً دامياً بعد صحّة فيالك نُعمى قد تحوّلُ أبؤسا
ولمّا صار إلى مدينة بالروم تُدعى : أنقرة ثقل فأقام بها حتّى مات ، وقبره هناك .
وآخر شعره :
ربّ خطبة مسحنفَرهْ وطعنة مثعنجرهْ
وجعبة متحيّرهْ تدفنُ غداً بأنقرةْ
ورأى قبراً لامرأة من بنات ملوك العرب هلكت بأنقره فسأل عنها فاخبر ، فقال :
أجارتنا إنّ المزار قريبُ وإنّي مقيم ما أقام عسيبُ
أجارتَنا إنّا غريبانِ هاهنا وكلّ غريب للغريب نسيبُ30
وقد عدَّ الدكتور جواد علي والدكتور شوقي ضيف وبروكلمان وآخرون بعض ما ورد في قصّة امرئ القيس وطرده ، والحكايات التي حيكت بعد وصوله إلى قيصر ودفنه بأنقرة إلى جانب قبر ابنة بعض ملوك الروم ، وسبب موته بالحلة المسمومة ، وتسميته ذا القروح من الأساطير .

قالوا فيه :
1 ـ النبيّ(صلى الله عليه وآله) : ذاك رجل مذكور في الدنيا ، شريف فيها منسيّ في الآخرة خامل فيها ، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار31 .
2 ـ الإمام علي(عليه السلام) : سُئل من أشعر الشعراء؟ فقال :
إنّ القوم لم يَجروا في حَلبة تُعرفُ الغايةُ عند قصبتها ، فإنْ كان ولابُدّ فالملكُ الضِّلِّيلُ32 . يريد امرأ القيس .
3 ـ الفرزدق سئل من أشعر الناس؟ قال : ذو القروح .
4 ـ يونس بن حبيب : إنّ علماء البصرة كانوا يقدّمون امرأ القيس .
5 ـ لبيد بن ربيعة : أشعر الناس ذو القروح .
6 ـ أبو عبيدة معمّر بن المثنّى : هو أوّل من فتح الشعر ووقف واستوقف وبكى في الدمن ووصف ما فيها . . .33
معلّقة امرئ القيس
البحر : الطويل . عدد أبياتها : 78 بيتاً منها : 9 : في ذكرى الحبيبة . 21 : في بعض مواقف له . 13 : في وصف المرأة . 5 : في وصف الليل . 18 : في السحاب والبرق والمطر وآثاره . والبقية في اُمور مختلفة .
استهلّ امرؤ القيس معلّقته بقوله :
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزِلِ بِسِقْط اللِّوَى بين الدَّخُوْلِ فَحَوْمَلِ
فتوضِحَ فالمقراة لم يعفُ رسمُها لما نسجتها من جنوب وَشَمْأَلِ
وقد عدّ القدماء هذا المطلع من مبتكراته ، إذ وقف واستوقف وبكى وأبكى وذكر الحبيب والمنزل ، ثمّ انتقل إلى رواية بعض ذكرياته السعيدة بقوله :
ألا ربّ يوم لَكَ منهُنَّ صالحٌ ولاسيّما يومٌ بدراة جُلجُلِ
ويومَ عقرت للعِذارى مطيّتي فيا عجباً من رحلِها المتحمّلِ

فضلّ العذارى يرتمينَ بلحمها وشحم كهذّاب الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
وحيث إنّ تذكّر الماضي السعيد قد أرّق ليالي الشاعر ، وحرمه الراحة والهدوء; لذا فقد شعر بوطأة الليل; ذلك أنّ الهموم تصل إلى أوجها في الليل ، فما أقسى الليل على المهموم! إنّه يقضّ مضجعهُ ، ويُطير النوم من عينيه ، ويلفّه في ظلام حالك ، ويأخذه في دوامة تقلّبه هنا وهناك لا يعرف أين هو ، ولا كيف يسير ولا ماذا يفعل ، ويلقي عليه بأحماله ، ويقف كأنّه لا يتحرّك . . يقول :
وليل كموج البحرِ أرخى سدوله عليّ بأنواع الهمومِ ليبتلي
فقُلْتُ لَهُ لمّا تمطّى بصلبِهِ وأردف أعجازاً وناءَ بِكَلْكَلِ
ألا أيّها الليلُ الطويل ألا انجلي بصبح وما الأصْبَاحُ منكَ بِأمْثَلِ
وتعدّ هذه الأبيات من أروع ما قاله في الوصف ، ومبعث روعتها تصويره وحشيّة الليل بأمواج البحر وهي تطوي ما يصادفها; لتختبر ما عند الشاعر من الصبر والجزع .
فأنت أمام وصف وجداني فيه من الرقّة والعاطفة النابضة ، وقد استحالت سدول الليل فيه إلى سدول همّ ، وامتزج ليل النفس بليل الطبيعة ، وانتقل الليل من الطبيعة إلى النفس ، وانتقلت النفس إلى ظلمة الطبيعة .
فالصورة في شعره تجسيد للشعور في مادّة حسّية مستقاة من البيئة الجاهلية .
ثمّ يخرج منه إلى وصف فرسه وصيده ولذّاته فيه ، وكأنّه يريد أن يضع بين يدي صاحبته فروسيته وشجاعته ومهارته في ركوب الخيل واصطياد الوحش يقول :
وقد أَغتدي والطير في وُكُناتِها بِمُنْجرد قيدِ الأوابدِ هيكلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِل مُدْبر معاً كجُلْمُودِ صَخْر حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

وهو وصف رائع لفرسه الأشقر ، فقد صوّر سرعته تصويراً بديعاً ، وبدأ فجعله قيداً لأوابد الوحش إذا انطلقت في الصحراء فإنّها لا تستطيع إفلاتاً منه كأنّه قيد يأخذ بأرجلها .
وهو لشدّة حركته وسرعته يخيّل إليك كأنّه يفرّ ويكرّ في الوقت نفسه ، وكأنّه يقبل ويدبر في آن واحد ، وكأنّه جلمود صخر يهوى به السيل من ذورة جبل عال .
ثمّ يستطرد في ذكر صيده وطهي الطهاة له وسط الصحراء قائلاً :
فظلّ طهاةُ اللحمِ ما بين منضج صفيف شواء أو قدير معجّلِ
وينتقل بعد ذلك إلى وصف الأمطار والسيول ، التي ألمّت بمنازل قومه بني أسد بالقرب من تيماء في شمالي الحجاز ، يقول :

أحارِ ترى برقاً كأنّ وميضَهُكلمعِ اليدين في حبيٍّ مكَلّلِيضيءُ سناهُ أو مصابيحُ راهب أهانَ السَّليطَ في الذُّبالِ المفتّلِقعدتُ له وصحبتي بين حامِروبين إكام بُعْدَ ما متأمّلِوأضحى يسحُّ الماء عن كلِّ فيقةيكبُّ على الأذهان دوحَ الكَنهْبَلِوتيماءَ لم يترك بها جذعَ نخلةولا اُطماً إلاّ مشيداً بِجَنْدَلِ

استهلّ هذه القطعة بوصف وميض البرق وتألّقه في سحاب متراكم ، وشبّه هذا التألّق واللمعان بحركة اليدين إذا اُشير بهما ، أو كأنّه مصابيح راهب يتوهّج ضوؤها بما يمدّها من زيت كثير .
ويصف كيف جلس هو وأصحابه يتأمّلونه بين جامر وإكام ، والسحاب يسحّ سحّاً ، حتّى لتقتلع سيوله كلّ ما في طريقها من أشجار العِضاه العظيمة ، وتلك تيماء لم تترك بها نخلاً ولا بيتاً ، إلاّ ما شيّد بالصخر ، فقد اجتثّت كلّ ما مرّت به ، وأتت عليه من قواعده واُصوله .

لبيد بن ربيعة
هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة . . الكلابي
قال المرزباني : كان فارساً شجاعاً سخيّاً ، قال الشعر في الجاهلية دهراً34 .
قال أكثر أهل الأخبار : إنّه كان شريفاً في الجاهلية والإسلام ، وكان قد نذر أن لا تهبّ الصبا إلاّ نحر وأطعم ، ثمّ نزل الكوفة ، وكان المغيرة بن شعبة إذا هبّت الصبا يقول : أعينوا أبا عقيل على مروءته35 .
وحكى الرياشي : لمّا اشتدّ الجدب على مضر بدعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وفد عليه وفد قيس وفيهم لبيد فأنشد :
أتيناك يا خير البريّة كلّها لترحمنا ممّا لقينا من الأزلِ
أتيناك والعذراء تدمى لبانها وقد ذهلت أمّ الصبيّ عن الطفلِ
فإن تدعُ بالسقيا وبالعفو ترسل الـ ـسّماءَ لنا والأمر يبقى على الأَصْلِ
وهو من الشعراء ، الّذين ترفعوا عن مدح الناس لنيل جوائزهم وصِلاتهم ، كما أنّه كان من الشعراء المتقدّمين في الشعر .
وأمّا أبوه فقد عرف بربيعة المقترين لسخائه ، وقد قُتل والده وهو صغير السّنّ ، فتكفّل أعمامهُ تربيتَه .
ويرى بروكلمان احتمال مجيء لبيد إلى هذه الدنيا في حوالى سنة 560م . أمّا وفاته فكانت سنة 40هـ . وقيل : 41هـ . لمّا دخل معاوية الكوفة بعد أن صالح الإمام الحسن بن علي ونزل النخيلة ، وقيل : إنّه مات بالكوفة أيّام الوليد بن عقبة في خلافة عثمان ، كما ورد أنّه توفّي سنة نيف وستين36 .
قالوا فيه :
1 ـ النبي(صلى الله عليه وآله) : أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل37

وروى أنّ لبيداً أنشد النبي(صلى الله عليه وآله) قوله :
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلُ
فقال له : صدقت .
فقال :
وكلّ نعيم لا محالة زائلُ
فقال له : كذبت ، نعيم الآخرة لا يزول38 .
2 ـ المرزباني : إنّ الفرزدق سمع رجلاً ينشد قول لبيد :
وجلا السيوف من الطلولِ كأنّها زبر تجدّ متونَها أقلامُها
فنزل عن بغلته وسجد ، فقيل له : ما هذا؟ فقال : أنا أعرف سجدة الشعر كما يعرفون سجدة القرآن39 .
القول في إسلامه
وأمّا إسلامه فقد أجمعت الرواة على إقبال لبيد على الإسلام من كلّ قلبه ، وعلى تمسّكه بدينه تمسّكاً شديداً ، ولا سيما حينما يشعر بتأثير وطأة الشيخوخة عليه ، وبقرب دنوّ أجله; ويظهر أنّ شيخوخته قد أبعدته عن المساهمة في الأحداث السياسية التي وقعت في أيّامه ، فابتعد عن السياسة ، وابتعد عن الخوض في الأحداث ، ولهذا لا نجد في شعره شيئاً ، ولا فيما روي عنه من أخبار أنّه تحزّب لأحد أو خاصم أحداً .
وروي أنّ لبيداً ترك الشعر وانصرف عنه ، فلمّا كتب عمر إلى عامله المغيرة ابن شعبة على الكوفة يقول له : استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الإسلام . أرسل إلى لبيد ، فقال : أرجزاً تُريد أم قصيداً؟ فقال :
أنشدني ما قلته في الإسلام ، فكتب سورة البقرة في صحيفة ثمّ أتى بها ، وقال : أَبدلني الله هذا في الإسلام مكان الشعر . فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فنقص من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد40 .
وجعله في اُسد الغابة من المؤلّفة قلوبهم وممّن حسن إسلامه41 ، وكان عمره مائة وخمساً وخمسين سنة ، منها خمس وأربعون في الإسلام وتسعون في الجاهلية42 .

**د لا ل**
2012-02-11, 15:57
تحليل كامل للمعلقات


<LI id=active0>قائمة المعلقات (http://hanialtanbour.com/poems/57.html#)
معلقة زهير بن أبي سلمى
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/index.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/1.html)
شرح المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/2.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/3.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/4.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/5.html)
معلقة عنترة بن شدّاد
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/6.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/7.html)
شرح المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/8.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/9.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/10.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/11.html)
معلقة امرؤ القيس
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/12.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/13.html)
شرح المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/14.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/15.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/16.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/17.html)
معلقة طرفة بن العبد
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/18.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/19.html)
شرح المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/20.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/21.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/22.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/23.html)
معلقة عمرو بن كلثوم
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/24.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/25.html)
شرح المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/26.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/27.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/28.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/29.html)
معلقة الحارث بن حلزة
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/30.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/31.html)
شرح المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/32.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/33.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/34.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/35.html)
معلقة لبيد بن ربيعة
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/36.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/37.html)
شرح المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/38.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/39.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/40.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/41.html)
معلقة الأعــشى
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/42.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/43.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/44.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/45.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/46.html)
معلقة عبيد بن الأبرص
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/47.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/48.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/49.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/50.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/51.html)
معلقة النابغة الذبياني
قراءة المعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/52.html)
شرح مفصل (http://hanialtanbour.com/poems/53.html)
نبذة عن الشاعر (http://hanialtanbour.com/poems/54.html)
تعريف بالمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/55.html)
الاستماع للمعلقة (http://hanialtanbour.com/poems/56.html)
تحليل كامل للمعلقات
ما قبل الدخول في القرءاة (http://hanialtanbour.com/poems/57.html)
إثنولوجيّة المعلّقات (http://hanialtanbour.com/poems/58.html)
بنية المطالع في المعلقات (http://hanialtanbour.com/poems/59.html)
جماليّة الحيز في المعلّقات‏ (http://hanialtanbour.com/poems/60.html)
طقوس الماء في المعلقات (http://hanialtanbour.com/poems/61.html)
نظام النسج اللغوي في المعلقات‏ (http://hanialtanbour.com/poems/62.html)
الناصية والتناصية في المعلقات‏ (http://hanialtanbour.com/poems/63.html)
المستوى الثاني: التناصّ المضموني (http://hanialtanbour.com/poems/64.html)
جماليّة الإيقاع في المعلّقات‏ (http://hanialtanbour.com/poems/65.html)
الصورة الأنثويّة للمرأة في المعلّقات‏ (http://hanialtanbour.com/poems/66.html)
الزينة والتزيّن في المعلّقات‏ (http://hanialtanbour.com/poems/67.html)
مظاهر اعتقاديّة في المعلّقات ‏ (http://hanialtanbour.com/poems/68.html)
الصناعات والمُرتفقات الحضاريّة ‏ (http://hanialtanbour.com/poems/69.html)
مصادر البحث ومراجعه (http://hanialtanbour.com/poems/70.html)
عن المعلقات
مقدمة عامة عن المعلقت (http://hanialtanbour.com/poems/71.html)
قصة المعلقات-الجزء الاول (http://hanialtanbour.com/poems/72.html)
قصة المعلقات-الجزء الثاني (http://hanialtanbour.com/poems/73.html)
كتاب يشرح المعلقات السبع (pdf) (http://hanialtanbour.com/poems/74.html)
كتاب يشرح المعلقات العشر (pdf) (http://hanialtanbour.com/poems/75.html)





السبْع المعلّقات [مقاربةسيمائيّة/ أنتروبولوجيّة لنصوصها] - د.عبد الملك مرتاض منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998
دراســـــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

ما قبل الدخول في القراءة:
-1-
كيف يمكن لأسراب متناثرة من السِّمات اللّفظيّة- حين تجتمع، وتتعانق، وتتوامق، وتتعانق، وتتجاور، وتتحاور، وتتضافر؛ فتتناسخ ولا تتناشز- فتغتدِي نسْجاً من الكلام سحريّاً، ونظاماً من القول عطريّا؛ فأما العقولُ فتبهرُها، وأمّا القلوب فتسحرها. فأنَّى ينثال ذلك القَطْرُ المعطَّرُ، ويتأتّى ذلك السحر المَضمّخ: لهذا النسْج الكلاميّ العجيب؟ وكيف تقع تلك العناية البلاغيّة والتعبيريّة للشاعر، فيتفوّق ويَسْتَميزُ؟ ولِمَ يتفاوت الشعراء فيْ ذلك الفضل: فإذا هذا يغترف من بحر، وذاك ينحت من صخر، على حدّ تعبير المقولة النقديّة التراثية. ولِمَ، إذن، يتفاوتون في درجات الشعريّة بين محلّق في العلاء، ومُعْدٍ في سبيلٍ كَأْداء، وَسَارٍ في ليلةٍ دَأْدَاء؟
-2-
ذلك؛ ويندرج أي‌ُّ ضرْب من القراءة الأدبيّة، ضمن إجراءات التأويليّة- أو الهرومينوطيقا- الشديدة التسلّط على أيّ قراءة نقرأ بها نصّاً أدبيّاً، أو دينيّاً، أو فلسفيّاً، أو قانونيّاً، أو سياسيّاً... لكنّ الذي يعنينا، هنا والآن، هو النصّ الأدبيّ الخالص الأدبيّة. والأدبيُّ، هنا، في تمثّلنا ممتدّ إلى الشعريّ، شامل له، معادل لمعناه.
وإنّا إِذْ نأتي اليوم إلى الشعر الجاهليّ بعامّة، وإلى القصائدِ المعلّقاتِ، أو المعلّقاتِ السبعِ، أو السَّبْعِ الطوال، أو السُّموط- فكلُّ يقال- لِنحاولَ قراءتها في أَضواءٍ من المعطيات جديدة، على الأقلّ ما نعتقده نحن: فإنما لكي نُبْرِزَ، من حيث نبتغي أن لا نبتغي، دور هذه التأويليّة المتسلّطة في تمزيق حجاب السريّة التي كان قُصارَاهَا حَجْبَ الحُمولةِ الأدبيّة للنص المقرءِ، أن المحلِّلِ، أو المؤَوَّلِ، أو مواراة الملامح الجماليّة للكتابة...
وسواء علينا أقرأنا نصوص المعلّقات السبع ضمن الإِجراء الأنتروبولوجي، أم ضمن الإِجراء السيمائِياني؛ فإننا في الطوريْن الاثنين معاً نَدْرُجُ في مُضْطَرَبِ التأويليّة ولا نستطيع المروق من حيزها الممتدّ، وفضائها المفتوح، وإجراءاتها المتمكّنة ممّا تودّ أن تتّخذ سبيلَها إِليه...
وإنّا لن ننظر إلى الشعر الجاهليّ نظرة مَنْ يرفضون أن يكون له سياق، أو أن ينهض على مرجعيّة، أو تكون له صلة بالمجتمع الذي ينتمي إِليه: من حيث هو بيئة شاملةُ المظاهر، متراكبة العلاقات؛ لأننا لو إِلى ذلك أردْنا، وإياهُ قَصَدْنا؛ لَمَا عُجْنا على مفهوم الأنتربولوجيا نسائله عن دلالاتها التّي تعدّدت بين الأمريكيّين والأوربيّين من وِجْهة، وتَطوّرت بين قرنين اثنيْن: القرن التاسع عشر والقرن العشرين من وجهة أخراة: كما كان شعراء ما قبل الإسلام يسائلون الربوع الدارسة، والأطلال البالية، والقِيعان التي هجرَها قطينُها، فعَزَّ أَنيسُها...
لكنّنا لسنا أيضاً اجتماعِيّيَن نتعصّب للمجتمع فنزعم أنه هو كلّ شيء، وأنّ ما عداه ممّا يبدو فيه من آثار المعرفة، ومظاهر الفنّ، ووجوه الجمال، وأَسقاط الأدب؛ لا يعدو كلّ أولئك أن يكون مجرّد انعكاس له، وانتساخ منه، وانبثاق عنه... ذلك بأنّ الفنّ قد يستعصم، والجمالَ قد يستعصي، والأدب قد يعتاص على الأَفهام فلا يعترف بقوانين المجتمع، ولا بتقاليده، فيثور عليها، وينسلخ منها رافضاً إِيّاها؛ مستشرفاً عالَماً جديداً جميلاً، وحالماً ناضراً، لا يخضع للقيود، ولا يذعن للنواميس البالية...
إِنّا لو شئنا أن نُدَارِسَ الأدب في ضوء المنهج الاجتماعيّ لكنّا استرحنا من كلّ عناء، ولما كنّا جشّمنا النفس ضنى القراءة في المعرفيّات الإنسانيّة، ولكنّا أخلدنا إلى هذه القراءة البسيطة التي تجتزىْ، مقتنعة واثقة من أمرها، بتأويل الظاهرة الأدبيّة، أو قل بتفسيرها على الأصحّ، في ضوء الظاهرة الاجتماعيّة، وتستريح؛ ولكنها لا تريح. بل إِنّ مفهوم التأويل الذي نصطنع هنا قد يكون في غير موضعه من الدلالة الاصطلاحية؛ إِذ عادة ما يكون هذا التأويل أدعى إِلى الجهد الفكري، والذهاب في مجاهله إِلى أقصى الآفاق الممكنة من حيث إِنّ المنهج الاجتماعيّ، في قراءة الأدب، لا يكاد يُعْنِتُ نفسّه، ولا يكاد يشقّ عليها، أو يجاهدها: إِذ حَكَمَ، سلَفاً، باجتماعيّة هذا النصّ، أي بابتذالِه؛ أي بتمريغه في السوقّيّة؛ أي بعزوه إِلى تأثير الدهماء. بل لا يجتزىْ بذلك حتى يجعَلَه نتاجاً من أثارها، ومظهراً من مظاهر تفكيرها، وطوراً من أطوار حياتها، بدون استحياء...
المنهج الاجتماعيّ بفجاجته، وسطحيّته، وسوقيّته، وفزَعِه إِلى شؤون العامّة يستنطقها: لا يُجْدِي فتيلاً في تحليل الظاهرة الأدبيّة الراقية، ولا في استنطاق نصوصها العالية، ولا في الكشف عمّا في طيّاتها من جمال، ولا في تقصّي ما فيها من عبقريّ الخيال... فأَوْلَى لعلم الاجتماع أن يظلّ مرتبطاً بما حدّده بنفسه لنفسه، وبما حَكَم به على وضعه، وهو النظر في شؤون العوامّ وعلاقاتهم: بعضهم ببعض، أو تصارع بعضهم مع بعض، أو تصارعهم مع مَنْ أعلى منهم، حسَداً لهم، وطمَعَاً في أرزاقهم؛ كما قرر ذلك ماركسهم فأقام الحياة كلَّها على صراع البنية السفلى مع العليا...
وعلى الرغم من أننا لا نعدم من يحاول ربط علم الاجتماع بالأنتروبولوجيا، أوجعل الأنتروبولوجيا مجرد فرعيّة اجتماعيّة، وأنّ قد يسمّى "الأنتروبولوجيا الاجتماعيّة" إِنما انبثق عن دراسة المجتمعات الموصوفة بـ "البدائيّة" (1): فإِنّ ذلك لا يعدو كَونَهُ حذلقةً جامعيّة تكاد لا تعني كبيرَ شيءٍ؛ وإِلاّ فما بالُ هذا العِلْمِ يتمرّد على علم الاجتماع، فيختلف عنه في منهجه، ويمرق عنه في تحديد حقوله؛ ممّا أربك علم الاجتماع نفسّه، فجعله يكاد لا يُعْنَى بشيء إِلاّ‍ ألفى نفسه خارج الحدود الحقيقيّة التي كان اتخذها، أصلاً، لطبيعة وضعه؛ وذلك كشأن البحوث المنصرفة إلى الدين، وإلى الأسطورة، وإلى السحر، وإلى السياسة، وإلى علاقات القربى بين الناس، وإلى كل، مظاهر العادات والتقاليد والمعتقدات والبيئات الأولى لنشوء الإنسان...
لقد استأثرت الانتروبولوجيا- أو علم معرفة الإنسان- بمعظم مجالات الحياة الأولى للإنسان، فإذا هي كأنها: "علم الحيوان للنوع البشريّ" (2)؛ إذ تشمل، من بين ما تشمله: علم التشريح البشريّ، وما قبل التاريخ، وعلم الآثار، وعلم وصف الشعوب، وعلم معرفة الشعوب، وعلم الاجتماع نفسه، والفولكور، والأساطير، واللسانيّات (3). فما ذا بقي لعلم الاجتماع أمام كلّ هذا؟
أم أنّ علم الاجتماع يستطيع أن يزعم أنه قادر على منافسة الأنتروبولوجيا في صميم مجالات اختصاصها؟ أنّا لا نعتقد ذلك. ولكن ما نعتقده أنّ الأنتروبولوجيا ليست علماً واحداً بمقدار ما هي شبكة معقّدة من علوم مختلفة ذات موضوع واحد مشترك هو الإنسان وتطوره التاريخيّ، وتطوره فيما قبل التاريخ أيضاً (4).
وإذن، فليس علم الاجتماع إِلاّ مجرّد نقطة من هذا المحيط، هذا العُباب الذي لا ساحل له؛ وليس إذن، إِلاّ مجرّد جملة من الظواهر التي تظهر في مجتمع ما، لتختفي، ربما، من بعد ذلك، أو لتستمر، ربما، إلى حين: كظاهرة الطلاق، أو ظاهرة المخدّرات، أو ظاهرة الجريمة، في مدينة من المدن، أو في بلد من البلدان.... على حين أنّ الأنتروبولوجيا هي العمق بعينه، وهي الأصل بنفسه؛ فهي تمثّل الجذور الأولى للإنسان، وفيزيقيّته وطبيعته، وعلاقته مع الطبيعة، وعلاقته بالآخرين، وعلاقته بما وراء الطبيعة المعتقدات- الدين- الأساطير)، وعلاقته بالأنظمة والقوانين (الأنظمة السياسيّة)، وعلاقته بالأقارب أو ارتباطه بالأسرة، وعلاقته بالعشيرة أو القبيلة، وعلاقته بالمحيط بكلّ أبعاده الطقسية، والاقتصاديّة، والثقافيّة (وتشمل الثقافة في نفسها: جملة من المظاهرة مثل الأسطورة، والسحر، وكيفيّات التعبّد، وهلّم جرّا.....).
فبينما عِلْمُ الاجتماع يتخذ، من بين ما يتّخذ، من الإحصاءات والاستبيانات إِجراءُ له في تحليل الظاهرة الاجتماعية وتفسيرها؛ نُلْغي العالِم الأنتروبولوجيّ "الغارق" في المجتمع الذي يدرسه،
يُعْنَى بصميم المعيش في هذا المجتمع. وأيّاً كان الشأن، فإنّ كُلاً منهما اغتدى الآن يستعير من منهج الآخر، دون أن يلفي في ذلك غضاضةً (5).
بيد أنّ الأنتروبولوجيا أوسعُ مجالاً، و أشدّ تسلّطاً على المجتمعات. ونحن نرى أنّ علم الاجتماع يتسلّط على الظاهرة من حيثُ كَوْنُها تَحْدُثُ وتتكرّر، وتشيع في مجتمع ما؛ أي كأنه يتسلّط على وصف ما هو كائن؛ على حين أنّ الأَناسِيَّةَ تتسلّط على المجتمعات التقليديّة، أو البدائيّة من حيث هي: فتصفها، ثم تحلّلها. فكأنّ علم الاجتماع يتسلّط على ظواهر اجتماعيّة منفردة ليصفها ويحلّلها، بينما الأَناسِيَّةُ تتسلّط على المجتمع البدائيّ في كلّيّاته فتجتهد في وصفها أوّلاً، ثم تحليلها آخراً.
وإذن، فلأْمرٍ ما أطلق العلماء على هذه المعرفيّة اصطلاح "علم الأناسة"، أو "علم الإنسان"، أو "الأناسيّة (كما نريد نحن أن نصطلح على ذلك): فكأنها العلم الذي بواسطته، وقبل علم النفس ذاته، يستطيع معرفة الإنسان في أصوله العرقيّة، وتاريخه الحضاريّ، وعلاقته بالعالم الخارجي.. بل الإيغال في معرفة معتقداته، وعاداته، وتقاليده، وأعرافه، وكلّ علاقاته بالطبيعة والكون...
-4-
ذلك، وأنّا ألفينا الناس دَرَسوا الشعر العربيّ القديم، وينصرف، لدينا، معنى القِدَمِ، وَهُنَا، إِلى عهدِ ما قبل الإسلام تحديداً: من جملة من المستويات، وتحت جملةٍ من الأشكال، وتحت طائفة من الزوايا، وعبر مختلف الرُّؤى والمواقف، وبمختلف الإجراءات والمناهج: انطلاقاً من أبي زيد القرشي، ومحمد بن سلاّم، ومروراً بالقرطاجنّي إِلى كمال أبي ديب، ومصطفى ناصف... ونحن نعتقد أنّ الذي لا يخوض في الظاهرة الشعريّة، العربيّة القديمة، من النقاد لا تكتمل أدواتُه، ولا تَنْفُقُ بضاعتُه من العلم، ولا يقوم له وجه من المعرفة الرصينة، ولا يذيع له صيت في نوادي الأدب؛ ولا يستطيع، مع كلّ ذلك، أو أثناء كلّ ذلك، أن يزعم للناس من قرائه أنه قادر على فهم الظاهرة الأدبيّة في أيّ عهد من العهود اللاّحقة، ما لَمْ يَعُجْ على هذه الأشعار يستنطقها استنطاقاً، ويقصّ آثارها، ويتسقّط أخبارها: فيعاشر أُولئِكَ الشعراءَ، ويقْعُدُ القُرْفُصَاءَ لِرُواتِهم، ويتلطّف مع أشباح أَرِئْيّائِهِمْ؛ ثمّ على الديار البالية، ويقترِئُ الأطلالَ الخالية؛ يتتبّع بَعَرَ الأَرْأمِ في العَرَصات، ويقف لدى الدِمَنِ المقفرات: يباكي الشعراء المدلّهين، ويتعذّب مع العشاق المدنّفين..
ما لَمْ يأتِ الناقدُ العربيُّ المعاصر شيئاً من ذلك.... ما لم ينهض بهذه التجربة الممتعة الممرعة... ما لم يجتهدْ في أَن ينطلق من الجذور الأدبيّة... ما لم يُصْرِرْ على الاندفاع من أرومة الأدب، وينابيع الشعر العذريّة... ما لمْ يُقْدِمْ، إذن، على البّدءِ مما يجب البدء منه: يظلّ، أخرى اللّيالي، مفتقراً، في ثقافته النقديّة، وفي ممارسته الدرسية، وفي تمثّله الجماليّ أيضاً، إلى شيء ما.... هو هذا المفقود مما كان يجب أن يكون، في مسيرته الأدبيّة، موجوداً موفوراً...
ولعلّ بعض ذلك التمثّل الذي نتمثّل به هذا الأمر، هو الذي حَملَنا على الإقبال على هذا الشعر الجميل الأصيل، والعُذْريّ الأثيل، نغترف من منابعه، ونرتشف من مدافعه؛ بعد أن كنّا في أول كتاب لنا، أصْلاً، عُجْنا على بعض شعر امرئ القيس نقرؤه ونحلّله، بما كنّا نعتقد، يومئذ، أنّه قراءة وتحليل... ولكن لاَ سواءٌ ما كنّا جِئناهُ منذ زهاء ثلاثين سنة، وما نزمع على مجيئه اليوم...
إنّ الاستهواءَ لا يكفي. فقد يَهْوى أحدُنا موضوعاً فيقبل عليه، بحبّ شديد، يعالجه.. ولكنه، مع ذلك، قد لا يبلغ منه ما كان يريد... وإذن، فهوايَتُنا هذا الشعرَ القديمَ ليست شفيعة لنا؛ ما لم نجدّد في سعينا، ونبتكر في قراءتنا، بعد أن كان تعاوَرَ على هذا الشعر الكبير مئات من النقاد والمؤرخين والدارسين، قديماً وحديثاً.... ولو جئنا نحصي من المحدثين، منذ عهد طه حسين فقط، من تناولوا هذا الشعر لألفينا عدَدَهم جمّاً، وسَوادَهم كُثْراً.... فما الذي غرَّنا بالخوض فيما خاضوا فيه، مع تغازُر العدد، وتوافر المدد، واعتياص الصّدد؟ فلعلّ الذي حَمَلنا على التجرّؤ، ودَفَعنا إلى التحفّز، مع ما نعلم من عدد السابقين لنا، هو الحريّة التي جعلها الله لنا حقاً؛ وهو، أيضاً، حبّ إبداء الرأي الذي جعله الله لنا باباً مفتوحاً، وسبباً ميسوراً، إلى يوم القيامة. وهو، بعد ذلك، ما نطمع فيه من القدرة على المسابقة والمنافسة، وما نشرئبّ إلى إضافته إلى قراءات الذين سبقونا. ولَوْلا أعْتِقادُنا بشيء من هذا التفرّد الشخصيّ في هذه القراءة التي ندّعي لها صفة الجدّة في كثير من مظاهرها ومساعيها؛ لما أعْنَتْنَا النفْسَ، وجاهدنا الوُكْد، في هذه الصحائف التي نَزْدَفُّها إلى قرائنا في المشرق وفي المغرب، وكلّنا طمع في أنها ستقدّم إليهم شيئاً مما لم تستطع القراءات السابقة تقديمَه إليهم، إن شاء الله....
ولمّا كان حرصُنا شديداً على ذلك، ورجاؤُنا شديداً في تحقيق ذلك- وبعد تدبّر وتفكّر- بدا لنا أن نجيء إلى بعض هذا الشعر العربي القديم، ممثّلاً في معلّقاته السبع العجيبات البديعات، فنقرأه قراءةً تركيبيّة الإجراء بحيث قد تنطلق من الإجراء الأنتروبولوجيّ، وتنتهي لدى الإجراء السيمائياتّي؛ إذا ما انصرف السعْيُ إلى النصّ. وتنطلق من الإجراء الشكّيّ العقلانّي، وتنتهي لدى استنتاج قائم على المساءلة أكثر مما هو قائم على الحكم والجواب.
وقد اغتدى، الآن، واضحاً أننا نحاول، في هذه التجربة، المزاوَجَة بين الأنتروبولوجيا والسيمائيّة لدى التعرض للنص، والمزاوجة بين المعلومات التاريخيّة وافتراض الفروض، لدى غياب النصّ، وحين التعرّض للحياة العامّة لدى العرب قبل الإسلام. وليست هذه المزاوجة بين الأنتروبولوجية، وما اصطلح عليه أنا بـ "السِيمائيّةِ"، أمراً مُستَهجَناً في مَسارِ علم المنهجة. فقد كنّا ألفينا بعض الدارسين الغربيين، ومنهم كلود ليفي سطروس، كان يزاوج بين الأنتروبولوجيا والبنوية؛ وكما كان يزاوج لوى قولدمان أيضاً بين البِنويّة والاجتماعية....
ونحن لم نجئ ذلك لمجرد الرغبة العارمة في هذه المزاوجة التي قد يراها بعضهم أنها تمّت، أو تتّم، على كُرْهٍ، وربما على غير طهْر!... ولكنّنا جئناه، اعتقاداً منّا أنّ الانطلاق في تأويل الظاهرة الشعريّة القديمة من الموقف الأنتروبولوجيّ هو تأصيل لمنابت هذا الشعر، وهو قدرة على الكشف عن منابعه... وعلى الرغم من أنّ كتابات ظهرت، في العِقديْن الأخيرين من هذا القرن، حول بعض هذا الموضوع، وذلك كالحديث عن الأسطورة في الشعر الجاهليّ مثلاً؛ فإنّ التركيب بين الأنتروبولوجيا والسيمائيّة، في حدود ما بلغناه من العلم على الأقلّ، لم ينهض به أحد من قبلنا.
ونحن إنما نُرْدفُ الأنتروبولوجيا السيمائيّة لاعتقادنا أنّ الأولى كَشَفٌ عن المنابت، وبحث في الجذور؛ وأنّ الأخراةَ تأويلٌ لمِرامِزِ تلك الجذور، وتحليل لمكامن من الجمال الفنّيّ، والدلالات الخفيّة، فيها. فلو اجتزأنا بالقراءة الأنتروبولوجيّة (والمفروض أنّ النسبة الصحيحة لهذا الاصطلاح تكون: "الأنتروبولوجويّة"، ولكننا ننبّه إليها، راهناً، دون استعمالها، حتى تألف اللغة العربيّة، العُلَمائيّة، هذا التمطّط الذي يُطيل منها...) وحدها لوقعنا في الفجاجة والنضوب. كما أننا لو اقتصرنا على القراءة السيمائياتيّة (ونحن نريد بهذه النسبة إلى قُصْرِ الإجراءات والممارسات التحليليّة على التطبيقات السيماءويّة...) وحدها، لما أَمنّا أن يُفْضِيَ ذلك إلى مجرّد تأويل للسطوح، وتفسير للأشكال، ووصف للظواهر، دون التولّج في أعماق الموالج، والتدرّج إلى أواخّي المنابت.
5-
وإنما فزِعْنا إلى هذه المقاربة الأنتروبولوجيّة- والمُرْدَفة أطواراً بالسيمائيّة- لأنّ النصوص الشعريّة التي نقرؤها قديمة؛ وأنها بحكم قدمها -أو جاهليّتها- تتعامل مع المعتقدات، والأساطير، والزجر، والكهانة، والقيافة، والحيوانات، والوشم، والمحلاّ‍ت (6)، وكلّ ما له صلة بالحياة البدائيّة، والعادات والتقاليد التي كانت تحلّ محل القوانين لدينا، لديهم... ونحن نعجب كيف لم يفكّر أحد من قبل في قراءة هذا الشعر، أو قراءة طرف من هذا الشعر على الأقلّ، بمقاربة أنتروبولوجيّة تحلّل ما فيه من بعض ما ذكرنا، أو من بعض ما لم نأت عليه ذكراً.. ذلك بأنّ أيّ قراءةٍ لهذه النصوص الأزليّة، أو المفترضة كذلك (عمرها الآن ستّة عشر قرناً على الأقلّ...)، لا تتخّذ لها هذه المقاربة ممارسة: قد لا نستطيع أن تبلغ من هذه النصوص الشعرية بعض ما تريد.
وعلى أنّنا لا نودّ أن يَتَطالَل مُتَطالِلٌ فيزعَمُ، لنا أو للناس، أنّنا إنما نريد من خلال هذه القراءة، تحت زاوية المقاربة الأنتروبولوجيّة، وتحت زاوية المقاربة السيمائياتيّة أيضاً: أنْ نَسْتَبين مقاصد الشعراء.. فذاك أمر لم نرم إليه؛ وذاك ما لم يعد أحد من حذاق منظّري النصوص الأدبيّة ومحلّليها يعيره شيئاً كثيراً من العناية؛ ولكننا إنما نريد من خلال تبيان مقاصد تلك النصوص ذاتها، وكما هي، وكما رُوِيَتْ لنا؛ أو رُويَ بعضها ونُسِجَ بعضها الآخر على روح الرواية الأصليّة وشكلها؛ أي كما وصلتنا مدّونة في الأسفار...
ومن الواضح أن من حق القارئ- المحلِّل- أن يؤوّل النصّ المقروء على مقصديّة الناصّ، ولكن دون أن يدّعيّ أن تأويله يندرج ضمن حكم الصّحة؛ إذ لا يستطيع أن يبلغ تلك المرتبة من العلم إلا إذا لابس الناصّ، وألَمَّ إلماماً حقيقياً بأحداث التاريخ التي تلابس النص والناصّ معاً، وعايش لحظة إبداع النص، وتواجَدَ في مكانه، وساءل الناصّ شخصيّاً عمّا كان يقصد إليه من وراء نسج نصّه المطروح للقراءة... ولِمَ قال ذلك؟ ولِمَ وَصَفَ هذا؟ ولِمَ، لَمْ يَصِفْ هذا؟ ولم كثّف هنا، ولم يُسَطّحْ؟ ولِمَ أومأ ولمْ يصرّح؟ أو، لِمَ صرّح ولم يُلَمّح؟ وهذا أمر مستحيل التحقيق.. إنّ تأويل النص قراءة للتاريخ، ولابحثاً عن الحقيقة، ولا التماساً للواقع، كما تدّعي المدرسة الواقعيّة التي تزعم للناس، باطلاً، أنّ الأدب يصف المجتمع كما هو؛ وأنها هي تستطيع أن تفسّره كما قَصَدَ إليه صاحُبه...، ولا طلباً للمَعيشِ بالفعل... ولكنه إنشاء لعالم جديد يُنْسَجُ انطلاقاً من عالم النصّ من حيث هو نصّ؛ لا من حيث مَقْصِدِيّةُ الناصّ من حَيْثُ هو ناصٌّ.
ولا سواءٌ تأويلٌ يكون منطلقُه من مَقْصِديَّة النصّ فيقرؤُه بحكم ما يرى مما توحي به القراءة؛ وتأويلٌ يكون منطلقه من مقصديّة الناصّ فيقرؤه على أساس أنّه يتناول حقيقة من الحقائق (ولا نريد أن ينصرف الوهم إلى معنى "الحقيقة" في اللغة القديمة، وقد استعملت في المعلّقات..)، ثمّ على أساس أنه يخوض في أمر التاريخ...
-6-
لكن لما ذا الضَرْبَ، أو المُضْطَرَبُ، في كلّ هذه المستويات لتأويل قراءة نصوص المعلّقات السبع؟ أَلأَنَّ الأمر ينصرف إلى النصّ الشعريّ، والنصّ صورةٌ إن شئت، ولكنه ليْسَها وحْدَها؛ وهو تَشاكُلٌ إن شئت، ولكنه ليسَهُ وحده؛ وهو لذّاتٌ فنيّة روحيّة إن شئت، ولكنه لَيْسَهُما وحدهما، وهو تجليات جماليّة إن شئت، ولكنه ليْسَها وحدها؛ وهو سمات لفظيّة إن شئت، ولكنه ليْسَها وَحْدَها؛ وهو لَعِبٌ باللغة إن شئت، ولكنه لَيْسَه وحده؛ وهو أسْلبَةٌ وتشكيل إن شئت، ولكنه ليسهما وحْدَهُما؛ وهو فضاء دلاليّ يتشكّل من الصوت وصَدى الصوت، والإيقاع وظِلّ الإيقاع، والمعنى ومعنى المعنى؛ فيحمل كلّ مقوّمات التبليغ في أسمى المستويات...؟ أم لأنّ الأمر ينصرف إلى غير كلِّ ذلك...؟
ولمّا كان الأمر كذلك، كان لا مناص، إذن، من قراءة النصّ الأدبي، بإجْرائِهِ في مستويات مختلفات أصلاً، لكنها، لدى منتهى الأمر، تُفْضي، مُجْتَمعةً، إلى تسليط الضياء على النصّ، وإلى جعل التأويلات المتأوّلة حَوَالَهُ بمثابة المصابيح المضيئة التي تزيح عن النص الظلام، وتكشف عن مغامضه اللّثام....

-7-
وممّا لاحظناه في قراءاتنا للمعلّقات أنّ هناك إلحاحاً، كأنه مقصود -أو كأنه دأب مسلوك في تقاليد بنية القصيدة العربيّة؛ أو كأنّه إرثٌ موروث من الأزمنة الموغلة في القِدَم، فيها: على ذكر أماكن جغرافيّة بعينها؛ مما حمل ياقوت الحموي على أن يستشهد، كثيراً، بهذه الأشعار الواردِ فيها ذِكْرُ الأماكن، في اجتهادٍ منه لتحديد الأمكنة في شبه الجزيرة العربيّة، وطرفي العراق والشام. ويبدو أنّ بعض الأمكنة كان من الخمول والغُمورَةِ بحيث لم يكنيعرف إلاّ في ذلك الشعر المستشهد به، ولا يكاد في سَوائِهِ...
ويحمل هذا الأمر على الاعتقاد بأنّ شعراء الجاهليّة كثيراً من كانوا يظْعَنون من مكان إلى مكان آخر؛ كما أن الحبيبات اللواتي كانوا يتحدثون عنهنّ، أو يشبّبون بهنّ؛ كُنّ، هنّ أيضاً، بحكم اتسام تلك الحياة بالتّرحال المستمرّ، والتّظعانِ غير المنقطع، يتحملّن مع أهليهنّ... فكان، إذن، ذِكْرُ الأمكنة؛ من هذه المناظير، أمراً مُنتَظراً في أشعار أولئك الشعراء....
-8-
وقد لاحظنا وحدة المعجم اللغويّ في نسج لغة مطالع المعلّقات بخاصّة، والشعر الجاهليّ بعامّة، بحيث لم يكن الشاعر، على ذلك العهد، يرعوي في أن يسلخ بيتاً كاملاً من شعر سوائه -إلاّ لفظاً واحداً- كما جاء ذلك طرفة بالقياس إلى امرئ القيس... أمّا سَلْخُ الأعجاز أو الصدور فحدّث عنها ولا حرج. فقد كان الشاعر إمّا أن يتناصّ مع نفسه، كما نلفي ذلك في سيرة شعر امرئ القيس، عبر المعلّقة والمطوّلة، مثل:
*فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجة (تكرر في المعلّقة والمطوّلة)،
*وجاد عليها كلّ أسحم هطّال. (تكررا مرتين اثنتين في المطوّلة)
*ألحّ عليها كلّ أسحم هطّال.
على أننا نؤثر أن لا نفصّل الحديث عن هذه المسالة هنا، لأننا اختصصناها بفصل مستقلّ في هذا الكتاب.

-9-
كيف اختار شعراء المعلّقات، وسَواؤُهُمْ من غير شعراء المعلّقات من أهل الجاهليّة، استعمال الناقة في التّظعان إلى الحبيبة عِوَضاً عن الفَرَس؛ وبمَنْ فيهم امرؤ القيس الذي نلفيه يتحدث عن نحر ناقته للعذارى يوم دارة جلجل، ويعود إلى الحيّ، فيما تزعم الحكاية، رديفاً لفاطمة ابنة عمّه...؟ مع أنّ المسافة القصيرة التي كانت تقع بين الحيّ وغدير دارة جلجل يفترض أنها كانت قصيرة: فما منع امرأ القيس من اصطناع الفَرَس في تنقّله ذاك القصير؟ ولِمَ نلفي الفرسان والفُتّاكَ، مثل عنترة بن شداد، هو أيضاً، يتحدث عن ناقته، قبل أن يتحدث عن فرسه؟ فهل كان اصطناع الناقة في الأسفار دأباً مألوفاً لديهم لا يغادرونه، أم أنّ في الأمر سرّاً آخرَ؟ أم أنّ الخيل كانت عزيزة جداً لديهم، أثيرةً في نفوسهم؛ بحيث كانوا يَضِنّونَ بالارتفاق بها في الأسفار، ويذَرونَها مكرّمةً منعّمة للارتفاق بها في الحروب؟ بل لماذا كانوا يصطنعون جيادهم في الطرد، كما نلفي امرأ القيس يذكر ذلك بالقياس إلى جواده الذي يصفه بالعِتْقِ والكرم، وأنه كان سباقاً، وأنه يقيّد الأوابد..؟ فما بالُهُ حين اندسّ لِعَذارى دارة جلجل اصطنع الناقة وهي وئيدة السير، ثقيلة الخطو، مزعجة للتنقّل القريب، وهو الأمير الغنيّ الثريُّ:
فأين كان فرسه؟ وما منعه من اصطناعه، وقد كان يفترض أنه يظهر بمظهر الفارس المغامر، وليس أدلّ على الفروسيّة والرجوليّة شيء كركوب الخيل، وحمل السلاح، في منظور المرأة العربيّة على ذلك العهد..؟
-10-
ولا يمكن قراءة أيّ قصيدة من الشعر الجاهليّ، بَلْهَ قراءة أشهرِ قصائده سيرورةً، وأكثرها لدى الناس رواية؛ وهي المعلّقات السبع، دون التعرض لمسألة النحل والعبث بنصوصها، والتزيّد على شعرائها، والتصرّف في مادة شعرها: لبعد الزمان، وفناء الرجال، وانعدام الكتاب، وضعف الذواكر، وتدخّل العصبيّة القبليّة، وطفوح الحميّة الجاهليّة، وطفور المذهبيّة السياسيّة: لدى جمع الشعر الجاهليّ بعد أن مضى عليه ما يقرب من ثلاثة قرون من الدهر الحافل بالفتن والمكتظّ بالأحداث، والمتضرّم بالحروب.
ولم يكن هناك شعر أدعى إلى أن يُتَزَيَدَ فيه، ويُدَسّ عليه؛ كشعر المعلّقات التي جمعها أحد أوْضَعِ الرواة للشعر، وأَجْرَئِهِمْ على العبث به؛ وهو حمّاد الراوية بعد أن كان مضى على قدم المعلّقات وجوداً ما يقرب من ثلاثة قرون. والآية على ذلك أننّا لاحظنا أبياتاً إسلامية الألفاظ، كثيرة وقليلة، في جملة من المعلّقات مثل معلّقات زهير، ولبيد، وعمرو بن كلثوم... ولنضرب لذلك مثلاً في هذا التمهيد بالأبيات الأربعة، والتي نطلق عليها "أبيات القِرْبة" والمعزوة إلى امرئ القيس في نصّ المعلّقة... فإنها، كما لاحظ ذلك بعض القدماء أنفسهم (7)، مدسوسة عليه؛ وكأنّ امرأ القيس استحال إلى مجرّد صعلوك متشرّد، وضارب في الأرض متذلّل، يحمل على ظهره القراب، ويعاشر في حياته الذئاب..
إننا لا نَقْبلُ بأن تُغْزَى تلك الأبيات الأربعة الصعاليكيّة:
وقربةِ أقوامٍ جَعلْتُ عِصامَها


على كاهلٍ مِنّي ذَلول مُرَحّلِ

ووادٍ كجَوفِ العيرِ، قَفَرٍ، قطعتُه


به الذئب يعوي كالخليع المُعَيّلِ


إلى امرئ القيس، وذلك لعدم عيشه تلك التجربة، ولأنه كان موسراً غنيّاً، ولم يثبت قطّ أنه كان مضطراً إلى أن يحتمل القراب. بل لا نلفيه، في هذا الشعر يحتمل تلك القراب على ظهره فحسب، ولكنّا نلفيه متعوّداً على حملها، وإنما ذلك شأن الفقراء الصعاليك، وسيرة السفلة والمماليك... ثم لعدم حاجته أيضاً إلى أن يُخَاطِبَ السيَّد حين عوى في وجهه:
فقلت له لمّا عوى إِنّ شَأْننَا


قليلُ الغِنَى إن كنت لَمَّا تَمَوّلِ

كِلانا إذا ما نال شيئاً أفاتَه


ومن يحترثْ حرثي وحرَثكَ يهزل


ونحن لا نرتاب في أبيات القربة الأربعة فحسب، ولكننا نرتاب، أيضاً، في أبيات الليل الأربعة التي يصف فيها الليل، وأنه كموج البحر في عمقه وظلامه، وهوله وإبهامه، وذلك لبعض هذه الأسباب:
أوّلها: إنّ الأبيات الأربعة التي يزعم فيها الرواة الأقدمون- والرواة هنا مختصرون في شخص حمّاد الراوية وحده؛ إذ هو الذي جمع المعلّقات السبع وأغرى الناس بروايتها لما رأى من عزوفهم عن حفظ الشعر (8)- أنّ امرأ القيس يصف فيها الليل، هي أيضاً، لا تجاوز الأربعة، مَثَلُها مَثَلُ الأبيات الأربعة الأخراة التي شكّ فيها الأقدمون أنفسهم وعَزَوْها إلى تأبّط شرّاً (9)؛ ولذلك لم يتفقوا على إلحاقها بشعر امرئ القيس، على أساس أنها تخالف روح سيرة حياته لديهم.. وثانيها: إنّا وجدنا امرأ القيس حين يصف شيئاً يتولّج في تفاصيله، ويلحّ عليه بالوصف، بناء على ما وصلنا من الشعر الذي زعم الرواة الأقدمون أنه له: فنلفيه يصف حبيبته، وقل أن شئت حبيبتيْه- عنيزة أو فاطمة، وبيضة الخدر-، وقل أن شئت حبيباته إذا أدخلنا في الحسبان أمّ الحويرث، وجارتها أمّ الرباب، وعذارى دارة جلجل، وعنيزة، والحبالى، والمرضعات اللواتي كان طَرَقَ قبْلَها، أو قبَلَهنّ، وبيضة الخدر التي جاوز إليها الأحراس، وجازف بحياته من جلالها أمام من كانوا حِرَاصاً على قتله، وشداداً في معاملته.
ولقد استغرق منه وصْفُ مغامراته ومعاهراته، مع هؤلاء النساء، سبعة وثلاثين بيتاً ربما كانت أجمل ما في معلّقته. ومن أجمل ما قيل في الشعر العربيّ على وجه الإطلاق. فكأنّها الشعر الكامل. وكأنها السحر المكتوب. وكأنّها الشَّهْدُ المشتار. وكأنّها النص الأدبيّ الكامل: تشبيهاً، ونسجاً، وأسلبةً، وصورةً، وابتكاراً، وجمالاً..
على حين أنّنا ألفينا وصف الفرس يمتدّ في شعره على مدى ثمانية عشر بيتاً. وربما كان وصف الفرس لديه أجمل وصف قيل، هو أيضاً، في هذا الحيوان الجميل الأنيق، في الشعر العربيّ إطلاقاً.. بينما استغرق وصف المطر في معلّقته اثني عشر بيتاً. فما معنى، إذن، أن تستغرق هذه المواضيع الثلاثة، كلّ هذه الأحياز عبر المعلقة المَرْقِسيّةِ، وتمتدّ على كلّ هذه الأَفْضَاءِ، ويَقْصُرُ وصفُ الليل، وحده، فلا يجاوز أربعة أبيات، كما يقتصر وصف القربة، وقطع الوادي الأجوف ليلاً، ومخاطبة الذئب، على أربعة أبيات، فقط أيضاً، ولِمَ كان الملك الضليّل طويل النفس في بعض، وقصيَره في بعضٍ آخرَ؟
وآخرها: إنّ وحدة القصيدة تأبى أن يُقْحَمْ وصْفُ الليل: وأنه موقر بالهُمُوم، مُثْقَلٌ بالخطوب؛ وأنه كان يبتليه بما لا يقال، ويضربه بما لا يتصوّر: بين وصف الحبيبات الجميلات، وذكر الملذّات الرطيبات، ووصف الفرس الذي لم يركَبْه امرَؤُ القيس للذاته يوم دارة جلجل؛ ولكنه امتطي مطيّته التي نحرها للحسان، فيما تزعم تلك الحكاية العجيبة.... فما معنى، إذن، ذكر الهموم والأتراح بين التشبيب والطرد؛ بين لذّات الحبّ، ولذّات الصيد؟
-11-
كان أستاذنا الدكتور نجيب محمد البهبيتي حَكَمَ- كما سنناقشه في المقالة التي وقفناها على متابعة المرأة، بما هي أنثى، في المعلّقاتُ السبع، ضمن هذا الكتاب- برمزيّة المرأة، وبرمزيّة أسماء النساء في الشعر الجاهليّ (10) الذي المعلّقاتُ واسَطِةُ عِقْدِهِ. بينما ألفينا الدكتور علي البطل يعلّل الأسماء في الجاهليّة تعليلا‌ً معتقداتيّاً (11)؛ بينما نجد أبا عثمان الجاحظ يذهب إلى غير ذلك سبيلا؛ فيرى أنّ ذلك لم يكن مرجعه إلى معتقدات دينيّة خالصة، ولكن إلى معتقداتية خرافية حميمة. وكانوا يأتون ذلك على سبيل التفاؤل والتبرّك، وخصوصاً لدى تبشيرهم بميلاد الذكور. فكان الرجل منهم "إذا ولد له ذكر خرج يتعرّض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنساناً يقول حجراً، أو رأى حجراً سمّى ابنه به، وتفاءل فيه الشدّة والصلابة، والبقاء والصبر، وأنه يحطم ما لقي. وكذلك إن سمع إنساناً يقول ذئباً، أو رأى ذئباً، تأوّل فيه الفطنة والخبّ، والمكر والكسب. وإن كان حماراً تأوّل فيه طول العمر والوقاحة، والقوة والجلَد. وإن كان كلباً تأوّل فيه الحراسة واليقظة وبعد الصيت، والكسب، وغير ذلك (....).. ووجدناهم (...) يسمّون بقمر، وشمس، على جهة اللقب، أو على جهة المديح..." (12).
وممّا يقرّر الجاحظ حول هذه المسألة أنّ العرب كانت تفزع إلى مثل هذه الأسامي على سبيل التفاؤل، لا على سبيل المعتقدات التي يحاول بعض الباحثين المعاصرين تأوّلها (13)، وبرهاناتُهمْ على ذلك أدنى الوَهَن منها إلى الآد، وحججهم في ذلك أقرب إلى الضعف منها إلى القوة. ذلك بأنّ نصوصهم، في سعيهم، لا تكاد تذكر مع مثل هذه النصوص التي تتجسّد في مثل كلام الجاحظ، إذ ممّا يقرره أنه إذا: "صار حمار، أو ثورٌ، أو كلبٌ: اسمَ رجلٍٍ مُعظّم، تتابعت عليه العربُ تطير إليه، ثمّ يكثر ذلك في ولده خاصة بعده" (14).
وواضح أنّ هذا الأمر، في التسمية، لا يبرح قائماً إلى يومنا هذا؛ فما هو إلاّ أن يشتهر زعيم من الزعماء، أو سياسيّ من الساسة، أو بطل من الأبطال، أو مصلح من المصلحين، أو مغنّ من المغنّين، أوعالم منالعلماء، أو أديب من الأدباء.... وإذا الناس يتهافتون على اسمه يسمّون به أولاهم: تبركاً وتحبباً، وتفاؤلاً وتشبّهاً.
ولا يرى الجاحظ أنّ العرب إنما كانت تسمّي أولادها بمثل قمر وشمس على سبيل المعتقد بهذين الكوكبين الاثنين، أو على أساس أنّ العرب كانت تعبدهما وتقدّسهما، ولكنّ ذلك كان منها "على جهة اللقب، أو على جهة المديح"(15).
-12-
وعلى أننّا لا نريد أن يعتقد معتقد أنّا نرفض الترسبّات الدينيّة، الوثنية خصوصاً، والسحريّة، والمعتقداتية في الشعر الجاهليّ، كلّه أو بعضه؛ ولكن ما لانريد أن يعتقده معتقد هو أنّنا لا نميل إلى هذا التحمس، وهذا التحفز؛ وإلى الذهاب، بأيّ ثمن، إلى ذلك التعليل الأسطوري للصورة الشعريّة، وللوقائع، وللّغة... فقد كان الأعراب أغلظ أكباداً، وأحرص على التعامل في حياتهم اليوميّة بواقعها الشظف، ورتابتها المحسوسة، مع المادّة - من أن يقعوا فيما يريد أن يوقعهم فيه، على سبيل الإرغام، بعضُ الناقدين المعاصرين، وذلك بالذهاب إلى أنّ كلّ ما هو شمس أو قمر، أو ثوراً وبقر، أو عيراً وظبي، أو نمر أوكلب، أو ثعلب أو عجل، أو ليث أو ضبّ- ممّا كانوا يقدسونه فيما غَبَر من الأزمان، ومر من الدهْرِ الدَّهارير: لم يكن يدلّ بالضرورة على التمسّك تمسّكاً دينيّاً أو روحيّاً بتلك المعتقدات الوثنيّة؛ وإلاّ فماذا سيقال في النباتات والأشجار، والسحب والأمطار، والرمال والأنهار...؟
وإنما كانوا يسمّون أبناءهم بما كانوا يرون في بيئتهم البدويّة الشظفة: أنّه هو الأيّدُ الأقوى، أو الأشدّ الأبقى: سواء في ذلك الشجر والحجر؛ وسواء في ذلك الحيوان والهوامّ. على حين أنهم كا نوا يُؤْثِرونَ لعبيدهم الأسماء الجميلة الأنيقة اللطيفة مثل صبيح، ورباح.... ذلك بأنّ الأسماء التي تُرْعِبُ وتُخيف كانوا يرون بأنها قَمَنٌ بأن تُفْزِعَ يوم الوغى، وتُرْهِبَ في مآقِطِ النِزال، بالإضافة إلى ما كانوا يريدون أن يميلوا إليه من التفاؤل بالشيء لمجرّد منوحه لهم (16).
-13-
وممّا لا نوافق الدكتور البطل علىالذهاب إليه حول هذه المسألة حِرْصُه على الرجوع إلى أبعد الأزمنة إيغالاً في القدم، ثمّ إخضاع تلك الفترة إلى ما يطلق عليه "الفترة الطوطميّة" التي يحيل فيها قُرَّاءَه على الرجوع إلى الدكتور جواد عليّ الذي كان بسط هذه النظريّة الأنتروبولوجية بناء على تنظيرات مكلينان، وليس بناء على تنظيراته هو (17).
وإنما كان الأولى أن يحيل قراءه على الأصل الذي هو جون مكلينان الذي تعود محاولاته النظريّة إلى سنة تسع وستين وثمانمائة وألف للميلاد حيث كان نشر بعض المقالات التي نبّه فيها إلى ما أطلق عليه الطوطميّة (18). لكن لم يلبث أن جاء فرازر فنشر كتابه المؤلف من أربعة مجلدات انتقد فيها ماكلينان حيث اغتدت الطوطمية لديه: "مؤسسة ذات خصوصيّة من المعتقدات البدائية وهي تتناقض (....) مع التفكير الدينيّ، كما كان يريده وليم روبرتصون سميث، ومع التفكير العقليّ الذي كان يعتقد فرازر أنه كان الناطق باسمه، في آن واحد"(19).
وعلى أنّ الانتروبولوجيين انتقدوا انتقاداً شديداً تنظيرات فرازر، وفي طليعتهم الأسكندر قولد نويزر الذي رأى انّ إدراج ثلاث ظَواهِر في عِقْدٍ واحد من الزمن ضئيل العلميّة.. (20).
وأياً كان الشأن؛ فإن الطوطمية في مفهومها الأدنى والأشهر،تعني وجود العبقرية الراعية (21) التي ينشأ عنها "الأنظمةُ الطوطمية" (22)، والتي حاول بعض العلماء تطبيقها على المجتمعات البدائية في استراليا، وأمريكا... ولكننا، نحن، لا نحسبها ممكنة الانطباق على المجتمع العربيّ قبل الإسلام، بحذافيرها...
إنّ هناك دعائِمَ أربعاً تنهض عليها هذه النزعة الأنتروبولوجية، ولا تَوْفُرُ في الأسامي العربية القديمة وفوراً كاملاً؛ لأن الجاحظ وهو الأعلم بعادات العرب وتقاليدها، والأقرب إليها عهداً، والأدنى منها زمناً، والألصق بها نَسَباً؛ لم يذكر أنّ العرب كانت تسميّ أبناءها بأسماء الحيوانات على سبيل التقديس والتبرك؛ ولكنّ ذلك كان "على جهة الفال" (23)، وعلى سبيل حفظ نسب الجدّ، "وعلى شكل اسم الأب، كالرجل يكون اسمه عمر فيسمّي ابنه عميراً.. " (24). والآية على عدم ثبات مزعم الذين يزعمون بطوطميّة الأسماء العربية على عهد ما قبل الإسلام أنّ العرب كانوا يتسمون "أيضاً بأسماء الجبال: فتسموا بأبان وسلمى"(25). بل أنهم قد "سمّوا بأسد، وليث، وأسامة، وضرغامة، وتركوا أن يسمّوا بسبع وسبعة.وسبع هو الاسم الجامع لكلّ ذي ناب ومخلب" (26).
إنّ من أصول الطوطميّة الأربعة تحريم أكل الحيوان المقدّس، والشجرة المباركة؛ بينما لم تكن العرب تتحرج في أكل أيّ من الحيوانات وثمر الأشجار التي كانت تسمّي بها أبناءها.
وواضح أنّ الزجر من المعتقدات العربيّة الحميمة التي لا نكاد نظفر بها في الفكر البدائيّ لدى الإغريق، وقدماء المصريّين، والبابليين، والكنعانيين على هذا النحو الذي وقعنا عليه في النصوص الأدبيّة والتاريخية العربيّة. فليس الزجر سحراً، ولا ديناً، ولا حتّى معتقداً حقيقياً، ولكنه نحو من السلوك قام في معتقداتهم فسلكوه..
وأمّا تقديس الثور فإننا نلفيه في بعض الأساطير الكنعانيّة، حيث "كان الثور هو الحيوان المقدّس"(27) لدى الكنعانيّين.
وربما لم تعبد الشمس في شمال الجزيرة قطّ، لأنّنا لم نعثر على صنم من أصنامهم هناك كان يمثّل على الحقيقة التاريخية الدامغة، الشمس المعبودة التي عبدت في مأرب على عهد الملكة بلقيس، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم [28]. وما نراهم قد تسمّوا به من مثل عبد شمس لعله لم يك إلاّ أثراً شاحباً لذلك التوهج الوثنيّ القديم الذي محاه الزمن، ودرسه الدهر حيث أنّ بلقيساً كانت تعيش في القرنين، الحادي عشر، والعاشر قبل الميلاد.
"وقد كانت العرب- كما يقول ابن الكلبي- تسمّي بأسماء يعبّدونها؛ لا أدري أعبّدوها للأصنام، أم لا؛ منها "عبد ياليل" ، و "عبد غنم"، و "عبد كلال"، و "عبد رضى" (29).
ومن الغريب حقاً أنّ الأساطير تذكر أن الكنعانيين كانوا يقدسون الثور؛ وفي الوقت ذاته نلفي الإله "بعل" يذبح لشقيقته عناة "ثوراً ويشويه؛ فتأكل؛ ثم تغسل يديها بالندى والماء" (30).
إن هي، إذن، إلاّ أساطير في أساطير، والذي يحاول أن يستخلص منها علماً، أو يستنبط منها أحكاماً تاريخية، سيتورط في فخّ أسطوريتها فلا يفلح في بحثه، ولا يهتدي في أحكامه...
ويرى الدكتور البطل بأن العرب لم يكونوا، في الأزمنة الغابرة، "أصحاب حضارة زراعية يعتدّ بها (....) ولعل هذا هو سر اتجاههم إلى الشمس وهي أظهر ما في حياة الصحراء، خالعين عليها صفة الأمومة؛ فاعتبروها الربة، والآلهة الأم. ولعل هذا هو سر تأنيث الشمس في اللغة العربية على عكس اللغات التي ربطتها بإلهٍ ذكر"(31):
فالأولى: أن تأنيث الشمس، في اللغة العربية، لا حجة فيه على الأمومة، ولا على الإخصاب؛ لأن هناك أمماً أخراة ربما كانت تعبد الشمس، وهي، مع ذلك تذكّرها، فالتذكير والتأنيث، في اللغة، لا ينبغي له أن يخضع، في كل الأطوار، للمعايير التي يبني عليها الدكتور البطل حكمه.
والثانية: أن الماء من الأمور التي لفتت عناية الإنسان القديم، ومع ذلك نلفي الماء مذكّراً، في اللغة العربية، وهو رمز للإخصاب، أكثر بكثير من الشمس (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ) (32): حتى أن ملك الروم كان بعث إلى معاوية بقارورة وقال له: "ابعث إليّ فيها من كل شيء" (33)، فملأها له ماء. فقال ملك الروم لما وردت عليه: "للّه أبوه ما أدهاه" (34)؛ وذلك على أساس أن اللّه جعل في الماء كل شيء... وإن كنا نلفي هذا الماء مؤنثاً في كثير من اللغات الأخراة كالفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية...
والثالثة: أن العرب لم تكن تؤنث الأشياء والظواهر للتعظيم والتقدير، في كل الأطوار؛ ولذلك قال أبو الطيب المتنبي:
ولو كان النساء كَمَنْ فقدَنْا


لفُضِّلَتْ النساءُ على الرجالِ

وما التأنيثُ لاُسْمِ الشمسِ عَيْبٌ


ولا التذكيرُ فخْرٌ لِلْهلالِ (35)


وقد خاطب الله الكفار حين جعلوا له بناتٍ (أفرأيتُمُ اللاَّتَ والعُزَّى، ومَنَاةَ الثالثةَ الأُخْرى. ألَكُمُ الذّكَرُ وله الأُنُثَى؟ تلك إِذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزَى" (36).
والرابعة: إنّ المشركين حين اتخذوا اللاّت يعبدونها من دون الله في الطائف وما والاها إنما "اشتّقّوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللاّتَ، يعنون مؤنّثة منه، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا"(37). ويؤيّد ذلك ما ذهب إليه الزمخشري في تفسير بعض هذه الآيات حين قرر:
"إنّ اللاّت والعزّى ومناة: إناثٌ، وقد جعلتموهنّ لله شركاء، وما شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يُولدْنَ لكم، ويُنْسَبْنَ إليكم: فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أنداداً لله وتسمّونهنّ آلهة؟" (38).
وإذن، فلا يمكن أن يكون التأنيث للشمس تفخيماً لها وتعظيماً ، ولا تقديراً لها وتقديساً. ولو كانوا أرادوا إلى ما أراد إليه الدكتور البطل، وبناء على بعض ما رأينا من أمر هذه الآيات الكريمات، وما استنبطنا من تفسيرها: لكانوا، في رأينا، ذكّروها، لا أنّثوها.
فقد سقطت، إذن، تلك الحجة؛ ووهن: إذن، ذلك البرهان.
والخامسة: إنّا لا نعتقد أنه كان للمرأة العربيّة، على عهد ما قبل الإسلام، مكانةٌ محترمة، ومنزلة اجتماعية تتبوّؤُها إزاء الرجل الذي يطلّقها لأوهى الأسباب، وكان يطلبها للفراش لا للعِشْرة؛ فلمجرّد أن حكمت أمّ جندب لعلقمة الفحل على أمرئ القيس بادَرَ إلى تطليقها (39).
والسادسة: وأمّا مسألة عبادة الأرض، وأنّ المجتمعات الزراعيّة العتيقة "عبدت الأرض بوصفها أماً" (40)؛ فإنّ الإنسان البدائيّ عبد الأحجار، والأشجار، والشمس والقمر، والأرض والسماء، والحيوانات، والريح، وكل، مظاهر الطبيعة... فلا حجّة فيه على أنّ ذلك باقٍ في الصورة الشعريّة لما قبل الإسلام. فصنم "اللاّت" بينما يزعم بعض المفسريّن (41) أنه مؤّنث الله في لغتهم ومعتقداتهم جميعاً؛ كان الآخرون من المفسرين يرون أنّ اللاّت "كان(....) رجلاً يَلُتُّ السُّويْقَ، سويق الحجّ" (42). كما روى "عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، أنهم قرأوا "اللاّت" بتشديد التاء وفسّروه بأنّه كان رجلاً يلتّللحجيج في الجاهلية السويق، فلمّا مات عكفوا على قبره، فعبدوه "(43). فالمعبودات لم يكنَّ نساءً فحسب؛ ولكنْ كُنَّ رجالاً أساساً. بل إنّا أصنام العرب يغلب عليها التذكير أكثر من التأنيث.
والسابعة: وأمّا اعتبار العرب أنهم ليسوا "أصحاب حضارة رزاعيّة يعتدّ بها "فإنا لا ندري كيف يمكن تناسي اليمن السعيد، وهو مهد العروبة، ومحْتِدُها الأوّل، وما كان فيه من زراعة نوّه بها القرآن (44)؛ وحيث كان سدّ مأرب العظيم قبل أن ينفجر؛ وحيث الجنتان عن يمين وشمال؛ وحيث البلدةُ الطيبة، والتربة الخصبة؛ وحيث الربُّ الكريم الغفور، وحيث كانت المرأة اليمنيّة "تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يُحْتاج إلى كلفة ولا قطاف؛ لكثرته ونضجه واستوائه" (45)؛ وحيث، كما يقرر ابن عباس كانت بلاد اليمن "أخصب البلاد وأطيبها: تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيديها وتسير بين الشجر، فيمتلئ المكتل بما يتساقط فيه من الثمر" (46).
أم لم يكن اليمن عربيَّ الأرض، عريق العروبة؟ أم لم يُبْنَ فيه أوَّلُ سدٍّ في تاريخ الزراعة على وجه الاطلاق؟ وإذن فكيف يمكن تَجْريدهمُ ممَّا هو ثابت لهم بالأخبار المتراوية، والآثار المتتالية، والوحي المنزّل، والتاريخ المفصّل؟
ومن الغبن العلميّ أن يحاول محاول بناء مسألة على هواء، وإقامتها على فراغ، بعد أن تستهويه استهواء، وبعد أن تشدّه إليه شدّاً؛ فيجتهد في أن يجعل من الحبّة قبّة، ومن القليل كثيراً، ومن العدم وجوداً.... وقد أحسسنا بشيء من ذلك ونحن نقرأ الدكتور البطل وهو يشقّ على نفسه، ويُعْنتُها ويُضْنيها، لإثبات ما لا يمكن إثباته باليقين الدامغ، والتاريخ الناطق، فيُحسُّ ببعض الخيبة في قرارة نفسه، فيقرر: "و لانقصد بهذا أنّ شعر هذه المرحلة المتأخّرة من تاريخ العرب، يحمل لنا في صورة الدين البدائيّ القديم، فقد كانت كثرة هذه الطقوس قد درست ولم يبق منها إلاّ آثار باهتة حتّى في الممارسات الدينيّة؛ ولكننا نرى أنّ الصور المتّرسبة في الشعر من الدين القديم هي من آثار احتذاء الشعراء لنماذج فنيّة سابقة، لم تصلنا، كانت وثيقة الصلة بهذا الدين..." (47).
ونحن نوافق الدكتور البطل على بعض ما أثبتناه له هنا لأنه عين الحقّ، وخصوصاً قوله: "فقد كانت كثرة هذه الطقوس قد درست ولم يبق منها إلاّ آثار باهتة حتّى في الممارسات الدينيّة. وهو عين الحق؛ لأنّ التاريخ العربيّ القديم دَرَسَ وباد، ولم يعد يُرْوى ولا يُعاد: فقد بادت طسم، وجديس، وجرهم، والعماليق، وعاد، وثمود... فمنهم من تفانوا فيما بينهم في حروب مدّمرة لم تُبْقِ منهم ديَّاراً، ولا تركت لهم آثاراً؛ ومنهم من سلّط الله عليهم العواصف الهوجاء، والأمطار الطوفانيّة فأبادتهم؛ ومنهم من فنوا بتهدّم سدّ مارب(سيل العرم)، فلم يصلنا مما قالوا إلاّ أقلّة، ولم يبق للتاريخ من معتقداتهم القديمة، ومعقتدانهم الوثنية، إلاّ مظاهر شاحبة لا تسمن من جوع، ولا تروى من ظمأٍ؛ فألفينا الأقدمين يفزعون لملء الفراغ التاريخيّ الهائل إلى أساطير التوراة، وأكاذيب يهود... بينما ألفينا المحدثين يصطنعون افتراض الفروض طوراً، ويفزعون إلى الاحترافيّة الفكريّة، واصطناع الإجراءات التأويليّة طوراً آخر: من أجل التوصّل إلى نتائج يقيمونها، في كثير من أطوارهم، على افتراضات تنقصها الشروط المنهجيّة لفرض الفروض، أو على نصوص واهِيَة التاريخيَّةِ. وفي الحاليْن الاثنتَين لا نجد من يقنعنا في غياب النصوص التاريخيّة التي لم تكتب عن العرب قبل ظهور الإسلام، إذ لم يسرع الناس في التأليف، وجمع الأخبار بكيفيّة مستفيضة إلاّ ابتداء من القرن الثاني للهجرة....
وحين جاؤوا يكتبون تاريخ العرب: الأيام، والشعر، واللغة، والأديان: تكأَّدَهُمْ ذهابُ الذين كانوا يحملون هذا الشعر، وتلك الأخبار. ولقد سُقِطَ في أيدي بعض القبائل التي ضاع شعر شعرائها، أو لم يكن لها، في الأصل، إلاّ شعراً قليل، فعَمَدتْ إلى النحل... كما صادف الرواة المحترفون في تعطّش الناس لأخبار أهل الجاهليّة مصدراً للرزق الكريم، ومنزلة للعز المنيع؛ فكان حمّاد الراوية يعيث في الشعر العربيّ فساداً على مرأىً ومسمع من العلماء الذين قصروا عن إصلاح أمره... وإذا عجزوا هم عن إصلاحه، وكان الزمن الجاهليّ لا يبرح طرياً رطباً، فمن المستحيل علينا نحن اليوم إصلاحه... (48).
ولم يكن الأصمعيّ الثقة العالم بقادر على إصلاح ما كان أفسده أستاذه خلف الأحمر الذي لازمه عشْرَ سنين؛ مثله مثل أبي عمرو بن العلاء العالم الثقة المتحرّج الذي كان يتردد ويتألّم ويتحرج، لأنه كان يعلم أنّ ما انتهى إلينا مما قالت العرب إلاّ أقّلُّهُ، ولو جاءنا وافراً لجاءنا "علم وشعر كثير" (49).
-14-
والذي يعنينا في كلّ ما أوردناه في الفقرة السابقة، وما ناقشنا به الصديق الدكتور عليّ البطل، أنّ تعليل التسميّة تعليلاً دينيًاً ليس أمراً مسلمّاً. ومن الأولى التفكير في تعليلها تعليلاً يقوم على التفاؤل والتبرّك، كما قرر ذلك أبو عثمان الجاحظ.
ذلك، وأنّا عايشنا هذه المعلّقات السبع العِجَابَ أكثر من سنتين اثنتين: ظَلْنَا، خلالَهُما، نقرؤُها، ونعيد قراءتها، حتّى تجمّع لدينا مقدارٌ صالح من الموادّ ممّا لو جئنا نحلّله كلّه لكان هذا العمل خرج في مجلّدين اثنين على الأقلّ؛ بالإضافة إلى الموادّ الأخراة الكثيرة التي ينصرف شأنها إلى الشعر الجاهليّ بعامّة، والتي قد نعود إليها يوماً لبلورتها، وإخراجها للناس. ولغزارة المادّة المصنَّفة، والمنبثقة عن قراءات نصوص المعلّقات السبع، ورغبة منّا في أن لا يكون الكتاب الذي نقدَّم بين أيدي الناس أضخم ممّا يجب، وأطول ممّا ينبغي: ونحن نحيا عصر السرعة، والميل إلى القليل المفيد: ارتأينا أن لا يزيد تقديمها على أكثر من عشر مقالات كلّ مقالة تعالج مستوىً بذاته، أو محوراً بعينه: مثل إثنولوجيّة المعلّقات، وبنية الطلليات المعلّقاتيّة، وفكرة التناص في المعلّقات، والصناعات والحرف، وطقوس الماء، والمرأة، وجماليّة الإيقاع، وجماليّة الحيز... وهلّم جرّا.
ذلك، وأنّا كنّا أزمعنا على تقديم فهارس تتناول من الحقول ذات العلاقة بالأنتروبولوجيا، لدى نهاية هذه الدراسة: ترصد بعض الظواهر التي لم نتمكّن من بلورتها، أو تحليلها في ثنايا هذه الدراسة مثل الألفاظ الدالّة على الزراعة، والزينة (أي الملابس والعطور والحليّ)، والألوان، والأديان، والمعتقدات، والألعاب... ثمّ ‎أضربنا عن ذلك لمّا رأينا حجم الكتاب طال، وموادّه اتّسعت... -ولعلّنا أن نأتي ذلك في الطبعة الثانية إن شاء الله....
فعسى أن نكون قد وفّقنا إلى إضافة لبنة صغيرة، جديدة، إلى ذلك الصرح الأدبيّ الشامخ.

**د لا ل**
2012-02-11, 16:00
دراســـــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998



1- إثنولوجيّة المعلّقات: أولاً: إثنولوجيّة المعلّقاتيّين:1 - الانتماء القبليّ لاُمْرِئْ القيس:
على الرغم من أنّ القحطانيّين يجسّدون أصل العروبة وجُرثومَتَها، ومهدها وأرومتها؛ وأنّهم يشكّلون ما يطلق عليه النسّابون العرب: "العرب العاربة"، فإنما حين نعدّ شعراء المعلّقات لا نلفي منهم إلاّ شاعراً واحداً- من بين السبعة- قحطانيّاً، وهو امرؤ القيس (وهو لقب له، واسمه فيما يزعم بعض اللغوّيّين: حُنْدُج (بضم الحاء المهملة، وسكون النون)، وهو في اللغة: الرملة الطّيبة، أو الكثيب من الرمل يكون أصغر من النّقا) (1) بن حُجْر بن عمرو بن الحارث بن حجر آكِل المُرَارِ (2) بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن ثور بن كندة (3) الذي ينتهي نسبه الأعلى إلى كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان(4).
وليس نسب امرئ القيس، من جهة أمّه، أقلّ مجداً، ولا أدنى شرفاً، من مجد أبيه. بل ربما كان أعلى وأنبل، وأسمى وآثَل؛ ذلك بأنّ أمّه هي فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير، وهي أخت كليب وائل الذي تضرب العرب به المثل في العزّ والمنعة، فقالت: "أعزّ من كليب وائل"، والذي بمقتله أضطرمت الحروب الطاحنة بين قبيلتي بكر وتغلب دهوراً طِوالاً (5). فكليب خال امرئ القيس، إذن، مَثَلُه مَثَلُ مهلهل بن ربيعة الذي يعدّ أوّل "من قصّد القصائد، وذكر الوقائع" (6)، وأوّل من هلهل الشعر.
ونعتقد أنّ امرأ القيس قد يكون تأثّر بخاله مهلهل الذي يبدو أنه كان مؤسّساً لبنية القصيدة العربيّة. ولكنّ ابن الأخت أخْمَلَ خاله، أو كاد يُخْمِله؛ وهو، على كلّ حال، لا يذكر إلاّ أنه أوّل من قصّد القصائد في رثاء أخيه كليب؛ بينما يذكر امرؤ القيس على أنّه أمير الشعراء العرب على وجه الإطلاق... وكثيراً ما يتفوّق التلميذ على أستاذه، ويشمخ النجل على من نَجَلَه.
ويبدو أنّ قباذ ملك الفرس هو الذي كان "ملّك الحارث بن عمرو جدّ امرئ القيس على العرب" (7).
على حين أنّ أهل اليمن يزعمون أنّ ملّك جدّ امرئ القيس لم يكن قباذ الفارسيّ، ولكنّه كان تبّعاً الأخير.
ثمّ لم تلبث بنو أسد أن ملّكت حجر بن عمرو، أبا امرئ القيس، عليها. ويبدو أنّ سيرته ساءت فيهم فثاروا عليه، ولم يلبثوا أن تطاولوا عليه وقتلوه في فتنة رهيبة (8). وزعم ابن الكلبي أنّ الذي كان سبباً في اضطرام تلك الفتنة رفْض بني أسد دفع الإتاوة السنويّة للملك (9).
ومن مقتل حجر تبتدئ مأساة امرئ القيس، الشاعر الحساس، والابن الأصغر لأبيه الذي تزعم الأخبار التي نرتاب فيها أنه كان أمر بقتله صغيراً حين رفض التخليّ عن قيل الشعر، ثم طرده فعاش متشرّداً بين القبائل (10). وقد حاول أن يثأر الشاعر لأبيه من بني أسد، فاستعدى عليهم ذا جدن الحميريّ الذي أمدّه بجيش طارد به قتلة أبيه، وفتك بهم فتكاً ذريعاً. ولكنه كان، كأنّه، يريد إبادتهم عن آخرهم؛ فلم يرْضَ بمنْ قُتلَ منهم، وظلّ يتنقّل بين جبلي طيئ في انتظار جمع الرجال وحشدهم لمحاربة من بقي من بني أسد... ولكنه حين يئس من تحقيق ذلك قرر الاستنجاد بقيصر الروم الذي أمدّه بجيش، فيما تزعم بعض الروايات، ثمّ ندم على ذلك إمّاً مخافة أن يغزوه امرؤ القيس إذا انتصر على أعدائه، وقَوِيَتْ شوكتهُ، وإمّا انتقاماً لشرف ابنته التي يقال إنها أحبّت امرأ القيس...
فأرسل إليه حلّة مسمومة وهو في سبيله إلى بلاد العرب، فتساقط جِلْدُه لمّا ارتداها..(11).
ولقد حاول حمّاد الراوية أن يضفي صبغة أسطوريّة على طفولة امرئ القيس، كما سبقت الإيماءة إلى ذلك، مثله في ذلك مثل ابن الكلبي (12)، ومثل ابن الكلبي في ذلك مثل أبي زيْدٍ القرشيّ (13)، حيث إنّ أبا زيد، خصوصاً، أورد أسجاعاً تسجّل مبتدأ تفتّق العبقريّة الشعريّة لأُمرئ القيس، وتصف أيام كان أبوه حُجْر كلّفه خلالها برعي الإبل، ثمّ برعي الخيل، ثم برعي الشاة؛ فكان في كلّ يوم يرسل أسجاعاً يصف فيها تجربته الرعويّة، فيئس منه أبوه وطرده...
وعلى الرغم من أننا اختصرنا حياة امرئ القيس اختصاراً شديداً- لأنّ أخباره مدوّنة في مظانّها- فإن الذي يعنينا، من كلّ ذلك، هو قبيلته التي لاقت عناء وعقوقاً من بني أسد. ويبدو أن الملك حجراً لم يكن يستمدّ قوته من كبر عشيرته التي لم تصنع شيئاً حين تعرّض للقتل:
1- إنّ قبيلة بني أسد رفضت دفع الإتاوة لحجر أبي الشاعر، فلما حاول إرغامهم على ذلك ما لبثوا أن تطاللوَا على مَقْتَلِه.
2- أنّ امرأ القيس أُريد لحياته أن تتّسم بالأسطوريّة حين أبى عليه أبوه قول الشعر، ومغازلة النساء؛ فحاول معاقبته برعي الأنعام؛ فلمّا لم يفلح طرده في رواية، وحاول قتله في رواية أخراة.
ونلاحظ أن هذه الحكاية تتّخذ لها سيرة القوانين التي تحكم الأساطير بحيث يسبق شرط الحظر والمنع من سُلوكِ سلوكٍ معيّن، ولكنّ الطرف الذي يفرض عليه المنع لا يبرح يُصِرّ على موقفه حتى يقع في المحظور، لتفجير الحكاية، وانطلاقها.... فلو استجاب امرؤ القيس لطلب أبيه، وأذعن لإرداته فلم يقل الشعر، ولم يتغزّل بالنساء، لكانت حياته عاديّة جداً، ولما كَلِفَ بذكر أخباره التاريخ عبر الأعصار والأمصار...
3- إنّ خيال الرواة اختصب اختصاباً شديداً لدى ذكر أخبار امرئ القيس، قبل مقتل أبيه، وبعده... ولا يزال الرواة يختلفون من حوله حتى تجرَّأ بعضهم على التشكيك في نسبه من أمّه، بل من أبيه أيضاً حيث إنّ هناك من الرواة من لا يتردّد في أن يجعله امرأ القيس بن السمط، وأن يجعل أمه تَمْلكَ بنت عمروٍ بن زبيد بن مذحج رهط عمرو بن معد يكرب(14).
ولعلّ مغالاة الرواة في هذا الاختلاف مؤئله إلى كَلَفِ الناس بعد أن استقرّوا بالأمصار- خصوصاً البصرة والكوفة- بمثل هذه الأخبار الجميلة يتسامرون بها ويتثاقفون. ونحسب أنّ التاريخانِيَّة، في هذه الأخبار، أكثر من التاريخيّة.
4- إنّ الناس كَلِفُوا بالحديث عن سيرة امرئ القيس وانتمائه القبليّ من جهتي أمّه وأبيه، وعن سيرة جده وأبيه أكثر من كلفهم بالحديث عن شعره الذي جمعه حمّاد الراوية، المشكوك في وثوق روايته بعد أكثر من قرنين من وفاته.
5- إنّ الاتفاق وقع- عبر الاختلاف- بين الرواة على أنّه يمنيّ، وأنّه من أسرة مالكة، ماجدة، وأنه، إذن، ملك بن ملك، بن ملك.
6- نلاحظ أنّ امرأ القيس ربما يكون أوّل شاعر عظيم يموت متسمّماً؛ أي يموت مغتالاً بحقد قيصر الروم وغدره ونذالته (ولا ينبغي أن ننسى أنّ أسطورة جميلة أخراة ارتبطت بسفر امرئ القيس إلى أنقرة، ومقامه بالقصر القيصريّ، ووقوع ابنة القيصر في غرام الشاعر العربيّ الوسيم... وأنّ قيصر الروم حين تابع امرأ القيس بالحّلة المسمومة إنما جاء ذلك انتقاماً لشرف ابنته؛ وقد يدلّ ذلك، إن صحّ، على أنّ علاقة الشاعر العربي بالأميرة الرومية جاوز مستوى النظرة إلى مستوى الفعل.... ولا يدلّ إصرار القيصر على الانتقام من امرئ القيس إلاّ على بعض ذلك... فكأنّ امرأ القيس كتب عليه أن تظلّ المرأة فاعلة في حياته، مؤثّرة فيها، إلى نهايتها، فيموت بسببها.
7- ونلاحظ، أيضاً، أنّ أبا امرئ القيس مات، هو أيضاً، مقتولاً، وأنّ كليهما قتل وهو متطلّع إلى مجد السلطة، وأبّهة الحكم. وأنّ كلاً منهما انقطع أمله بذلك القتل...
8- إنّ امرأ القيس يمثّل عهده عصر الجاهليّة بكلّ مايحمل اللفظ من معنى، وكان محكوماً على عظماء الرجال إمّا أن يَقْتِلوا، وإما أنْ يُقْتَلُوا: إذ قُتل حجر والد امرئ القيس، كما قُتل كليب وائل، أعز العرب، فطالب أخوه مهلهل بثأره؛ فاضطرمت حرب البسوس بين بكر وتغلب فتجسّدت في خمس حروب (15)، كما تعرّض مهلهل، خال امرئ القيس للأسر مرتين اثنتين: نجا في الأسْرَة الأولى، وهلك في الأخراة (16). بينما نلفي حفيده، وهو صاحب معلّقة أخراة، وهو عمرو بن كلثوم بن ليلى ابنة مهلهل بن ربيعة لا يتعرّض هو للفتك؛ ولكنه هو الذي يُقْدِم على الفَتْك بعمرو ابن هندٍ حين أرادت أمِه هند أن تنال من شرف ليلى ابنة مهلهل لَمَّا التمست منها أن تناولها الطَّبَق...
فالشاعر قتيل، والملك أبوه قتيل، والخال كليب- أعزّ العرب- قتيل، والخال الآخر- مهلهل أسير، وابن ابنة الخال -عمرو بنت كلثوم- قاتل...والبسوس طاحنة المعارك، مَهُولَةُ الأيام الخمسة.. والفتنة بين القبيلتين الأختين بكر وتغلب على أشدّها.... إنه عصر الشاعر امرئ القيس.... وإنه لانتِماؤُه القَبَليُّ... ولعلّ ولاءَهُ لتقاليد القبيلة، وحرصَه على شرفها.... وهوالذي جعله يخوض، هو أيضاً، حروباً طاحنة يشنّها على قبيلة بني أسد... فتنة... حروب... انتقام... تأرات... حبّ وغزل وخمر... نساء ولهو.... تلك هي
حياة المعلّقاتيّ الأوّل: امرئ القيس....
2- الانتماء القبليّ لبقيّة المعلقاتيّين:
لقد كنّا لاحظنا أنّ امرأ القيس، هو المعلّقاتيّ الوحيد الذي ينتهي نسبه الأعلى إلى قحطان من بين كلّ المعلّقاتيّين السبعة. وينشأ عن ذلك أنّ كلّ المعلّقاتيّين الستّة الآخرين ينتهي نسبهم الأعلى إلى عدنان إذْ نُلفي اثنين، من بينهم، ينتميان إلى بكر، وهما: طرفة بن العبد (17)، والحارث بن حلّزة (18). على حين أنّ عمرو بن كلثوم تغلبيّ (19)، وعنترة بن شدّاد عبسي/ قيسيّ، مضريّ (20)، وزهير بن أبي سلمى مُزَنِيّ/ تميميّ (وقد اختلط على بعض الناس أمر نسبه فعدّه غطفانيّاً، بينما هو مزنيّ، نزل بديار غطفان (21)، ولبيد بن أبي ربيعة قيسيّ (22). وكلّ من تغلب، وبكر، وعبس، وتميم، وقيس ينتهي نسبها الأعلى إلى عدنان.
وترتبط حياة معظم أولاء المعلّقاتيّين بقبائلهم بما لها من مآثر وأمجاد، وخطوب وأهوال؛ وذلك أمثال عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلّزة، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد. وحتى زهير بن أبي سلمى اختصّ معلّقته بالأحداث المهولة، والحروب الطاحنة التي دارت بسبب سباق فرسي داحس (وكانت لقيس بن زهير سيد بني عبس)، والغبراء (وكانت لحمل بن بدر سيّد بني فزارة، غطفان). ولولا الصلح الذي سعى به كلّ من هرم بن سنان، والحارث بن عوف، وتحمّلهما دفع ديّات القتلى التي بلغت زهاء ثلاثة آلاف بعير، لتفانت عبس وفزارة. وإذا كانت دية القتيل غير الملك مائة بعير، فإنّ عدد الذين سقطوا ضحايا هذه الحروب من القبيلتين لا يقلّ عن ثلاثمائة رجل...
وعلينا أن نلاحظ أنّ موضوع معلّقة زهير، على ما يبدو فيه من حكمة وتأمّل في الكون؛ بأنّ الباعث الأوّل على قولها يَمْثُلْ في عادات عربيّة قديمة، وقد ظلّت قائمة إلى يومنا هذا، وهي تنظيم مسابقات بين الخيول... فلولا سباق تينك الفرسين لما وقعت حرب بين عبس وفزارة، ولولا تلك الحرب الطاحنة لما أنشأ زهير قصيدته المعلّقة...
على حين موضوع معلّقة عمرو بن كلثوم يرتبط بحادثة الطبق المشؤومة؛ وذلك لَمَّا التمست هند أمّ عمرو بن هند، ملك الحيرة من ليلى، أمّ عمرو بن كلثوم-وبنت مهلهل بن ربيعة خال امرئ القيس: أن تُناوِلَها الطبق، فأَبَتْ وصاحت: واذُلاَّه! وهي الحادثة التي أفضت إلى قتل ملك الحيرة عمرو بن هند على يد ابن كلثوم (23).
وكأن هذه المعلّقة، معلّقة ابن كلثوم، بمثابة سجّل لأعمال قبيلة تغلب، وما عانته من أهوال، وما لاقته من طوائل، سواء مع أختها قبيلة بكر، أم مع عمرو بن هند ملك الحيرة، الذي اتّهمته تغلب بالتحيّز لبكر في مسألة الرهائن... وقد كلفت تغلب بهذه القصيدة حتى قال أحد الشعراء يسخر منهم، ويتهكّم بهم:

ألهى بني تَغْلِبٍ عن كلّ مَكْرُمَةٍ




قصيدةٌ قالَها عمرو بن كلثوم (24)



بينما ترتبط أحداث معلّقة الحارث بن حّلزة، هي أيضاً، بقبيلة بكر التي ينتمي إليها الحارث، فجاء يردّ فيها على عمرو بن كلثوم التغلبيّ الذي غالى في المكابرة والمنافجة، وبالغ في المنافسة والمنافحة: فجاوز كلّ حدّ، وعدا كلّ طور. ويبدو الحارث بن حلّزة في معلّقته هذه ، على الهدوء البادي، داهيةً ألوى، استطاع أن يدافع عن قبيلته، ويبيّض وجهها، ويسُلَّها من الفتنة كما تسلّ الشعرة من العجين، ويبرئّها من كلّ ما كانت متّهمة به في علاقتها بملك الحيرة في مسألة الرهائن.... فحكمة هذا المعلّقاتي لا تتمثّل في سوق الأقوال، وضرب الأمثال؛ كما جاء ذلك طرفة وزهير، ولكن في الجدال والمساءلة والاحتكام إلى العقل.
والذي يعنينا في كلّ ذلك، أنّ همزيّة الحارث بن حلّزة تدرج في أحداث قبيلته، وتاريخها، وعلاقاتها العامة مع القبائل الأخراة من وجهة، ومع ملك الحيرة من وجهة أخراة: تذوب فيها، وتنطلق منها، لتعود فتنتهي إليها.
وترتبط معلّقة عنترة بحياته، وسيرته، ولونه، ارتباطاً وثيقاً إذ تزعم الرواة أنه تسابّ مع رجل من بني عبس (25) (ويفهم من هذه الرواية أنّ عنترة لم يكن يقول الشعر قبلها، لأنّ ذلك العبسيّ عيّره بسواد لونه، وعبوديّة أمّه، وأنه لم يكن يقول الشعر)، فردّ عليه عنترة في كلمة" (....).وأمّا الشعر، فسترى!" (62).
فموضوع معلّقة عنترة شديد الشبه بموضوع امرئ القيس الذي كان سجّل في معلّقته بعض سيرته، ومغامراته، وهواه، ولذّاته: ولم يكد يأتي عنترة إلاّ شيئاً من ذلك حين سجّل مواقفه في الحرب، وحسن بلائه في ساح الهيجاء، وإخلاصه في حبّ عبلة، ومحاورته لفرسه، ووصفه لمشاهد الأبطال الذين كان يجند لهم فيتهاوون في ساحة الوغى...
وترتبط حكاية معلّقة عنترة بسيرته وهي الفروسيّة النادرة، والشجاعة الخارقة من وجهة، ومعاناته من مأساة العبوديّة التي ورثها بحكم عبوديّة أمّه زبيبة حيث كان النظام القبليّ لدى أهل الجاهليّة، إذا كان الابن من أَمَتِه استعبده، ولم يُلْحِقْه بنسبه.
ولا شيءَ أجمل للشعر من الدفاع عن الهويّة، وإثبات الذات، والبرهنة على سمّو النفس، ونبل الخلاق، لإقناع الناس بأنّ السواد لا صلة له بالشخصية إذا عَظُمَتْ، وبالنفسْ إذا كرمت، وبالعزيمة إذا كبرت. فكان لا مناص لعنترة لكي يصبح شخصية مرموقة أن يقول الشعر، ويحبّ فتاة، ويبلي في ساحة الحرب؛ لكي يدافع عن القبيلة التي لولا تدخّله لكانت تعرضت للفناء والعار، كما تزعمه الأخبار (27).
وأمّا معلّقة طرفة بن العبد فإنها ترتبط، هي أيضاً، بأحداث مَهُولَةٍ حيث لم يكن الفتى يرعوى عن إطلاق لسانه في عمرو بن هند، ملك الحيرة، الذي دبّر له مكيدة خسيسة حين أرسله إلى عامله بالبحرين، ليقتله فقتله (28). فمعلّقته ترتبط، هي أيضاً، بحكاية مأساة ذاتيّة عاشها الشاعر الفتى. فهي شبيهة، من هذا الوجه، بمعلّقتي امرئ القيس وعنترة.
وتبقى معلّقة لبيد التي لا ترتبط بحادثة معينّة، كما أنه لم يفخر فيها بنفسه، ولا بقبيلته؛ ولكنّ موضوعها لمّا ارتبط بوصف البقرة الوحشية، وبالطبيعة، وعلى الجبلّة الأولى، فإنه صار مرتعاً خصيباً لكلّ تحليل أنتروبولوجيّ.
ونلاحظ أنّ ثلاثة من المعلّقاتيين ماتوا مقتولين: وهم امرؤ القيس (الحلّة المسمومة، المشؤومة)، وعنترة الذي قتله، في بعض الروايات الأسد الرهيص، بعد أن بلغ من العمر أرذله، وهو من عبس أيضاَ (29)، وطرفة بن العبد الذي يقال إنه قتله رجل عامّيّ مغمور، ويبدو أنّه كان سيّاف المعلّى بن حنش العبدي(30). كما أن طرفة نشأ يتيماً (واليتم يشبه العبوديّة...) حيث تُوفِّي أبوه وهو لايبرح صبيّاً؛ على حين أنّ امرأ القيس قضى طفولته مشرّداً منبوذاً حيث أنكر أبوه أمره والفتى لا يبرح غضّ الإهاب؛ بينما عاش عنترة طفولة العبد الذليل الذي يرعى الإبل، وينهض بأشقّ الأشغال، ويتجرع، أثناء ذلك، كثيراً من العُقَدِ في نفسه.
ثانياً: المعلّقات وتاريخ بلا أرقام:
متى كان يعيش المعلّقاتيون؟ وكم عُمِّرَ كلٌّ منهم؟ ولِمَ سكت المؤرخون عن أعمارهم، إلاّ ما كان من أمرَيْ طرفة ولَبيدٍ؟ وما أغفل الرواة عن هذه المسألة مع أنها ذات شأن بالقياس إلى كبار الرجال؟ أم أنّ هناك حلقاتٍ مفقودةً من التاريخ العربيّ قبل الإسلام؟ أم أنّ الرواة لم يكونوا يُولونَ لأَسْنانِ الرجال الكبار ما كانوا له أهلاً من العناية والاهتمام؟....
إنّ من حقّنا أن نثير أكثر من سؤال حَوالَ هذه المسألة وقد عرضنا لها في هذه الفقرة من البحث. ذلك بأنّ كلّ ما نعرف، هو أنّ امرأ القيس كان أوّل المعلّقاتيّين وأسبقهم زمناً. ونعرف ذلك، في الحقيقة، مضموناً لا منطوقاً. ولكن يبدو أنّ كلّ ما يباعد بين المعلّقاتيّ الأول، وهو امرؤ القيس، والأخير وهو لبيد لا يكاد يجاوز قرناً واحداً، وبعض قرن.
ولعلّ أوّل المؤرخين العرب تساؤلاً عن عهد امرئ القيس كان ابن قتيبة الذي قرّر أنْ ذا القروح كان يعيش على عهد أنو شروان، ملك الفرس (31) الذي ملك ما بين 531 و 579 ميلاديّة. وقل إن شئت، لمّا كان امرؤ القيس يعيش على عهد قيصر الأوّل الأكبر، ملك الروم، الذي كان يعيش بين
482 و 565 ميلادية؛ فإنّنا نتبنّى موقف الموسوعة العالميّة التي ذهبت إلى أن امرأ القيس توفّى زهاء سنة 550 ميلاديّة، أي قبيل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلّم بزهاء إحدى وعشرين سنةً؛ أي بزهاء إحدى وستين سنة قبل البعثة المحمديّة (32).
ونحن نفترض، بناء على الأخبار المتضاربة والمتناقضة التي كتبت حول سيرة امرئ القيس (جمهرة أشعار العرب -الشعر والشعراء- الموشّح- الأغاني- خزانة الأدب، ولبّ لباب لسان العرب....) أنه لمّا قَتَلت بنو أسد أباه حجراً لم يكن شيخاً، وربما لم يكن كهلاً أيضاً، ولعله لم يكن جاوز الثلاثين من عمره، وأنه كان أصغر إخوته (33). ونفترض أيضاً أنّ حروبه مع بني أسد لم تدم، انطلاقاً من التحضير لها بالاستنجاد بقبيلتي بكر وتغلب، وفيهما أخواله، أكثر من سنة أو سنتين اثنتين على أبعد تقدير. كما أنّ الحملة الثانية التي قادها على بني أسد في جمع من أهل حمير، وشذّاذ من العرب (34): لا ينبغي لها أن تكون قد جاوزت أكثر من سنتين اثنتين أيضاً. كما أنّ تشرّده في جبلي طيئ، من بعد ذلك، وذهابه إلى أنقرة للاستنجاد بالقيصر جوستينان (482-565) (35) لا نعتقد أنّ ذلك كلّه جاوز ثلاث سنوات... فيكون تقدير عمر امرئ القيس، بناء على هذه الاستناجات التقريبيّة، لدى تسمّمه بحلّة جوستينان المشؤومة، أقلّ من خمسين سنة غالباً.
ولدى تتبّعنا لوفيات الشعراء الستّة الآخرين- وهم العدنانيّون- لاحظنا أنهم كانوا يعيشون، في معظمهم، في مدى زمنيّ متقارب: إمّا متعاصر، وإما سابقٍ أو لاحقٍ بقليل. وقد ذكر البغدادي أنّ زهيراً توفي بسنة واحدة قبل البعثة الشريفة (36). وحتى لبيد بن أبي ربيعة، وهو آخر المعلّقاتيّين وفاة (توفي في بداية خلافة معاوية) (في رأي ابن قتيبة، وفي أواخر خلافته في رأي أبي الفرج الأصبهاني (38). وإذا سلّمنا بما كاد المؤرخون يتفقون عليه) وهو أنه معدوداً في المُعَمَّريْنَ، وأنه توفيّ وسِنُّه مائةٌ وبِضعةٌ وأربعون عاماً في قول (39)، ومائةٌ وسبعٌ وخمسون سنةً في قولٍ آخرَ (40)؛ فإنّ ذلك لا يعني إلاّ أنّ لبيداً عاصر امرأ القيس على وجه اليقين.
ولمّا كان ضبط عمر لبيد يترواح بين مائة وسبعة وأربعين عاماً ومائة وسبعة وخمسين عاماً فإننا نجعل موقفنا بين ذلك وسطاً، ونقيمه على التقريب فنقول: إنه عاش قرناً ونصف قرن تقريباً، وأنه توفّي وسط عهد معاوية.
وإذا علمنا أنّ امرأ القيس توفّي قبل البعثة الشريفة بزهاء إحدى وستين سنة فإنّ لبيداً يكون قد عاش في الجاهليّة قريباً من قرن واحد. وأنه عاش في عهد الإسلام قريباً من نصف قرن. والذي يعنينا في كلّ ذلك خصوصاً: أنّ لبيداً، حسب هذه المعلومات التاريخيّة التي بنينا عليها استنتاجاتنا، عاصر امرأَ القيس يقيناً، وأنه حين توفّي الملك الضلّيل كان عمر لبيد زهاء أربعين عاماً....
وينشأ عن ذلك أنّ الزمن الذي عاش فيه المعلّقاتيّون السبعة كلّه (وذلك بإدخال بداية عمر امرئ القيس الذي نفترض أنه توفّي في سنّ الخمسين تقريباً، وكان ذلك زهاءً خمسمائة وخمسين ميلاديّة، أو قل كان ذلك سنة إحدى وستّين قبل البعثة المحمّديّة) لا يجاوز زهاء قرن وعشر سنوات قبل البعثة، وزهاء نصف قرن بعدها...
ولعلّ ذلك هو الذي حملنا على اعتبار نصوص المعلّقات وحدة واحدة، ومدرسة فنّيّة مندمجة، وأنه من العسير فهمُ نصِّ معلّقةٍ معزولاً عن نصوص المعلّقات الأخراة...
لكنّنا لا نستطيع، بكلّ حزن، تحديد أعمار جميع المعلّقاتيّين، حتّى على وجه الافتراض أو الاحتمال، كما كنّا جئنا ذلك بالقياس إلى امرئ القيس. وكلّ ما في الأمر أنّ عمرو بن كلثوم توفّي فبل سنة ثلاثين وستمائة ميلاديّة (41)، وأنّ زهيراً توفّي بسنة واحدة قبل البعثة النبويّة، بينما عنترة وطرفة توفيا في أواخر القرن السادس الميلادّي. على حين أنّ الحارث بن حلّزة كان يعاصر عمرو بن كلثوم، ولعّله هو أيضاً توفّي في أوائل القرن السابع الميلادّي.
إنّ ذلك كلَّ ما نستطيع قوله حول هذه المسألة التي لم يحقّق في شأنها، على هذا النحو، أحدٌ قبلنا، فيما بلغْناه من الاطلاع.
ثالثاً: المعلّقات وقِدَمِيُّةُ الشعر العربيّ
إنّ كلّ من يبحث في أمر الشعر الجاهليّ، قد يصاب بالحيرة والذهول، وهو يقرأ، هذه الأشعار الراقية التي ظلّت على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً: نموذجاً يُحتذى، ومثالاً يقتدى، وكيف ورِثْنا القصيدة العربية ببنيتها الطللية المعروفة، وبإيقاعاتها المَسْكوكَة، وبتقاليدها الجماليّة المرسومة: من حاد عنها لا يكون شاعراً، ومن حاكاها عُدَّ في الشعراء...؟ وكيف أنّ امرأ القيس يتحدّث عن تاريخ لا يعرفه التاريخ، وهو وجود شعراء قبله كانوا يبكون الديار، ويقفون على الأطلال، ولا نعرف عنه شيئاً إلاّ أسماءهم، منهم ابن حمام..؟ وأين ذهب ذلك الشعر؟ وكيف أغفل التاريخ الشفويُّ سير أولئك الشعراء العماليق، كما نفترض بعضهم؟ فقد كانوا من الفحولة والشاعريّة ما جعل أعراب كلْب يزعمون أنّ الأبيات الخمسة الأولى من معلّقة امرئ القيس هي لأمرئ القيس الحمّام بن مالك بن عبيدة بن هبل "وهو ابن حمام الشاعر القديم، الذي يقول فيه بعض الناس: ابن خذام. وقد قيل أنه من بكر بن وائل، وهو الذي قال فيه امرؤ القيس:
*نبكي الديار كما بكى ابن حمام* _(42)؟
أم مثل ذلك الشعر العُذريّ البديع مما كان يهون على الناس فزهُدوا فيه، وعزفوا عنه؟ أم أن الفتن والحروب هي التي أودت بذلك الشعر كما أودت بأصحابه؟ أم أنّ اشتغال العرب بالجهاد، وفناء كثير منهم في حروب الردّة، يوم صفيّن، ويوم الجمل، وأيّام الفتن الأخراة المبكّرة التي حصدت كثيراً من أرواح الرجال هي التي عجّلت بدفن تاريخ الشعر العربي، وطمس معالمه الأولى الحقيقيّة إلى الأبد؟
ونعود لنتساءل، ولا نملك أكثر من هذا التساؤل الحيران: كيف ولد الشعر العربيّ راقياً كاملاً، وناضجاً رائعاً؟ وكيف نشأت القصيدة العربيّة- الجاهليّة- مكتملة البناء، محكمة النسج، بديعة السبك، على هذا النحو، ثمّ كيف لا نعرف قبل هؤلاء الشعراء العماليق شعراء أوساطاً قَبْلهم، ولا شعراء عماليق أمثالهم...؟ وكيف لانكاد نجد الرواة القدماء يوردون إلاّ أبياتاً قليلة، ممّا صحّ لديهم، قد لا تزيد عن العشرين بيتاً، في مجموعها؟ وكيف يمكن للمؤرخ فكُّ هذا اللّغز، وللباحث فهم هذا السّر؟
لقد اتفق قدماء مؤرّخي الأدب، على أنه "لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلاّ الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنّما قُصِّدَت القصائدُ وطُوِّلَ الشعرُ على عهد عبد المطّلب، وهاشم بن عبد مناف" (43).
ونلاحظ أنّ أيّاً من مؤرّخي الأدب العربيّ القدامى (ابن سلاّم (44)، وابن قتيبة (45)، والشريف المرتضى (46)، والآمدي (47)....) لم يذكر مصدر خبره والظاهر أنّ مصدر هذه المصادر كلّها هو ابن سلاّم الجمحّي الذي لم يذكر هو، أيضاً من روى عنهم؛ ولا كيف صحّ لديه تلك الأبيات القديمة التي أثبتها، ولا كيف لم تصحّ لديه الأبيات الأخراة؟ (48).
وأنّا لا ندري كيف يمكن أن نقتنع بقدم تلك الأبيات التي أثبتها ابن سلاّم، وجاراه آخرون في إثباتها، على غيرها، وصحّتها من بين سَوائِها؛ في غياب التصريح باسماء الرواة، وانعدام اتّصال السَّنَدِ؟ ثمّ ماذا يعني هذا القِدَمُ الذي لم يكن أوائل المؤرخين يضبطونه بالأرقام؟ وناهيك أنّهم لا يكادرون يؤرّخون لموت أيّ من الشعراء الكبار، والشخصيّات العظام؛ ممّا يجعلنا نعمد، هنا، إلى فرض الفروض لتفسير مقولة ابن سلام المنصرفة إلى زمن تقصيد القصائد الذي ربط بعهدي هاشم بن عبد مناف، وابنه عبد المطّلب. وإذا كان ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلّم أَرَّخَتْ له كتب السيرة بحادثة غزو أبرهة مكّة، وهي الحادثة التي عرفت في القرآن الكريم بـ "أصحاب الفيل"؛ فإنّ عام الفيل حين نحاول ترجمته إلى الأرقام سيعني سنة 570 أو 571 ميلاديّة. ولقد نعلم أنّ عبد المطلّب بن هاشم، جدّ رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ توفّي وعُمْرُ محمّد ثماني سنوات (49): فيكون عهدُ عبد المطلب هو القرن السادس الميلادّي، وعهدُ هاشم ابن عبد مناف هو نهايّة القرن الخامس، وأوائل السادس الميلاديّ.
وقد كنّا رأينا، من قبل، أنّ امرأ القيس توفيّ زهاء سنة 550م. ممّا يجعل من عهد عبد المطلب عهداً لامرئ القيس أيضاً؛ ومن عهد هاشم بن عبد مناف عهداً لمهلهل بن ربيعة التغلبيّ الذي يزعم المرزبانيّ أنه هو "أوّل من قصّد القصائد، وذكر الوقائع" (50).
ويتفق القدماء على أنّ أوائل الأبيات الصحيحة رُوِيَتْ لدرُيد بن يزيد الذي ينتهي بنسبه الشريف المرتضى إلى حمير (51)، وابن كثير إلى قحطان (52). فكأن الشعر العربيّ قحطانيّ الميلاد، حميريّ النشأة، ثمّ عمّ، من بعد ذلك، في بني عدنان بالشمال.
ويذهب الجاحظ إلى أن الشعر العربيّ حديث الميلاد، صغير السنّ: "أوّل من نهج سبيله، وسهّل الطريق، إليه: امرؤ القيس بن حجر، ومهلهل بن ربيعة (....).
ويدلّ على حداثة قول الشعر، قولُ امرِئِ القيس بن حجر:

إِنَّ بني عوف ابْتَنَوْا حَسَناً




ضَيَّعَهُ الدُّخلولُ إَذْ غَدَرُوا



أَدَّواْ إلى جارهم خفَارَتَه




ولم يَضِعْ بالمغيب من نَصَروا



لا حِمْيَريٌّ ولا عَدَسٌ




و آَسْتُ عيرٍ يَحُكُّها الثَّفَرُ



لكنْ عويرٌ وفى بِذِمّته




لا قِصَرٌ عابه ولا عوَرُ



فانظر كم كان عمر زرارة (بن عدس). وكم كان بين موت زرارة ومولد النبيّ عليه الصلاة والسلام. فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إِلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام" (53).
هذا هو النصّ الجاحظيّ الشهير الذي تداوله الدارسون منذ اثني عشر قرناً.
ونحن بعد أن تأمّلنا تعليق الجاحظ على أبيات امرئ القيس وجدنا هذا التعليق كأنه مقطوع عن كلام ساقط، ونص غائب، وإلا فما معنى تعجب أبي عثمان:" فأنظركم كان عمر زرارة، وكم كان بين موت زرارة ومولد النبيّ عليه الصلاة والسلام". ونحن نفترض أنّ ذكر زرارة كان ورد في شعر امرئ القيس مربوطاً بمناسبة تاريخيّة ذكر فيها زرارة بن عدس، أبو لقيط بن زرارة، فسقط من شعر امرئ القيس، إِن لم يكن ما افترضناه أَوّلاً من سقوط بعض كلام أبي عثمان.. ولم نر أحداً من الدارسين الذي استشهدوا بنصّ الجاحظ تنبّهوا إلى هذا البَتْر، أو إلى هذا الغموض على الأقلّ، ومنهم البهبيتي (54)، وشوقي ضيف(55): إذ هم يهملون الجملة التي استشهدنا بها نحن، ولا يأتون الشعر الذي استنبط منه الجاحظ حكمه حول عمر الشعر العربي قبل الإسلام؛ ويستأنفون؛ وقل أنهم يقطعونه قطعاً، ويبترونه بتراً، من قوله: "فإذا استظهرنا" مع أنّ هذا الاستظهار لم يكن إلا‍ّ نتيجة لمقدّمة، وحكماً مستنبطاً من نصّ...
ثمّ أين الدليل الخِرِّيتُ الذي يوجد في شعر امرئ القيس المستشهد به...؟ إنّ كلام أبي عثمان يفتقر إلى نقاش، ولا يمكن أن نجاريه عليه؛ إذ كان امرئ القيس نفسه يعترف بوجود شعراء قبل عهده، كما يدلّ على ذلك بيته الشهير:

عوجا على الطلَل المُحيل لعّلنا




نبكي الديار كما بكى ابن حمام



وإذ كان من المستحيل التصديقُ بأنّ معلقة امرئ القيس هي مطلع الشعر العربيّ؛ وإذ كان، إذن، من المستحيل إنكار أنّ الشعر العربيّ مرّ بمرحلة طويلة تطوّر فيها إلى أن أصبح الشاعر يقول القصيدة على ذلك النحو البديع المكتمل الذي بلغتنا عليه القصائد الجاهليّة الناضجة الأدوات الفنيّة.... كما يلاحظ ذلك أستاذنا الدكتور البهبيتي ممّا كان قرّره أبو عثمان، إذ: "النموّ الطبيعيّ للقصيدة العربيّة، أوزانها وموضوعاتها، واللغة ونحوها وأساليبها، وإيجازها، يستدعي أن تكون مرّت، قبل زمن امرئ القيس، بأطوار كثيرة، وتعثّرت تعثّرات جمّة حتّى اكتمل لها هذا الشكل الذي نجدها عليه في شعر امرئ القيس، ومن سبقه، أو جاء بعده "56).
وبينما يذهب الجاحظ إلى أنّ عمر الشعر العربيّ كلّه لا ينبغي له أن يرجع إلى أقدم من عهد امرئ القيس الذي يعدّ، في رأيه، "أوّل من نهج سبيله، وسهّل الطريق إليه" -مع مهلهل بن ربيعة- فأنه يقرر، بجانب ذلك- وهذا رأي عامّ أجمع عليه كلّ الذين تحدّثوا عن قدماء العرب -أن العرب كانت تحتال في تخليد مآثرها "بأن، تَعُمِدَ على الشعر الموزون، والكلام المقفّى، وكان ذلك هو ديوانها"(57).
فهل تعود فترة التخليد إلى قرن ونصف فقط، قبل ظهور الإسلام؟ وهل يمكن أن تخلّد حضارة، وتكرّس تقاليد جماليّة، وتؤصّل أصول هذا الشعر في رقيّه، وجماله، وكماله، وسَعَة ما فيه من خيال، وإبداع ما فيه من فنّ القول، وزخرف الكلام؛ كلّ ذلك في مثل الفترة القصيرة؟ وما ذهب إليه عليّ البطل من أنّ عمر الشعر العربيّ قد يعود إلى ألف عام قبل الإسلام (58) ليس مبالغاً فيه.
رابعاً: هل عمر الشعر العربيّ خمسة وعشرون قرناً قبل الإسلام؟
كثيراً ما كان المؤرخون القدماء يقعون في المحظور بتقريرهم الأخبار المستحيلة، وروايتهم الأشعار المنحولة، فمن ذلك اتفاقهم على أنّ عمرو بن الحارث بن مُضاض هو الذي قال تلك القصيدة الرائيّة البديعة التي لاندري ما منع حمّاداً الراوية من تصنيفها في المعلّقات، إلاّ إذا منعه من ذلك، حجمها القصيرُ، وهي التي يقول ابن مضاض، فيما تزعم كثير من الكتب التي تناولت المجتمع المكّيّ القديم، في بعضها:

وقائلةٍ والدمع سَكْبٌ مُبادر




وقد شرقَتْ بالدمع منّا المحاجرً



كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصَّفا




أنيسٌ، ولم يَسْمُرْ بمكّة سامِرُ



بلى نحن كُنَّا أهلَها فأبادَنا




صروفُ اللّيالي والجُدودُ العواثِرُ(59)



فإن كان صاحب هذه القصيدة التي أثبتنا منها هذه الثلاثةَ الأبيات، هو عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهميّ، حقّاً؛ وأنّ هذه القصيدة وُجِدَتْ مكتوبة، فيما يزعم بعض الرواة الذين لم يسمّوا لابن هشام مَنْ رَووا عنهم، هم، على حَجَرٍ باليمن (60): فذلك يعني أنّ عمر الشعر العربيّ، بناء على المستوى الفنيّ الذي نصادفه في هذه القصيدة العجيبة، قد يكون جاوز ثلاثين قرناً قبل الإسلام؛ وذلك لأنّ هذا الجرهميّ كان يعيش قبيل زمن إبراهيم عليه السلام بزهاء قرن على الأقلّ، ولمّا كان إبراهيم كان يعيش في القرن التاسع عشر، أو الثامن عشر، قبل الميلاد (61): فإنّ عمر الشعر العربيّ قد يبلغ خمسة وعشرين قرناً على الأقلّ قبل الإسلام. ومن العجب العجيب أنّ جميع مُؤَرخي السيرة، وكلّ قدماء المؤرخين للحياة العربيّة قبل الإسلام، كانوا يتحدثون في ثقة تشبه اليقين عما يمكن أن نطلق عليه الدولة الجرهميّة التي حكمت مكّة وضواحيها بعد ولد اسماعيل عليه السلام: طوالَ زهاءِ خمسةِ قرونٍ ونصفٍ (62). فهل يصحّ تاريخ هذه الدولة، أو الأسرة الحاكمة (جرهم) دون صحّة شعر شاعرها، وهو أحد حكّامها غير المتوّجين؟ وهل يمكن تكذيب كلّ تلك الروايات التي رواها قدماء المؤرخين، والحال أنّ ابن هشام، وهو ثقة، يتحدّث عن وجود تلك القصيدة مكتوبةً على حَجَرِ باليمن؟ وكأنّ الشيخ كان واعياً بتساؤل الذي يأتون بعده فحسم هذه المسألة بعدم نسبتها إلى مجرّد الرواية الشفويّة الطائرة، ولكن إلى كتابه مرقومة على حجر؟ وإذا ذهب ذاهب إلى أنّ هذا الكلام الذي جاء عليه كلّ المؤرخين العرب القدماء هو مجرّد رجم بالغيب، وأسطورة في الأساطير، فما القول فيما جاؤوا به من بقيّة الأخبار الأخراة؟ وهل يمكن أن يكونوا سذّجاً يروون كلّ ما كان يقع لهم من أخبار، فنسلّم برفض كلّ ما جاؤوا به ونستريح!؟ أم أنّنا نرفض الرواية فقط، ونقول لابن هشام: لا ، إنّ ما تزعمه من أنّ تلك القصيدة وجدت مكتوبةً على الحجر باليمن، ليس صحيحاً؟ وإنما هو ليس صحيحاً لأنّنا ننفيه بدون إثباتاً. وحجج لهذا النفي، وإنما ننفيه، لأننا نستقدم العهد الذي قيلت فيه هذه القصيدة، وأنّ مضاض كان يعيش حقاً في مكة، بل كان يحكمها حقاً، ونتفق على أنه عربيّ قحّ، ونتفق على أن حكم أسرته لم يدم إلاّ زهاء خمسة قرون ونصف، ثم أطيح بحكمهم، وأُجْلُوا عن مكّة: ولكننا -وعلى الرغم من تسليمنا بكلّ ذلك؛ فإننا نرفض أن يكون بن مضاض قال ذلك الشعر؛ لأنّ الشعر العربي عمره قرن ونصف، أوقرنان اثنان على الأكثر، قبل الإسلام، فيما زعم أبو عثمان الجاحظ؟ مع أنّ المقولة التي تعزى إلى عمر بن الخطاب، والتي أومأ إليها ابن سلاّم إيماءً، وجاء بها ابن جنّي كاملة، تثبت أن الشعر العربي:
1- كثير.
2- قديم.
3- ضاع.
لكن الضياع لا يعني الإطلاقيّة التي لم يبق معها شيء. ويضاف إلى ذلك أن عمر بن الخطاب يعلّل ذهاب الشعر بذهاب الرجال وفنائهم في الحروب، والحال أنّ قصيدة ابن مضاض تزعم الرواة والكتب القديمة أنها كانت مدوّنة على حجر... فلقد ذهب، إذن، عمر إلى أنّ الشعر العربيّ كان: "علم القوم. ولم يكن لهم علم أصحّ منه. فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد، وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته، فلمّا كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنّت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقلّ ذلك، وذهب عنهم كثيره (63).
إنّ عمر، رضي الله عنه، إنما يتحدث عن انعدام التدوين، وتعويل العرب في حفظ شعرها على الرواية الشفويّة، فما القول في الشعر الذي دوّن، إن كان قد وقع تدوينه حقاً؟.
ويدلّ على ثبوت وجود كثير من الشعر العربيّ، وقدمه قبل الإسلام قول أبي عمرو بن العلاء الشهير: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلاّ أقلّه، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم، وشعر كثير" (64).
وإنّا لنعلم أنّ أمماً عربيّة قديمة كثيرة انقرضت منها طسم وجديس وعاد وثمود، ولكنّ جرهما لم تنقرض كلّها، ولكنها عادت إلى بلاد اليمن (65) بعد أن غلبتهم على حكم مكّة قضاعة (66)، كما كانت جرهم غلبت، قبل ذلك، بني إسماعيل فانتزعت منهم السقاية وخدمة البيت...
ونعود إلى أمر هذه القصيدة المحيِّرِ، وهي القصيدة التي يزعم ابن هشام أنها وجدت مكتوبة على حجر باليمن: هل كانت مكتوبة باللغة الحِمْيَريَّة؟ إنّا لا نعتقد ذلك. لأنّ كلّ التواريخ القديمة تزعم أنّ إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، إنما تعلّم العربية من جرهم، والحال أن العربيّة الإسماعيليّة هي العربيّة العدنانية التي نزل بها القرآن، وقيلت بها المعلّقات والوجه لدينا في حلّ هذا اللغر العجيب:
1- إنّ قبيلة جرهم حين وافت البيت من اليمن تطورت لغتها من الحميريّة إلى العربية الحديثة، بفعل الاحتكاك الذي كان يقع بين الذين يقصدون البيت العتيق. ولكن قد ينشأ عن هذا المذهب أنّ جرهماً قد تكون أقامت بمكّة أكثر من خمسة قرون ونصف، وهو الذي تزعمه أخبار التاريخ، كما سلفت الإشارة إلى ذلك.
2- إنّ القصيدة الرائيّة البديعة المنسوبة إلى ابن مضاض، وهو أحد ملوك جرهم، قد يكون تدوينها على الحجر وقع بعد اضطرار جرهم إلى العودة إلى اليمن.
3- ونلاحظ أنّ ابن هشام يورد أبياتاً ثلاثة أخراة معزوة إلى الشاعر نفسه، ويزعم أنها صحّت لديه، كما يؤكّد أنها وجدت مكتوبة على حجر باليمن (57). فكأنّ الأقدمين يريدون أن يثبتوا هذه الأبيات، ويؤكّدوا صحّتها بحكم أنها وجدت مدوّنة على الحجر، فيزعمون: "أنّ هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب" (56).
ولكن المشكلة المعرفيّة المركزيّة في هذه المسألة أن هذا الشعر قديم جداً، وإننا لا نجد شعراً آخر يُرْوى، إلاّ ماكان من عهدي مهلهل بن ربيعة وامرئ القيس.... ولكنّنا كنّا زعمنا أن القصيدة المضاضية التي ذكرت، ذُكِرَ أنها وُجِدَتْ مكتوبةً على الحجر؛ فأمْرُها إذن مختلف. لكنّ الذي يبعد ذلك، أنّ لغتها راقية جداً، وأنّ الأسلوب أنيق، وأنّ النحو مستقيم، وأن الإيقاع مستقيم، وأنّ كلّ ما فيها يوحي بخضوعها للتهذيب والتشذيب، والتغيير والتبديل، إلاّ أن يكون عمر الشعر العربيّ أكثر بكثير ممّا يتصور أي متصور، وهذا أمر مستحيل. إذ ينشأ عن تقبّل نصّ هذه القصيدة كما روتها كتب الأخبار والسيرة، أنّ الشعر العربيّ كان عظيم الأزدهار على عهد جرهم، وأنّ اسماعيل عليه السلام حين تعلّم العربيّة لم يتعلّم مجرد لغة بدائيّة قصاراها أداءُ الحاجة الدنيا مما في النفس، ولكنها كانت لغة أدب رفيع... وهذا أمر محيّر...
إنّ الذي أردتُ أن أنبّه إليه في نقاش هذه الإشكاليّة هو أنّ القصيدة الجرهميّة لم تثبت على أنها رويت أصاغر عن أكابر، (وذلك مرفوض لبعد الزمن، وكثرة الفتن، وانعدام التدوين....)، ولكنها أثبتت على أساس أنها الفيت مكتوبةً على حجر باليمن.... وببعض ذلك تضيق شقّة المشكلة بحيث تغتدي مقتصرة على: هل وجدت مكتوبة، أو لم توجد مكتوبة؟ فإن كانت الإجابة بنعم- ولا أحد يمتلك في الحقيقة الإجابة لا بنعم، ولا بلا-: فما شأنُ اللغة التي كتبت بها ؟ وما بال الأسلوب الأنيق التي نسجت به؟ وينشأ عن التصديق أنّ الشعر العربيّ أقدم ممّا يظنّ الظانّون، والأقدمون أنفسهم يعترفون بقدميّة الشعر العربي- أقصد المتشددين في الرواية، والمحترزين في إثبات الأخبار أمثال ابن سلام- وحينئذ ننتهي إلى الميل إلى تقبّل نصّ هذه القصيدة إذا كانت وجدت، حقاً، مكتوبةً، مع ميلنا إلى أنه قد يكون وقع عليها بعض التهذيب لدى إثباتها كما رواها ابن اسحاق في القرن الأوّل الهجري (58-150؟ هـ).
والحقّ أن ابن سلاّم لَمَّا رفض الشعر إذا عاد إلى أكثر من عهد عدنان، فإنما كان مبدؤه قائماً على أساس الشعر المروّى (69)، لا على أساس الشعر المدوّن على الحجر.
والذي يعنينا في كل، هذا، وهنا والآن (وعلى أننا لم نرد أن نذهب، في بحث هذه المسألة المُعْتاصَةِ، مذهباً مُسْرِفاً في استقراء الآراء التي لا تكاد تخرج عما ذكرنا، ومناقشتها باستفاضة؛ إذ لو جئنا شيئاً لاستحالت هذه المقالة إلى كتاب....) أنّ المعلّقات نشأت على عهد مقصّد القصائد وهو المهلهل بن ربيعة التغلبيّ، خال امرئ القيس، وأنّ ذلك العهد، في أقصى التقديرات، لا يرجع إلى أكثر من قرن ونصف قبل البعثة النبويّة، وأنّ الشعر العربيّ ضاع باهمال أهله إيّاه، أو اشتغالهم بالجهاد، وسقوطهم بالآلاف في المعارك في ظرف قصير من الزمان أثناء الفتوح الأولى....
ولكن يستحيل علينا أن نصدّق أنّ الشعر العربي نشأ طفرة، ونبغ صبيّاً..... فعلينا أن نكون سذجاً باديِّ السذاجة إذا ما اعتقدنا بذلك... إلا لا يمكن أن يكون ذلك المستوى الفنيّ الرفيع الذي جاءت عليه تلك المعلّقات والأشعار الأخراة التي عاصرتها إلاّ بعد أن يكون الشعر العربيّ مرّ بمراحل طويلة تطوّر خلالها إلى أن بلغ تلك الدرجة العالية من الجودة والنضج والرصانة.... يجب أن تكون المعلّقات نشأت في بيئة شعريّة راقية، وفي جوّ أدبيّ خصب بحيث كان كلّ عربيّ يستطيع أن يقول البيت والأبيات يؤدّي بها حاجته. كما كانت القبائل تحتفل بنبوغ شعرائها فكانت "القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنّأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان، لأنّه حماية لأعراضهم، وذبّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنّئون إلاّ بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج"(70).
وكانت النساء يروين الشعر كما يرويه الرجال، فكان الشعر بالقياس إلى العرب هو الثقافة الأولى، والعبقريّة الأولى ، والغاية الأولى.
ومع كلّ ذلك فإننا نميل إلى أنّ الشعر العربيّ، في الحقيقة، ضاع قبل مجيء الإسلام، فإشارة امرئ القيس إلى ابن حمام، وإشارة عنترة إلى أنّ الشعراء لم يكونوا غادروا شيئاً ممّا يقال إلاّ نسجوا من حوله الشعر... من الأمور التي تجعلنا نذهب إلى أنّ لعنة الضياع لم تأت على الشعر العربيّ بسبب الحروب والفتن التي وقعت بعد ظهور الإسلام: حروب الردّة، وصفيّن، والجمل، والنهروان، والحروب الطاحنة التي استمرت بين الأموّيين والخوارج، والأموّيين وابن الزبير... كلّ أولئك فتن مُدْلَهِمَّة أتت على من كان باقياً من حفظة القرآن، وحملة الشعر، ورواة الأخبار... ولم يكن الناس، في القرن الأوّل الهجرّي يدوّنون شيئاً من مآثرهم؛ فضاع علم كثير، وأخبار ذات شأن..
وإذن فالشعر العربيّ القديم اجتاحته الجوائح قبل الإسلام بالصواعق والطوافين والأعاصير التي أذهب الله بها أمماً عربيّة قديمةً مثل طسم وجديس وعاد وثمود....، كما اجتاحته جوائح أخراة تمثّلت في الفتن التي وقعت بين العرب المسلمينأثناء القرن الأول الهجري؛ فلما جاء الناس يدوّنون بعض تلك الأخبار، انطلاقاً من القرن الثاني للهجرة، لم يجدوا منها إلاّ بقايا ضحلة، فكثر الوضع، وقلّ الخير...
خامساً: معلّقات العرب هل علّقت حقاً...؟
لقد سال كثير من الحبر حول إشكاليّة تعليق المعلّقات: أين علّقت؟ وأيّان علّقت؟ وما الكيفيّة التي علّقت بها؟ ولِمَ علّقت؟....
إنّ كثيراً من النقاد العرب القدامى، (ابن رشيق، وابن عبد ربه، وابن خلدون وغيرهم....) كانوا يذهبون إلى أنّها علّقت على أركان الكعبة... لكن هل يقتضي التعليق، حتماً، أن يكون على جدران الكعبة؟ أو لا يكون ذلك التعليق إنما كان في مكتبات قصور بعض الملوك، أمثال المناذرة؟ أم أنها لم تعلّق أصلاً، ولكن حكاية التعليق اختلقها، لبعض التعبير، بعض الرواة المحترفين، غير الموثوقين، أمثال حماد الراوية، أو بعض رواة القبائل غير المحترفين لإرضاء النزعة العصبيّة، والحميّة القبليّة، والعنجهيّة الجاهليّة: فابتدأ الأمر بمعلقة واحدة هي معلّقة امرئ القيس؛ فلمّا رأت العدنانيّة ذلك كبر عليها أن لا يكون لها بعض ذلك فوسّعت فكرة دائرة التعليق إلى طائفة من القبائل العدنانيّة الماجدة حيث توزّعت المعلّقات الأخراة على بكر وتغلب (القبيلتين المتنافستين المتعاديتين اللتين دارت بينهما حروب طاحنة) وقيس، وغطفان....
ولقد جاهد الأستاذ طلال حرب نفسه أَعْنَتَ الجهاد وأشقَّه في سبيل رفض فكرة المعلّقات من أصلها (71)، متأثّراً في ذلك بما كان ذهب إليه الأستاذ مصطفى صادق الرافعيّ الذي أنكر فكرة المعلّقات من أساسها، وعدّها مجرّد أسطورة في الأساطير (72). وقد كان سبق إلى رفض هذه الفكرة أبو جعفر النحاس (73).
والحقّ أنّ كثيراً من قدماء المؤرخين العرب اصطنعوا مصطلح "معلّقة"، ولم يشكّوا، كما لم يشكّكوا في أمر تسميتها. ولقد وقعنا، فيما أتيح لنا الاطلاع عليه من مصادر قديمة، على زهاء ثمانية مصادر ورد فيها ذكر اصطلاح المعلّقة، أو المعلّقات، إمّا مرة واحدة، وإمّا مرات متعددة -كما هو الشأن بالقياس إلى البغدادي في خزانة الأدب- صراحة، منها نصوص قديمة يعود العهد بها إلى القرن الثاني الهجريّ. والنصوص التي وردت في تلك المصادر هي لأبي زيد القرشي (74)، وأبي الفرج الأصبهاني (75)، وابن عبد ربه الأندلسيّ(76)، وابن رشيق المَسَليّ القيرواني(77)، وياقوت الحموي (78)، وابن كثير (79)، وابن خلدون (80)، والبغدادي (81)... فهل يجب أن نعدّ هؤلاء جميعاً سُذَّجاً وغَفَلَةً عن العلم ففاتهم أن يعرفوا اللُّغْزَ في هذه المسألة؟ إننا نعتقد أنه لايمكن أو يوجد دخان بلا نار، ولا نار بلا مادّة قابلة للاحتراق. وأنّ الأخبار الكبيرة، أو ما نودّ أن نطلق عليه نحن كذلك، يمكن أن يُتَزَيَّدَ فيها، ويمكن أن تُنْحَلَ مُتونَها، وتُحَرَّفُ رواياتُها؛ لكننا لا نعتقد أنّها تُختلق من عدم، وتنشأ من هباء.... ففكرة المعلّقات، في تقديرنا، غالباً ما تكون قد وقعت بالفعل على نحو ما، ولقصائد ما، نرجّح أن تكون القصائد السبع نفسها التي شرحها الزوزني، لأنها فعلاً من روائع الشعر الإنسانيّ على الإطلاق...
والذين لم يذكروا المعلّقات باسمها صراحة أمثال ابن قتيبة، وابن سلام الجحمي، والمرزيانيّ، والجاحظ -من مؤرّخي الأدب القدماء- فإنهم، في الحقيقة، ذكروها ضمناً حيث وقع اختيارهم على كثير من الأشعار المعلّقاتيّة، أساساً، كما وقع ذلك خصوصاً بالقياس إلى معلّقة امرئ القيس التي كلف بها القدماء كلفاً شديداً: فلهجوا برواية أبياتها والتعليق عليها، وإبداء الإعجاب بها طوراً، وانتقادها طوراً آخر. ولكنّ الإعجاب كان هو الأغلب الأطفح...
ثمّ إن المصطلح النقديّ العربيّ ظلّ طول الدهر، وفي كثير من أطوار حياته، يعاني الاضطراب والتساهل والتسامح في الاستعمال؛ فإذا كان طه حسين حين كان يتحدث عن إحدى روايات نجيب محفوظ الشهيرة ألفيناه يصطنع اصطلاح "قصّة" (وهو يريد مصطلح) "رواية"، وكان ذلك في الأعوام الخمسين من هذا القرن: فما القول في النقاد القدماء الذين كثيراً ما كانوا يعبّرون عن المعلّقة بالطويلة لأنها طويلة فعلاً، ومذهبة، لأنها مذهبة فعلاً، او واحدة، لأنّ بعض المعلّقاتيين لم يشتهر إلاّ بها مثل عمر بن كلثوم، والحارث بن حلّزة، وعنترة بن شداد.... وقل إن شئتَ كلّ المعلّقاتيين ما عدا امرأ القيس الذي اشتهر بمطوّلته الأخراة، العجيبة، أيضاً.
وإذن، فلقد كان في أذهان من لم يذكروا المعلّقات السبع، تحت هذا المصطلح، أنها آثر القصائد لدى العرب، وأنّ وصفها بالتعليق لم يكن إلاّ ثمرة من ثمرات تلك العناية الفائقة بها، وترويتها للناشئة، وتَسْيير الرُّكبان بها... فقد ألفيناهم يذكرونها بعدّة أسماء أمثال السمط.. وبينما يذهب ابن عبد ربه إلى أنّه كان يقال للمعلّقات أيضاً "المذهبات"، فيقال: "مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات سبع، وقد يقال لها المعلّقات" (83)، ويجاريه في ذلك ابن رشيق فيقرر أنه كان "يقال: مذهبة فلان، إذا كانت أجود شعره. ذكر ذلك غير واحد من العلماء" (84)؛ نلفي أبازيد القرشي يميّز بين المذهبات والمعلّقات والمجمهرات(85)، بعد أن كان أطلق على المعلّقات في بداية الأمر مصطلح "السبع الطوال" نقلاً عن المفضّل، وليس عن أبي عبيدة كما زعم كثير من الناس(86) حيث إنّ النص المروّى عن أبي عبيدة ينتهي، ثم يورد بين قوسين نصّ المفضّل. فليس الخلاف إذن في الجوهر، ولكنه في الشكل؛ إذا يلاعُ كلّ القدماء بهذه السبع، لم يك إلاّ دليلاً خِرِّيتاً على اتفاقهم على روعتها وجودتها، بغضّ الطرف عن الأشكال التي اتخذتها في أذهان الناس...
وعلى أنّ ابن رشيق كان أورد في بداية كلامه أنّ الذي يقرره إنما هو نقلاً عن أبي زيد القرشي حيث قال: "وقال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسوم بجمهرة أشعار العرب: إنّ أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمّى السمط(87)" (88).... بينما أبو عبيدة، بناء على ما بين يدينا في كتاب "جمهرة أشعار العرب"، لم يقل شيئاً من هذا؛ ولكن الذي قال هو المفضّل حيث ذكر أبو الخطاب ذلك معزوّاً إلى المفضل إذ كتب: "وقال المفضّل: هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب السموط...." (89).
ونجد أبا الخطاب القرشي، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهو أقدم هؤلاء المؤرخين جميعاً (توفي سنة 170هـ) يطلق مصطلح "المذهبات" على غير "المعلّقات" حيث قال: "وأمّا المذهبّات فللأوس والخزرج خاصّة: وهنّ لحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس ابن الخطيم، وأحيحة بن الجلاّح، وأبي قيس بن الأسلت، وعمرو بنو امرئ القيس" (90).
فما هذا الخلط، وما هذا الغُثاء من الآراء؟
فالأولى: إنّ ابن رشيق يجعل رواية القرشي عن أبي عبيدة، بينما الرواية في النصّ المستشهد به، هي في الحقيقة، عن المفضّل.
والثانية: لعلّ المصدر الأوّل المكتوب الذي تحدّث عن المعلّقات ضمناً: تحت مصطلح "السبع الطوال" طوراً، و"السموط" طوراً آخر، وصراحة حين قال: "تمّت المعلّقات، ويليها المجمهرات" (91) إنماهي "جمهرة أشعار العرب".
والثالثة: فات الأستاذ طلال حرب أن يطّلع على أن القرشيّ هو أيضاً ذكر مصطلح المعلّقات صراحة في صلب كتابه، فأخرجه من طبقة من ذكروا المعلّقات، كما فاته الاطلاع على ما ورد من معلومات ذات شأن حول المعلّقات -بذكر هذا المصطلح صراحة- في السيرة النبويّة لابن كثير(92).
والرابعة: إنّ ما حيّر الأستاذ طلال حرب بناء، على نصّ أو رده الرافعيّ، غير موثَّقٍ، معزوّاً لابن الكلبي (93) لا يحتاج إلى كُلِّ هذا العناء ما دام الرافعي لم يكن يلتزم بالمنهج الجامعيّ الصارم في توثيق النصوص التي يستشهد بها، وهو على كلّ حال، في بعض ذلك غير مُليم، لأنه لم يضع النص الذي نقله منسوباً إلى ابن الكلبي بين علامات التنصيص، ممّا يوحي، منهجيّاً، بأنّه متصرّفٌ فيه....
والخامسة: إنّ ما حيّر طلال حرب حين لم يتمكّن من الاطلاع على المصدر الذي استقى منه الرافعي، مرفوعاً إلى ابن الكلبيّ، والذي كان الرافعيّ أو رده: فإننا نميل إلى أنّ ذلك النص، قد يكون منقولاً من ابن كثير (94). ولكن لمّا كان الرافعي لا يلتزم باصطناع علامات التنصيص الأكاديميّة فإنه كان لايتحرّج في التصرّف في الكلام، وربما سها فعزا ما كان قاله ابن قتيبة حَوالَ عمرو بن كلثوم، كما سنرى، إلى ما قاله عن الحارث بن حلّزة (95). فقد كان ابن كثير، لدى تعرّضه للمعلّقات السبع، كثيراً ما يذكر ابن الكلبي. بيد أنّ النص الذي ذكره الرافعي متصرفٌ فيه غالباً، ونفترض أنه مركب من جملة نصوص (من ابن كثير، وابن رشيق، والبغدادي...)...
والسادسة: إنّ الأستاذ الرافعيّ وقع في خلط عجيب، ولبس مشين... ولا يمكن التعويل عليه فيما أورد في كتابه "تاريخ آداب العرب" حول هذه المسألة؛ إذ لم يتّبع أصول التوثيق الأكاديميّ المعمول به بين الباحثين، لأنه، مثلاً،:
1- يقول: "وقال ابن قتيبة في ترجمة طرفة: وهو أجودهم طويلة" (96). بينما لم يقل ابن قتيبة، في الأصل، شيئاً من هذا، ولكنّ القول مرويّ أولاً عن أبي عبيدة، والمقولة في أصلها، آخراً" أجودهم واحدة" (97)؛ وليست: "أجودهم طويلة" -إلاّ أن تكون طبعة الشيخ غير طبعتنا، فمعذرة.
2- ويخلط الرافعيّ بين النص الواردعن عمرو بن كلثوم فيجعله وارداً حول الحارث بن حلّزة، وذلك حين يقول:
"قال (ابن قتيبة) في ترجمة الحارث بن حلّزة عند ذكر قصيدته، وهي من جيّد شعر العرب، وإحدى السبع المعلّقات" (98).
والحق أنّ ذلك النص كان ورد عن شأن عمرو بن كلثوم، لا عن الحارث بن حلّزة؛ إذ يقول ابن قتيبة عن معلقة ابن كلثوم: "وهي من جيّد الشعر العربيّ القديم. وإحدى السبع" (99).
وقدسها الرافعي مرتين اثنتين: حين نقل النص من ابن قتيبة، ثم حين نقله من البغداديّ الذي يقرر هو أيضاً، نقلاً عن ابن قتيبة: "قصيدة عمرو بن كلثوم من جيّد شعر العرب، وإحدى السبع" (100). فالأمر إذن ينصرف إلى عمرو بن كلثوم لا إلى ابن حلّزة...
إنه لا أحد يستطيع القطع، أمام هذه الاختلافات بين المؤرخين، بعدم تعليقيّة المعلّقات السبع، وإلا فعلينا أن نرفض تاريخ الأدب العربيّ كلّه ونستريح.
سادساً: استبعاد فكرة التعليق:
ولكن هل هذا ممكن؟ وكيف نذهب مذهبين اثنين، متناقضين، في مقام واحدٍ، وكيف يمكن الجمع بين الاستنتاجين؟ وهلا اجتزأنا بموقف واحد صريح، وحكم واحد صارم واسترحنا؟ أو لا يكون هذا ضرباً من التردد، وجنساً من الاضطراب، في الموقف؟
وإنّا لانرى شيئاً من ذلك. وإنّا لا نجد أيّ حرج في وقوف الموقفين، وقيام المقامين معاً... ذلك بأنّنا، لا نؤمن بإصدار الأحكام القطعيّة حول القضايا المشكلة... ونحن إذ نفتح الباب لاستبعاد فكرة التعليق، بعد أن كنّا ملنا إلى استبعاد فكرة عدم التعليق؛ فلأننا نؤمن بحرية الفكر؛ ولأننا نعتقد أن أتّرَاكَ باب البحث مفتوحاً هو الأسلم والأرصن..
ونحن إذ كنّا نؤمن بفكرة التعليق؛ فإنما نصرفه إلى غير التعليق على أركان الكعبة....وهذا ما نودّ بحثه في هذه الفقرة...
وإذن، فأَنْ تكونَ القصائدُ السبع الطوال، أو المعلّقات السبع، علّقت على جدران الكعبة كما زعمت بعض المصادر القديمة، وثلاثة منها مغاربيّة (ابن رشيق، وابن عبد ربه، وابن خلدون) فذاك أمر نرتاب فيه؛ و لانميل إليه. وإنما نرتاب فيه لبعض هذه الأسباب:
1- إنّ الكعبة كانت تعرضت للنهب، وللسيول الجارفة (101)، وللتهدّم والتساقط(102).
2- إنّ المؤرخين القدامى من اتّفقوا على أنّ الكعبة لم تكن مسقوفة (103). وإذا لم تكن كذلك، فكيف يمكن تعليق جلود مكتوبة عليها، بَلَهْ ورق القباطيّ الشديد الحساسية للعوامل الجويّة (وذلك مجاراة لأقوال بعض الأقدمين مثل ابن رشيق الذي قرر بأنها كانت مكتوبة على القباطيّ) والحال إنّ أيّ كتابة لايمكن أن تبقى متوهّجة مقروءة، لزمن طويل، تحت تأثير العوامل الطبيعيّة مثل الرياح، وأشعّة الشمس، ورطوبة الليل، وبلّ المطر؟
3- اتّفق المؤرخين العرب القدامى أيضاً على أنّ الكعبة لم تكن مَمْلوطَة، ولكنّ بناءها كان عبارة عن رَضْم، أي رصْفِ حجرٍ على حجر من غير مِلاَطِ(104).
4-إنّ المؤرخين القدماء أمثال ابن هشام، وابن كثير، والمسعودي، وياقوت الحموي اتفقوا على أنّ الكعبة لم تسقف إلاّ حين جدّدت قريش بناءها الذي كان قبل البعثة بزهاء خمس سنوات فحسب. والذين يذهبون إلى تعليق تلك القصائد على أستار الكعبة إنما يذهبون، ضمناً، إلى أنّ ذلك كان على عهد الجاهليّة.
5- إنّ موادّ الكتابة، على تلك العهود، كانت من البدائيّة والبساطة بحيث لم يكن ممكناً، عقلاً، أن يكتب كاتب نصّاً طويلاً يقترب من ثمانين بيتاً، تزيد قليلاً، أو تنقص قليلاً، على جلد غزال، أو على قباطيّ.
6- إنّ هذه النصوص الشعريّة السبعة لطولها، لو جئنا نكتبها اليوم على جدران الكعبة، أو على جدران أيّ بناء آخر في حجم بنائها، على مواصفات العهود الأولى- وعلى ما نمتلك اليوم من وسائل متطورة للكتابة- للاقينا العناء والعنت في كتابتها كلها على تلك الجدران.
وعلى أننا كنا أثبتنا في الحيثيّة الثالثة، من هذا التحليل، أنّ جدران الكعبة لم تكن مملوطة بالملاط، ولكنّ حَجَرها كان عارياً، ويبدو أنّه كان مبنياً على الطريقة اليمنيّة التي تقوم على البناء بالحجر بدون ملاطٍ للربط بين الحجر والآخر. ولعلّ جدران الكعبة لم تملط إلا حين أعاد بناءها عبد الله بن الزبير، بعد أن تعرضت لقذفات المنجنيق التي قذفها بها الحجاج من أبي قبيس، وذلك حين احتمى بها ابن الزبير الذي كان أعاد بناءها بعد أن سمع من خالته عائشة رضي الله عنها حديثاً يرغّب في تجديد بنائها، وتغيير هندسة هيكلها (105).
7- كان في أهل الجاهليّة حنيفيّون، ولم يكن ممكناً أن يرضوا بأن تعلّق على جدران أقدس بيت وضع للناس أشعار تتحدث عن المضاجعة والمباضعة، وسيقان النساء وأثدائهن، وشعورهن وثغورهن...
فعلّ هذه العوامل، مجتمعةً، أن تَحْمِلنا على الذهاب إلى استبعاد فكرة تعليق تلك القصائد على جدران الكعبة، في أي عهد من العهود؛ وذلك على الرغم مما يروى عن معاوية بن أبي سفيان أنّه قال: "قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلزة من مفاخر العرب، كانتا معلّقتين بالكعبة" (106).
وهذه رواية غريبة، ولا ندري من أين استقاها البغدادي. وهي على كلّ حال تدلّ على أنّ فكرة التعليق كانت، فعلاً، واردة لدى الناس. وأنّ هناك إلحاحاً على التعليق الذي نصرفه نحن، بناء على هذه المقولة وغيرها، إلى أنّ العرب ربما كانت تعلّق هذه القصائد على الكعبة أثناء موسم الحج فقط، وذلك بعد أن تكون قد أُنْشِدَتْ في سوق عكاظ.. وأعتقد أن هذا المذهب قد يحل المشكلة من أساسها فيثبت التعليق فعلاً، ولكن يحدد من زمنه بحيث لايجاوز موسم حجّ واحد.. ومن الآيات على ذلك أن معاوية هنا، إن ثبتت رواية مقولته، يقرن بين قصيدتين متكاملتين على تناقضهما وهما القصيدتان اللتان تتحدثان عن العداوة التي كانت بين بكر وتغلب. فكأن تينك القصيدتين علّقتا على الكعبة معاً في موسم واحد. ونحن لم نهتد إلى هذا الرأي إلا من خلال مقولة معاوية الذي لا يتحدث عن معلقات، ولكنه يتحدث عن معلقتين اثنتين، كما رأينا.
فذلك،إذن، ذلك.
وأما فكرة القبول بالتعليق فيمكن أن تؤوّل على أساس أنها لم تكن على جدران الكعبة، إذ لا يمكن، من الوجهة المادية، ومن الوجهة التقنية أيضاً، تعليق كلّ هذه النصوص على جدران البيت، ولكنها عُلِّقَتْ في مكتبات ما. ويؤيد ذلك ما يعزى إلى بعض الملوك حيث "كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته" (107).
وربما أتت فكرة التعليق أيضاً مما يُعْزَى إلى عبد الملك بن مروان من أنه طرح شعر أربعة معلقاتيين، وأثبت مكانهم أربعة (108) آخرين.
بل ربما أتت من "أنّ بعض أمراء بني أمية أمر من اختار له سبعة أشعارٍ فسماها المعلقات" (109). لكنّ البغدادي الذي يبدو أنه تفرّد بهذه الإشارة، على الأقلّ فيما اطلعنا عليه نحن من مصادر، لم يذكر المصدر الذي استقى منه هذه المعلومة، ولا كيف سمّاها المعلقات، وهي لم تعلق (وذلك ما يفهم من قول البغدادي)؟
إننا نعتقد أن ذكر أربع ملابسات تاريخية، وهي:
1- ورود ذكر اسم عبد الملك بن مروان، وأنه قرر طرح أربعة أسماء، وإثبات أربعة آخرين، من المعلقاتيين، ولم يكن ذلك ليحدث إلا بعد الاستئناس برأي نقّاد الشعر على عهده؛
2- ورود ذكر "بعض أمراء بني أمية"؛
3- ورود ذكر حماد الراوية المتوفّى سنة خمس وخمسين ومائة من الهجرة، وقد سلخ معظم عمره في عهد دولة بني أمية؛ وأنّه هو الذي جمع المعلقات فيما يزعم أبو جعفر النحاس (110)، وهو ذاك؛ فإنّ ابن سلام الجمحيّ كان أومأ إلى هذا حين ذكر "أنّ أوّل من جمع أشعار العرب، وساق أحاديثها، حمّاد الراوية. وكان غير موثوق به. وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار" (111).
(وإنما جئنا بما هو ذو صلة بعدم ثقة حمّاد الراوية لكي نربط بينه وبين ما سيقوله أبو جعفر النحاس الذي قرر أنّه لمّا رأى حماد الراوية "زهد الناس في حفظ الشعر، جمع هذه السبع وحضّهم عليها، وقال لهم: هذه المشهورات"(112).
4- كان سبق لنا، منذ قليل أن أوردنا قولاً لمعاوية يقرر فيه أنّ قصيدتي عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة من مفاخر العرب، وأنهما "كانتا معلقتين بالكعبة دهراً" (113). ومعاوية هو مؤسس الدولة الأموية...
ولقد ينشأ عن هذه الملابسات التاريخية الأربع:
1- إنّ فكرة التعليق، وحدوثها الاحتماليّ، لم تظهر إلاّ في العهد الأمويّ، لارتباطها بذكر أربع سِمَاتٍ تاريخيةً أمويّة: لا جاهليّة، ولا إسلامية، ولا عباسية.
2- إنّ إشارة أبي جعفر النحاس إلى زهد الناس في الشعر هو الذي حمل حماد الراوية، ليس على جمع القصائد السبع الطوال فحسب، ولكن على التهويل من شأنها، وربطها بمقدسات وطقوس دينيّة تتمثل في أركان الكعبة حتى يقبل الناس على حفظها، وروايتها، وتَرْويَتها، وترويجها، في الآفاق، وقد أفلح حماد، حقاً، فيما أراد إليه. ونحن ندين بالفضل في حفظنا المعلقات، وعنايتنا الشديدة بها إلى هذا العهد، من حيث هي أجود، أو من أجود الشعر العربي القديم على الإطلاق، وذلك على الرغم من احتمال زيادة حماد في نصوص هذه المعلقات ما لم يكن فيها.
3- إننا نميل إلى أنّ فكرة المعلقات ليست مجرد أسطورة في الأساطير، ولكن قد يكون لها أساس من التاريخ والواقع، بشرط ربطها بأمرين اثنين:
1- إنّ التعليق هو التعليق في خزانة بعض أمراء بني أمية أو ملوكها.
2- إنّ التعليق إذا انصرف إلى الكعبة إمّا أن يكون شكل الخطّ، حينئذ، على غير القباطيّ، ولا هو من مادة الذهب، ولا من شيء مما يزعم ابن رشيق، وابن عبد ربه. ولكنّ الكتابة ربما كانت بمداد الوَذْح المحرق، وعلى لوح من الألواح التي كانوا يكتبون عليها أشعارهم أول ما تُمْلَى.
وكانت تلك السيرة قائمةً إلى عهد جرير (114). وقد ظلّت في الحقيقة قائمة في كتاتيب القرآن ببلاد المغرب إلى يومنا هذا... وإمّا أنّ التعليق لم يكن يستمرّ لأكثر من أيام موسم الحج، أو لفترة معينّة، كأنها تشبه شكل المعارض على عهدنا هذا.. وقد يدل على ذلك قول معاوية:
"كانتا (يريد إلى معلقتي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة) معلقتين بالكعبة دهراً" (115). فكأنّ معنى الدهر في كلام معاوية ينصرف إلى فترة محدّدة، ثم ينقطع. وهو أمر واضح.
4- إننا نستبعد أن تكون القصائد السبع الطوال كلها علقت على أركان الكعبة مجتمعة، وظلّ التعليق متتالياً فيها، وذلك للأسباب السبعة التي جئنا عليها ذكراً، في بعض هذا التحليل.
وإذن؟
وإذن، فنحن نميل إلى قبول فكرة التعليق بشرط ربطها بما قدمنا منذ حين من احترازات. على حين أنّ فكرة رفض التعليق يمكن الذهاب إليها إذا أصرّ المصرون على أنّ المعلقات علقت على أركان الكعبة، في وقت واحدً، وظلّت معلقة هناك، وأنها كتبت في القباطيّ، وأنّ حبرها كان ذهباً.
ولعلنا ببعض ذلك تعمدنا أن نذر الباب مفتوحاً للنقاش والجدال من حول هذه المسألة اللطيفة التي يلذّ حولها البحث، ويحلو عنها الحديث.... فليظل باب البحث مفتوحاً للمجتهدين..

**د لا ل**
2012-02-11, 16:05
جماليّة الحيز في المعلّقات
لقد خالفنا جماعة النقاد العرب المعاصرين في أنهم يصطنعون "الفضاء"، وفي أننا نصطنع "الحيز".
فلماذا إذاً الحيز، وليس الفضاء؟
إننا نعتقد أنّ الفضاء أوسع من أن يشمل الحيز شمولاً تفصيلياً، وأشسع دلالة من أن يحتوي هذه المساحة الضيقة، أو المحدودة الأطراف، التي نودّ إطلاقها على مكان جغرافيّ ما، أو على ما له صلة بالمكان الجغرافيّ، على نحو أو على آخر. فالفضاء كلُّ هذا الفراغ الشاسع الذي يحيط بنا من الكون الخارجيّ. وهو أيضاً كلّ هذا الفراغ الهائل الذي يمتدّ من حولنا مع امتداد مدى أبصارنا. أمّا أن نطلق الفضاء على مكان محدود بالمساحة والمسافة تركض فيه أحداث رواية، أو تضطرب حَوالَه حركةٌ حيزيّة حيّة في قصيدة شعرية؛ فإننا لا نرى إتيان ذلك إلاّ من الحرمان، وقصور الذوق اللغويّ.
إن الفضاء، في تصوّرنا، نحن على الأقلّ لمدلول هذا اللفظ، أوسع من مدلول لفظ الحيز الذي نتصرف فيه، نحن، تبعاً لورود أطواره، وتعرض أحواله في النصّ الأدبيّ شعراً كان أم سرداً. ذلك بأننا نعدُّ كلّ جسم ناتئٍ، كأن يكون شجرة، أو نبتة، أو كرسياً، أو سيارة، أو حيواناً متحركاً، أو إنساناً ماشياً، أو هيئة للحركة في أيّ من مظاهرها، أو نهراً جارياً، أو وادياً متخدّداً، أو ربوة عالية، أو كثيباً بادياً، أو نخلة باسقة، أو خيوط مطرٍ هاتنة، أو حبّات ثلجٍ هاطلة، أو طريقاً مستقيماً أو ملتوياً: حيزاً.
ثم لا نزال نتصرف في ذلك ونتوسع حتى نُنْشِئَ من النخلة العَيْدَانَةِ المَتَرَهْيئَةِ حيزاً، ومن امتداد القامة واهتزاز هيئتها حيزاً، ومن الفَيْءِ الذي تحدثه الشجرة الوارفة الظّلال، تحت أشعة الشمس المتوهجة، حيزاً، ومن تلاطم أمواج البحر وتصاخبها حيزاً، ومن كلّ شيء يمكن أن يتحرك، فيُمَسَّ، أو يُلْمَسَ، حيزاً.
وإننا، وانطلاقاً من هذا التصور، نَمِيزُ المكان من الفضاء، كما نَمِيزُ الفضاء من الحيز، كما نميز الحيز من المجال، كما نميز المجال من المحلّ، وهلّم جرا.... فنطلق، في العادة، المكانَ على كلّ حيز جغرافي معروف (ولعلّ التعريفات الفلسفية تجنح لهذا أيضاً، ولكن في سياق آخر) على حين أننا نطلق الحيز على الأحياز الخيالية والخرافية والأسطورية، وما لا يمكن أن يقع تحت حكم الاحتواء الجغرافيّ بشكل واضح دقيق.....
ولقد كان لنا في ذلك تطبيقاتٌ كثيرة على النصوص الأدبيّة التي حلّلناها في كتاباتنا الأخيرة (1).
وللمكان، وللحيز بعامة، على الإنسان فضل الاحتواء، وشرف الاشتمال، فالحيز شامل والإنسان مشمول. وقل إن شئت، كما ورد في بعض التعريفات الإسلامية القديمة، فالحيز شاغل والإنسان به مشغول. فلا يمكن لأيّ كائنٍ حيّ، كما لايمكن لأيّ آلة أيضاً، أن تكون، أو تتحرك، إلاّ في إطار الحيز الذي استهوى تفكير الفلاسفة منذ القديم فحاولوا فلسفته، وتحديده، ومفْهَمته(2).
وإذا كان المكان بالمفهوم الماديّ المحسوس لا يكاد يعنى به إلاّ الجغرافيّون؛ وإذا كان المكان بالمفهوم العامّ المجرد لا يعنى به إلاّ الفلاسفة؛ فإن الحيز، كما نتصوّره نحن، عالم شديد التعقيد، متناهي التركيب، يتشكّل بلا حدود، ويتنوع في أفق مفتوح.... ومن العسير الانتهاءُ فيه، نتيجةً لذلك، إلى تعريف صارم، وحكم قائم. ولعلّ سعة مفهوم الحيز وامتداد أبعاد مدلولاته هما اللذان جعلانا نُعْنَى به من الوجهة الأدبية الخالصة فنجتهد في بلورة مفهومه ضمن إطار الأدب البحث، لا ضمن إطار الفلسفة المجرد؛ وضمن إطار الخيال المجنّح، لا ضمن إطار الواقع المحدَّد.
ولقد كان للحيز شأنٌ شريف في أخيلة قدماء الشعراء العرب حيث استرعى أخيلة شعراء أهل الجاهلية فكان له لديهم أهمَّيةٌ فبكَوْهُ من خلال بكاء آهِلِه، وأحبّوه ضمن حُبِّ قاطنه، وحزِنوا عليه عبر الحزن على مُزايله؛ فإذا الشعر الجاهليّ بعامة، والمعلّقات بخاصة؛ تعجّ بذكر الأحياز عجيجاً، وتلهج بسردها ومَوْقَعَتِها لهجاً. ولعلّ أشهر بيت في الأدب العربي على وجه الإطلاق وهو:
قفا نبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزِلِ

بِسقْطِ اللِّوى بين الدّخول فَحَومَلِ


قائمٌ نسْجُه على ذكر الأمكنة، والحنين إليها، والازدلاف منها، والبكاء عليها، وبالتلذّذ بتردادها: فقرِنَتْ الحبيبة الذاهبة بالحيز الباقي، وبُكِيَتْ الراحلة بالمكان الدارس، والرسم البالي. ففي هذا البيت الذي يكمّله صِنْوُهُ الذي يليه، تصادفنا سلسلة من الأحياز الشعرية كأنّ النّاصّ كان يحرص أشدّ الحرص على أن يحدّد لنا من خلالها دار حبيبته، وموطن حبه، ومَسْقَطَ ذكرياته -أو لم نجده يُمَوقِعُ دار هذه الحبيبة بهذا المكان الذي لاتعرف الجغرافيا عنه شيئاً يذكر- وهو سِقْط اللِّوى- وإن كان الشعر قد يعرف عنه شيئاً يذكر...؟ ثم ألم تَمَوْقَعْ هذه الدار بين أربعة أمكنةٍ أخراةٍ كيما تكون هي واسطة عِقْدِها، ومركَزَ مَواقِعِها...؟
إنّ الشاعر العربيّ القديم لم يكن قادراً على قيل الشعر خارج المكان الذي كان يملأ عليه نفسه وروحه، ولا بالتخيّل خارج حبل الحنين العارم الذي كان يشدّه إلى هذا المكان شدّاً؛ فكان المكان، بالقياس إليه، بمثابة المادّة الكريمة التي يستمدّ منها إلهامه؛ بينما كانت الحبيبة، التي تقطنه، ثم تحمّلت عنه وزايلته إلى غير إياب، هي ينبوع الإلهام الثّرّ الذي كان يستلهمه: فيجهش بالبكاء، وتتبجّس نفسه بالحنين، ويطلق لسانه في الوصف، ويرسل ذاكرته مع الزمن الذاهب، والعهد الغابر، ثم لا يزال ينسج على الذكرى، والبكى، والحنين، نسوجاً متفرّعة عنها تقوم في وصف الناقة التي بفضلها استطاع أن يَعُوجَ على حيز الذكرى، ويَمرَّ دار الحبيبة المتحمّلة. كما تقوم في وصف البقرة الوحشية التي كانت تذكّره عيناها بعينيها؛ وفي وصف الرئم الذي كان يذكّره بياضه ببياضها، وجيدُه بجيدها، ورشاقته برشاقتها.... فحتى ما قد يَبدو، لأول وهلة، منفصلاً عن ملحمة المكان، بعيداً عن مناسبته، هو في حقيقته مُنْطَلقٌ منه، صابٌّ فيه، مُفْضٍ إليه. فلولا الناقةُ لما استطاع الشاعر الجاهليّ أن يعوج على طلل الديار المُقْفِرَةِ. ولكن ما كان ليكون لهذه الناقة شأنٌ لو ضربت به في أقاصي الأرض الشاسعة دون المَعاجِ على ذلك المكان الذي لم يكن يتجانَفُ عنه؛ وإنه كان، فيما يبدو، يتعّمد الجنوح له، والمَيْل عليه.
ذلك، وقد ذهب جميل صليبا إلى أنه لا تمييز في المعنى بين المكان والحيز(3). والأسوأ من ذلك أنه ذكر لفظ (espace) مرادفاً للمكان في عنوان مقالته، ثم لم يلبث، من بعد ذلك، أن أطْلَقَ عليه "المحل" أيضاً، وكتب مُقابِلَه الفرنسيّ بين قوسين وهو (lieu): ليتضح المعنى في الذهن، وليتبدّد الغموض من العقل. ونحن لا نوافقه على ذلك:
1- لأننا نرى أن المكان لا ينبغي أن يكون مرادفاً للفظ الفرنسي (espace) والانجليزيّ (space) والإيطاليّ (spazio)؛ إذ لا أحد من عقلاء الأمم الغريبة يطلق (le lieu) على (L’espace) ولا ( L’espace) على المكان إن ( Lelieu ) ليس المحلّ بالمفهوم الضيق، وإنما هو المكان.
وقد ألفينا الشيخ يعقد مادة أخراة في معجمه، تماشياً مع معجمات الفلسفة العالمية، تحت عنوان: "الأين" ويترجمها أيضاً بـ (lieu)(4). بيد أنه يلْبِسُه، تارة أخراة، بالحيز. ولم نجده خصّ هذا المصطلح بمادة على حدةٍ، كما كنا رأينا، حيث تناوله تحت مصطلح "المكان" الذي يبدو أنّ مفهومه ظلّ يلتبس، في المقررات الفلسفية العربية، بالمحلّ والحيز التباساً شديداً على الرغم من وجود بعض الإشارات التي توحي، في مقررات الفلاسفة المسلمين، بجزئيّة الأين، وكلية المكان.
وكنّا نودّ لو أنّ مصطلح (espace) ترجم تحت مصطلح الحيز الذي نتعصب له وننضح عنه، ومصطلح (lieu) تحت مصطلح المكان. وكنّا نودّ لو أنهم دقّقوا في شأنه تدقيقاً صارماً في ضوء المفاهيم الفلسفية المعاصرة التي بلورت إلى حدّ بعيد. وبدون ذلك، وفي انتظار ذلك أيضاً، سيظلّ الالتباس شأننا، والخلط سيرتنا، في اصطناع هذه المفاهيم التي هي موجودة، أصلاً، في التراث الفكري العربي الإسلاميّ؛ وإنما الذي ينقصها هو التطوير والتدقيق، والتوسعة والبلورة.
وإذن، فإننا نعتقد بسوء الترجمة التي اجتهد فيها جميل صليبا فاتخذها مقابلاً للمصطلح الغربي (Espase).وقد نشأ عن هذا المنطلق الذي نعتقد أنه خاطئ، تصوّر خاطئ، والشيخ يعرف هذا حقّ المعرفة.
وفي هذه الحال، قد يكون مصطلح "الفضاء" حين يتخذه النقاد العرب المعاصرون مرادفاً لـ (l’espace): أهون شرّاً، وأخفّ ضرّاً، وإنما تردّدنا، نحن، في متابعة أولاء النقاد في اصطناع هذا المصطلح لما أحسسناه، من الوجهة الدلالية، من سعة معناه؛ فهو عامّ جداً. وإذا كان النقاد الغربيون يصطنعون مصطلح (l’espasce)، فلأنهم لا يريدون به حتماً إلى المكان، ولا إلى الفضاء بمعناه الشامل أيضاً؛ حيث كيّفوه فصرفوه في مصارف ضيقة فأفادوا من هذا الصرف. من أجل كلّ ذلك ترجمناه نحن بـ "الحيز" (5) لاعتقادنا بأنه بمقدار ما هو ضيّق الدلالة أو دقيقها حين ينصرف الشأن إلى معنى المكان؛ بمقدار ما هو أشدّ تسلطاً، وأقدر قدرة على التنّوع الدلاليّ الذي وضع له بحيث لا يمتنع في الغرب، كما لا يمتنع في دلالة الحيز، بالمعنى الذي نريده له، أن يتمطّط ويتمدّد، ويتشعّب ويتبدّد، ويتحرك نحو الوراء كما يمكنه أن يتحرك نحو الأمام، ويَصَّاعَدَ إزاء الأعلى كما يهوي إزاء الأدنى: ينكمش كما ينطلق، ويتقلّص كما يتطالل.
وقد تعامل الفلاسفة المسلمون، ولكن بشيء من الغموض الذي لايُنْكَر؛ فهو لدى ابن سينا مثلاً: "السطح الباطن من الجرْم الحاوي المماسّ للسطح الظاهر للجسم المَحّوِيّ" (6). فالمكان لدى ابن سينا إذاً: سطح يتفرع عن السطح الأصليّ (الظاهر) الذي يَظْرِفُ الجسم (ولعل الجسم هنا بالمفهوم الفيزيائي، لا بالمفهوم المعجميّ البسيط). فكأنّ المكان لديه جزء مِمَّنْ، أو ممّا، يتجزّأ في المكان. أو قل: هو بعضٌ أدنى، لكلّ أعلى؛ أو جزء باطن، لكلّ ظاهر. فالحيز لديه (وذلك إذا حقّ أن نمرق به عن المتصوّر في ذهن ابن سينا أصلاً) كأنه مجرد هيئة محدودة في المكان؛ فالمكان أعمّ منها وأشمل؛ فما قولك في الفضاء الذي زعمنا أنه أوسع سعةً في الدلالة من المكان. ولو ذهبنانتلطّف في قراءة تعريف ابن سينا للمكان لألفيناه يدنو به إلى أدنى مستواه الدلاليّ. وكأنه كان يريد به، في منظورنا، إلى الحيز فطفر في تعبيره المكان.
وأيّاً كان الشأن، فإنّ المكان لدى جميل صليبا هو الحيز نفسه بصريح عبارته (7). لا فرق بينهما و لاتمييز. ولا اختلاف في معناها ولا ابتعاد. هذا ذلك، وذلك هذا. فأيّما مفكّرٍ اصطنع الحيز فهو إنما يريد، أو يجب أن يريد، إلى معنى المكان. وأيّما ناقد استعمل المكان في كتابته، أو تفكيره، فهو إنما يريد غالباً إلى الحيز. وهذا أمر لانتفق معه عليه.
وإذا كان علماء الكلام كانوا يرون أنّ الحيز، أو المكان (ما دام الفلاسفة العرب المسلمون، فيما يبدو، لم يميزوا المكان من الحيز، ولا الحيز من المكان بدقّة معرفية صارمة) هو "الفراغ" المتوهّم الذي يشغله الجسم، وينفذ فيه أبعاده"(8)؛ فإننا نلاحظ على هذا التعريف:
1-أنهم يصطنعون "الفراغ المتوهم"، وكأنهم كانوا يؤمنون ببعض ذلك إلى أنّ الحيز لا يَرِدُ على الحقيقة؛ وإنما يَرِدُ على التخيّل والتوهُّم. وكأنه ينشأ عن هذا أنّ هذا التعريف أليق بالحيز كما نتمثله نحن في الأدب، منه بالفلسفة التي تنشد الدقة والإحاطة والصرامة والشمول الذي لا يغادر شيئاً ولا يتّركه إلاّ قرّره وناقشه.
2-إنّ هذا "الفراغ المتوهّم" يجب أن يضادّه "الفراغ المدرَك". فكان الأولى، في تصورنا، اصطناع هذا المصطلح الموصوف؛ إذ كان لفظ التوهّم، في اللغة العربية، منصرفاً لمعاني الغلط، وسوء الإدراك، والإغراق في السهو، والوقوع في التخيّل الشاحب أكثر مما هو منصرف إلى الدلالة والإدراك الدقيق (9).ولعلّ الآية على ذلك قول زهير:
فلأياً عرفْتُ الدارَ بعد تَوَهُّمِ*


حيث إن المعرفة والإدراك جاءا بعد معاناة التوهّم، ومكابدة التخيّل. وإذاً، فإنّا لا ندري كيف يَلْبِسُ هؤلاء المتكلمون التوهّم بالتحقّق، ومجرّد التخيّل بالإدراك الصارم؟
3-أنهم يربطون هيئة هذا الفراغ، وهو غير الحيز لدينا (إذ ما أكثر من يكون الحيز في تمثّلنا عامراً لا خاوياً، وممتلئاً لا فارغاً) بوجود جسم ما يشغله ويملؤه. فكأنّ المكان لديهم كلّ حيز مشغول بجسم متشِكّل فيه، ماثلٍ فوق سطحه.
على حين أنّ المكان لدى الحكماء الإشراقيين يتمثلونه "بعداً منقسماً في جميع الجهات، مساوياً للبعد الذي في الجسم، بحيث ينطبق أحدهما على الآخر، سارياً فيه بكلّيّته"(10).
ولا نحسب أنّ هذا التعريف يبتعد كثيراً في إجماله عن تعريف المتكلّمين؛ وإنما يختلف عن تعريفهم في تفصيله؛ إذ تصوّر الإشراقيين للمكان أنه يتساوى، ضرورة، بَعْدُهُ بالبُعْد الذي في الجسم. فكأنّ المكان لا تتجسّد كينونته إلاّ بالكائن فيه؛ فتساوي بُعْد المكان بالبعد الكائن فيه لا يعني إلاّ بعض ذلك.
والحق أَنّ هَذا التعريف لا يكاد يختلف عن التعريف الشائع في الفلسفة العامة (11)؛ وإنما المزعج في تمثّل الفلاسفة المسلمين هو عدم مَيْزِهِمُ المكان (lieu) من الحيز (espace) والحيز من المكان؛ مع أنهما مفهومان مختلفان في مقررات الفلسفة العامة؛ إذ كلّ منهما يذكر في بابه، لا في باب الآخر (12).
من أجل ذلك لا نحسبنا مغالطين حين كنا زعمنا أنّ المفكرين العرب بعامة، والمحدثين منهم بخاصة، لا يكادون يَميزون المكان من الحيز، ولا الحيز من المكان، ولا المكان من المحل، الذي قرر فيه جميل صليبا ما قرر حين كتب: "المكان الموضع، وجمعه أمكنة، وهو المحل (lieu) المحدد الذي يشغله الجسم" (13). بينما نلفيه يطلق لفظ "lieu" الفرنسي، في موطن آخر، على الأين، في معجمه (14): فبأيّ القولين أو الأقوال نعمل؟ وما هذا الخلط المبين؟
إنّ الحيز، لدينا، لا يرتبط وجوده ولا مثوله، ضرورة، بالجسم الذي يشغله؛ لأننا نعدّ هذا الجسم الذي يشغله في حد ذاته حيزاً قائماً بنفسه فيه؛ فالشجرة لدينا من حيث هي هيئة نباتيّة تتكوّن من جذع وأغصان وفروع وأوراق: حيز يشغل مكاناً (وهذا المكان يشغل فضاء، وهذا الفضاء يشغل كوناً) إلاّ أنّ المكان لايكون إلاّ بهذا الحيز. فالحيز متفرّع، في تصوّرنا، عن المكان. فالمكان أصل ثابت، قائمٌ، باقٍ، لأنه مستقرّ الكينونة ذاتها، ولأنه موئل للكائنات من حيث هي لا تستطيع أن تُفْلِتَ من قبضته: صغيرة أو كبيرة، عاقلة أو غير عاقلة. فكما أن المَقام (بفتح الميم) مستقرّ للقيام من حيث هو هيئة حيزية، فإنّ المكان مستقرّ للكيان من حيث هو؛ فلا كينونة إلا بمكان. ولا مكان إلاّ بكينونة. فهما متلازمان لا يفترقان. بينما الحيز مجرد هيئة تعرض عبر المكان ذاته. من أجل ذلك ألفينا أرسطوطاليس يقرر، منذ القدم، أنّ المكان لا يتحرك، وأنه محيط بالشيء الذي فيه، وأنه ليس بجزء مما يحتويه (15). وإذا كان المكان ثابتاً باقياً، فإنّ الحيز عارض ناشئ طارئٌ فانٍ؛ وهو قابل للتغير والتبدل، والتمظهر والتشكّل.
خذ لذلك مثلاً آخر الشخصية الروائية حين تتنقّل في حيزها من نقطة (1)، ثم تتوقف إما للاضطرار، وإما على سبيل الاختيار في نقطة (ب)، لتنتهي إلى نقطة (ج) حيث تقضي حاجتها، ثم تعود إلى نقطة (ا)، ولكن عن طريق نقطة(د)، لا عن طريق نقطة (ب): فإننا نعدّ حركتها هذه حيزاً متحركاً عبر المكان.
فنحن إذاً، وبنعمة الله، نختلف مع الفلاسفة المسلمين الذين يربطون وجود المكان بالجسم الذي يشغله، فالمكان لديهم غائب ومنعدم خارج شغل الجسم إياه. ذلك ما فهمناه من مضمون تعريفهم ومنطوقه أيضاً. كما نختلف مع النقاد العرب المعاصرين الذي لا نراهم يتعاملون، في الغالب، إلاّ مع المكان الجغرافيّ (في التحليلات المُنْجَزَةِ حول السرديات مثلاً). أما حين يَمْرُقون به عن هذا الإطار، ويتناولون به الشعر تحت مصطلح "الفضاء"، فإننا لم نُلْفِهِمِ، وذلك في حدود إلمامنا بكتاباتهم التي يكتبون، تناولوا مفهوم الفضاء، من حيث هو مصطلح كما أرادوه أن يكون، فعرّفوه، وبلوروا دلالته انطلاقاً من الدلالة المعجمية إلى الدلالة المُصْطلحاتيّة.
إن الحيز، كما نتصوره نحن، هو هيئة تتخذ لها أشكالاً مختلفة لا نهاية لتمثّلها: فتعرض لنا ناتئة ومقَعَّرةً، ومسطّحة، ومستقيمة، ومعوّجة، وعريضة، وطويلة؛ كما تمْثُلُ لنا في صورة خطوط، وأبعاد، وأحجام، وأوزان، دون أن ترتبط، بالضرورة، بما، أو بِمَنْ، فيها.
ذلك، وأنّ في البادية العربيّة، أو في الحيز العاري، أو في الحيز المفترض كذلك: قد نلفي كلّ شجرة ذات دلالة، وكلّ نبتة ذا معنى، وكلّ صخرة ذات شأن، وكلّ منعطف طريق ذا مغزى، وكلّ عين ماء ذات خبر، وكلّ كثيب رمل ذا خطر.... حيث الحيز، ضمن ذلك الفضاء المنساح، هناك، أساس العلاقات بين الناس، وأساس التفكير في معنى الوجود، بل أساس العبادات والازدلاف إلى الله...
ذلك بأنّ العرب كانوا يثوون بأرض براح، فلم يكن يحول بينهم وبين تلك الأحياز العارية في كثير منها، حائل، ولم يكن يحجز بينهم وبين تلك الأمكنة المتنوعة المناظر حاجز: فكانت ألصق بقلوبهم وأعلق بنفوسهم، وأمثل في أبصارهم وبصائرهم فلا تكاد تمحّي منها أو تزول. ذلك إلى ما كانوا يحيونه فيها، أو في بعضها على الأقلّ، من جميل الذكريات، وما كانوا يقضّونه فيها من معسول اللحظات...
وللأحياز في هذه المعلّقات السبع حقّ علينا أن نصنّفها، انطلاقاً من قراءتها، لنرى ما كان يربطها، وما كان يناسب بينها: إذ هناك أحياز دالّة على المياه، وأخراة دالّة على الطرقات والمسالك، كما نلفي أحيازاً دالّة على الروابي والجبال، وأخراة دالّة على التلدات وكثبان الرمال....
وليس غريباً أن يكون للحيز شأن أهمّ في حياة أولئك الأعراب البادين من الحيز لدينا نحن اليوم الذي أصبحوا يتنقّلون في المدن الكبرى بباطن الأرض، ويسافرون بين القارات، وربما بين المدن المتقاربة أو المتباعدة، في الجوّ..... فلم يعد للحيز، كما نرى، في حياتنا الروحية والعاطفية والاجتماعية ما كان له في أخيلة أولئك الشعراء وعواطفهم الجياشة، ومشاعرهم الفياضة.
وعلى الرغم من أنّ شعراء المعلّقات كثيراً ماكانوا يذكرون أماكن جغرافيّة لا تبرح معروفة إلى يومنا هذا مثل الحجاز، والعراق، ودمشق وقاصرين، واليمامة، وبعلبكّ، ونجد.....، وأماكن مقدّسة في الجاهليّة والإسلام مثل البيت الحرام، وأماكن مقدّسة في الجاهلية فقط إذ ترتبط بالطقوس الوثنيّة مثل صنم دوار: فإنّ الأغلبيّة الغالبة من الأمكنة الأخراة تنضوي تحت الحيز الشعريّ المحض.
ولقد بلغ عدد هذه الأمكنة في المعلّقات زهاء ثلاثة ومائة موزّعة خمسة وعشرين حيزاً في معلّقة امرئ القيس وحدها، وثلاثة وعشرين في معلّقة الحارث بن حلّزة، وتسعة عشر لدى لبيد، واثني عشر لدى زهير، وعشرة لدى عنترة وعمرو بن كلثوم، بينما لم يرد في معلّقة طرفة إلاّ أربعة أحياز فحسب.
ذلك، وأنّا لاحظنا أنّ هناك أحيازاً يشترك في ذكرها أكثر من معلقاتيّ واحد، مثل: وجرة: التي يشترك في ذكرها امرؤ القيس ولبيد،
وتوضح: الذي يشترك في ذكره امرؤ القيس ولبيد أيضاً.
والقنان: الذي يشترك في ذكره امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى (وورد لدى زهير مرتين اثنتين).
والمتثلّم: الذي ورد ذكره لدى زهير وعنترة.
وبرقة: التي وردت في معلّقتي الحارث بن حلّزة وطرفة بن العبد.
وخزازى: الذي اشترك في ذكرها، أو ذكره، الحارث بن حلّزة وعمرو بن كلثوم.
فهؤلاء المعلّقاتيّون يشتركون في ذكر أمكنة بأعيانها؛ ممّا يدلّ على وحدة الثقافة، ووحدة الخيال؛ كما يشتركون في ذكر أحياز كثيرة تختلف من معلّقاتيٍّ إلى آخر، إلاّ أنّ الاشتراك في ذكرها، والحرص على سردها: قد لايعني إلاّ شيئاً واحداً، من منظورنا الخاصّ على الأقلّ؛ وهو وحدة الخيال -كما أسلفنا القال- لديهم، ووحدة التقاليد الشعرية في ممارساتهم؛ وإلاّ فَلِمَ لم يَشُذَّ واحدٌ منهم عن البكاء على الديار، وعن النسيب بالنساء؟ وإذا كان عالي سرحان القرشي يذهب إلى انعدام وحدة الرؤية الفنيّة في المعلّقات السبع (16)؛ فإننا لا نذهب مذهبة، ولا نتقبّل رأيه الذي تدلّ بعض مقررات مقالته على ضده، وذلك حين يقرر، ضمنيّاً، وحدة الرؤية الفنية في المعلّقات السبع من حيث يقرر منطوقاً مغايرتها واختلافها إذ يقول:
"ولو نظرنا إلى كلّ قصيدة من المعلّقات على حدة، لوجدنا لكلّ معلّقة بناء مغايراً لبناء المعلّقة الأخرى، حتى وأن تشابهت في بعض الجزئيّات مع المعلّقات الأخرى" (17).
وإنّا لنختلف معه، لأنّنا كنّا حاولنا إثبات الوحدة الفنيّة والبنوية (ولا نقول البنائيّة لأنّ البناء عامّ، والبنية خاصة. والغربيّون يَمِيزُونَ هذا من ذلك مَيْزاً كبيراً....) في المقالة التي وقفناها، ضمن هذا البحث، على بنية الطلليّات المعلّقاتيّة....
ولا ينبغي أن يُنْظَرَ إلى مسألة اختلاف بنية المعلّقات نظرة سطحيّة، أو عجلى؛ إذ لو جئنا نتابع اللغة الفنيّة، أو حتى اللغة في مستواها المعجميّ البَحْت؛ لألفينا أولاء المعلقاتيين يلتقون التقاء عجيباً في اصطناع اللغة الشعرية (18)، وفي لغة الوصف، وفي لغة الألوان، وفي الإيلاع الشديد بذكر مواطن الماء
(وقد أومأ إلى بعض الأستاذ سرحان نفسه، وإن لم يذكره في السياق الذي نودّ نحن ذكره فيه)، وفي الكَلَف الشديد بذكر الأحياز المتفِقَةِ الأسامي، أو المتشابهتها، وفي الإيقاع الشعريّ (أربع معلّقات وردت على إيقاع الطويل مثلاً)(19). يضاف إلى كلّ ذلك المضمون الحضاريّ العامّ: الطلل -المرأة -الناقة- الفرس- البقرة الوحشيّة- الظبي والرئم- النعامة....
فلا معلّقاتيّ يختلف عن الآخر إلاّ بما حبته به الطبيعة من تفرّد ذاتيّ ضيّق، أمّا البناء الفنيّ العامّ للقصيدة الجاهليّة بعامة، والقصيدة المعلّقة بخاصة؛ فإنه كان متشابهاً متقارباً، يكاد يغترف من ثقافة شعريّة واحدة، ويكاد يصف بيئة اجتماعية، وجغرافية أيضاً، واحدة. فقد كانت، إذن، مواقفهم، وأحداثهم، ومشاهدهم، وصورهم، ومعانيهم، وتعابيرهم، وتجاربهم، وتقاليدهم، ورؤيتهم إلى العالم، وإدراكهم للكون: تَتَشاكَهُ تشَاكُهاً يوحي بصدور هذا الأدب عن عقل متّحد، وفكر جماعيّ ذي مصدر متشابه. ذلك بأنّ المعاني والصور والتعابير والتراكيب تبدو أناشيد جماعيّة "أبدعها عقل الأمة، ونظمها ضميرها" (20).
إنّ المعلّقات تنهض على بنية ثلاثيّة، كما كنّا عالجنا ذلك بتفصيل في المقالة السابقة، تتمثّل خصوصاً في الطلل، والمرأة، ثم: إمّا في الناقة، وأما في الفرس، وأما في مضمون آخر: فهناك إذن: ا+ب: وهما عنصران -ربما- لايخطئان حتّى معلّقة عمرو بن كلثوم التي استثناها الأستاذ القرشي.... فهما إذن عنصران ثابتان، ثم ترى الشاعر المعلقاتي يثّلث بمضون قد يتفق فيه مع سَوائِهِ (الناقة: طرفة- لبيد- عنترة، والفرس: امرؤ القيس- عنترة- وربما عمرو بن كلثوم، والحرب: زهير- الحارث بن حلّزة- عمرو بن كلثوم)....
وأمّا مسألة شذوذ عمرو بن كلثوم في أنه لم يذكر الطلل، فإننا نعتقد أنّ هذا الاستثناء يقوم إذا تابعنا الترتيب الوارد لدى الزوزنيّ لهذه المعلّقة التي نعتقد أنّ ترتيبها يحتاج إلى إعادة ترتيب.... ذلك بأنّا نعتقد أن المطلع الحقيقيّ لهذه المعلّقة هو:
قفي قبل التفرق يا ظعينا

نُخَبِّرْك الِيقينا وتُخْبِرينَا

قفي نسألْكِ هل أحدثْتِ صَرْماً

لِوَشْكِ البَيْنِ أم خُنْتِ الأَمينا؟


ليأتي من بعد ذلك:
ألا هُبّي بصحنِكِ فاصْبَحينا

ولا تُبْقي خُمور الأندرينا


ليأتي:
وأنّا سوف تدركنا المَنايا

مقدّرةً لنا ومُقَدَّرينَا


قبل:
بيوم كريهة ضربا وطعنا

أقَرَّ به مواليك العيونا


فتكون بنيةُ هذه المعلّقة قائمةً على التزام الوقوف على الطلل مضموناً يدلّ عليه منطوقه:
قفي قبل التفرّق يا ظعينا

نُخَبِّركِ اليقينا وتُخبْرِينا


فهذه المرأة كانت ظاعنة لا مستقرّة، أزمعت الفراق، وآذنته بالبين، فتحمّلت في خدرها، عن حيّها.... فامرؤ القيس يتحدث عن البين:
كأنّي غداة البين يوم تحملّوا

لدى سَمُراتِ الحيّ ناقفُ حنظل


وعمرو بن كلثوم يتحدث عن وشك هذا البين:
لو شك البين أم خنتِ الأمينا؟


يوم ركبت الحبيبة ناقتها، وأزمعت التّظعان، وهمّت بالتَّزيالِ: فأين البَوْنُ، في هذا البين؟ شاعر جعل البين في الماضي فسرد وحكى، وشاعر آخر جعله في الحاضر فتساءل واستخبر أحدهما يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل


وأحدهما الآخر يقول:
قفي قبل التفرق يا ظعينا:


الوقوف، والبين، والكشح، والمتن، وطول القامة، والساقان... فأين البَوْنُ، تارة أخراة؟ وعلى الرغم من أنّ الناس سيعترضون على هذا الترتيب الجديد الذي اقترحنا إجراءه على معلّقة عمرو بن كلثوم، وأن المطلع الذي جاءت عليه لدى الأقدمين هو المطلع الصحيح؛ فإننا لا نرى حلاًّ لهذه المسألة الفنية -إلحاق معلّقة عمرو بن كلثوم بمجموعة المعلّقات- غير إجراء هذا التغيير على ترتيبها... ولعلّ حجتنا في ذلك أنّ كافّة المعلّقاتيّين ممّن تحدثوا عن الخمر، مثل عنترة وطرفة، لم يبدأوا معلّقاتهم بالحديث عن الخمر، وإنما بدأوها بالحديث عن الطلل والمرأة، فكيف يشذّ عنهم عمرو بن كلثوم، والحال أنّ شعره الذي اقترحناه مطلعاً لمعلّقته وارد فيها؟ ألا يكون ذلك مجرد اضطراب وقع في الترتيب؟ وإلاّ فإنّ هذا الشعر أسهل ألفاظاً من أن يكون جاهليّاً!....
وأيّاً كان الشأن، فإنّ الثقافة الشعريّة واحدة لدى المعلّقاتين، حتى فيما قد يبدو لنا مختلفاً، فلا يمكن فهم معلقّة امرئ القيس إِلاّ في صَبِّهَا في الخضمّ الشعريّ المعلّقاتيّ العامّ؛ كما لا يمكن فهم زهير في تأملاته إلاّ بقرن شعره ببعض شعر طرفة، ولا فهم معلّقة الحارث بن حلّزة إلاّ في الإطار التاريخي والقَبَليّ للسياق الذي وردتْ فيه معلقة عمرو بن كلثوم، وهلمّ جرا...
فالمعلّقات مدرسة شعريّة، ولا ينبغي أن تُدْرَسَ إلاّ ضمن هذا المنظور الفنيّ، وضمن وحدة التصور لدى المعلقّاتيّين؛ إذ كانت تضطرب في مُضْطَربٍ حيزيّ واحد، وتَدْرُجُ ضِمْنَ وحدةٍ زمنيةٍ واحدة أيضاً. فمعظم هذه المعلّقات قيل في قرن واحد، وفي بلاد العرب، فكيف يمكنُ مدارَسَتُها منفصلة عن بعضها بعض، والتماس مواطن الاختلاف بينها على أساس تفرّدٍ غير واردٍ، وتميّز غيرِ ماثلٍ. إنّ كلّ ما في الأمر أنّ المعلّقاتيّ قد يختلف عن الآخر في تفاصيل بعض المضامين المتناولة كتفرّد امرئ القيس بوصف الليل، وتفرّد لبيد بوصف البقرة الوحشية... ولكنّ الاختلاف الفنيّ لا ينبغي أن يُلْتَمَسَ في مثل هذه التفاصيل المضمونيّة، ولكن يلتمس في مستوى البنية العامة للمعلّقة التي تظلّ، في رأينا، هي هي: لدى هؤلاء مثل لدى أولئك، في معظم تماثلاتها الفنية.... وفيما يلي نحاول متابعة الأحياز وأنواعها التي وردت في المعلقات.
أولاً: الحيز المائل:
لقد صادفتْنا أحياز كثيرة تضطرب في الماء- كما سيستبين ذلك بالتفصيل في المقالة التالية من هذا البحث- أو تحيل على ماء، وتركض في سائل، أو توحي بمثولها فيما له دلالة على هذا السائل. ونحن حين ندارس الحيز لا نريد أن نحلّله على ظاهره، ونمضي عنه عِجَالاً؛ ولكننا نريد أن نتوقف لديه توقّفا، ونسائله مُساءَلَةً، ونَلوُصه على ما رَسَمْنا نحن في ذهننا من تأويليّة القراءة الأدبيّة التي هي حقّ أدبيّ مشروع للناقد إلى يوم القيامة.
فنحن حين نقرأ، كما يذهب إلى بعض ذلك امبرتوايكو(21)، لا ينبغي، وبالضرورة الحتميّة، أن نهتدي السبيلَ إلى ما كان يريد إليه الناصّ من نصّه؛ فإنما الذي يزعم شيئاً من ذلك هو، حتماً، مكابِرٌ أو مغالط؛ ولكننا، إذن، نقرأ النص على أساس ما نريده له نَحْن... بيد أنّ ذلك لا ينبغي له أن يكون خارج سياقه، ولا بعيداً عن إطار مضمونه...
ولولا أن لكلّ شيء حدّاً، وما جاوز الحدّ انقلب إلى سوء الضدّ؛ لَكُنَّا أَقدمنا على إِملاء مجلّد كامل في أنواع الحيز في المعلّقات... ومن أجل أن لا نقع في بعض ذلك، سنجتزئ بالتوقّف لدى نَماذِجَ قليلةٍ من أصناف
هذا الحيز لِنَذَرَ لِمَنْ شاء أن ينسج على نهجنا المجال مفتوحاً...
* ولا سيّما يوم بدارة جلجل:
لقد ذهب الأقدمون، ومنهم ابن قتيبة(22)، والقرشي(23) إلى أنّ دارة جلجل غدير ماء كان يقع"بين شعبى وبين حسلات، وبين وادي المياه، وبين البردان -وهي دار الضباب- ممّا يواجه نخيل بني فزارة... وفي كتاب جزيرة العرب للأصمعي: دارة جلجل من منازل حجر الكندي بنجد" (24). ويبدو أنّ الناس كانوا يستحمّون فيه، وكانوا، فيما يبدو، يوردون إبلهم وأنعامهم فيه. وربما كانت العذارى يُيَمِمّنَه لينغمسن فيه، ويستمتعن بمائه تحت وهج شمس نجد، وَكُلْبة حرارتها، وأوج حمارتّها.
ونحن لم نر حكاية أدنى إلى المشاهد السينمائيّة منها بالحقيقة من حكاية دارة جلجل. فهي كما رواها الفرزدق عن جده -وهي الرواية الوحيدة التي ترددت في المصادر القديمة(25)- لا تخلو من تناقض:
فالأولى: كيف يحقّ لامرئ القيس، هذا الفتى الذي كان موصوفاً، أو كان يصف نفسه، بالإباحيّة والمجون أن يفضح سرباً من حسناوات الحيّ فيهِنَّ ابنةُ عمه فاطمة؟ وهل كان العربيّ يسمح بأن يهان شرفه إلى هذا الحدّ؟ وهل قتل عمرو بن كلثوم عمرو بن هند إِلاّ لأَنَّ أمه أرادَتْ أن تصطنع ليلى-أم عمرو بن كلثوم- حين التمست منها مناولتها الطبق(26)؟ فكيف يجرؤ العربيّ على قتل ملك همام من أجل هذه الحادثة، ولا يقتل حين تعرّى أخته أو حليلته أو ابنته اغتصاباً، وتهان في شرفها، والشمس متوهّجة، والنهار في ضحاه!؟
أَيْما ما قد يعترض به علينا مُعْتَرِضٌ -ولو على وجه الافتراض والتوقع- من أنّ امرأ القيس كان أميراً، ولم يكن أحد بقادر على أن يعرض له بسوء؛ فإننا نعترض عليه، كما اعْتُرِضَ علينا على سبيل الافتراض على الأقلّ، بأنّ إمارته لم تكن بقادرة على أن تشفع له في أن يفعل ذلك؛ وأنّ إمارته، على كلّ حال، كانت نسبيّة، كما كانت ملكيّة أبيه على بني أسد نسبية أيضاً؛ إذ لم يكن أبوه، في تمثّلنا، أكثر من شيخ قبيلة في حقيقة الأمر؛ وإلاّ فأين آثار مملكته، ومخلّفات حضارته؟ ثم من كان أعزّ نفراً، وأحدُّ شوْكاً، وأرفع قدراً: عمرو بن هند ملك الحيرة أم الملك الضلّيل؟
وإذن، فالضعف الأوّل يأتي إلى هذه الحكاية من هذه الناحية.
والثانية: كيف يتفرّد النساء هذا التفرّد بالمسير فلا يخبر بشأنهنّ عبد، ولا تشي بأمرهنّ أمة:
يتخلّفن وجهاً كاملاً من النهار دون أن يقلق على مصيرهنّ رجالهنّ فيسألوا عنهنّ...؟
والثالثة: كيف تتحدث حكاية دارة جلجل عن العبيد الذين جمعوا الحطب، وأجّجوا النار، فكان امرؤ القيس"ينبذ إلى الخدم منذلك الكباب(المتّخذ من لحم المطيّة المذبوحة للعذارى) حتى شبعوا"(27)؟ وهل كان الشَّيءُّ للحِسَانِ، أم للإماء والغلمان؟ ثمّ كيف تسكت الحكاية و عن ذكر أيّ أنيس من الرجال، لدى إِرادة انغماس الفتيات في ماء الغدير، ولدى إصرار امرئ القيس على أن لا يسلّم أياً منهنّ ملابسها إِلاّ إذا ما خرجت من ماء الغدير عارية، واستعرضت جسدها أمامه مقبلة ومدبرة، وكما ولدتها أمها!.. ثمّ فجأة يظهر العبيد حين يقرر الشاعر نحر مطيّته للنساء؟ ألم يكن ظهور هؤلاء العبيد لمجرد غاية فنيّة، لا من أجل غاية واقعيّة حتّى تجنّب الحكاية امرأ القيس تكلّف جمع الحطب على أساس أنه سيّد أمير، وتجنّب، في الوقت ذاته، أولئك النساء اللواتي كنّ يصطحبن فاطمة ابنة عمّ امرئ القيس على أساس أنهنّ سيدات عقيلات، لأنهنّ رفيقات ابنة عمّ الأمير المزعوم؟ (وإن كنّا ألفينا رواية ابن قتيبة تومئ إلى وجود عبيد كانوا مع النساء، ولكن كيف ظلّ دور العبيد منعدماً على هذا النحو....؟)
والرابعة:إنّ مطلع الحكاية يوحي بأنّ أولئك النساء كنّ مسافرات إلى حيّ آخر من ذلك الوجه من الأرض، على حين أنّ آخرها يوحي بأنهنّ أُبْنَ إلى حيّهنّ، وأن سفرهنّ لم يتمّ، وأن الرحلة لم تحدث، وأنهنّ لم يعدن إلى حيّهنّ حتى جَنَّهُنَّ، والشاعِرَ، الليلَ(27): فما هذا الخلط العجيب، والتناقض المريب؟
والأخراة، إنّ أبا زيد محمد بن أبي الخطاب القرشيّ يذهب إلى أنّ صاحبة دارة جلجل هي فاطمة ابنة عمّ امرئ القيس(28)، بينما يذهب ابن قتيبة إلى أنها فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة ابن عامر العذرية(29)، على حين أنه كان يعدّ عنيزة"هي صاحبة دارة جلجل" (30). وإنما يدلّ هذا الخلط، وسوء الضبط، على شكّ في الصحّة، وريبة في الرواية: لذهاب الرجال، وانقطاع الزمان، وخيانة الذاكرة، وفساد الرواية.
وعلى أننا لا نريد أن نذهب إلى أبعد الحدود في البرهنة على أدبيّة هذه الحكاية وخياليّتها، وأنّ مسألة دارة جلجل مجرد حكاية جميلة إن وقع بعضها على نحو ما، فإنّ باقي ما ذكر من تفاصيلها لا يمكن لعاقل أن يصدّقه بِجَذاميره، ولا أن يتقبّله بحذافيره.
ونعمد الآن إلى تحليل بعض هذا الحيز المائيّ، ليس على أساس ما نعتقد من أسطوريتّه، ولكن على أساس ما اعتقد الناس من صدق واقعيّته. والحق أننا، بعدُ، شَرَعْنَا في بعض هذا التحليل حين حاولنا تناول الخلفيّة التاريخيّة، والأسس التاريخانِيّة، لا التاريخيّة، لهذه الحكاية الجميلة وحيزها البديع.
1. إننا نلاحظ أنّ النساء اللائي تعاملن مع هذا الحيز المائيّ الجميل لم يكنّ عجاِئَز شُمْطاً، ولا هِرَماتٍ شُعْثاً؛ ولكنّهنّ كنّ حِساناً رائعاتِ الجمال، باديات الدلال، نحيلات الخصور، طويلات القدود، سوداوات العيون، مشرقات الثغور، منسدلات الشعور.
2. إنهنّ كنّ مخدومات منعَّماتٍ، وثريّات مُوسِرَاتٍ، وإلى بعض ذلك أومأتْ رواية ابن قتيبة إِذْ ذكرت أنّ أولاء الفتيات"نزلن في الغدير، ونحّين العبيد، ثم تجردّن فوقعن فيه"(31).
3. لعل من الحقّ لنا أن نتمثّل هذا الغدير فنتصوره بمثابة مسبح صافٍ ماؤُه، أزرق لونه، وأنه، من أجل ذلك، لم يك حِمْئاً ولا مَوْحَلاً: تسوخ فيه الأقدام، ويتحرّك الماءُ والطين فيه فتتّسخ له الأجساد إذا غطست... بل كان إذن حيزاً مائِياً غيرَ ذلك شأناً؛ وإلاّ لَمَا أمكن للنساء السَّبْحُ فيه، والاستمتاع بمائه.
4. ولنا أن نتمثل ما كان يحيط بهذا الحيز المائيّ من أشجار، ونباتات؛ وما كان يكيّف به الهواء الصادر عنه، والذي يفترض أنه كان رطيباً. ولنا أن نتمثّل ما كان يجاور هذا الغدير أيضاً، وهو حيز مقعّر حتماً؛ وأنه كان مرتفعاً عنه قليلاً أو كثيراً. ولنا أن نتمثّل الطرقات والثَّنِيَّاتِ التي كانت تُفضي إليه، أو تُفْضي منه. ولنا أن نتمثّل أسراب النساء الأخريات، في غير ذلك اليوم الذي حدث فيه للشاعر ما حدث مع العذارى، واللائي كنّ ييمّمنه للتنزه والاستحمام؛ ولنا أن نتمثّل الإماء اللواتي كنّ يقصدنه ليغسلن على ضفافه الملابس والفرش، وكل ما يغسل وينظّف...
5. إنّ أيُّ مدفع للماء، غديراً كان أمْ بِئْراً، أم نَهْراً، أم عَيْناً، أم ساقية، أم سربّا: يكون مَظَنَّةً للحياة الناعمة، والخصب الضافي، والعمران القائم. فكأنّ دارة جلجل كانت هي الغدير الذي كان يستقي منه الحَيُّ لإِرْواءِ الأنعام، وغالباً ما كانوا يشربون هم أيضاً منه؛ وكلّ ما في الأمر أنهم كانوا يُمْهِلُوَن الجِرارَ حتى ترْسُب حَمْأَتُها، ويَقَرُّ في القَعْرَةِ طِينُها، ليصْفُوَ الماءُ وبَرِقَّ؛ فيشرَبوه مَرِيئاً.
فلم يكن هذا الحيز، إذن، منقطعاً عن الحياة الاجتماعية والحضاريّة للحيّ الذي كانت العذارى تَقْطُنُهُ؛ وإِنما كانت حكاية العُرْي مجرَّدَ مظهرٍ شعريّ غذاه الخيال الشعبيّ المكبوت فسار بين الناس على ما أراد ذلك الخيال؛ فأضاف إليه ما لم يكن فيه، حتى يتلاءم مع ما كانوا يودّون أن يكون الأمر عليه: فتسير به ركبانهم، وتتحدث به وِلْدانُهم. ولنلاحظْ أن حكاية العُرْي تفرّد بذكرها الفرزدق رواية عن جده، وأنها دوّنت، لأول مرة، بعد منتصف القرن الثاني الهجري؛ فكأنها دوّنت بعد عهد امرئ القيس بأكثر من قرنين اثنين.
ولا يذر امرؤ القيس، في حقيقة الأمر، شيئاً عن هذا المشهد الذي لم يكن يمنعه من ذكره لادين وقد كان وثنيّاً، ولا خوف وقد كان أميراً عزيزاً، ولا مروءة وقد كان، فيما تزعم الرواة، عاهراً زانياً(32). فما منعه من أن يفصّل القول في حادثة في هذا الحيز المائيّ الجميل، فيذكر هو ما ذكرت الرواة؟ وهل كان عَييّاً بَكِيّاً غيرَ مبينٍ،. وهو الشاعر العملاق، والفصيح المِهْذَار، واللسِنُ المِكْثار؟ وإِنما اجتزأ هو بذكر عقره مطّيته للعذارى، ولم يقل أكثر من ذلك، ولم يتحدّث عن العُرْي لا تَكْنيَةً ولا تصريحاً... أفلا تكون مسألة العُرْي حكايةً لفقها الرواة؟
6. وإذا سلّمنا بصحّة هذه الحكاية، وما علينا أن نكون سذَّجاً؛ فإنّ هذا الحيّز يغتدى عجيباً مثيراً: غديرَ ماءٍ مكتظّ بأجسام الفتيات العاريات، وفتىً قريباً منهنّ في اليابسة، جاثِماً على ملابسهنّ وهو ينظر إلى عوراتهنّ المغلّظة في شَبَقٍ شديد، ثمّ يستحيل المشهد العاري العامّ إلى مشاهِدِ عُرْيٍ جُزْئِيَّةٍ تمثل في ثُنائِيَّةِ الحركة التي تُحْدثها الفتاة وهي تخرج من الغدير عارية وحركة الرجل وهو يسلّمها ثيابّها، أو أنها هي نفسها تنحني على ثيابها لتأخذها لتستر بها جسدها والفتى ينظر ويتلّهّى: لا هو يخاف، ولا هو يستحي، ولا هو يرعوي!.. إنه مشهد على ما فيه مِنْ فعل الاغتفاص والاغتصاب- من الوجهة الأخلاقية والوجهة القانونيّة أيضاً؛ فإِنه من الوجهة الخياليّة لو وقع في أدب الغرْب لكانوا ملأوا به الدنيا وأقعدوها، ولكانوا صوّروه ألف تصوير، ولكانوا أخرجوه في تمثيلهم ألف إِخراج...
7. من غير الممكن أن لا نتمثّل في وهمنا حيز هذا الغدير الذي كان مسبحاً لأولئك العذارى... ونحن، مع ذلك، لا نستطيع، ولو أردنا وأصرَرْنا، أن نتمثّل حيّزه على وجه الدقّة: لغياب النصوص، وانعدام الوثائق، وغفلة الرجال، وشحّ الأخبار. بيد أنّ ذلك ما كان ليحظرنا من أن نساءل ولكن على أن لا نجيب، وقد يُلْتَمَسُ الجواب في إحدى المساءلات نفسها: فكيف كان، إِذن، شكل هذا الغدير(33)؟ وكم كان حجم مساحته؟ وهل كان مستطيلاً، أو مربّعاً، أو دائرياً، أو على شكل آخر من الأشكال الهندسيّة؟ وهل يمكن أن نفترض أنه لم يكن صغيراً جداً فلا يجاوز حجم شكل العين، ولا كبيراً جداً فيبلغ حجم البحيرة؟ ولكنّ ذلك كلّه لا يظاهرنا على أن نحدّد شكل هذا الغدير/ الأسطورة، ولا مساحته؛ وإنما تُتْرَكُ ملكة الإدراك، وطاقة التخيّل، مفتوحتين على كلّ احتمال، وتحت كل تأويل. فالقراءة الحيزيّة، من هذا المنظور بالذات، يجب أن تظلّ مفتوحة...
8. وعلينا أن نتمثل وجهاً آخر لهذا الحيز المائيّ: وهو سطحه حين تشرق عليه الشمس صباحاً، وسطحه حين توشك أن تغرب عنه مساء، وحين يداعبه النسيم الرُّخاءُ، وحين تعصف عليه السافِيَات... فسطحه تراه يتغير ويتشكل ويتبدل تبعاً لطبيعة الشمس، وشكل مائه يتغيّر تبعاً لحركة النسيم العليل فيتحرك السطح قليلاً قليلاً، أو لعصف السوافي فيتحرك السطح بعنف واغتفاص شديدين؛ فتراه متخذاً له تموّجات تحددها الاتجاهات الأربعة-المفترضة- للرياح العاصفة. فإن كانت الريح إنما تهبّ من جهات مختلفة، وهي التي تسميّها العرب المتناوِحَة، اتّخذ هذا الحيز المائيّ له شكلاً آخر...
9. ومن حقّنا أن نتساءل-وما لنا لا نتساءل؟- عن أشكال ضفاف هذا الغدير، فتبعاً لهذه الأشكال، تتحدّد الأحياز التي تحيط به. ونحن نفترض أن تكون جهة واحدة من هذه الضفاف، على الأقلّ، أعلى من الجهات الأخرى، وإلاّ فمن أين كانت هذه الأمواه تتجمع حتى تشكّل غديراً صالحاً لأن يسبح فيه الناس؟
وقد كِلفَتْ معلقة امرئ القيس بذكر الأحياز المائيّة كما نلاحظ ذلك في المجازات التالية:
- على قطن بالشيم أيمن صَوْبِهِ(أي مطره)
- كأنّ مكاكيّ الجِوَاءِ غُدّيَّةً(لا يمكن أن تتجمّع الطيْرُ إلاّ في جِوَاءٍ، أي وَادٍ، فيه ماء وخضرة...)
- ومرّ على القَنانِ من نَفَيَانِه(ممّا تطاير من قَطْرِ مائه)
- فأضحى يَسُحُّ الماءَ حول كُتَيْفَةٍ
- يكبّ على الأذقانِ دَوْحَ الكَنَهْبِلِ(استطاع السيل الجارف أن يجتثَّ الدوح)
- كأنّ السِبْاع فيه غَرْقَى عَشيَّةً(لا يكون الغرَق إلاّ في الماء، والمقصود هنا: انغمارُها، وغطْسُها)
- كأنّ ثبيراً في عرانينِ وبْلِهِ
كأنّ ذُرَى رِأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً

من السيل والأَغْثَاءِ فلْكَهُ مغْزِلِ


- غذاها نَمِيرُ الماء غير المُحَلَّلِ...

وإذا كانت الخطّة التي رسمناها في هذا العمل لا تسمح لنا بأن نحلّل هذه الأحياز المرقسيّة كلها، بعد أن كنّا توقّفنا، طويلاً، لدى حيز مائيّ واحد وهو غدير دارة جلجل؛ فإِنَّ ذلك، مع ذلك، ما كان ليحول بيننا وبين أن نلاحظ أنّ ما لا يقلّ عن تسعة أحياز أخراة، كما رأينا، تنطلق من ماء، أو تُحيل على ماء. ولكنْ غالباً ما كان الشأن ينصرف إلى أمواه المطر والسيول وما يضطرب حَوالَها...
ولا نحسب أنّ الإيلاعَ بوصف المطر، في معلّقة امرئ القيس، والتلذّذ بذكر الماء، والتبدّع في وصف السيول والأغثاء التي تجترفها: كان وارِداً على سبيل الاتفاق والعفويّة، ولكنّ ذلك كان، في منظورنا؛ لأنّ العرب كانوا يحبّون الماء، فكانوا يَدْعُوَن لِمَنْ يُحِبّون بالسقْيا، وكانوا يتسقّطون مواطن المطر، ويتتبّعون مهاطله، ويرتعون النبات الذي ما كان لينبت إلاّ بوابل المطر، أو طَلِّهِ... من أجل ذلك تصرفّوا في أسامي درجات هذا المطر فإذا هو غيث، ورَذاذ، وجَدىً، ووابِلُ، وطَلٌّ، ووَسْمِيٌّ، وَوَليٌّ(34)، وحَيَا، وسَحاب، وسَمَاء، وشُؤبْوب، وهلمّ جرا...
والآية على العناية الشديدة التي كان يوليها العربيّ للخصب والماء، أنّ الحياة نفسها، في اللغة العربية، وارادة في تركيب الحَيَا والْحَيَاءِ، وهما المطر. فكأنّ الحياء يحيل على الحياة، وكأن الحياة تحيل على الحياء؛ لأن الحياة لا يجوز لها أن تقوم خارج كيان الماء...
******
وتصادفنا ظاهرة العناية بالصور المائية، أي بالصور الشعريّة التي تضطرب أحداثها في الماء، أو حواله، في معلّقة لبيد أيضاً. وقد تردّدت هذه الصور المائيّة، أو المضطربة في الحيز المائيّ أو السائل، سبع مرات على الأقلّ لدى لبيد.
والحقّ أنّنا وقعنا في حيرة من أمرنا حين أزمعنا على تحليل نموذج من الحيز المائيّ لدى لبيد، كما كنّا جئنا ذلك لدى امرئ القيس؛ إذ لولا صرامة متطلّبات المنهج المرسوم لكنّا قرأنا كلّ هذه الصور المائية الفائقة الجمال في هذا الشعر اللبيديّ العذريّ... ولكن لا مناص من الاجتزاء بوقفة واحدة، حول نموذج واحد من الحيز المائيّ لدى لبيد؛ فَأَسَفاً وعُذْراً.
وجلا السُّيولُ عن الطلولِ كأَنها

زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَها أَقْلاَمُها


لقد كنّا حلّلنا حيز امرئ القيس المتمثل في غدير دارة جلجل، فتوقفنا، طويلاً، لدى شكله وموقعه، وما قد يحيط به، وما قد يتأثر به، وما قد يؤثّر فيه، وما قد كان حَوالَهُ من النعمة والنعيم، والرغد والجمال.
وأمّا هنا، ولدى لبيد، فالحيز المائي لم يعد يرى في هذه الصور الحيزيّة؛ إذْ كان غدير دارة جلجل إنما كان ثمرة من ثمرات تجمّع ماء المطر في حيز مقعّر بعينه؛ فإنّ السيول التي صنعت الحيز لدى لبيد لا نراها، ولكننا نرى آثارَها. لقد أصابت الأمطار هذا الحيز، وهذا الوجه من الأرض فخدّدت سَطْحَه، ووسَمَتْ وَجْهَه فبدا منه ما كان خافياً، وظهر ما كان مستتراً متوارياً؛ ومن ذلكم تلك الطلول التي كانت الرمال نسجت عليها كُثباناً حتى وارَتْها؛ فكان المارُّ ربما مَرَّها فاعتقد أنها كثبانٌ ليس تحتها بقايا حياةٍ، وأنقاض حضارة، وآثار مجتمع... حتى جاءت هذه السيول، فلم تبرح تُلِحّ عليها بالجَرْفِ حتى انجرفت، فبدت خدودٌ هنا، وخدود هناك، وبدا معها بقايا الديار المقفرة: أثافِيّها ونُؤيِها، ومَحَلِّها ومُقَامِها؛ فخَزِنَ لذلك غَوْلُها فِرجَامُها، كما حزن لذلك مَدافِعُ الرَّيَّانِ حين عُرّبَتْ رُسومها، فاغتدت كشكل الكتابة على الصخور...
كانت الطلول مدفونة تحت الرمال، جاثمة تحت التراب، فكانت الذكريات معها مدفونةً، فكانت القلوب من حبّها مشحونة. لقد كانت مغبّرَّة، مُرَمَّلَة، مُتَرّبةً، لا تكاد تبدو للعين؛ فلمّا أصابتْها هذه السيول الجارفة، والناشئة عن هذه الشآبيب الهاطلة؛ لمَّعَتْها فاغتدت كباقي الوشم في ظاهر اليد، وأظهرتها فأمست كلوحة مكتوبة تجدد مَتْنَها أقلامُها بالكتابة فلا تمَّحِى ولا تزول...
1. نلاحظ أنّ لبيداً يصطنع، في هذه اللوحة الحيزيّة، وسيلةً حضاريّة لم تبرح تشعّ بالنور على الإنسانية، وهي الكتابة. فحيزه يمتزج بآثار المطر الهاتن المفضي إلى تمثّل الزَّبْر الماثل. فهل كانت الكتابة شائعةً على النحو الذي يذكره لبيد بحيث كانت الألواح، وكانت المكتوبات عليها، أم إنما كان يومئ إلى مجرد الحفريّات المنقوشة على الصخور والأحجار، والتي يُفَترضُ أن لبيداً، وعامّةَ المستنيرين في عهود ما قبل الإسلام كانوا يلمّون بها فيتمثّلونها في أنفسهم على ما هون ما؟
إنّ منطوق بيت لبيد ومضمونه لا يُبْعِدَان أيّاً من الاحتمالين الاثنين...
2. إنّ الصورة الحيزيّة المائيّة هنا، كما سبقت الإيماءة إلى بعض ذلك، تقوم على خلفيّة حضاريّة لا يكاد التاريخ يعرف عنها إلاّ نُتفَاً قِلاَلاً، ونُبَذاً صِغَاراً. فالإشارة إلى الكتابة، هنا في بيت لبيد، إشارة دقيقة، وفي الوقت ذاته بريئة. فهي إذن توحي بوجود حضارة مكتوبة في الجزيرة قبل الإسلام الذي لم يُبْعَثْ في مجتمع جاهل متخلّف كما قد يتصوّر بعض المؤرخين، ولكنه بُعِثَ في مجتمع مستنير متعلم كانت حضارتُه الفّنية والجماليَّةُ والتقاليديّة تنهض على أسس وقيم مثل تمجيد الفصاحة، وتجويد الكلام، وقرْض الشعر، وارتجال الخُطَب، وارسال الحكم والأمثال وحماية المستجير(35). بل لقد كان في قريش"بقايا من الحنيفيّة يتوارثونها عن إسماعيل صلى الله عليه وسلّم، منها حجُّ البيت الحرام وزيارته، والختان والغسل، والطلاق والعتق، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والرضاع والصهر" (36).
وقد زعم الزجّاجيّ أن"الحَنِيفَ في الجاهليّة مَنْ كان يَحُجُّ البيت، ويغتسل من الجنابة، ويختتن" (37).
3. إنّ الصورة الشعريّة، في هذا البيت الَّلبِيدِيّ، تنهض على حيز معلَّقّ في كَتِفِ جبل، حيث السيل حرْبٌ للمكان العالي؛ كما يعبّر أبو تمّام. فَلِعُلُوّ هذا الحيز، وحَزْنه، واتسامه بالارتفاع: يَسُرَ على السيل أن يعرِّيَهُ من ترابه، ويجرّده من رماله، فيتخدّد ويتجرّد، ويبدوَ ما كان منه متوارياً؛ فيغتدِيَ ظاهراً بادِياً. فلو كان هذا الحيز مقعَّراً أو مسطّحاً ممتدّاً على وجه من الأرض سهل، لما استطاع السيل أن يعرّيه؛ بل لكانت أغثاؤُه زادته انغماراً فوق انغمار: فلا تبدو الطلول، ولا تتعرّى الرسوم.
4. نؤكّد ما كنّا أومأنا إليه آنفاً من أننا، هنا، إنما نحن بصدد ملاحظة الحيز بعد حدوث فعل السيول؛ فهو حيزٌ مائيٌّ باعتبار العلاقة المفعوليّة التي تعرض لها. فكما أنّ الأحياز المائيّة(البحار- الأنهار- الآبار- العيون- الغدران...) كانت، أو تكون، ثمرةً من ثمرات تَهاتُنِ الأمطار؛ فإنَّ هذه الطلول التي كانت مغمورةً تحت ركام الرمال والتراب والأغثاء لم تغتَدِ كذلك إلاّ بفعل هذه الأمطار.
5. إنّ الحيز الميت الموحي بالحزن، والمفضي إلى القتامة والوجوم، بفعل السيول السائلة، والأمواه الجارفة؛ يستحيل إلى حيز آخر قمين بالجمال والنور، وهو رسوم الكتابة، وأشكال الخطوط. فالأقلام هنا كأنها بمثابة السيل الفاعل الذي لا يبرح ينشط ويتحرّك، ويدْفَع ويحتفر، إلى أن يَتّركَ أُثرَه بادياً على وجه الأرض وسطحها الهشّ؛ بينما المُتونُ تقابلُ سطح الأرض القابل لأنّ تعملَ فيه السيولُ فتخدِّدَه وتَسِمَهُ وسَمْاً. فكأنّ السيول أقلامٌ تَكتْبُ؛ وكأنّ الطلول متون كانت من أجل أن يُكْتَبَ فيها، أو عليها. فاللوحة الحيزيّة هنا مركّبة، ولا تُفْهَمُ إلا بتعويم هذا التركيب وإذابته في بعضه بعضٍ. فكما أنّ الأقلام تزبر بحروفها التي هي علامات تَتِّركُ على المَتْن المزبور؛ فإنّ السيول بحرفها وغشيانها سَطْحَ الأرض تَتَّرِكُ، هي أيضاً، على هذا المتن الأرضيّ علاماتٍ هي تلك الآثار الطليليّة المختلفةِ الأشكالِ التي تبدو من بعيدٍ كالكتابة على متن من المتون، أو وجه من الوجوه.
6. نلاحظ أنّ هذه اللوحة الحيزيّة المركّبة تنهض على مظاهِرَ تشاكليّة مثل تشاكل السيول التي تحفر بسيلانها سطح الأرض فتتّرك عليه علاماتٍ؛ وتطبعه بأماراتٍ؛ مثل الأقلام التي تَزْبُرُ بسيلان حِبْرها على الورق فتذر عليه أيضاً علامات. فالطلول تتشاكل مع الزّبر، والأقلام تتماثل مع السيول، ومتون الوَرق تتجانَسُ مع سطح الأرض الوارد في صدر البيت ضِمْناً، وقد غاب، لمقتضيات التكثيف الشعري، منطوقاً.
7. يجمع هذا الحيز المائيّ-الَّلبِيديّ- بين المظهر الأنتروبولوجيّ المتجسّد في الطلول البالية، وإن شئت في هذه التخديدات التي تذرها السيول على وجه الأرض بما ينشأ عن ذلك من طقوس تعامل الناس مع المطر، وخصوصاً في المناطق الصحراويّة، وبين المظهر السيماءَوِيّ الماثِلِ في سمة الكتابة التي تتركها المزابِرُ على القرطاس فتغتدي سماتٍ دالّةً يتفاهم المتلقّون من خلالها .
فالألفاظ المكتوبة، أو اللغة الخرساء، تغتدى مُمَاثِلاَتٍ(إقُونات) للأصوات الدالّة الغائبة ضمناً. فالألفاظ إذن سمات حاضرة دالّة على سمات غائبة. فالدلالة هنا تقوم على مبدأ المُمَاثِلِيةِ.
8. إنّ هذه الطلول كانت قائمة، ولكنها كانت شديدة البلى، متناهية الشحوب؛ فلما جاءت السيول جَلَتْها، وصقَلت آثارَها، فتجدّدت كفعل الكاتب حين يجدّد حروف كتابته على صفحة ورقة: فتبرُزُ بعد أمِحّاءٍ، ويتوهَّجُ لونُها بعد شحوب.
9. كأنّ النص هنا يصوِّرُ حيزاً حاضراً على سبيل العناية باللوحة الأماميّة. أمّا ما نطلق عليه نحن"الحيز الخلفيّ"، وهو الذي كان علّة في إيجاد الحيز الماثل، فالحديث عنه لم يكُ إلا عَرضاً؛ إذ السيول هي التي كانت علّة في تخديد الأرض، فالأخاديد سمة حاضرة دالّة على سمة غائبة هي السيول، فهي تنضوي تحت الصور السيماءَوِيَّةِ القائمة على مثول القربنة.
ونلفي صوراً لِلَوحاتٍ حيزية أخراة تَمْثُلُ في معلقّة لبيد كقوله:
رُزِقَتْ مرابيعَ النجوم وصابَها

ودْقُ الرَّواعِد: جَوْدُها فَرِهَامُها

يعلو طريقَةَ مَتْنِها مُتواتِرٌ

في ليلةٍ كَفَرَ النجومَ غَمامُها

من كلّ سارية وغادٍ مُدْجِنٍ

وعَشيَّةٍ متجاوبٍ إرزامُها


فَمَدافِعُ الرَّيَّانِ عُرّيَّ رَسْمُها
وأسْبلَ واكِفٌ من دِيَمةٍ

يُرْوي الخمائلَ دائِماً تَسْجامُها


عَلِهَتْ(جزعت) تَرَدَّدُ في نِهَاءِ(غدير) صُعَائِدٍ...
*****
ولعلّ عنترة أن يكون ثالث المعلّقاتيّنين الذين عُنُوا عنايةً شديدة برسم الحيز المائيّ، ووصف الأمكنة الخصيبة التي هي ثمرة من ثمرات تهاتن الأمطار، وتساقط الغيوث.
ونحن لا يسعنا إلاّ أن نتوقّف لدى الصورة الشعريّة المائية التي أبدع فيها، فحلّق وتفرّد... وهي تلك التي تَمْثُلُ في قوله:
أو رَوْضَةً أُنُفاً تضَمَّنَ نَبْتَها

غَيْثٌ قليلُ الدِمْنِ ليس بمُعْلَم

جادَتْ عليها كُلُّ عينٍ ثَرَّةٍ

فتركْنَ كلَّ حديقة كالدِرْهم

سَحّاً وتَسْكاباً فكُلُّ عشيّةٍ

يَجْرى عليها الماءُ لم يَتَصرَّمِ


فهذه اللوحة الحيزيّة بديعةُ المظهر، جميلة المنظر؛ فغيْثُها نظيف شريف؛ فكان نبتُه أنيقاً ناضراً، ومُخضَوْضِراً فاخراً؛ قد تغافص في هذه الحديقة الأُنُفِ فتكاثر واعشوشب، وَرَبَا واخْضَوْضرَ. لقد سقت الغيوث هذه الحديقة سَحّاً وتَسْكاباً، وأمطرتها جَوْداً غَدَقاً، وتَهْتَاناً طَبَقاً؛ حتى اهتزّت وربّتْ، واخْضَرَّتْ وأزهرَّتْ:
1. إنّ أوّل ما يسم هذا الحيز الخصيب البديع هو اخضرار نبْته، وتغافص عشبه متنامِياً متعاليا.
2. لم يكن هذا الحيز مخضرَّاً، أصلاً؛ ولكنه اخضرَّ بفعل تهاتن الأمطار، وتساكب الغيوث الكريمة عليه، فاستحال من مجرد حيز قاحل، إلى روضةٍ أُنُفٍ خَصِيبٍ.
3. إن هذا الحيز الأماميّ البديع، لا يلبث أن يُفضي إلى حيز أبدعَ منه بَدَاعَةً، وأروع منه روعةً؛ وهو الحيز الخلفيّ الناشئ عن الحيز الأماميّ الذي هو، في الأصل، مشهد تهاتن الأمطار خيوطاً بيضاءَ ممتدّة امتداداً عموديّاً من عَلُ إلى تَحْتُ؛ فتلك الخيوط المائيّة(القطر المتهاطل) -وهي حيز مائيّ- هي التي تفضي، بفعل تَسكابها المِلْحاح، وتَسْجامِها المِغْزار، إلى تشكيل حيز آخر هو هذه الِبَركُ المائيّة الصغيرة التي تحتقنها الأرض في أيّ بقعة منقعرة منها؛ حتى إذا ما أصابتها الشمس، وأشرقت عليها بأشعّتها، رأيت هذه العيون كالمرايا المثبتة على وجه الأرض، أو كالدراهم المستديرة الشّكل، الفضيّة اللون، الناصعة المنظر. فالحيزّ الغائب هو هذه الأشعة الشمسيّة التي بفضلها استحالت العيون المائيّة إلى ذات مرآة تُشَاكِهُ مَرْآةَ المرايَا الضخمة اللَّقَى في الفَلْوَاتِ، والعاكسة لأشِعَّةِ الشمس المتوهّجة.
4. ولعلّ من الواضح أنّ حيز العيون/الدراهم، أو العيون/ المرايا: لم يكن ممكِناً مشاهَدَةُ مَرْآتِهِ من مكان مستوٍ، ولكن من مكانٍ عالٍ. فكأنّ هذه الأمطارَ كانت تهاتنَتْ على سهول شاسعة، فتركتها عيوناً، عيوناً؛ ولكنّ مشاهدتها لم تكن ممكنة إلاّ من أَعالِيها، ومن فَوْقِ ذُرَاهَا، لِتَبْلُغَ رَوْعَةُ الجمالِ الطِبيعِيّ غايَتَاهَا...
5. واستخلاصاً من بعض ما حَّلْلنا، يمكن أن نعدّ هذا الحيز المائِيَّ متحوّلاً، أي أنه ليس أصلياً، لأنّ الأصل فيه القُحولَةُ لا الخِصْبُ، واليبس لا الإمراعُ الرَّطْب، ولم يغتِد إلى ما اغتدى إليه إلاّ بفضل الحَيَا النازل، والسماءِ الهاتن. فكأنّ هذا الحيز الخصيب الماثل في هذه اللوحة، يشكّل مُمَاثِلاً(إقونة) ناقصاً لحيز غائب. أو قل إنه على الأقل معلول لعلّة غائبة، فيكون الخصب معلولاً للماء، والماء معلولاً للسحاب؛ فهو إذن إمّا مُماثل ناقص، أو قرينة كاملة. أو ليس الخِصْبُ الماثل في هذا النص المؤلَّف من ثلاثة أبيات، إنما هو سمة حاضرة وقعت بفضل سمة غائبة، وهي المطر النازل؟ (38).
6. وبينما مَرآةُ العيونِ الثّرَّةِ، أو الغُدْران الصغيرة، التي تشكّلت بها الأرض المسقيَّةُ بماء المطر هي أيضاً إمّا مُمَاثل ناقص(غدران الماء الماثلة للعَيْنِ) تماثل مياه الأمطار الغائبة عن العين)؛ فإنّ الغدران لم تَكُ، وهي السِّمةُ الحاضرة، إلا قرينةً للسمة الغائبة التي هي الغيث الهاتن.
7. إنّ هذا الحيز المائيّ، أو الحيز الخصيب، له شبه بحيز لبيد:
وجَلا السيولُ عن الطُّلولِ كأَنها

زُبُرٌ تُجِدُّ مُتونَها أقْلامُها


من حيث تأثيرُ المطرِ في الأرض، غير أن صورة لبيد توحي بالوحشة، وصورة عنترة توحي بالأنس. ولا سواء مطر يُعَرّي الأرض فيذكّر بمدفونات الذكريات، ومطر يسقيها فتغتدي مُخْصِبَةً مخضرّة، ومُمْرِعة مُعْشِبة.
8. ويسْتَمِيزُ هذا الحيز-العَنْتَرَيّ- المسقِيُّ بتحديد علاقته بالزمن بحيث لا يكاد يحدث له ذلك إلاّ في العَشايا والأمساء. والذي يعرف الجزيرة العربيّة وَجَنوبَها خصوصاً يدرك مدى صدق هذا الوصف. ولعلّ من فوائد أمطار الأماسي أنّ الناس في معظمهم يكونون قد قضوا مآربهم اليوميّة فيكونون إمّا آبُّوا إلى بيوتهم، وإما هم بصدد الإيَابِ، كما أنه يتحاين مع حلول الليل ورطوبته التي تسمح للأرض بارتشاف الماء على مهل؛ ممّا يجعل النفع بهذا المطر أكثر. ولو تساكب المطر ضُحىً، ثمّ جاءت عليه الشمس المحرقة لكانت أتَتْ على رطوبة الماء، وجفّفتْ قشرة الأرض؛ فلا ينتفع النبات، أثناء ذلك، إلاّ قليلا.
*****
وأمّا الحيز المائيّ لدى المعلّقاتيّين الآخرين فإنه شحيح الوجود، وربما يكون طرفة بن العبد أذكرَهم له، وأكثرَهم تعامُلاً معه، وإن ظلّ هذا الحيز المائيّ إمّا بحريّاً ونهريّاً، كما في قوله:
- يجوز بها الملاّحُ طوارا ويَهْتَدِي
- يَشُقُّ حبابَ الماءِ حَيزْومُها بِها
- كَسُكَّانِ(ذَنَبِ السفينة) بُوصِيّ(ضرب من السفن) بِدِجْلَةَ مُصْعدِ؛
وإمَّا صحراويّاً، ولكنه يظلّ مع ذلك خِصْباً مثل قوله:
- (...) تَرْتَعِي

حدائِقَ مَوْليّ الأَسِرَّةِ أَغْيَدِ


ولكن أين ذلك من اللوحات الحيزية المائيّة البديعة التي كنّا صادفناها لدى امرئ القيس، ولبيد، وعنترة بن شداد؟
ولا يقال إلاّ مثلُ ذلك في الحارث بن حلّزة، وعمرو بن كلثوم، وزهير بن أبي سلمى.
****
ثانياً: الحيز الخصيب:
قد لا يختلف الحيز الخصيب عن الحيز المائيّ، فذلك ملحق بهذا، وهذا علّة في ذاك. وليس إِفراد الحيز الخصيب، هنا بالذكر، إِلاّ من باب التفصيل والتجزِيءِ.
فمن ذلك ما جاء في معلقة زهير بن أبي سلمى:
بها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً

وأطلاؤُهُنَّ ينهَضْ من كُلِّ مَجْثَمِ


فهذه الرسوم الدَّوارِسُ، والطُّلولُ البَوالي، والدُّيارُ الخَوالي، أخضارَّ نباتُها، وتغازَر ماؤُها، فاغتدت مَراتِعَ خصيبةً للبقَر والثيران الوحشية؛ كما أمست مغانِيَ لِلأْرْءَامِ يتراكض فيها، ويطوّفن بين أرجائها. فلولا خِصْبُ هذا الحيز المسكوت عن اخضراره منطوقاً، ولكنه وارد في هذا البيت مضموناً: لما صادفْنا هذه الحيوانات الوحشيّة التي لا تعيش في مألوف العادة إلاّّ في الأماكن الخصيبة، والمغاني الرطيبة. وقد طاب لها المقام فيها إلى أن توالدت فتكاثرت بحيث لا نلفي الأبقار الوحشيّة وحدها هي التي تنعَمُ بهذا الإمراع والسكون؛ فقد يدلّ ذلك على أنّ وجودها هناك كان مجرّد عبور، ولكننا نصادف أَطلاءَها وهنّ ينهضن من كلّ مجثم، ويتواثبن في كلّ مرتع.
وإنما يدلّ قوله"من كلّ مجثم" على التكاثر والتسافد.
ومثل ذلك لا ينشأ إلاّ عن الخصب الذي هو بمثابة الرخاء للإنسان.
وتصادفنا لوحة حيزيّة أخراة خصيبة في بعض معلّقة لبيد، وتتجسّد في قوله:
من كلّ ساريَةٍ وغادٍ مُدْجنٍ

وَعِشيَّةٍ مُتجاوِب أَرْزَامُها

فَعَلا فروع الأيْهقانِ وأطفَلَتْ

بالجَلْهتَيْن ظِباؤُها ونَعامُها


- والعينُ ساكنُةُ على أطْلائِها
- فالضيف والجارُ الجَنِيبُ كَأنّما

هَبَطا تَبَالَةَ مُخْصِباً أهَضْامُها


فالأولى: إنّ هذه الصور الحيزيّة مُمرعة الخِصْب، شديدة الخضرة؛ فكأنها تمثّل حال الربيع في أوج طوره، وذروة اعْشِيشَابِه؛ فهل هي صورة حقيقيّة عاشها الناصّ فرسمها لنا رسْماً عبقرياً، أم هي مجرّد صورة جماليّة كان يتمثلَّهُا للطبيعة العذريّة فضمّنها نَصُّه، فأحسن نَسْجَه؟
والثانية: إننا نصادف تقارباً بلغ التشابه والتماثل بين قول عنترة:
سَحّاً وتَسْكاباً فكُلُّ عشيّةٍ

يجرى عليها الماء لم يَتَصرَّمِ


وبين قول لبيد بن أبي ربيعة:
من كلّ سارية وغادٍ مُدْجِنٍ

وعَشيَّةٍ متجاوبٍ إرْزامُها


وأيّاً كان الشأن؛ فإنّ بلاد العرب، وخصوصاً المرتفعات اليمنيّة، تتهاطل أمطارها، في الغالب، بالرعود أولاً، وبالعشايَا آخِراً. وما ورد لدى عنترة ولبيد قد يكون مجرد توكيد لهذه الحال الطقسيّة التي تبرح قائمة إِلى يومنا هذا.
والثالثة : إنّ قول لبيد:
والعِينُ ساكنةٌ على أطلائِها
يُشارِكهُ قولَ زهير:
بها العِينُ والأرآمُ يمشِينَ خِلْفَةً

وأطلاؤُهُنَّ ينهَضَ من كُلِّ مَجْثَمِ


وكلّ ما في الأمر أنّ أبقار لبيد لا تبرح محتضنة لأطلائها؛ على حين أنّ أبقار زهير كأنها كانِتْ تخلّت عن الحَضْن، وسَمحت لأطلائها بأن تسرح معها فتتلاعب في هذا الخصب الكريم، وهذا الحيز الرطيب.
ولعلّ هذا التشابه أن يدلّ، كما كنّا أومأْنا إلى بعض ذلك من قبل، على أن نصوص المعلقّات تشكّل وحدة واحدة على ما قد يبدو فيها من تفرّد؛ فالتفرّد إنما يَمْثُلُ على مستوى المعالجة والطرْح، لا على مستوى القضّية والمضمون. بل إننا لَنلاحظ أنّ التشابه يطفر على مستوى النسج وتوظيف اللفظ...
والرابعة : إنّ هناك تماثُلاً آخرَ يمثل في بيتَيْ زهير السابقيْن، وبيت لبيد:
فعلا فروعُ الأيهقانِ وأطفلَتْ

بالجلهتين ظباؤها ونَعامُها


فصورة الخصب في حيز زهير غائبة، وإنما يدلّ عليها الحال التي تعيشها الأبقارُ العِينُ، وأطلاؤهنّ المَرِحاتُ. على حين أنّ صورة الخصب في لوحة لبيد مفصّلة بشكل أدقَّ حيث إنه يذكر ارتفاع نبْت الأَيِهَقَانِ بفعل الغيوث المتهاتنة والمتتابعة... ولقد بلغ الخصب بهذه الْعِينِ إلى أن تسافدت، فتوالدت بما أطفلت بضفَّتيْ هذا الوادي الخصيب.
فالشأن في هذه اللوحة الحيزيّة المخضرّة ينصرف إلى الماء الجاري في الوادي المسكوت عنه، والذي تتضمّنه الجَلْهَتَانِ(الضفّتان)-؛ وإلى جَلْهَتَيْ هذا الوادي وقد جاء ذكرهما نَصّاً.
والخامسة : نجد كلاًّ من زهير ولبيد يتحدث عن ثلاثة أصناف من الحيوانات الوحشية- التي ترتبط حياتُها بالخصب والماء، والكلأِ والسَّماءِ-: العِين(الأبقار الوحشيّة)، والآرم- أو الأْرْآم- (الظباء البيضاء)، والأطلاء(أولاد البقر في السنّ الأولى التي قد لا تتجاوز شهراً واحداً) (39).
بيد أنّ لبيدا يفوق زهيراً بحيوان وحشيّ رابع هو النَّعام. ولعلّ ذلك أدعى إلى زيادة الخِصْبِ في حيزه، وأدلّ على تكاثر نباته، على الرغم من أنّ هذه الحيوانات كلها قادرة على العيش في الصحراء. ولكن لا ينبغي أن تتمثَّل هذه الصحراء على أنها مجرّد حيز أجرد أجدب، قاحل ما حل: لا نبت فيه ولا شجر، ولا عشب ولا كَلأَ؛ إِذ كلّ هذه الحيوانات إنما تتغذَّى من حُرِّ الكلأِ وخالِصِ أوَراقِ الأراكِ...
والسادسة: إنّ أطفال الظباء والنعام يؤكّد الخصب الخصيب لهذه اللوحة الحيزيّة لسببين:
1- لوجود الوادي وضفّتيه.
2- لا يمكن أن يقع الأطفالُ والحَضْنُ إلاّ إذا كان المكانُ خصيباً، والجوّ ملائماً للتكاثر والتسافد.
والسابعة: ومن الآيات على ثبوت خصب هذا الحيز، وإِلحاح النص المعلقّاتي عليه، معاودة لبيد الحديث عنه في موطن آخر من معلقّته، وهو قوله متحدثاً عن زوج البقرة والثور:
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيّ وَصدَّعَا

مَسْجُورَةً مُتَجاوراً قُلاَّمُها

محفوفَةً وسْطَ اليَراعِ يُظِلُّها

منها مُصَّرعُ غابةٍ وقِيَامُها


ففي هذين البيتين نصادف لوحة حيزية عجيبة الخصب، فهناك:
1- الماء(السريّ وهو النهر الصغير، ومسجورة: أي عيناً مسجورة؛ أي عيناً نضَّاحَةً بالماء)،
2- الغابة،
3- اليراع (وهو القصب بما فيه اخضرار وبُسُوقٍ وتَرَهْيُؤٍ حين يُصيبه النسيم)،
4- يُظِلُّها(والضمير فيه يعود على اليراع).
فهنا لا يصادفنا الشجر وحده، ولا الماء وحده، ولكنهما اجتمعا؛ بل لقد اجتمع كلّ منهما في صورتين اثنتين: السريّ الذي هو نهْر صغيرٌ جارٍ، والعَيْن المسجورة بالماء، الطافحة به؛ فإن شئت، إذن، نظرت إِلى الماء في هذا الحيز جارِياً، وهو ذاك الماثل في هذا السرِيّ الذي قيّض الله مثله لمريم حين وضعت عيسى(40) -فكانت تتشرّب من مائه، وتننسّم من نسيمه- فعَلْت؛ وإن شئت، إذن، تظلَّلْت بظِلال اليَراع، وظِلال أشجار الغاب، أَتَيْتَ...
فكأنَّ هذا الحيز يمثّل طبيعة بعض بلاد الألب؛ ولكنّ الذي يذهب اليوم إلى بلدة إبّ مثلاً، باليمن، يدرك حقيقة هذه اللوحة الحيزيّة الخصيبة، وإنّ بلاد العرب، فيما يبدو، كانت من الخصب والماء على غير ما هي عليه الآن...
*****
ذلك، وأنّا كنّا، في الأصل، رَصْدَنَا أضرُباً أُخراةً من الحيز في هذه المقالة، ابتغاءَ تحليلِها، ولكن لَمَّا طال النفَس، أضرَبْنا عن ذلك إلى حين. ومما كنّا رصدناه من أنواع الحيز ما أطلقنا عليه: الحيز المتعالِي، والحيز المضيء، والحيز المنشطر، والحيز العارِي... وقد اجتزأنا، كما رأينا، بالحيز المائيّ، والحيز الخصيب، وركّزنا خصوصاً، على المظاهِر الجماليّة في تحليلاتنا لذيْنِكَ الضربَيْن من الحيز. فذلك، ذلك.
إحالات وتعليقات

نحيل مثلاً على كتابنا ا-ى، وشعريّة القصيدة، قصيدة القراءة. <LI value=1>أرسطو، الطبيعة، 271 - 278. <LI value=1>جميل طيبا، المعجم الفلسفيّ، 2. 412 - 413 . <LI value=1>م. س.، 1. 187 - 188 . <LI value=1>يقال: الحيز بتشديد الياء المكسورة، وبسكونها أيضاً، ويجمع على أحياز. <LI value=1>ابن سينا، رسالة الحدود، 94 . <LI value=1>م. س. <LI value=1>تعريفات الجرجاني، عن جميل صليبا، م. م. س. <LI value=1>ابن منظور، لسان العرب(وهم). <LI value=1>التهاونيّ، كشاف اصطلاحات الفنون، عن جميل صليبا، م. م. س. <LI value=1>DESCARTES, PRINCIPES de Philosophie, 2, p. 14; A. LALANDE, Dictionnaire de philosophie (lieu), p. 567 -568. <LI value=1>A. LALANDE, LBID, (Espace), p. 298- 299; Lieu, p. 567 -568. <LI value=1>جميل صليبا، م. م. س.، 2. 214. <LI value=1>م. س.، 1. 187 . <LI value=1>أرسطو، م. م. س.، ص306 . <LI value=1>عالي سرحان القرشي، بناء المعلقّات السبع، علامات، جدة، ج. 5، م 2/
سبتمبر 1992 <LI value=1>م. س.، ص171 . <LI value=1>تراجع المقالة التي كتبناها عن نظام النسج اللغويّ في المعلقّات، في هذا الكتاب. <LI value=1>تراجع المقالة التي دبّجناها عن الإيقاع والضجيج في المعلقات، في هذا الكتاب. <LI value=1>أنور أبو سليم، المطر في الشعر الجاهليّ، 108، دار الجيل، بيروت، 1987 <LI value=1>لعل مقالتنا التي كتبناها، ضمن هذه الدراسة، عن نظام النسيج اللغويّ في المعلّقات أن توضّح ملامح هذه المسألة. <LI value=1>ابن قتيبة، الشعر والشعراء، 1. 65 -66. <LI value=1>القرشيّ جمهرة أشعار العرب، 38 -39 . <LI value=1>ياقوت الحموي، معجم البلدان، 3. 120 ، 1604. <LI value=1>ابن قتيبة، والقرشي: م. م. س. <LI value=1>القرشيّ م. م. س.، ص. 39 . <LI value=1>م. س. <LI value=1>م. س. <LI value=1>ابن قتيبة، م. م. س.، 1- 64 . <LI value=1>م. س. <LI value=1>م. س.، 1- 65. <LI value=1>ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، 4101- 42 . <LI value=1>أخبرني أحد الشعراء المعاصرين أنه زار غدير دارة جلجل، وأنه قريب من مدينة الرياض ولكن من المحتمل أنّ هذا المكان تعرّض لتغيّرات محسوسة. <LI value=1>يراجع الثعالبي، فقه اللغة، ص 408، وابن سيدة، المخصص، 9- 79. <LI value=1>ابن قتيبة، كتاب العرب، ص. 361 - 464ـ في رسائل البلغاء. <LI value=1>م. س.، ص. 372. وقد ورد لفظ"الحنيفيّة" في أصل نصّ الكتاب تحت لفظ"الحنفيّة"، وهو محض خطا مطبعيّ سهي عن تصحيحه. <LI value=1>ابن منظور، م. م. س.،(حنف). <LI value=1>نحن الآن نصطنع مصطلح مُماثل ترجمة للمصطلح الغربيّ الذي ترجم إلى العربية، أولَ الأمر، تحت مصطلح أقونة، وهو لا يعني شيئاً في دلالة اللغة العربية. وقد أنى تعريبُه. وقد جئنا نحن ذلك.
الزوزني، ص. 93 .
إشارة إلى قوله تعالى: (فَنادَاها مِنْ تحتِها أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ ربُّكِ تَحْتَكِ سَرِياً)، مريم، 24 .

**د لا ل**
2012-02-11, 16:07
طقوس الماء في المعلقات
ما أكثر ما تحدّث الناس عن المطر في الشعر الجاهليّ؛ وما أكثر ما تحدّثوا عن علاقة الماء بالطقوس المعتقداتيّة مثل الاستسقاء، على عهد الجاهليّة الأولى، وما كان يصطحب ذلك من ممارسات لم تلبث أن اغتدت كالطقوس الوثنية لدى قدماء العرب(1).
وقد نَبِهَ إلى هذه المسألة قدماء كتّاب العرب مثل أبي عثمان الجاحظ(2)، ومثل بعض المعاجم الموسوعية(3)؛ فَدُوّنَ من حولها إشاراتٌ مختلفة هي التي يمكن أن تغتدى أساساً لأنتروبولوجيا الماء، وكلّ الطقوس الفولكلوريّة التي كانت ترتبط به حين تشحّ السماء، ويُلحّ الجدب، فيصيب الناس روع وهلع، وإشفاق وقلق..
ولا نريد نحن، في هذه المقالة، أن نتوقف لدى طقوس المطر وحدها؛ ولكننا نريد أن نمتدّ بوهمنا إلى كلّ ما هو سائل شفّاف، أو قابل للشَّفَافَةِ والسَّيَلان. كما أننا لا نريد أن نمتدّ بسعينا إلى كلّ الشعر الجاهليّ بِجَذاميره نستقريه لنرصد ما جاء فيه من طقوس الماء، وفولكلوريات المطر؛ ولكن بحكم محدوديّة موضوعنا، سنجتزئ برصد هذه الطقوس في المعلّقات السبع وحدها...وإنّا لدى قراءاتِنا المعلقّاتِ، من هذه الوِجْهة، صادفتنا مجازات كثيرة تدلّ على العناية الشدَيدَةِ بالمطر لدى أولئك المعلقّاتيّين.
والمطر، أو الماء، هو مصدر الحياة، فيه تَخْصَوْصِبُ الأرض، وبِقَطْرِه تَربْوُ الثَّرى، وبرذاذه يَخْضَوْضِرُ النبات ويزهو؛ فتمسي الطبيعة كالعروس تترهْيَأُ في ملابسها السندسيّة، وتتبختر في حُلَلِها المُخْضَوْضِرَة؛ لِمَا ينشأ عن ذلك من جمال بديع لمشهد الأرض وهي تزهو بما على وجهها من حقول وغلال، ولما ينشأ عن ذلك من تسافد الطيور، وتوالد الفراش، وتكاثر الحشرات الطائرة والزاحفة معاً، وكلّ الكائنات اللطيفة التي كانت أغرت عنترة بن شداد بأن يتوقّف لدى صورة الذباب وهو يترنّم، وحملت امرأ القيس على أن يلتفت إلى صورة الطير وهُنَّ يملأن الجِواءَ بأصواتَهنّ الحِدَادِ، والشديداتِ الاختلافِ؛ حتى كأنّهنّ كائنات سَكْرى بما شربت من سُلاف، وبما احتست من رحيق وراح...
أولاً: طقوس الماء في معلّقة امرئ القيس
1- المطر:
ربما تكون معلّقة امرئ القيس أكثر المعلّقات للمطر ذِكْراً، وأشدّها به اهتماماً، وأحرصها على التغنّي به تحت صور مختلفة، وفي لقطات مشهديّة متباينة. وَيَمْثُلُ ذلك خصوصاً في الإثني عشر بيتاً الأخيرة من معلّقته، من:
أصاحِ ترى برقا أُرِبكَ وَميضَه

كلَمْعِ اليديْن في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ


إلى قوله:
كأنّ السِّباعَ فيه غَرْقى عَشِيَّةً

بأرجائه القُصوْى أنابيشُ عُنْصُلِ


ولعلّ الذي حمل امرأ القيس على تخصيص نسبة صالحة من أَبابيتِ معلّقته لوصف المطر من وِجْهة، وتخصيص هذا الوصف بنهايتها من وجهة أخراة: أن يكون الطقس اليمنيّ الذي يعرف إلى يومنا هذا بظاهرة الأمطار الرعديّة الغريزة، والتي لدى هطلها قد تمتلئ بها الأدوية، وقد تسيل بها المنحدرات، فتجرف الأغثاء، وتسقي الأرض، وتروى النبات في أزمنة معيّنة من السنة، وفي ساعات معيّنة من النهار.
لم يكن ممكناً لأمرئِ القيس، وهو العربيّ اليمنيّ، أن ينتقل بين القبائل، ويضرب في الأرض لاهياً أوّلاً، وطالباً بثأر أبيه آخراً، ثم لا يصف ما كان يعرض له من هذه الأمطار الرعديّة الشديدة الغزارة التي كانت تصادفه كلّ مساء من أسفاره، فكانت تضطره، غالباً، إلى أن يَلْتَحِدَ، وَصَحْبَهُ، إلى كَتِفِ جبل، أو جِذْع شجرة عظيمة، أوْ أيّ مُلْتَحَدٍ من المُلْتَحَدات...
كانت الرعود والبروق، وكان القَطْر الطَّلُّ، وكان المطر الثَّرُّ: تساور سبيلَه كلّ مساء من مُقاماته وتَظعانَاتِه؛ فلم يكمن له بُدٌّ من أن يصف ما كان يستمتع به طوراً-وهو الشاعر-، ويزعجه طوراً آخر: فيتأذّى له، وذلك حين تَظعانه غالباً.
ويمكن أن نلتمس أكثر من علّة لوصف أُمْرِئِ القيس المطر، واهْتِمامه بالماء، وَكَلَفِهِ بكلّ ما يسيل فتختصب له الأرضُ، ويربو له النبت:
فالأُولَى: أنّ البلاد العربيّة، منذ القِدَم، شحيحة، فيما يبدو، بالمطر، ضنينة بالهطل، تميل طبيعتها إلى الجفاف والإمحال، وإلى اليبس والجدب. فكان الناس ينتظرون تَهتان الغيث بفراغ الصبر، وحرارة الشوق، وشدّة التطلّع. والآية على ذلك أنهم كانوا يستسقون في طقوس معتقداتيّة، وممارسات فولكلوريّة عجيبة؛ حين كان المطر يعوزهم فيُلِمُّ عليهِم الجَدْبُ، وتشحّ من حولهم السماء. ولم يكن امرؤ القيس بدعاً من بقيّة الشعراء في الجاهلية، ولكنه، ربما فَسَحَ لهم في المجال، وهيَّأ من أجلهم السبيل؛ إذ نلفي عامّة شعراء أهل الجاهلية يلتفتون إِلى ظاهرة المطر، فإمَّا أن يصفوها وصفاً، وإِمَّا أن يجتزئوا بذكرها عَرَضاً(4).
والثانية: إنّ امرأ القيس كان ينتقل بين القبائل، وكان يختلف إلى الأسواق، وكان يتردّد على الحانات، وكان في كلّ ذلك لا يعدم مطراً هاتنا، وغيثاً هاطلاً؛ فكان مشهد خيوط الماء وهي تتساقط من فوقه يؤثّر في شاعريّته المرهفة فتفيض بما تفيض به، إلى أن جاء ينشئ معلقّته العجيبة فاختصّ المطر بخاتمتها ليكون ذلك أبقى من النفسْ، وأَذْكَرَ في القلب، وأجرى على اللسان. فهو يذكر المطر في مطلعها، ضمناً، حين يقول مثلا:
ترى بعر الأرآم في عرصاتها

وقيعانها كأنه حَبُّ فُلْفُل


فلولا المطر الهاتن لما كانت الآرام راتعة في تلك العرصات، ولا مَرِحَةً في تلك القيعان والتَّلَعَات: تمرح وتلعب، وتتواثب وتتراكض...
ولكنّ وصف الطلل صَرَف وهْمَه في وصف المطر والفراغ له إلى حين الانتهاء إلى خاتمة معلّقته فأشبعه وصفاً بديعاً جعلّنا نُحِسّ بأن الأرض، كأنها، كلّها، بدأت تتحرك بوديانها، والجبال تلقي بأَغثائها، والسواقي تتغازر بأَمْواهِها، فتُحيل سطحَ الأرض كلَّه إلى خصب وجمال ونعيم... وإذا كانت السعادة امتدّت إلى الطير فاغتدَيْنَ صادِحاتٍ، وإلى الحيوانات الأخراةِ فأمسَيْن سابحات؛ فما القول في بني البشر، وفيمن يُحسّون بجمال الطبيعة وعبقريّة تجليّها مزدهية مختالة كالحسناء المتبرّجة...
والأخراة: كأنّ امرأ القيس لِمَا كان يرى من أهمية الماء، من حيث هو عنصر للحياة، وللمطر من حيث هو وسيلة للخصب والعمران، ولما كان يرى من تهالك الأحياء على التنافس على مساقطه، وربما التحارب على غدرانه ومدافعه: شاء أن يسجّل، ربما من حيث لم يكن يشعر، ولكن على الطبيعة السمحة، في معلّقته، مشاهد الماء، ومناظِرَ المطر، وَمَرائِيَ العيون والغدران.
لم يكن في البلاد العربيّة إلاّ آبار وعيون قليلة احتفظت لنا بها كتب الموسوعات والمسالك بمعظم أسمائها(5).
كان العرب إذا أحبّوا أحَداً، كما أومأنا إلى ذلك مراراً، دَعَواْ له بالسَّقْيا، وحتى التحيّة، في اللغة العربية، قد يكون اشتقاقُها من الحَيَا(6) الذي هو الخصب والمطر. وناهيك أنّ الحَيا، بالقصر، إن شئت، والحياء، بالمدّ، إن شئت(7)، وهما اللذان يعنيان المطر؛ وردا في المادّة نفسها التي ورد فيها مادَّةُ الحياة.
فماذا كان يكون الشعر الجاهليّ لو خلا من ذكر المطر، ووصف السيول، وملاحظة الأنواء، والتغنّي بالخصب، والتلهّي بالحيا؟ وهل كان يمكن لامرئ القيس أن يضطرب في تلك المضطربات من الجَدْب والخِصْب، ومن الرعد والبرق، والهَطْل والهَتْن؛ ثمّ لا يحتفل بكلّ ذلك في شعره فيخلدّه عبر الأزمنة المتطاولة؟...
المطر والمعتقدات في المعلقات
لا نظنّ أن هناك من ينكر أنّ المطر في عامة المجتمعات البدائية، ومنها المجتمع الجاهليّ، يرتبط بطقوس فولكلورية، وبمعتقدات وثنيّة، وربما بمعتقدات دينيّة صحيحة كسنّة الاستسقاء التي يمارسها المسلمون كلّما ألحّ عليهم الجدب، وشحّت الأمطار في موسم الحرب والزرع... بيد أنّ هذه الفكرة لا ينبغي لها أن تطفح فتفيض فتغرق كلّ ما حوالها من المعقولات...
ذلك بأنّ بعض الدارسين العرب المعاصرين أرادوا أن يؤوّلوا كلّ شيء تأويلاً أسطوريّاً في الحياة الجاهليّة، وأن يربطوا كلّ صغيرة وكبيرة بخرافات بائدة لا نلفي لها أثراً صحيحاً في النصوص الشعريّة المظنونة بالصحة، وفي الأخبار المرويّة المظنونة بالثقة، ولا، ربّما، حتى في الحفريات الأثرية... ومن ذلك ما ذهب إليه الدكتور مصطفى ناصف حين توقّف لدى بعض أبيات امرئ القيس المطرية، ومنها:
أصاحِ ترى برْقاً أُريك وميضه

كلمع اليدين في حَبيّ مُكَلَّل

يُضيء سناه أو مصابيحُ راهِبِ

أمالَ السَّليط بالذُّبَالِ المُفَتَّل


فذهب إِلى أنَّ: البرق يُشبه في تحركه تحرّك اليدين، أو مصابيح الرهبان التي يصبّ الزيت عليها. وبعبارة أخرى: حينما هيّأ الراهب المصباح سقط المطر، فالمطر استجابة لدعوات راهب عظيم.
ويمكن أن نرى تقلّب الكفين سمة من سماته أيضاً. ويبدو أنّ مصباح الراهب وتقليب الكفين أعانا على ولادة المطر. فالولادة ظاهرة في قول امرئ القيس: إنّ السحاب متراكم، يشبه أعلاه الإكليل، وقد لمع البرق وتلألأ في أثنَائه.
هذه صورة واضحة الدلالة على فعل الانبثاق العظيم. وليس عندي شكّ في أنّ المعنى الروحيّ لولادة المطر قد فهِمَه شعراء العربية(8).
ونحن نعتقد أنّ مثل هذا الربط الحميميّ لإسراج الراهب مصباحه، ولابداء المرأة الحسناء معصميها، بتهتان المطر قد لا يقوم له أمر، ولا يستقيم له شأن. وهو يزداد سوءاً حين يقوم على التوكيد واليقين: على أنّ المذهب الذي ذهب إليه الشيخ سليم صحيح. (ويؤكّده قوله: "وليس عندي شكّ في أنّ المعنى الروحيّ لولادة المطر قد فهمه شعراء العربيّة"). وذلك من أغرب المواقف العلميّة التي يمكن أن يقفها باحث-مشهود له بحصافة الرأي- من قضيّة شائكة، بعيدة الزمن، بعيدة الحدوث:
فالأولى: هل كان العرب جميعاً مسيحيّين يربطون حياتهم الروحيّة بالأديرة والكنائس؟ وهل كانت توجد ديور بمكّة ويثرب، والحيرة، وسوائها من الحواضر العربيّة الأزليّة إذا استثنينا بعض الحواضر ذات التأثير الثانويّ كنجران مثلاً...؟ وهل يمكن أن نغيّر مجرى حياة أمّة كانت تقوم، أساساً، على الوثنيّة، والجاهليّة، والعصبيّة العمياء، والثأر، وعدم الارعواء في إراقة الدماء، والطيران نحو الشرّ: فنجعلها وديعة روحيّة، تنهض على التعبّد والتحنّث؟ ولو ربط الكاتب بعض ذلك بما اتفق عليه المؤرخون واللغويون القدامى من وجود بقايا حنيفيّة في المجتمع الجاهلي لَعَسَيْنا أن نسلّم له بِبَعْضِ ما ذهب إليه؛ لكنّه وقد ربط ذلك صراحة، بما لا يبعد عن هذه الحنيفيّة(9)، فإننا لا نستطيع الموافقة على رأيه... إنّ بضعة أديرةٍ كانت بشبه الجزيرة العربيّة كلها ما كان لها لتؤثّر في الحياة العقليّة، والدينية، والروحيّة، كلّ هذا التأثير... ولقد نعلم أنّ كل بيت عربيّ كان فيه صنم صغير يعبده صاحبه وأسرته(9)، فكيف إذن يقوم هذا النص التاريخيّ الماثل في أنه لم يكن:
"يظعن في مكة ظاعن منهم(...) إلاّ حمل معه حجراً من حجارة الحرم، تعظيماً للحرم. فحيثما نزلوا وضعوه فكانوا به كطوافهم بالكعبة"(10).
مع ما قرره مصطفى ناصف؟ بل لقد كان العرب في جاهليّتهم الأولى إذا لم يجدوا حجراً يعبدونه، من بعض تلك الحجارة، جمعوا حثية من التراب، وجاؤوا بالشاة فحلبوها عليه، ثمّ طافوا بها(11).
والثانية: أنّ العرب لم تكن تستمطر ببركة الأحبار والرهبان، كما لم تكن تستسقي بعناية الأديرة والكنائس؛ ولكنها كانت تستمطر بالأصنام والأوثان؛ فقد أجيب عمرو بن لحيّ حين سأل أهل مآب: ما بال هذه الأصنام التي تعبدون؛ أن: "هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا"(12): فماذا بقي من برهان في قول امرئ القيس:
يضيء سناه أو مصابيح راهب
إلاّ صورة شعرية ماديّة بريئة ممّا حمّلت إياه من هذه المعتقدات والروحيات والرهبانيات...؟ وهل يمكن أن يبقى معنى لقول الدكتور ناصف:
"حينما هيّأ الراهب المصباح سقط المطر؛ فالمطر استجابة لدعوات راهب عظيم".
بعد الذي رأينا من قولي ابن الكلبي وابن كثير القديمين، واللذين يثبتان فيهما وثنية الاستمطار، ومعتقداتية الاستسقاء، وأن الروحانية المسيحية التي يجعلها الدكتور ناصف علة في تأويل بيت امرئ القيس قد تغتدي غير ذات معنى... وإلاّ فعلينا أن نرفض ما ذهب إليه كلّ من ابن الكلبي وابن كثير، ونقبل برأي مصطفى ناصف. وإلاّ فعلينا، أيضاً، أن نرفض النصوص التاريخية التي تبدو موثوقة، ونقبل بمجرد قراءة تأويلية لنص شعري؟ وأنا لنعجب كيف فات الدكتور ناصف، وهو الملم بالتراث، والضارب في مضطرباته كلّ ضربان، أن يلّم على هذه النصوص القديمة ويستظهر بها لدى قراءة نصوص الشعر الجاهلي...؟
والثالثة: إنّ لمعان اليدين الذي يحتج به المتعصبون للقراءة الأسطورية لنصوص الشعر الجاهلي، وبخاصة نصوص المعلقات، والقائمة على المبالغة والتهويل والتضخيم، والذي ورد في قول امرئ القيس:
* كلمع اليدين في حبيّ مكلّل
كان تعبيراً، فيما نحسب، جارياً؛ أو كان تعبيراً مسكوكاً كما يريد أن يعبّر بعض المعاصرين، في اللغة العربية على تلك العهود الموغلة في القدم إذ كان كل عربي يطلق على إشارة اليد بالثوب، أو السوار، أو نحوهما: لمعانا(13)؛ ومن ذلك:
1- حديث زينب، رضي اللّه عنها، : "رآها تلمع من وراء الحجاب، أي تشير بيدها" (14).
2- ورد هذا التعبير نفسه في بيت للأعشى أيضاً:
حتى إذا لمع الدليل بحبه

سقيت وصبّ رواتها أشوالها(15).


3- وورد معناه في قول عديّ بن زيد العبّادي:
عن مبرقات بالبرين تبدر

وبالأكفّ اللامعات سور(16).


والأخراة: إن طقوس الاستمطار لم تكن لديهم قائمة على استدرار البركة من الرهبان العظام؛ كما زعم الدكتور مصطفى ناصف؛ ولكنهم:
"كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات، وركد عليهم البلاء، واشتد الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار؛ اجتمعوا، وجمعوا ما قدروا عليه من البقر؛ ثم عقدوا في أذنابها، وبين عراقيبها السلع والعشر(17)؛ ثم صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النيران، وضجّوا بالدعاء والتضوع. فكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا" (18).
فأين مصابيح الرهبان من هذا؟ وما صلة تشبيه ينصرف إلى تصوير انعكاس الضوء وانتشاره[وهو تشبيه ضوء كاسح بضوء شاحب من باب تقريب الصورة في ذهن المتلقي] بالاستمطار والاستسقاء في الجاهلية

بالاستمطار والاستسقاء في الجاهلية الأولى؟
إن ما أورد أبو عثمان الجاحظ، بناء على ما كان ورد في شعر أحد أكبر الشعراء الذين سجّلوا العادات والتقاليد والطقوس الفولكلورية العربية القديمة؛ وهو أمية بن أبي الصلت، يبعد تأويل مصطفى ناصف لذينك البيتين المرقسيّين المنصرفين إلى طقوس استمطار المطر... بادّعاء أن امرأ القيس إنما كان يومئ إلى تقليب الكفين؛ وأن العرب كانت تستظهر ببعض ذلك على استمطار المطر... كما أن ما كنا استشهدنا به من أشعار قديمة؛ بما اشتملت عليه من لمع اليدين: قد يضعف من مذهب الشيخ في جعل العرب وكأنهم لم يكونوا يستسقون إلاّ بركة أمثال ذلك" الراهب العظيم" على حد تعبيره.
ثم أين كان الشيخ من الحنيفية الإبراهيمية التي كانت لا تبرح بقية باقية منها في بلاد العرب؛ والتي كانت تسم سلوك كثير من عقلاء العرب وأشرافهم وسراتهم إلى أن جاء اللّه بالإسلام؛ فكانوا يحجون إلى البيت العتيق، ويغتسلون من الجنابة، ويختتنون، ويتحنثون(19)؟ وكيف أهمل الحديث عنها لدى قراءة شعر امرئ القيس، فذهب في تأويله إلى ما ذهب؟
*****
2. الغدران:
الغدران ابنة الأمطار، مَثَلُها مثل العيون والأنهار.
وقد مِرْنا بين هذه الغدران والأمطار التي هي المتسبّبةُ في تكوينها كِأَنَّ الأمطار قد تتهاتن ولكن إمّا أن تتسربَ داخل الثرى وتَغِيَضَ في أعماقها، وإِمَا أَنْ تَسِيَل بها الأوديةُ العميقةُ نحو المنحدرات البعيدة التي قد تمضي بها إلى نحو البحار. ويضاف إلى ذلك أنّ الغدران تمثّل، في المجتمعات البدائيّة، البحيرات والمسابح في المجتمعات المتطوّرة؛ حَذْوَ النعلِ بالنعل. فإنما العذارى، الوارد ذِكْرُهُنَّ في بيت امرئ القيس:
فظل العذارى يرتمين بلحمها

وشحْمٍ كَهُدَّابِ الدِمَقْسِ المُفَتَّلِ


يمّمن الغدير القريب من الحيّ إمّا لغسل الثياب، وإمّا للسباحة والاستحمام.
وللغدران، بعد، أثناء ذلك، خاصّيّة تمثل في أنها مَظَنّةٌ للخِصْب والجمال، والحياة والعمران. فالأمطار قد توجد اليوم، ولكنها قد لا توجد من بعد ذلك إلاّ بعد أسابيع، وربما بعد شهور؛ فتجفّ الأرض من جديد، ويذبل النبات، ويستحيل كلّ أخضر إلى شبه أسود، وتحزن الطبيعة بعد مرح وازدهاء. على حين أنّ الغدران مَظَنَّةٌ لأَنْ يَمْكُثََ ماؤُها، بحكم طبيعتها ووظيفتها أيضاً، شهوراً طِوالا فتتشكّل الحياة الوديعة الخصيبة من حولها ضفافها، وترتع الحيوانات وترتوي منها، وتزقزق الأطيار، وتخضرّ الأرض بجوارها إلى حدّ الازدهاء.
ونودّ أن نتوقّف لدى غدير دارة جلجل، تارةً أخرى. فقد تفرّد، فيما نعلم، برواية أسطورته الجميلة جدّ الفرزدق(20). وقد ظلّ تفسير دارة جلجل في قول امرئ القيس غيرَ متداوَلٍ بين الناس، في حدود ما انتهى إليه علمنا على الأقلّ، إلى نهاية القرن الأوّل الهجري حين حكى الفرزدق لفتيات البصرة، العاريات أيضاً، حكايتَها... ونلاحظ أنّ الفرزدق وقع له ما وقع للشاعر الآخر -امرئ القيس- قبل ذلك بقرنين على الأقل حيث يتكرر مشهد عرى النساء وهنّ يغتسلن في غدير بقرب البصرة، وأنّ الفرزدق وحده هو الذي اهتدى السبيل، أو ضلّ تلك السبيلَ؛ فوقع على أولئك النساء وهنّ يَستَحْمِمْنَ في ماء ذلك الغدير... وإنه حين استحى وعاد أدراجه يريد الابتعاد عنهن، هنّ اللواتي رَغِبْنَ إليه في أن يحدّثهنّ بحديث دارة جلجل... وإذا صحّت هذه الحكاية الجميلة، المتعلّقة، هذه المرة، بالشاعر الفرزدق، لا بالشاعر امرئ القيس، وبنسوة من البصرة لا بنسوة من نجد؛ فإنّ حكاية دارة جلجل لم تَكُ مشهورةً بين عامّة الناس في البصرة التي كانت عاصمة إشْعاع ثقافيّ وأدبيّ ونحويّ لدى نهاية القرن الأول للهجرة، وإلاّ لافْتَرَضْنا أنه يكون في أولئك النساء المستحمّات في الغدير مَن تعرف شيئاً عن حكاية غدير دارة جلجل؛ إذا نفترض أنه كان في أولئك النساء-نساء البصرة- مَن تروى شيئاً من شعر امرئ القيس الغزليّ... ومن العجيب، في كلّ الأطوار الممكنة والمستحيلة معاً، أنْ لا تُرْوَى هذه الحكاية الجميلة المتعلقة بغدير دارة جلجل عن خلف الأحمر، وخصوصاً عن حمّاد الراوية الذي كان هو الذي روى نصوص المعلّقات كما بلغتنا... (21).
وعلى ما في حكاية دارة جلجل من جمال سينمائيّ، وإثارة، ومغامرة، وعُرْي، وإباحيّة؛ وكلّ ما يمنعه المجتمع المحافظ عن الناس... فإنّ الذي يعنينا فيها خصوصاً مائيَّتُها(22).
فالأولى: إن ساحة العذارى -مع عنيزة التي لا يعرف التاريخ- بواقعيّته وأسطوريّته معاً- إلاّ اسمها(23)- في هذا الغدير- لم تحدث لأوّل مرة في التاريخ، ولكننا نفترض أنهنّ كنّ ييمّمنه كلّما كنّ يُرِدْن النزهة والمتاع ببرودة الماء وزرقته وجماله. ومن الواضح أنّ امرأ القيس لم تسنح له تلك الفرصة مصادفة، ولكننا نظنّ أنّ ذلك كان دأباً لديه ولديهنّ جميعاً، مألوفاً؛ فربما كنّ يقصدن الغدير في يوم معيّن، طوال موسم معيّن. من أجل ذلك استطاع أن يتسقط أخبار النساء، نساء الحيّ، ويقص آثارهنّ إلى أن وقع له معهنّ ما وقع، فيما يزعم جدّ الفرزدق الذي يبدو أنه حين حكى حكاية دارة جلجل لحفيده(وقد ذكر الفرزدق أنه كان في سنّ الصبا حين حكاها له إذ يقول: "وأنا يومئذ غلام حافظ"(24) إنما كان يرمي بها إلى ما يرمي الأجداد حين يحكون حكايات لأحفادهم الصغار: التسلية والمتعة، قبل الواقع والتاريخ...
والثانية: إنّ منظر الماء في الغدير، ومنظر العذارى عاريات في هذا الغدير، ومنظر ما يَحْدَوْدِقُ بِجَلْهَتَيْ هذا الغدير: كُلُّها يُحِيلُ على المشاهد البديعة الحسنة؛ فبمقدار ما هي مثيرة، نلفيها، في نفسها، عفويّة بريئة. فكأنّها تمثّل سلوك الطبيعة الأولى، وتجليّات الجمال الغَجَريّ في توحّشه وعذريتّه وحصانته من الاستعمال، ومنعته من الابتذال. فلم يك لأولاءِ النساء، فيما نفترض، أكثر من فلقة واحدة، كنّ يرتدينها لتستر أجسامهنّ، وربما عوراتهنّ فحسب، فمَنْ يدري...؟
ففي مشهد هؤلاء السابحات، في هذا الغدير المغمور بالماء، تكمن العادة في ممارستهنّ السباحةَ عارياتٍ فيه، وَتَمْثُلُ الحضارةُ في حيث إنَّ فِعلَ السِباحةِ يدلّ على الحدّ الأدنى من التمثّل العالي للحياة، والتذوّق المرهف للجمال، والتمتّع الواعي بالطبيعة. كما يكشف عن أنّ النساء العربيّات، على عهد الجاهليّة، كنّ يتنقّلن في الحيّ، أو بين الأحياء، أسراباً أسراباً؛ وكنّ في الغالب يمشين في موكب سيّدة ماجدة، وعقيلة موسِرة(وقد تبلورت هذه العادة الحضارية على عهد الدولة العباسيّة فكانت الخيزران والعبّاسة وزبيدة وغيرهنّ يمشين في عشرات من الجواري...). ويبدو أنّ هذه الماجدة الموسرة هنا كانت عنيزة. فمن أجلها إذن وقع تنقّل العذارى من الحيّ إلى الغدير ابتغاء السبْح والنزهة؛ ومن أجلها، أيضاً، كان امرؤ القيس يقصّ أثار النساء، ويتجسس على حركاتهنّ ومتّجهاتهنّ...
والثالثة: لقد نشأ عن هذه الحادثة-التي نميل إلى أسطوريّتها- شأن آخر لم نكن لنعرفه لولاها: فقد أفضى استيلاء الفتى على ملابس العذارى، وتردّدهنّ تردّداً طويلاً قبل الخروج إلى ملابسهنّ من الغدير وهنّ عاريات، إلى تدبير حَدَثٍ آخر يبدو متكلَّفاً ملفقّاً، ومتدبّراً مقحماً؛ وهو دعوةُ العذارى الفتى الشاعر إلى أن يستضيفهنّ؛ فاستجاب لرغبتهنّ، واقترح عليهن نحر ناقته لهنّ...
وهنا يطفر عنصر المائدة، وهي مسألة تحلو مدارستُها تحت زاوية الأنتروبولوجيا: كيفيّة النحر، والسلخ، وجمع الحطب، وإيقاد النار، وَخضْئِها وتأجيجها، ثم وضع اللحم عليها لينضج بفعل الشَيّ؛ ثم تناول الطعام على ضفاف ذلك الغدير مع العذارى... إنّ هذا المنظر يجمع كل معاني الجمال في أرقّ معانيه، وأروع تجليّاته، وأبدع مشاهداته... فالحيز يستحيل هنا إلى فضاء عبقريّ كأنّه سرّ الحياة ومعناها الأول...
ولمّا كان الحدث هنا، غير تاريخيّ، ولكنه تاريخانيّ؛ ولمّا كان، إذن، سينمائيّاً على الطريقة الهوليوديّة؛ فقد قبلت عنيزة وصُوَيْحِبَاتُها دعوةَ الشاعر المغامر... فنحر الفتى لهنّ مطيّته، وظلوا يشتوون لحمها، ويشربون من بعض خمر كانت في بعض رحله.
ويتسرّب الشكّ إلى تاريخيّة هذه الحادثة، لبعض هذه الأسباب:
أوّلها : إنّ فيها تناقضاً مريعاً، وأموراً لا تتفق مع طبيعة الأشياء، ولا مع تقاليد المجتمع العربي الذي يقوم على الغيرة الشديدة على المرأة...
وثانيها : إنّ الأسطورة، أو ما نراه نحن كذلك، تذكر لدى طفوح حادثة نحر الناقة: عبيداً لم يذكروا من قبل. فهل كان يمكن لفتىً مغامر يتتبّع فتيات في ضاحية من الحيّ أن يصطحب معه عبيداً وخدما؟
وثالثها : يدلّ نحر الناقة على أنّ امرأ القيس لم يكن يتنزّه، ولا يغازل، ولا يتمتّع من لهو؛ ولكنه كان أزمع على سفر طويل، وتَظعان بعيد. وإلاّ فمالَه لم يّتّخذ ركوبته فرساً، واتّخذها ناقة؛ وهي للفارس ليست الرَّكوبَةَ المثاليّة، ولا الركوبة الشديدةَ السرعةِ التي يحرص عليها الظاعن في تَظْعَانَاتِه القصيرة.. كان يجدر بالشاعر الأمير أن يتنقّل على فرسه لا على مطيّته، لأنّ سفره كان للنزهة، ولأنّ الحكاية الأسطوريّة، تزعم أنه كان معه عبيد... ألم يكن من الأولى أن يمتطي هو حصانه، ويترك بعض الجنائب يقودها العبيد لبعض خدماته في الطريق؟...
ورابعها : إنّ هؤلاء النساء حين كنّ أزمعن على الذهاب إلى الغدير(وكان يوماً معلوماً كما يفهم ذلك من نصّ الحكاية نفسها: "فلم يصل إليها(أي لم يصل امرؤ القيس إلى ابنة عمه فاطمة) حتى كان يوم الغدير") (25): ألم يكن من الأولى لهنّ أن يصطحبن معهنّ طعاماً ما، يلي بمتطلّبات النزهة؟ فما بال نحر الناقة، إذن؟ إلاّّ أن تكون تكملة لما كان معهنّ، وإضافة إلى ما كان لديهنّ، فنعم. ولكن، لا نَعَمْ! فقد ثَرِبَتِ العذارى امرأَ القيس فاصطنعن عبارة: "فضَحْتَنا، وحبَسْتنا، وأجعتنا" (26). والشاهد لدينا في هذا هو قولهنّ "وأَجعْتَنا"، وهي عبارة تدلّ على أنهن يَمَّمْنَ الغديرَ ولا طعام معهنّ.
وآخرها : تصور هذه الحكاية هؤلاء العذارى، ومعهنّ هذا الرجل، وكأنهم كانوا يعيشون في جزيرة نائية عن العالم، أو في غابة متوحّشة، أو في فلاةٍ قّفْرٍ: لا نظام، ولا قِيَمَ، ولا شرف، ولا غيرة، ولا حِمِيَّة جاهليّة... إنها حكاية ساذجة، على جمالها، تصور المجتمع العربي، على عهد الجاهليّة، مجتمعاً متحّللاً، إباحيّاً، من رغب إلى امرأة وَصَلَها؛ كما وقع ذلك لامرئ القيس بالأمر المقدَّر، والسلوك المدبّر؛ فظلّ بياضَ نهاره مع هؤلاء النساء، واستولى على ملابسهنّ كيما يَرَاهُن َ كلّهن عارياتٍ: ثمّ لم يحدث من بعد ذلك شيء... بل إنّ أولئك الحسان هن اللواتي دعونه إلى أن يُطعمهنّ من لحم ناقته؛ بحيث لم يغضبن جَرَّاءَ اغتصابِهِنَّ(إجبارهنّ على أن يراهنّ وهُنَّ عَوارٍ).
كما لم تغضب ابنة عمّه عنيزة التي أذلَّها وأهانها، وأقسرها على ما لم تك إليه راغبة أمام صويحباتها، وربما أمام العبيد أيضاً(مادام ذِكْرُ العبيد ورد في نصّ هذه الحكاية): فأين الشهامة العربية التي تتحلّى بها سِيَرُ الرجال، والتي تكتظّ بها نصوص الشعر؟ وأين الشرف العربيُّ الذي تحفل به مواقف الأبطال، في المجتمع الجاهليّ؟ أَلَمْ تَتفانَ بكر وتغلب، ابنا وائل، وهما أختان، من أجل جرح ضرْع ناقة كانت للبسوس خالة جساس بن مرة الشيبانيّ: على مدى أربعين سنة؟ وإذا اندلعت حرب طاحنة من أجل شرف ناقة امرأة كان جسّاس بن مرّة أجارها، في رواية، وأنها خالته في رواية أخرى، ومن أجل شرف طائر كان أجاره كليب وائل(27) أعزّ العرب: فما القول في شرف امرأة سيدة، بل في شرف سيدات عربيّات كنّ يتنزهن فوقع اغتصابهنّ...؟
وكانوا يأنفون أشدّ الأنفة أن يزوّجوا بناتهم لأيّ رجل شاع بينهم أنه وقع في غرام من يريد التزوج منها: خشية العار، وحرصاً على السِّمْع، ورغبة في حسن الصِّيتِ.
أم لم يقتل رباح بن الأسل الغَنَويُّ شأس بن زهير لمجرّد أن حليلته نظرت إليه(ونلاحظ أنّ المرأة هي التي حانت منها التفاتة فشاهدت الرجل وهو يغتسل في عين، وبدون قصدٍ منها هي... لا هو الذي كان ينظر إليها؛ ومع ذلك لم يرحمْه بعلُها، فرماه، وهو غافل في العين، بسهم كان فيه حتفه...) (28)؟ وعلى أننا لا نريد استيعاب هذه المسألة، ولا استقراء البحث فيها، هنا، لأنها معروفة لدى الناس... فكيف إذن يجوز أن نصدّق أنّ دارة جلجل حادثة تاريخية، وأنّ حكاية تعرية العذارى، ومعاقرتهنّ الخمر، ومغازلتهنّ في وضح النهار -وقد كنّ عقيلات كريمات- ممّا يجوز أن يحدث في حيٍّ من أحياء العرب؟
إنّ إيمائَة امرئِ القيس إلى يوم دارة جلجل، ربما كان مجرّد نظرة مختلسة، أو حديث عابر، أو إشارة بعين... فجاء إليها حُكّاةُ الأخبار، ورُواةُ الأساطير، والمُلْتَذُّونَ بما لم يكن، والمتعلّقون بما لم يوجد؛ فأضافوا إليها ما ليس فيها، وأَدخلوا عليها هذه المسحة السينمائيّة، باللغة العصريّة؛ كيما تكونَ مثيرةًً للعجب، وحاملة على الانتباه، وباعثة على التلذّذ والتمتّع... وإلاّ فما لهم سكتوا عمّا وقع لامرئ القيس مع أمّ الحارث الكلبيّة، وأمّ الرباب، وَسَوَائِهَما... إن لم يكن ما ذكره في شِعْرِه مجرّد تَبَاهٍ وادِّعاء، كما كان يفعل بعده عمر بن أبي ربيعة؟ فقد عهدنا الشعراءَ يتزيّدون ويتنفَّجون، وخصوصاً في تصوير صِلاتَهم بالنساء، وخصوصاً امرأ القيس الذي كان يتهم بأَنَّهُ مُفَرَّكُ يَزْهَدُ فيه النساء(29)، ويرغب عنه الحسان، على ما كان موصوفاً به من الوسامة والجمال....
إنّ ما تشتمل عليه الحكاية التي كَلِفَتْ كلفاً شديداً بتجميل الحيز، لم يكن له صلةٌ، في الغالب، حقيقةٌ بالتاريخيّة، ولكنّ صلته بالتاريخانيّة وثيقة. إنّ تلك الحكاية الجميلة تصوّر المجتمع العربيّ قبل الإسلام: كأنّه مجتمع يعيش في غابة، بحيث لا يوجد فرق بين حيوان وإنسان، وبين إِنْسٍ وَجَان... ولم يكن فيه محرّمات محرّمة، ولا ممنوعات ممنوعة: فكل، من رغب إلى شيء ناله، ومن تطلّع إلى رغبة اشْتارَها؛ كما جاء ذلك امرؤ القيس الذي عاد إلى الحيّ ممتطِياً غارِبَ بعير ابنةِ عمه فاطمة(بعد أن كان نحر مطيّته للعذارى، واشتواها لهنّ)، وهو يقبّلها، وهو يعانقها، وهو يغازلها، أمام القبيلة كلها(أمام صويحباتها- وأمام إِمائها، وأمام العبيد....): وَلاَ دَيَّارَ يُنْكِرُ عليه فِعْلَتَه، ولا أحَدَ يَنْعَى عليه سلوكَه... بل آب الشاعر المغامِرُ، العاشق الوامق، أَوْبَة الأبطال إلى الحيّ والقبيلةُ كلها تنظر ولا تعجب، تَرَى ولا تنكر!...
لكنّ الذي يعنينا في رسم هذا الحيز الجميل، ليس الجانب التاريخيّ، بالذات، ولكن الجانب التاريخانيَّ الميثولوجيّ خصوصاً... إنّ الذي أردنا التوقّف لديه، من حادثة دارة جلجل، ليس المنحى العقليّ، ولا الواقعيّ، ولا التاريخيّ، ولكنّ الأسطوري، أو التاريخانيّ؛ نكرر ذلك.
إنّ الذي يتأمّل أمر هذه الحكاية يُحِسُّ إحساساً شديداً بأنّ حاكيها كأنه كان يريد أن يشبع رغبة عارمة كامنة: يشبعها من اللذة الجسدية، ومن ملء العين بِالأَجْسَادِ النسويّة العارية، تحت الطبيعة العارية، وتحت وهج أشعّة الشمس المشرقة، وعلى ضفاف غدير أزرق الماء...
إنه لا يمكن أن يوجد مشهد أجمل من هذا على الأرض... ولا يمكن أن نلتمس حيزاً أروع من هذا الحيز الشعريّ الجميل الذي لا ينبغي أن نكون سذَّجاً فنلتمس البحث في صدقه أو عدم صدقه، أو نسعى إلى مناقشة تاريخيّته من عدم تاريخيته... لأنه لم يكن حيزاً من أجل تصوير واقع التاريخ، ولا وجه الجغرافيا، ولا سيرة الواقع المَعِيشِ في تلك الحقبة من الدهر؛ ولكنه حيز شعريّ خالص؛ كانت الغاية منه إمتاعَ المتلقَّي الشغوف بمثل هذه الحكايات، حكايات العشق والعري، في كل زمان ومكان...
فذلك، إذن، ذلك.
وهناك مواقع أُخراةٌ للماء، وذِكْرٌ لضُروبٍ ممّا يسيل كماء المطر، وماء العين والبئر، وماء السيل، وماء العَرَق، وماء الدمع، في معلّقة امرئ القيس... لم نرد التوقف لديها لسببين اثنين:
أولهما: إنّنا عجلون إلى تحليل المطر والماء في بعض المعلّقات الأخراة. ولا ينبغي أن يجاوز الحديث عن امرئ القيس طورَه، من حيث لا يبلغ عن سِوَائِهِ شأْوَه.
وآخرهما: وهو نتيجة للأوّل، إنّا لو جئنا نحلّل كلّ أحياز الماء بما فيها من جمال، لكان هذا المقال استحال إلى كتاب كامل؛ إذ سينشأ عن ذلك السعي أننا نتوقف لدى جمالية الحيز المائيّ، ولدى أحياز أخراة ذات صلة بهما... وهي سيرة فعلاً تذهب بنا، في هذا السعي، إلى بعيد...
*****
ثانياً: طقوس الماء في معلقة لبيد
لم تخْلُ معلّقة واحدة، من بواقي المعلّقات، من ذكر المياه، أو الأمطار، أو الغدران، أو العيون، أو ما في حكمها، أو ما يكون ملازماً لها، أو ما يكون ذا صلة بها.
وربما يكون لبيد أكثر المعلّقاتيّين، مع امرئ القيس، ذِكْراً للسوائل والسيول، والأمطار والغدران؛ إذ ورد في معلقته ذِكْرٌ لمدافع الرَّيَّان، وَوَدْق الرَّواعد، والجَوْد(بفتح الجيم)، والرِهام، والغَاد المُدْجن، والسيول، والسَرِيّ، والواكف من الدِّيمَة، والتَّسجام، والغَمام، والنِهاء(مفرده: َنِهْي(بفتح النون وكسرها): وهو الغدير)، وَأَسْبل، والخلج...
فكأنّ لبيد بن أبي ربيعة كان يريد أن يسقي شعرَه بهذه السواقي، كما يحتفظ بالماء، ويترقرق بالجَوْد، ويطفَح بالغمَام... وهي سيرة لعلّ الذي حمله عليها ما تتطلّبه الحياة من الماء الذي هو أصل الحياة. إذْ بدونه لا يكون ازدهار، ولا خصب، ولا رخاء، ولا جمال...
ونودّ أن نتوقّف لدى بعض العناصر الدالّة على الماء لدى لبيد، ومنها:
*عَلِهَتْ تَرَدَّدُ في نِهَاءِ صُعَائِدٍ.
إن النِّهاء، في اللغة العربيّة القديمة، يعني الغُدْران. وإذا كان امرؤ القيس أومأَ إِلى ما كان له في غدير دارة جلجل من مغامرات مع النساء، وإن لم يصرّح بذلك تصريحاً، وإن لم يصفه وصفاً... فعزّ على الرواة ذلك وهواة التزيّد في الأخبار فشحنوه بأسطورة النساء العاريات، وما نشأ عن ذلك من مائدة مثلت في نحر المطيّة المرقسيّة للعذارى، ثم العمْد إلى شي لَحْمِها لَهُنَّ، وسَقْيهنّ خمراً كانت معه... فإنّ لبيداً لا يربط الغدران بالنساء، ولكنّه يربطها بالحيوان. فكأنّ الحيز الجميل لديه منصرف إلى الحيوان، قبل الإنسان..
إنه يصف، في هذا المصراع الشعريّ، بقرة وحشيّة فقدت جُؤْذَرَها بعد أن أصابه الصيّادون بسهامهم فقتلوه من حيث لم تستطع، هي، حِمايَتَه، ولا إنقاذَه من مخالب الإنسان القَرِمِ إلى اللحم، والذي لا يشبع إلاّ إذا التهم لُحْمان الحيوانات:
صادَفْنَ منها غِرَّةً فأَصَبْنَها

إِنْ المَنَايَا لا تَطيش سِهَامُها


لقد ظلّت البقرة الأمّ تنتظر، من حول هذه الغدران الجميلة التي كانت تقع في صُعائد؛ فكانت تلوذ نجاة ببعض الشُّجيراتِ التي تَكْفُرُها وتُخْفْيها عن أعين الصيّادين القرِمين: ظلّت تنتظر ابنها لعله أن يَؤُوبَ، وتَرْقُبُ صغيرها عساه أن يعود: طَوالَ ليالٍ سَبْعٍ، بأَيّامها:
عَلِهَتْ تَرَدَّدُ في نِهاءِ صُعَائِدٍ

سَبْعاً تُؤَاماً كامِلا أَيَّامُها


ظلت البقرة الوحشية بغدران صُعائد تنتظر، وتترقب، وتتحسّس، وتتمسك بالأمل الخُلَّب، والرجاء الكُذَّبِ، لعل جُؤْذَرها أنْ يعودَ؛ ولكنْ أنَّى له ذلك وقد هَلَكَ برمية صياد؟...
ومع ذلك، بقيت تلك البقرة تقاوم اليأس؛ فكانت تَأْتَوِي إلى تلك الشُّجيرات التي كانت تتوقّى بها من المطر الهاطل، والوكف الهاتن: لعلّ صغيرها أن يعود...
البقرة عالِهَةٌ حَيْرَى... ولَبَنُها يتغازَرُ في ضَرْعِها... لقد أَلِفَتْ أن تستقبل الجُؤْذَرَ وهو يرضع من لبنها... فأيْنَ صغيرُها إذن ذاك الوديعُ البريءُ الذي كان يعتقد، أو كانت أمّه تعتقد، بغزيرتها الفطريّة أنّ الله وهَبَه الحياةَ ليحيا، لا ليحيا لكي يَخْتَطِفَ منه ذلك الصيّاد القاسي ما وهبه الله من حياة...؟
إنّ لبيداً لا يصوّر، هنا، جمال تلك الغدران، بمقدار ما كان يودّ، أو يودّ نصّه(إذا أوّلناه بحسب مقتضيات مَقْصِدِيَّةِ النص، لا بحسب مقتضيات مقصِديَّةِ الناصِّ): تصوير المآسي التي تقع، حَوَالها، في ذلك الحيز العاري المَخُوفِ، في صراع أبديٍّ بين الإنسان والحيوان، وبين الحيوان والطبيعة، وبين الطبيعة والإنسان: من أجل البقاء.
كان الصراع حَوَالَ غُدْران صُعائد: صراعاً وجوديّاً... فلم يعد الماء سبباً من أسباب الحياة، ولا عنصراً من عناصر الخِصْب والرخاء؛ ولكنّه اغتدى سبباً من أسباب الموت والفناء.... البقرة الوحشيّة الثكلى تُيَمِّمُ الغديرَ لأَنْ تَشَرَب مع إِشراقة شمس الصباح، وبعد ليلة نديّة ممطرة؛ فكانت ترى قوائمها تسيخ في الرِّمال والثَّرى... وتيمّمه أيضاً من أجل البحث الغريزيّ عن صغيرها المفقود... فيصادفها جمع من الصيّادين القرِمين إلى لَحْمِها؛ فيشدّون عليها بكِلابهم ويحاولون رَشْقَها بسهامهم؛ ولكنها تَشُدُّ هي، بدافع الدفاع عن الوجود المشروع، على الكلاب الملاحقة لها؛ فتقتل منها سُخَامَاً وَكَسَابِ؛ ثم تطلق، من بعد ذلك، قوائمَها للريح حتى لا تُصيبَها سهامَ الصيّادين المرسَلة عليها من كلّ اتجاه... إنها محنة وجوديّة رهيبة تمرّ بها هذه البقرة المسكينة التي لا يرحمها على الأرض أحد من البشر... فهي لم تفقد جُؤْذُرُّها فحَسْب، ولكنها، الآن توشك أن تفقد نفسَها أيضاً... فهبوطُها تلقاءَ غدران صُعائد، الحيزِ المائيّ الجميل، بحثاً عن صغيرها الضائع كاد يأتي عليها، فيلحقها بولدها المُتَقَصِّدِ.
يا لها مأساةً تعيشها هذه البقرة على ضفاف هذه الغدران التي كان من المفروض أن تمرح من حولها وترتع، عوض أن تشقى وتقلق!..
الغدير لدى امرئ القيس مصدر للسعادة والمرح والنزهة والجمال والمتاع، ولكنه لدى لبيد مصدر للشقاء والترح والتعب والشظف والصراع من أجل البقاء؛ إذْ لا الصّيادون الذين كانوا يكْمُنون قريباً منه لهذه البقرة الوحشية لاصطيادها حقّقوا ما كانوا يريدون إليه، حقاً؛ حيث على مدى سبعة أيّام من الانتظار والترقّب لم يستطيعوا الظَفر إلاّ بذلك الجُؤذَرِ الغضّ الذي لا يسمن ولا يغني؛ ولا البقرة الوحشيّة استطاعت أن تحتفظ بجؤذرها الفتيّ، وترتع معه، وتشبعه من لبنها الدافئ، وحنانها الغامر...
خسر الإنسان، لدى نهاية الأمر، والحيوان أُلْمَعَا، أمام هذه الطبيعة المتجسّدة في غدران صُعائد... فكأنها غدرانُ شؤمٍ ونكَدٍ، لا غدرانُ خير ورغَدٍ.
والرياح لدى لبيد كأنها ريح. والأمطار لديه كأنها مطر؛ وكأنّ الطبيعة حين تضطرب وتنشز إنما تُبْدِي عن غضَبِها وعُبوسها: فتربدّ سماؤُها، ويتغازر ماؤُها، وتسيل وديانها، وتدوّي بالرعد فِجاجُها؛ فيتضافر ما هو فوق، مع ما هو تحت: ليجعلا مِمَّنْ، ومِمَّا، يعيش على هذه الأرض مُعَنّىً معذّباً، وخائفاً مترقّباً:
باتتْ وأسبلَ واكِفٌ من دِيَمةٍ

يَروي الخمائلَ، دائِماً تَسْجَامُها

يعلو طريقَةَ مَتْنِها مُتَواتِرٌ

في لَيْلَةٍ كَفَرَ النّجومَ غَمامُها


الليل، الظلمات، الحَيا المتواتر، والقَطْرُ المُتهاتن: لا النجوم تُرَى فتُضيء بعض هذه الأصقاع من الأرض؛ ولا السماء تُقْلِعُ فيتاح للأحياء أن يَأْمَنُوا على أنفسهم غضبة هذه الطبيعة الهوجاء. فالبقرة لم تُصّبْ بفقدان جُؤْذُرِها فَقَطْ، ولكنها أصيبت، في ليلها ذلك البهيم، ببَلِيَّةٍ ممطرة باتت تُلِحُّ عليها بدِيمَتها السُّجُومِ.
وما عُفْرُ اللَّيالي، كالدَّآدِي! ليلةٌ دَأْدَاءُ كَفَرَ الغَمَامُ نُجومَ‍ها، وَغَطَّى السحابُ قمرَها وأَدَيمَها، وتناوحت رياحُها: فلم يعد أحدٌ يرى فيها شيئاً: إن مَدَّ يده انقطعتْ، وإن حرّك رجلَه تعثَّرَتْ. ليلُةٌ لا تَسْمَعُ فيها إلاّ تناوُح الرياح، وتصايُحَ الحيوانات، وتباكِيَ الأطفال...
وكلُّ هذه الأهوالِ التي هالَتْ الأرضَ في هذه الليلةِ الدَّأْدَاءِ إنما كان أسبابُها آتِيَةً من هذا الواكِفِ السُّجُوِم، وهذا المطر الهَتُونِ الذي يَفْتَأُ يَسْجُمُ ويدوم.
فعــــل الـمــــاء
وكأنَّ للماء عقدةً مع المعلّقاتيّ لبيد، فهو حين يصف ديار حبيبته يُنحِي باللوائم، من طرْف خفيّ، على جبروت الماء وما تسبّبه من مآسٍ وشقاء، وأتراح وعناء. فهذه السيول سارعت إلى الديار حتى اغتدت عافية. ولولا هذه السيول المتسلّطة لقاومت تلك الديار عوامل الزمن، فظلت كما عَهِدَها الشاعر حين غادرها... لكنّ السيول الجارفة لم ترحمه ولم ترحَمْها، فأمست أثراً بعد عين، ولم تُبْقِ منها السيولُ إلاّ آثاراً تُحْزِنُ أكثرَ مما تُفْرِح، وتشقي أكثر مما تُسْعِد...
إنّ الماء هنا أيضاً لا يكون مَظِنَّةً للسعادة والرَّخاء والنعيم، بمقدار ما يكون مَظِّنةَ شقاءٍ وقساوة وجحيم.
بيد أنّ هذا الماء بأشكاله المختلفة: من غُدران، وأنهار، وأمطار، وسيول، وعيون، لا يلبث أن يثوب إلى جِبِلَّتِهِ الأولى التي يُسِّرَتْ له؛ وهو إخصاب الأرض وتخْضِيرُها، وإِنبات النباتات والتمكين لها في النَّماء. ويمْثُل ذلك خصوصاً في وصف الرسوم والديار، وما آلَ إليه أمرُها بعد أن تَحَمَّل عنها قطينُها:
رُزقَتْ مرابيعَ النُّجوم وصابَها

ودْقُ الرواعِدِ جَوْدُها فَرِهامُها

مِنْ كلِّ ساريةٍ وغادٍ مُدْجِنٍ

وَعِشيَّةٍ مُتَجاوبٍ إرزامُها

فَعَلاَ فروعُ الأيهقانِ وأطفلَتْ

بالجَلْهَتَيْنِ: ظِباؤُها ونَعَامُها

والعِينُ ساكنةٌ على أَطْلائِها

عوذاً تَأَجَّلُ بالفَضاءِ بهامُها

وجلاَ السُّيولُ عن الطُّلولِ كأنَّها

زُبُرٌ تُجِدُّ مُتبونَها أَقْلاَمُها


إنّ هذه الطبيعة المتجسدة في هذه اللوحة الحيزية الخصيبة العجيبة، والمترسمة عبر هذه الأبيات الخمسة لَهِيَ ذاتُ طبيعة عذريّة، كريمة، سعيدة، سخيّة، غنيّة، معطاء. فهذه الديار، أو قل: هذه الآثار الباقية من الديار، ألحّت عليها الأمطار حتّى أصبحت سيولاً تجرفها، وصابَها ودْقُ الرواعد بما هي أمطار غزيرة حتى لم تَتَّرِكْ حجراً، ولا شجراً، ولا غُثاءً، إلاّ اجتثّتْه اجتثاثاً، واقتلعته اقتلاعاً؛ فتخدّد وَجْهُ الأرض، وارتسمت على سطحه ارتسامات كأَنَّها خطوط الكتابة حين تخطّ على صفحة القرطاس.
وماذا عن النهر؟ وماذا عن هذا الأَيْهَقَان المُخضِّر، المُمَرِع الناضِر؟ ثم ماذا عن هذه الظباء المتواثبة وِبَهامِها الرَّاتعة؟ ثمّ ماذا عن هذه العِينِ-هذه الأبقار الوحشّية الواسعات العيون- وهي ساكنة في هذا الوادِ المُمْرِعِ: على أطلائها؟ ثمّ ماذا عن هذه الطبيعة العذريّة الساحرة؟ ثمّ ماذا عن هذه الأمْواهِ الزرقاء، المتغازرة الجارية؟ وكيف سكنت الأبقار وهي تُرْضِعُ أطلاءها؟ وكيف مرحت الظباء وهي تتواثب مع بهامها؟
كأنّ عبقريّة الحياة، بكل ما فيها من نضارة وبهاء، ووداعة وسخاء، لم تتجَلَّ إلاّ في هذا الوادِي الخصيب، ولم تَمْثُلُ إلاّ في هذا الربيع الرطيب؟
الرعود تُدوّي فيتجاوب دَوِيُّها عبْر مَهاوِي الأودية، وخلال الفجاج السحيقة؛ فالأصوات تنحدر من نحو العلاء إلى نحو أعماق الفجاج التي تشبه المهاويَ اللاّمتناهِيَةَ لِعمقها، وَبُعْدِ قَعْرِها. وإنها لَعَشَايَاً عجيبةٌ تلك التي تُرزِمُ فِجَاجُها وَتِلاعُها، وَتَصْدَى جبالُها وسفوحُها. وإنها لعَشَايَا رطيبةٌ هذه التي يدجن سَحابُها، وتغدق سارِيتُها، فتَسْقِي الأرض، وتُسِيلُ الوديان، وتُحْيي الموات، وتُنبت النبات...
إن الماء يعود، هنا، إلى طبيعته الأولى. إنه يتّخذ له وظيفة طقوسيّة بحيث تتجاوب السماء مع الأرض، ويتضافر الأسفل والأعلى، وتتهيّأ كلّ الكائنات الحيّة لاستقبال هذا الماء، هذا المطر، هذا الحيا: بما هو له أهل من العناية والاحتفاء والاحتفال: والإنسان في كلّ ذلك يستوي مع النبات والحيوان. بل رُبَّتَمَا ألفينا هذا الدأْبَ يتجلَّى في سلوك الحيوانات أكثر ممّا يبدو في سلوك الإنسان الذي يعنيه على كلّ حال، كثيراً، أمرُ هذا المطر الذي بفضله يتغافص نبْتُ النبات، وتربُو فروعُ الأيقهانِ، وتُخْصِبُ الجَلْهَتَانِ، وتتناسل الأبقار فتتكاثر حتّى يكتظّ بها الوادي، وتتلافح الظباء فتتعدّد حتى تحتلف بها السفح: فيَيْسُرُ على الإنسان اصطيادُها إن شاء، ويتمتع بالنظر إليها إن شاء، وَيَعُبُّ، في ماء المطر إن شاء...
فالماء هنا هو الحياة نفسها.
فما كان للإنسان ليكون لولا هذا الماءُ الذي بفضله كان له كلُّ شيءٍ على الأرض ممّا يشتهي أكلَه أو شربَه، أو لمْسَه أو شَمَّه...
وإذن، فغدران صُعائد الشقيّة المُشقية مَعاً ليستْ إلاّ أمراً عارضاً، وشأناً عابِراً، لتلك البقرة الوحشية التي اصْطِيدَ طَلْؤُها فأمستْ ثَكْلَى: تبغم وتخور، وتضطرب من حولها وتدور، لعلّها أن تقع على جُؤْذُرِها المفقود، ولكن سُدىً!.. الأبقار هنا ساكنات على أطلائها تُرْضِعُها من ألبانها، بعد أن كانت اُرْتَعَتْ وَرَتَعَتْ، وشرِبَتْ فَرَوِيَتْ. وإنما يدلّ سكونُها على أمريْن اثنين:
أولهما: إن كثرة الكلأ جعلتْها تَشْبَعُ من الارتعاء من أوّل مَرْتَعٍ. فقد أغنتْها الأكلاءُ والأعلاف والأعشاب عن أن تركُضَ وراء العُشَيْبَاتِ الشاحبة الذابلة المتباعدة المواقِعِ: تقْضِمُها وَتخْضِمُها.
وآخرهما: إنّ سكون هذه العِينِ قد يعود إلى أنها كانت آمنةً على نفسها من الصيادين الذين هم أيضاَ، لِمَا كان أصابهم من خِصْبٍ، صابَهُمْ من جَدىً، أمْسَوْا في غنىً، ولو على هونٍ ما، عن اصطياد هذه الأبقار والتماسِها تحت كلّ صقع. أو لتكاثر هذه الأبقار، في ذلك الموسم الخصيب، أَمِنَتْ على نفسها، في هذا الوادي الذي يبدو أنه كان منقطعاً عن العمران، بعيداً عن السكّان. إنّ الحيز، هنا، بديع، لأنه مُمرع خصيب، وجميل، لأنه مُخْضَوْضِرٌ قشيب؛ ونضير، لأنه يقوم أساساً على غزارة الماء، الهاطل من السماء....
ويغيب الصيّادون، هنا، عن هذا المشهد العجيب، كما يغيب عنه الرِعاءُ: فأيْنَ سهام الصيّادين المترصّدة؟ وأين المرتادون ليجلُبوا على هذا الوادي بشائِهِمْ ونَعامهم فيغضّ بهم وبها، ويصطخب بأصواتهم وصيحاتهم؛ فيمسي هذا الحيز مضطرباً بالحركة، مصطِخباً بالأصوات...؟
*****
ثالثاً: طقوس الماء في معلقة عنترة
لم يَكُ عنترة بِدْعاً من المعلَّقاتييّن الآخرين في معلقته التي ورد فيها ذكر العيون، والسَّحّ، والتسكاب، والقرارة، وماء الدحرضين، والروضة الأنف، والغيث، والنبت، وحياض الديلم، كما ورد فيها ذكر الشراب-الذي هو سائل- مراراً...
غير أنّ الماء في معلّقة عنترة لا ينهض على وجوديّة عارمة، كما لاحظنا ذلك في معلّقة لبيد العجيبة، وخصوصاً حين يربط وجود غديرٍ صُعائد بحياة البقرة التي هي إن ظلّت بعيدةًعن الغدير أوشكت أن تهلك ظَمَأً، وتمعن يأساً من العثور على طَلْئِها، وإن هي هبطت إلى الغدير فإنها توشك أن تتعرَضَ لِخَطَر الموت، ولسِهام الصّ‍يادين المترصّدة، ولمطاردة الكلاب المتحرّشة، ولكلّ الطوائل والمحن... فما عسى كانت أن تصنع وقد بُليَتْ بأمريّن اثنين كلاهما مُرٌّ وضُرٌّ: الثكل، والوقوع تحت طلب الصيادين الجشعِين...
صورةُ الماء، وطقوسُ السوائل في معلّقة عنترة أبسط من ذلك كثيراً... إنها لا تحمل فلسفة الصراع من أجل البقاء، ولا المناضلة من أجل الحياة، إلاّ في صورة تنشأ، أصلاً، عن هَطْلِ المطر، وتَغازُرِ الماء، واندلاع الربيع، وفيض الخصب. وهي صورة الذباب التي كان أبو عثمان الجاحظ أُعْجِبَ بها إعجاباً شديداً، والتي يجسدها قوله في وصف الروضة الأُنفِ التي يجتابها الذباب، وتكثر من حولها الحشرات:
أو روضةً أُنفاً تَضَمَّنَ نبْتُها

غيثٌ قليلُ الدِمْنِ ليْس بمُعْلِمِ


جادَتْ عليها كُلُّ عين ثَرَّةٍ (31)

فتركْنَ كُلَّ حديقةٍ كالدِرْهَمِ

فترى الذُّبابَ بها يُغنّي وحّدَه

هَزَجاً كفعل الشّارِب المترنِّمِ

غرِداً يَحُكُّ ذراعَه بذراعه

فِعْلَ المُكِبّ على الزِّنَادِ الأَجْذَمِ (32).


إنها ملحمة الماء والخصب في هذه اللوحة الحيزيّة البديعةِ الجمالِ، والتي تتغافص فيها السمات اللفظيّة المائيّة، والسمات التي لها صلة بجمال الماء؛ فَيَقُصُّ بعضها بعْضِاًً، وذلك مثل: الروضة الأُنفُ، والنبْت، والغيث، والدمن، والربيع، والجود، والبكر الحرّة(السحابة الممطرة)، وقرارة الماء، والسَّحّ، والتسَّكاب، وجَرَيان الماء الذي لا يتصرّم سيلانُه...
وإذا كانت أمواهُ النهر وضفَّتيْه الخصيبتَيْن ذُكِرَتْ لدى لبيد في معرض الأمْن الذي استتبّ في ذلك الوادي حتى أمِنَتْ فيه الأبقارُ الوحشيّة على نفسها وعلى أطلائها من غائلة الصيادين؛ كما كانت أمنتْ معها الظباء وبهامُها؛ فإنّ الخصب هنا -الروضة الأنف وما كان له صلة بها- ذُكِرَ عَرَضاً من أجل تشبيه ثَغْرِ الحبيبة عبلة وُوضوح غروبها، وطِيبُ مُقَبَّلِها أوّلاً، ثم من أجل وصف ربوعها الدراسة، وديارها البالية: فذكر مع ذلك، أثناء ذلك، هذا الذباب السعيد الذي خلا بهذه الروضة الأنف، إذا حقّ للحيوان أن يسعد: وذلك بفضل ما وقع له من هذا الخصب الخصيب، وهذا الجو الرطيب، وهذا الكَلأ المتكاثر، وهذا النبت المتغافص، فصار من فرْط سعادته ورِضاه، غِرداً هِزجَاً، ومتغنيّاً مترنّماً، يحك الذراع بالذراع، كفعل المكبّ الأجذم حين يقدح بعودين اثنين.
أخيراً: وقد كان الجاحظ أعجب، بهذه الصورة الغجريّة العذريّة، إعجاباً شديداً فلاحظ أن عنترة لم يُسْبَقْ إليها في الشعر العربيّ، ولم يلاحقه فيها أحد من الشعراء مخافَة أن يقصروا عما بلغه هو فيها من الجودة وحسن التصوير؛ فزعم أنْ لوْ "أنَّ امرأَ القيس عَرَضَ في هذا المعنى لعنترة لافتضح" (33)، وأنّ الشعراء كانوا يقلّدون كلّ "تشبيه مصيب تامّ"(34) سبق إليه شاعر منهم" إلا ما كان من عنترة في صفة الذباب، فإنه وصفه فأجاد صفته، فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرض له أحد منهم"(35).
ونحن قد كنّا رددنا على أبي عثمان، في غير هذا المقام، حيث إننا لا نشاطره الرأي، وأنّ الشعراء لم يتحاموا هذه الصورة بمقدار ما تجانَفوا عنها لقذارتها وَبَشَاعَتِها. فلو كانت هذه الصورة تتعلّق بثغِر امرأة جميلٍ، أو بشذى وردةٍ عبق، أو بقدِّ حسناءَ ممشوقٍ- كاتفاقهم في وصف المرأة بالكشح اللطيف (امرؤ القيس)، أو الأهضم (عنترة)، أو كشح جنوبيّ (عمرو بن كلثوم)... أو بعيني الحبيبة السوداويْن المشبّهتين غالباً بعيون ظباء وجرة (امرؤ القيس- لبيد)، وببقر وَحْشِ تُوضِحَ.... لكانت الشعراء تَسَابَقَتْ إليها، وتهافتَتْ عليها، وَكَلِفَتْ بها كلفاً شديداً؛ ولكانت، إذن، جَرْت في أشعارها، ولتكاثرت حتماً في آثارها... أمّا والأمر منصرف إلى الذباب الساقط، وهيئته المستبشعة، وقذارته المستسمجة، وإلى طنينه المزعج، وغنائه المضجر، ولسعاته المؤذية، وتكالبه على الناس لَيَعَضَّ جلودهم، ولِيَسَّاقَطَ على شرابهم فيتحاموه، وليحطّ على طعامهم فيعافوه... حتى إنه ورد في الأثر الشريف بأنّ "الذباب في النار" (36). وقد كانت العرب تكنوا الرجلَ الأبخر: "أبا ذباب" (37).
أفيعقل مع كلّ ما ذكرنا، أن تتهافت الشعراء على صورة الذباب القذرة المتوحّشة لتلهج بها بدل المناظر الجميلة، والمشاهد العجيبة، والأصوات الرنينة، والحركات الرشيقة التي تأتيها الحَشَراتُ الأخراة الجميلة والنافعة كالنحل والفراش...؟
وأياً كان الشأن، فإنّ الذي يعنينا، هنا والآن، أنّ المطر هو الذي كان علّة في إخصاب حيز الروضة الأنف التي تكاثرت حشراتها، وتكالب ذبابها؛ فكانت تنتقّل من نبتة إلى نبتة، ومن عشبة إلى عشبة أخراة: التماساً للغذاء، وطلباً للحركة، ورغبة في التسافد...
والذي نلاحظ أنّ الماء كأنه أشدّ ارتباطاً بالحيوان منه بالإنسان، إلاّ ما كان من غدير دارة جلجل (الحيز المائي الذي صوّره امرؤ القيس الفتى المتأنِق الذي لم يبرح يطوّف في بلاد العرب، إلى أن انتهى به التطواف إلى الشام، ثم إلى بلاد الروم، ثم إلى قصر القيصر...) وإلاّ فإننا كنّا ألفينا لبيدا يتحدث عن البقر العِيَنِ وهنّ ساكناتٌ على أطلائِها، على جَلْهَتَي الوادي، دون ذكر للإنسان الذي كان هو الأَوْلَى بالإحساس بالخصب، والأجدر بالحرص على تَسجام الغَيث.
كما نلفي الشَّأْنَ نفسَه لدى عنترة في وصف الحديقة الغنّاء التي ربط كلّ ما فيها من نبات وزهور وأعشاب وأكلاء بهذا الذباب التي تحوم خِلالَها بدون توقّف ولا مَلَلٍ ولا كَلَلٍ.
فالماء، إذن، في التمثّل البدائي أنه كان للحيوان والنبات، ثم الإنسان الذي يتسقّط مساقطه، ويرتدي مراعَيه حين يجودها فتربو وتنمو. وكأنّ الإنسان مجرّد شريك للحيوان الذي هو هنا ذو حقوق متساوية معه، فيه.
*****
رابعاً: طقوس الماء في المعلقات الأخراة
لم تَخْلُ أيُّ معلقّةٍ من ذِكْرِ الماء، والتعامل مع المطر، وربطه بالحياة البدويّة الصحراوية بكلّ ما فيها من شَظِف العيش، وشقاوة السعْي، وشحّ الطبيعة وقساوتها. ولعلّ زهير بن أبي سلمى أن يأتي، بعد لبيد، وامرئ القيس، وعنترة، في المرتبة الرابعة من حيث الإيلاعُ بذكر الماء، ومن حيث القدرةُ على توظيفه في معلّقته، ومن حيث، خصوصاً، ربُطُه بالحياة والأحياء، وذلك حين يقول:
بها الْعِينُ والأرآمُ يمشِينَ خِلْفَةً

وأطلاؤُها ينهَضْ من كُلِّ مَجْثَمِ (....)

وفيهنّ ملهَّىً لِلَّطِيفِ ومنظَرٌ

أنيقٌ لِعَيْنِ الناظِر المتَوسِّمِ


وقوله أيضاً:
* فهنّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ*
*فلمّا وَرَدْنَ الماءَ زُرقْاً جِمَامُهُ*
ولكننا نلاحظ أن زهيراً يتناصّ في هذه اللقطة الشعرية مع عنترة في الأبيات التي قدمناها منذ قليل، ومع لبيد قوله:
فعلا فروع الأيهقان وأطفلَتْ

بالجَلْهَتَيْنِ ظِباؤُها ونَعامُها( ...)

*والعِينُ ساكِنَةٌ على أَطْلائِها*


وربما مع قول امرئ القيس أيضاً:
تَرَى بَعَرَ الأرآم في عَرصاتِها

وقيعانِها: كأنه حبُّ فُلْفُلِ


فكلُّ هذه الصوِر يَتَقَارَبث ويتشابه، وَيَنْسُجُ بعْضُها على بعضها الآخر. فهناك: العِينُ، والأطلاء، والأرآم المتلاعبة، لدى زهير، حتّى كأنّ الصورتيْن في المعلّقتين هما صورة واحدة. وهناك منظر أنيق لعَيْن الناظر المتوسّم، لدى زهير أيضاً. بينما هناك لَعِبَ الربيعُ بربْعِها المتوسمّ، لدى عنترة. على حين أنّ امرأ القيس لم يذكر إلاّ بعر الأرآم في العرصات، فذكر السمة الحاضرة (البعر) الدالّة على السمة الغائبة (الأرآم)؛ فكلامه يجري مجرىً سيماءَوِياً قائِماً على اصطناع القرينة من باب: لا دُخانَ بلا نار. وعلى أنه يمكن أن يُقْرَأَ على أنّه سمة مُماثِليَّةٌ(إقونيّة)، إذا راعينا أنّ مثل هذا البَعَر الأسود المتساقط في العَرَصات لا يدل لدى العارفين، على إبل، ولا على شاة، ولا على بقر، ولا على ظباء. وإذ اختصَّتْ هذه السمةُ الحاضرة بالسمة الغائبة التي لا يمكن أن تخرج عن جنس الظباء البيض، فقد اغتدى هذا الكلامُ وارِداً مَوْرِدَ ما نطلق عليه نحن في مصطلحاتنا "المماثل" (أي"الإقونة"، بالمصطلح الأجنبيّ).
وصورة الحيوانات في معلّقة زهير، صورة تقوم على الماء والخصب:
*رَعَوْا ظِمْأَهُمْ

* بها العِينُ والأرآمُ يمشين خِلْفَةً

وأطلاؤُها ينهضْ من كلّ مَجْثَمِ


إذ لولا الغيث النازل، والمطر الهاطل؛ لما وقع هذا الرعْيُ لهذا الكلأ المُخْضَوْضِرِ، ولما تواجدت هذه الأبقار الوحشية، وهذه الظباء الجميلة: المُطْفِلَة. فولا الإمراعُ لَما حدث تلاقح هذه الحيوانات وتسافُدُها، ولما أطفلت، إذن، ما أَطْفَلَتْ. لكننا نلاحظ، أثناء ذلك، أنّ زهيراً يتفرّد، عن بعض المعلقّاتّيين الآخرين، بربطه الماء بالإنسان، وخصوصاً بمواقف الجمال، ومآقط الحُسْنِ والدّلال، أي بالنساء الجميلات السَّاحرات، فكأنّ الماء لم يكن، من منظوره، إلاّ من أجل الحسناوات؛ وإلاّ من أجل أن يسْعَدْنَ في رِياضه، وَيرْفُلْن في أزهاره، ويستمتعن بَسَيلانِهِ وهو يسيل، ويتشنّفن بخريره وهو يَخِرُّ:
*فهنّ ووادي الرسّ كاليد لِلْفَمِ

*وفيهنّ ملهىً للطيف ومنظرٌ

أنيق لعَيْن الناظر المتوسِّم

*فلمّا وردن الماء زُرْقاً جِمامُه


فلأوّل مرة نصادف في معلّقة تخصيصَ الماء للإنسان، صراحةً ، ووقْفَه عليه، وجعْلَه يستمتع به، ثم جَعْلَه، خصوصاً، يُحِسّ به:
*فلمّا وردن الماء زرقا جِمامُه

وضعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ


فما هنّ إلاّ أن يَردْنَ هذا الماء الصافِيَ الرقراق الذي تكتظّ به هذه البئر الثَّرَّةُ؛ وإذا هنّ يُبْهَرْنَ بما في هذا الماء الزّلال من جمال، وعذوبة، وصفاء، وشفافة: فيقرّرِن الإضراب عن المسير، ويُزمعن على الثواء من حوله: فيُطَنِبْنَ الخيام، ويُزَمِعْنَ المُقام.
فلم يكن تخييمُ أولاءٍ النساء، ومعهنّ بعولُهُنَّ وأطفالُهنّ وأقاربهنّ، هنا، إلاّ من أجل جمال هذا الماء؛ إذ كان هو عنصر الحياة الأوّل، وسرّها الأكبر. فنساء دارة جلجل لم يكدن يستمتعن بالماء إلاّ ساعةً من نهار، لَمَّا تعرّضن للمضايقة والفضيحة حين استحوذ امرؤ القيس، فيما تزعم الحكاية، على ملابسهن، ثمّ زايلْنَه، وربما إلى غير إياب. بينما الماء لدى لبيد وعنترة لا يكاد يتصّل شأنه إلاّ بالحيوانات. فكأن سعادة تلك الحيوانات من سعادة الإنسان، أو كأنّ تلك الصور الخصيبة، والمشاهد المُمْرِعَة، سمة حاضرة تجسّد سمة غائبة: هي حياة أولئك البدو الذين كانوا يرتادون الكلأ، ويتسقّطون مواقع الماء، ويتوخّون المآقط التي يكون فيها خصب وريٌّ، وعُشْب وَكَلأٌ. فتسمنُ أنعامُهم متى ارتعوها، وتَرْوَى إبِلُهم متى أوردوها؛ إذْْ كانت حياتُهم من حياتها، بل وجودهم من وجودها.
وأمّا عمرو بن كلثوم فإنه يرقى بالماء إلى أنه أساس الوجود، وسرّ العزّة، وقوام السلطة؛ وأنه وقومَه كانوا لا يبالون، حين يطلبون الماء ويلتمسون الخصب، أن يقتلوا من يُلفونه في سبيلهم من أجله:
ونشرَبُ إِن ورَدْنا الماءً صفْواً

ويشرَبُ غيرُنا كدَراً وطِيناً


إنّ هذا البيت يواري وراءه عالَماً معقّداً من الصراع الضاري من أجل الماء، في الحياة الجاهليّة، حيث كثيراً ما كانوا يتقاتلون على الماء، أو حول الماء، أو من أجل الماء. ويعني ذلك أنّ القبائل الخاملة، كانت ربما التمست من الماء أملحه، ورضَيتْ من العيون بأكدرها: فكان الماء العذب الزلال وَقْفَاً على القبائل العزيزة، والبطون الماجدة التي تقوى على البطش والصراع.
*****
إنّ الماء حين يذكر في المعلقات، إنَّما يذكر:
1. إمّا غيثاً هاتِناً تُخْصِبُ عليه الأرضُ، وينمو به النبت:
2. وإمّا شآبيبَ غزيرةً تقع منها السيول، وتسيل بها الأودية:
*من السيل والأغثاء فلكهُ مغزَلِ(امرؤ القيس)،
*وألقى بصحراء الغبيط بَعَاعَهُ(نفسه)،
*كأنّ السباع فيه غرْقَى عِشيَّةً(نفسه)،
*وجلا السيولُ عن الطُّلولِ (لبيد)؛
3. وإمّا غُدْراناً يسبح فيها العذارى، وتَرْوَى منها الحيوانات:
*ولاسيما يوم بدارة جلجل(امرؤ القيس)،
*شرِبَتْ بماء الدُّحْرُضَيْنِ فأصبحَتْ

زوراءَ تنفُرُ عن حِيَاضِ الدَّيْلَمِ(عنترة)،

عَلِهَتْ تَرَدَّدُ في نِهاءِ صُعَائِدٍ

سَبْعاً تُؤَاماً كاملاً أَيَّامُها(لبيد)؛


4. وإمّا عيوناً ثرثارة يغتسل فيها الناس، ويستقون منها ما يشربون:
*فمدافِعُ الرَّيَّانِ(لبيد)،
*فتركن كلّ حديقة كالدرهم (عنترة)،
*فلمّا وردن الماء زرقا جِمَامُهُ

وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِر المتوَسِّمِ(زهير)؛


5. وإمّا أنهاراً صغيرة، يكثر الخصب على ضفافها:
*فتوسّط عرض السرى(لبيد)،
*وأطفلَتْ بالجَلْهَتَيْنِ ظِباؤُها وَنَعَامُها(لبيد أيضاً)؛
6. وإمّا عُيوناً أو آباراً يشتدّ من حولها الصراع، فلا ينالها إلا الأعزّ، ولا يُبْعَدُ عنها إلاَّّ الأذلالّ:
*ونشرَبُ إِن ورَدْنا الماء صفوا

ويشرب غيرُنا كَدراً وطينا(عمرو بن كلثوم)؛


7. وإمّا بحراً طامِياً، تمخر فيه الفُلْكُ:
*يَشُقُّ حَبابَ الماءِ حيزومُها بِها (طرفة)،
*وماءُ البحر نَمْلَؤُه سَفِينَا (عمرو بن كلثوم).
إحالات وتعليقات:

يراجع الدكتور أنور أبو سليم، المطر في الشعر الجاهليّ، بيروت، 1987 . <LI value=1>الجاحظ، الحيوان، (مجازات متفرقة من هذا المصدر). <LI value=1>الثعالبي، فقه اللغة، وابن سيده، المخصصّ... الخ... <LI value=1>أنور أبو سليم، م. م. س.، ص 45 وما بعدها. <LI value=1>يراجع مثلاً: ياقوت الحموي، معجم البلدان، (عين). <LI value=1>ابن منظور، لسان العرب، حيا. <LI value=1>م. س. <LI value=1>الدكتور مصطفى ناصف، قراءة ثانية لشعرنا القديم، منشورات الجامعة الليبيّة، كليّة الآداب، ليبيا(بدون تاريخ)، ص126 وما بعدها. وانظر أيضاً، أنور أبا سليم، م. م. س.، ص48- 49. <LI value=1>ابن قتيبة، كتاب العرب، ص372، في رسائل البلغاء، وابن منظور، م. م. س.، (حنف) 9م- ابن الكلبي، كتاب الأصنام، تحقيق أحمد زكي، مجازات متفرقة من هذا الكتاب.
<LI value=1>ابن كثيرة، السيرة النبويّة، 1 . 62 . ابن الكلبي، م. م. س.، ص 6- 8. <LI value=1>م. س. <LI value=1>م. س. <LI value=1>ابن منظور، م. م. س، لمع. <LI value=1>م. س. <LI value=1>ديوان الأعشى، ص153. ويروى أيضاً: "أوشالها"، وهي اختيار ابن منظور، م. م. س. <LI value=1>"لمع الرجل بيديه: أشار بهما، وألمعت المرأة بسوارها وثوبها كذلك" (ابن منظور، م. م. س.، لمع). وانظر أيضاً شرح ديوان حماسة أبي تمّام، للمرزوقي، ص2. 631- 632، 743، والجاحظ، م. م. س.، 5. 521 . <LI value=1>السلع والعشر: ضرب من الشجر كان يوقد في مثل هذه المناسبة المعتقداتيّة. <LI value=1>الجاحظ، م. م. س، 4. 466. هذا، ويورد الجاحظ ثمانية أبيات لأميّة بن أبي الصّلت يتحدث فيها عن هذه الطقوس الاستمطارية: م. س.، 4. 466- 468. <LI value=1>ابن قتيبة، م. م. س.، ص. 361، وابن منظور، م. م. س.، حنف. <LI value=1>راجع أبا زيد القرشي، جمهرة أشعار العرب، 38- 39(بولاق)، وابن قتيبة، الشعر والشعراء، 1. 64 -66، مثلاً. <LI value=1>ياقوت الحموي، معجم الأدباء، 4. 140. ونصّ الحديث: "وذكر أبو جعفر أحمد بن محمّد النحاس أن حماداً هو الذي جمع السبع الطوال". <LI value=1>كتبنا مقالة عن جماليّة الحيّز، ومنها قسم ينصرف إلى الحيز المائيّ، ضمن هذا الكتاب، فلترجع. <LI value=1>ابن قتيبة، م. م. س. <LI value=1>القرشيّ م. م. س. <LI value=1>م. م. س. <LI value=1>ابن عبد ربه، العقد الفريد، 3. 71، والجاحظ، م. م. س، 1. 120- 123. <LI value=1>م. س، 5. 133- 134 . <LI value=1>ابن قتيبة، م. م. س.، 1. 63 . <LI value=1>الجاحظ، م. م. س.، 3- 127 و311 -312 .
لقد وقع اضطراب شديد في رواية أبيات عنترة وترتيبها، والحذف منها: بين الزوزنيّ، والقرشيّ، والجاحظ الذي روى الصدر من البيت الثاني في هذا الشاهد كما أثبتناه؛ وكأنّ الضمير في"طيها" يعود على"الروضة الأنف" لديه. بينما رواية الزوزني:
جادت عليه كُلُّ بِكْرٍ حُرّة

فتركن كلّ حديقة كالدرهم


ولا ينبغي للضمير لديه أن يعود على شيء مذكَّر في البيت السابق، كما أن الشرح الذي كتبه حول هذا البيت ليس جيّداً حيث الاضطرابُ فيه بَادٍ. بينما رواية القرشيّ أعلى وأدنى إلى منطق الترتيب لهذه الأبيات: لولا ما ورد فيها من هذا البيت الذي لا يخفَى التكلُّفُ في دَسِّهِ، وخصوصاً ما جاء في صدره:
وبحاجب كالنون زُيِّنَ وجْهُها

وبِنَاهِدٍ حَسَنٍ وكَشْحٍ أهْضَم


فعلينا أن نكون سُذَّجاً غَفَلَةً لكي نصدّق أنّ الشاعر الجاهليّ كان يُشَبِه شكْلَ الحاجِبِ الأَزَجِّ بشكل حرف النون(وهو على كل حال تشبيه سيئ، لأنّ شكل النون مقوّس أكثر بكثير من شكل الحاجب الذي يشبه شكله شكل الهلال مثلاً... فالحاجب الذي يشبه شكل النون يجب أن يشبه شكل حاجب الشيطان، كما يجب أن يتمثّله الخيال...)، فهنا يستحيل عنترة من حامل للرمح والسيف، إلى حامل للقلم والقرطاس، وهو أمر غيرممكن. وإذن فالبيت منحول مدسوس، والذي نحله ليس ذكيّاً ولا مثقفا بالثقافة التاريخية...
والذي يعنينا، هنا، أكثر هو أنّ معاد الضمير لدى القرشي، مطابق لما ورد في رواية الزوزنيّ، ولكنّ معاده واضح حيث يلتفت إلى رَبْعِ عبلة:
ولقد مررتُ بدار عَبْلَةَ بعدما

لَعِبَ الربيعُ بِرَبْعِها المتوسِّم


ويضاف إلى كلّ ذلك أن رواية الجاحظ "كلّ عين ثرّة"، ورواية الزوزني والقرشي: "كلّ بكر حرّة".
ونحن كنّا نؤثر أن تكون رواية صدر بيت عنترة على هذا النحو:
*جادَتْ عليها كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ*
فلعلّ تلك الصياغة أدنى إلى أن تتلاءم مع ما سبقها من معان...
31. الزوزني، شرح المعلّقات السبع، 140- 141؛ والجاحظ، م. م. س.، 3. 312؛ والقرشيّ، م. م. س.، ص 95.
32.الجاحظ، م. س.، 3. 127 .
33.م. س.، 3. 311 .
34.م. س.، 3. 331- 312.
35. ابن منظور، م. م. س.، ذبب.
36.م. س.

**د لا ل**
2012-02-11, 16:19
نظام النسج اللغوي في المعلقات
حين نتحدّث عن نظام النسج اللغويّ، قد لا نستطيع المروق من جلودنا، ولا الإفلات من قبضة طبيعة الأشياء. وإذن، سنقع، حتماً، تحت سلطان الأسلوبيّة. وحين نتحدّث عن الأسلوبيّة، فإننا لن نستطيع إخراجها، هي أيضاً، من إهابِها، ولا تغريبها عن وضعها الذي وُضِعَت فيه، وَقَدَرِها الذي قدّرت له، ومَنزِلَها الذي بُوِئَّتْ إيّاه. فإنما الأسلوبيّة تعني، أو قد تعني، في أشهر التعريفات: الإجراءَ الذي يضبط سطح النظام النسجيّ للكلام؛ إمّا في نص من النصوص، وإما في مجموعة من النصوص تشكّل أدباً بِرُمَّتِه، في عصر من العصور، وعبر لغة من اللغات.
وسينشأ عن هذا التمثّل الذي نتمثله نحن للأسلوبيّة على الأقلّ، بشيء من التجاوز والتسطيح، والتسامح والتعميم: أنّ الحديث عنها، أي عن نظام النسج اللغويّ في نصوص المعلّقات؛ أننا لا نخرج عن ملاحظة الاسْمِ والفعل، وعلاقة أحدهما بالآخر، وتوظيف بعضهما بإزاء بعض- نسجيّاً(أسلوبياً) لا نحوياً- ثم عن ملاحقة النداء والاستفهام والقَسَمْ والتشبيه، ثم نُحاول التوقف لدى ما نتوخّى أنه يمثّل نسج النصّ-أو نسج النصوص- ويجسّد روحه جميعاً.
فكأننا، إذن، نقع من كثير من الوجوه، أو من بعضها حتماً، في فخّ المفاهيم البلاغّية. ونحن لا نأنف من أن نكون بلاغييّن على الطريقة الحداثيّة، إذ كانت الحداثة لدينا لا تنهض على إلغاء التراث بَجذاميرِه، ولا الزُّهْد فيه بحَذافيره؛ ولكنها تلقيحُ التراث بالحداثة، وتوظيفُ الحداثة للتراث؛ والنظر إلى التراث برؤية متحررة متطوّرة، وبأدوات إجرائيّة جديدة تكون لها القدرة على فكّ اللغز، وتعربة المغشَّى، ونبْش المغَطَّى... فليست البلاغة عِلْماً مُفْلِساً؛ ولكن الذي أفلس البلاغة هم الذين لم يبرحوا يضيّقون من حولها الخِناق، ويُوغِلون في التطبيقات الباردة، ويُصِرّون على تجزئة الظاهرة الأسلوبيّة وقصْرِها على تشبيه واحد مقطوع عن أصله....
بتمثّلّنا الخاص نتعامل مع بعض هذه الأدوات البلاغية القديمة للإفادة منها في فهم الظاهرة الأسلوبيّة لنصوص المعلقّات، وليس بتمثّل بعض الأقدمين الذين كان قصاراهم التوقّفَ لدى أحسن تشبيه؛ وأجمل استعارة، وألطف كناية، خارج إطار النصّ العامّ، وبدون ربط هذا بذاك، ولا ذاك بهذا، ولا استنتاج شيء من هذا بالقياس إلى ذاك: إلاّ ما كان من الانطباع البارد الذي ينشأ عن الإعجاب غير المبرّر: أي باقتلاع جملة من أصلها، واجتثاثها من أَوَاِخِّيها؛ فإذا هي ناشزة شاحبة، وحائرة وخائبة، وسادرة باردة...
إننّا إذْ نحلّل أطرافاً من النصّ المعلّقاتيّ، في منظور مستوى النسج اللغويّ، لِنكررْ ذلك؛ فإنما لكي نراعِي هذه الأدوات البلاغية في إطار النصّ العامّ؛ لا في جزئيّاته التي تمزّق النصّ، وتؤذي نظامه، وتشوّه سطحه، فتجعلهُ رُقَعَاً خَلْقَاءَ، وأحلاساً بالية.
وسنرى أنّ ارتفاقنا، ببعض الأدوات البلاغيّة، في طَرفٍ من هذه المقالة، يندرج، بوعي منهجّي، ضمن الرؤية الحداثيّة لهذا العلم التراثيّ.
وقد اضطُرِرْنا، ضمن إطار منهجنا المستوياتيّ، إلى عقد هذه المقالة التي تتحدّث، هنا، عن نظام النسج اللغوي لسطح النص الشعريّ المعلقّاتيّ؛ لأننا لا نرى كيف يمكن، من منظورنا نحن على الأقل، فهم الظاهرة الأسلوبيّة المُتبنَّاة في نسج شعر المعلَّقات بدون المَعاجِ على بعض أدوات البلاغة نستأنس بها، ونتعامل معها؟..
وسنحاول، أثناء كلّ ذلك، تعويم بعض هذه الأدوات في طرائق القراءة الجديدة التي تَتَجالَفُ ، بتلك البلاغيات، نحو تأويليّة القراءة، وسيماءَوِيّ‍ةِ التحليل.
وسنجتزئ بالتوقف، فيما يرتدّ إلى التشبيه خصوصاً، لدى معلقتي امرئِ القيس وطرفة؛ وذلك على أساس أنّ معلقّتيهما أوفر المعلّقات حظّاً من التشبيه(أحصيْنا واحِداً وثلاثين تشبيهاً في معلّقّة امرئ القيس، وتسعة وثلاثين في معلّقة طرفة: كما وردتا لدى الزوزني). كما سنركّز على تحليل تشبيهات امرئ القيس خصوصاً لِمَا سنعلّل به هذا الصنيع بعد قليل. من حيث سيكون توقُّفُنا لدى تشبيهات طرفة أقصر نفَساً، وأعجل مَرّاً. أمّا توقّفنا لدى معلّقات الآخرين فسيكون مجرّد عرْضٍ لموضوعات التشبيهات المستعمَلة، وعددها، لقلّة أهميّتها لدى أولئك المعلّقّاتيين الذين يبدو أنهم لم يركّزوا عليها في نسج اللغة الشعرية عبر معلقّاتهم، على نقيض امرئ القيس وطرفة...
بينما سنجتزئ، مضطرين، بالتوقف لدى معلقاتيين اثنين فحسب، وهما لبيد وعمرو بن كلثوم، وذلك فيما ينصرف إلى ما أطلقنا عليه"عذرية اللغة، ووحشيّة النسْج".
أولاً: المعلقات: عذرية اللغة، ووحشية النسج
وعلى أننا لا نريد بمصطلح الوحشيّة إلى دلالة تهجينيّة، كما يتبادر إِلى الأذهان؛ ولكننا أردنا به إلى دلالة تحسينيّة. وإن لم يُعْجِبْ مُعْجِباً هذا الإطلاق فذلك لا ينبغي أن يصرِفَه عن المعنى الذي أردنا إليه من وراء اصطناع مصطلح الوحشيّة التي رمَيْنا بها إلى معنى الطبيعة الأولى، إلى السليقة العذراء، إلى معنى أيّ شيء في حالِ كينونَتِه، ومخاضِ صيرورتِه، وهو يلامس التوهّج والعنفوان فهذا التوحّش اللغوي، في شعر المعلّقات، هو كالماء حين ينبع من النَّبْع، وكالصوت حين يصدر من الطبع، وكالصدى حين ينبعث من أصل الصوت فيصاديه، ولا يعاديه...
والحقّ أننا حين نريد أن نعالج هذه المسألة نودّ أن ننبّه إلى أهمّيتها وخطورتها؛ إذ بدون مُدارَسَةِ المادّة الشعريّة، أو المادة الخام-بتعبير اللغة العصريّة- للشعر الجاهليّ لا يمكن اهتداءُ السبيلِ إلى خصائص النسج فيه؛ وأنظمة الأسلوب عَبْرَهُ. ذلك بأنّ النقاد القدامى، ولقرب عهدهم من زمن الجاهليّة، ثمّ لانعدام الأدوات الإجرائيّة للقراءة لديهم التي نمتلكها نحن اليوم، كانت هِمَمُهم تقف بهم لدى شرح الغرائب من الألفاظ، والغوامض من المعاني، ممزَّعَةً موزّعة... ولم يدُرْ بخَلَدِهم، قطّ، أن يتناولوا لغة المعلقات في تجلياتها الإفرادية والتركيبيّة معاً، وفي مظاهرها النسجية والجمالية جميعاً.
بيد أنّنا لا نودّ أن ندَّعِيَ ما ليس من الحقَّ لنا أن ندَّعِيَه؛ فَنْزُعمَ للناس أنّنا سنتناول هذه المسألة بالتحليل الدقيق، والدرس العميق، وبالمتابعة الشاملة الكاملة: فذلك ما لا يطمع في إدراكه العقلاء؛ ذلك بأنّ هذا الوجه من التحليل يُفضْي إلى آفاق شاسعة، وأَفْضِيَةٍ واسعة، ليس يستطيع اجتيابَها إلاّ الأديبُ المُخِفُّ، الذي نحن لَسْنَاهُ.
وما تَكَأَّدَنَا شيءٌ في هذه الكتابات، عن المعلّقات، ما تَكَأَّدَنَا من هذا الأمر الذي نُثيره، هنا في هذه المقالة، لأنه استهوانا، حتى أغوانا؛ فأَضْنانا... ذلك بأنّنا، لدى الإِقبال على إنجازه، بذات خُطُوَاتُ العِلْم تتعثّر، وأخذ الفكرُ يَكِلٌ، وأنشأ الخيال يحسر، وسُقِطَ في يَدِنَا، مع الإصرار على الإِقدام على التناول والمعالجة...
ونقول للباحثين البارعين، والدارسين اللامعين، والذين قد تستهويهم هذه المسألة فيشرئّبن إلى أن يُبدعوا فيها ويُجَوِّدُوا في كتابتها-وَكَأَنَّا بِهْمْ قَدِ!-: سنكتب ما نكتب هنا لمجرّد إثارة الانتباه إلى هذه المسألة اللطيفة دون الاِلتزام بالذَّهاب فيها إلى غاية المذهب الذي كنا نودّ الذهاب فيه، أو إليه؛ ونُضْطَرِبُ في مُعالجتها المُضطرَبَ الذي كنّا نتطلّع إلى اجتيابه...
فذلك، ذلك.
1. اللغة الإفرادية:
إنّ أيَّ بناء من النسج اللغويّ ينهض على اصطناع العناصر الأولى في هذا البناء، وهي اللغة.
فاللغة في أيّ نسج أدبيّ، كما نتمثّلها، إنما هي بمثابة الألوان الزيتيّة المصطنَعة في النسج الرسميّ. فكما أنّ الرسّام لا يستطيع أن يُنجز لوحة زيتيَّةَ إلاَّ بواسطة الألوان، والمواد الزيتيّة، فكذلك الشاعر لا يستطيع إنجازَ قصيدةٍ إلا بواسطة الألفاظ اللغوية التي تمثّل، في نسج الشعر، عناصِرَ البناء.
وإنّ أيَّ بناءٍ باللغة، عَبْرَ النسج الأسلوبيّ، ينشأ عنه، بالضرورة؛ معرِفَةُ طبيعةِ السِّماتِ التي تتسّم بها عناصر اللغة في ذلك النسج. فاللغة بناءٌ، والبناء لغة. والسمة لفظ لغويّ، واللفظ اللغوي سمة.
وتلك العناصر الصوتيّة التي تتبادل المواقع التركيبيّة، داخل لغة ما، هي التي تمثّل النظام اللغويّ للكلام؛ لتلك اللغة التي يغتدى اللعب بها شكلاً أدبيّاً يبهر ويسحر.
وعلى الرغم من أنّ اللغة الجاهلية، كما وصلتنا عن طريق ما صحّت روايته(وما صحّت روايته لا يعني، توكيداً ويقيناً، أنه صحيح، وأنه هو حقّاً كما قاله أًصحابُه حرفيّا، وَنَسَجَه شعراؤُه لفظِيّاً، لأسباب كثيرة منها أنّ الرواية الشفويّة معرّضة لأَنْ يقَعَ فيها التغييرُ والتبديل؛ لا سيما إذا علمنا أن الشعر الجاهليّ استقرّت نصوصه بعد أكثر من قرنين من ميلاده المفترَضِ على الأقلّ: عَرَفَ العربُ أثناءهما أحداثاً مَهُولَةً، وانقلاباتٍ عقليَّةً وروحيّةً وسياسّية جذريّة، وأنّ كثيراً من الرواة عَبثوا بنصوص الشعر الجاهليّ، ومنهم حمّاد الراوية، وعاثُوا: لأسباب ذَكَرها النقاد القدماء، وقد عَرَضْنا لها نحن بالتفصيل والتحليل في غير هذه المقالة...): هي الأساس الذي قام عليه التركيب اللغويّ في العصور اللاحقة بدون تغيير يذكر، بفضل نصّ القرآن العظيم دينيّاً، ثم بفضل النصوص الشعريّة والنثريّة، العربيّة القديمة الجميلة التي ربطت الأحفادَ بالأجدادِ رَبْطاً عاطفيّاً وجماليّاً فظلّوا يحِنُّون إلى تلك العهود الغابرة، والحقب الدارسة: حنيناً عارماً؛ فظلّوا يتمثّلونها في أنفسهم، ويتصوّرونها في ضمائرهم، فَيَنْعَمونَ بما يتمثّلون، ويتمتّعون بما يتصوّرون: فإنّ اللغة الجاهليّة، كما وصلتنا من خلال النصوص الشعريّة الجاهلية بعامّة، ومن خلال نصوص المعلّقات بخاصة؛ يجب أن تظلّ ذات خصوصيّة دلاليّة وتركيبيّة جميعاً. كما يجب أن تظلّ، بعد لغة القرآن ونظمه، مرجعيّة عالِيَة لنماذج الكتابة، وطرائق النسج الأسلوبي في اللغة العربيّة.
ونحن لا نقبل بأن نذهب إلى عَدِّ هذه اللغة غريبةً لمجرد أنها غريبة علينا نحن؛ فالغريب حقاً هو ما كان غريباً في زمانه، وبين أهله وقُطَّانِه، والحال أنّ تلك الألفاظ، أو تلك العربيّة العُذْرية، كانت مفهومة فهمْاً عامّاً لدى أهل الجاهليّة وصدرٍ طويلٍ من الإِسلام، وخصوصاً لدى الرواة والنقاد.
ثمّ ذهب العهد بأهلها، فبدأت تغترب قليلاً قليلاً إلى أن اغتدى في العربيّة لغتان اثنتان: لغةٌ قديمة، وهي على جمالها وجزالتها، يكاد المعاصرون من أوساط الثقافة لايفهمون منها شيئاً ذا بال؛ ولغةٌ حديثة رَوَّجَتْ لها الصحافَةُ السيّارة، والصحافة الطيّارة، والصحافة الثَّيَّارة، فاغتدَتْ هي اللغةَ الشائعةَ الذائعة بين عامة هؤلاء الناس.
وإذا كانت اللغة القديمة رَوَّجَ لاستقرارها وانتشارها، في الجزيرة، المواسِمُ والأسواق ثم القرآنُ الكريم، والحديث النبويّ الشريف، ثمّ نصوص الخُطَب، والأشعار، والرسائل، والأحاديث، والأقوال المأثورة، والحكم السائرة... فإنّ اللغة الحديثة رَوَّجَ لها ما يعرف اليوم في اللغة المعاصرة تحت مصطلح"وسائِلُ الإعلام"، أو"وسائلُ الاتصال". ويضاف إليها الكتابات الأدبيّة على اختلافها من شعر ورواية وقصة ومسرحيّة ومحاورات سينمائيّة...
والذي يتأمّل لغة المعلّقات يصادف عدداً ضخماً من ألفاظها لم يَعُدْ مستعَملاً بيننا لأنّ المعاني التي قيل فيها لم نعد محتاجين إِليها على عَهْدِنا هذا. وقد لاحظنا أنّ كثيراً من هذه الألفاظِ التي يمكن أن نصِفَها الآنَ بأنها ميتة، أو مُمَاتَة، أو على الأقلّ مجمّدة الاستعمال، كانت نُطْلَقُ على الناقة، وعلى الأماكن، وعلى جملة من المرتفقات الحضاريّة، والمعاني الوثيّة، أو المعاني الأثنولوجيّة، والأثنوغرافيّة، المرتبطة بطقوس فولكلوريّة بادَتْ، أو بادَ كثيرُ منها على الأقلّ. بإِشراق الإِسلام بنوره الوهّاج على ربوع الأرض.
وكثيراً ما نصطنع اليوم تلك الألفاظ، أو بعض تلك الألفاظ، ولكن بمعان لاعهد لأهل الجاهليّة، ولا لِمَنْ بعْدَهم في الزمن قليلاً، بها: مثل"البليّة" التي كانت تطلق على الناقة التي تُشَدُّ على قبر صاحبها حتى تَهْلَكَ من حوله جوعاً وظَمَأ. فقد رأينا، إذن، أن معنى البليّة الأوّل، والذي ورد في معلّقة لبيد:
تَأْوي إلى اْلأَطْنابِ كلُّ رَذِيَّةٍ

مِثْلِ البَلِيَّةِ قَالِصٍ أَهْدامُها


مات بموت تلك العادة المعتقداتيّة التي لا يمكن فَهْمُها إلاّ بتعويمها في الرؤية الأنتروبولوجية، ولكنّ لفظها ظلّ مستعمَلاً في معنىً آخرَ؛ وهو المعنى الشائع الاستعمال في اللغة المعاصرة، حين ينطق، أو حين يكتب.
ولا يقال إلاّ بعضُ ذلك في لفظ "الحقيقة" التي كانت تستعمل، في اللغة الجاهليّة، استعمالاً واسعاً بمعنى ما يَحِقُّ عليك حِفْظُه، فكانت"حقيقة الرجل: ما يَلْزَمُهُ حِفْظَهُ وَمَنعُه، ويحق، عليه الدفاعُ عنه من أهل بيته" (1). وكانت العرب كثيراً ما تردّد، حول هذا المعنى، وحين يريدون إلى مدح بمكارم الأخلاق، ومآثر الأفعال: "فلانٌ يَسوق الوسيقَة، وينسل الوديقَة، وَيَحمِيْ الحقيقة"(2).
وقد ورد لفظ الحقيقة في معلّقة عنترة بهذا المعنى:
ومِشَكِّ سابغةٍ هتكْتُ فُرُجَها

بالسيف عن حامي الحقيقة مُعْلَمِ


فالحقيقة إذن لدى قدماء العرب كانت تعني ما يجب، أو ما يحق، عليك حمايتُه؛ أو ما هو حقّ لك من الأشياء والممتلكات، ثمّ تنوسي هذا المعنى القديم، لهذا اللفظ الجميل، بضعف الحميّة الجاهليّة التي لم يبرح الإسلام يحاربها، واغتدى موقوفاً على معنى الشيء اليقينيّ في التصورّ لدى الفلاسفة، ولدى أهل التصوّف أيضاً.
ومثل لفظ"الضريبة" الذي اغتدى اليوم يطلق في لغة أصحاب الضرائب والجبايات، والذين يتابعون الناس في أرزاقهم يقتطعون منها، على مقدار معلوم يقتطع من مرتّب الموظف، أو يفرض على التاجر ورجل الأعمال، وكلّ ذي دَخْل(وبالمناسبة فإنّ لفظ"الدّخل" كان يطلق، في العربيّة القديمة، على ما يناقض المظهر الخارجيّ للمرء، وقد خلّدت هذا المعنى تلك الفتاة العربيّة التي أجابت أباها لمّا سألها عن أمر فتيان إخْوَةٍ جاؤوا جميعاً يختطبونها، فلمّا حارت في أمر اختيار أحَدِهِمْ قالت:
"ترى الرجالَ كالنَّحْل، وما يُدْرِكَ ما الدَّخْل؟": بينما أصبح لفظ"الدخل" يطلق في لغة التّجار ورجال الأعمال، وعلماء الاقتصاد، على الرزق الذي يقع للموظف، أو المواطن، أو الربح الذي يقع للتاجر...)؛ في حين أنه كان يطلق على الشيء الذي يُضْرَبُ بالسيف، والشخص الذليل الذي كان يُضْرَبُ بالسيف، فلا يَضْرِبُ هو: "المُضَّرب". وقد جاء هذا اللفظ بهذا المعنى، في معلّقة الحارث بن حلزّة:
ليس منّا المُضَرَّبونَ ولا قيـ

ـسٌ، ولا جَنْدَلٌ، ولا الحَذَّاء


ولعلّ الذي أبعد العربيَّة القديمةَ على ما يجري به الاستعمال المعاصر، الشائع، ثلاثةُ أمورٍ: أولهما: موت المعاني التي استُعْمِلَتْ فيها العربيّة القديمة، مثل العتيرة، والحقيقة، والمُضَرَّب، وكثير من تلك المعاني كان مندرجاً في طقوس وثنيّة بادَتْ.
وثانيها: شيوع الأميّة اللغويّة، وغلَبَة الكسل، وانعدام حبّ المعرفة، لدى كثير من الناس.
ولم تبق هذه الأميّة اللغويّة مقصورةً على عامة الناس فحسب، ولكنها جاوزتهم إلى الكتاب والشعراء أنفسهم؛ فإذا هم لا يكادون يستعملون إلاّ ألفاظاً بسيطة قليلة في كتابات كثيرة: فغاب الدور الجماليّ للّغة، في أعمال أدبيّة يفترض أنّ الوجود اللغويّ فيها هو الذي يمنحها الشرعيّة، ويشرئّب بها نحو الخلود.
ولقد نشاهد كلّ يوم في الفضائيات الأجنبيّة الساقطة علينا من أَجْوَاءِ أوربا أنّ هناك برامَج ثقافيَّةً وترفيهيّة كثيرة تقدّم إلى الناس باللغة، وعن اللغة... بينما الذين يشرفون على البرامج المبثوثة عبر الأثير، في معظم بلدان الوطن العربيّ، لا يملكون أن يقدّموا مثل تلك البرامج الثقافيّة اللغويّة الجميلة؛ لأنّ الصحفيّ العربيّ في أوّل درس يتلقّاه في مدرسة الصحافة، يقال له: اللغة للمختصّين، وللذين يدرّسون اللغة العربيّة في المدارس والجامعات... أمّا أنت فعليك بالكتابة، وبكتابة لا تكلّف نفسَها معرفة أكثر من ثلاثة آلاف لفظة!... والله المستعان!...
وآخرها: طفوحُ معانٍ جديدة، بحكم التطوّر الحضاريّ المذهل، ثم بحكم التطور الطبيعيّ للمجتمعات والأشخاص بحيث أنّ إنشاء ألفاظ جديدة كثيراً يكون شؤماً مشؤوما على حياة ألفاظ قديمة فتموت، أو تُمَاتُ، وتُنْسَى، أو تُتَنَاسَى... وهذا قانون ينطبق، في الحقيقة(بالمعنى الحديث)، على جميع اللغات الإنسانية التي تَطَوُّرُها واتّسِاعُها وتَبَحُّرُها لا يحَدْثُ في كلّ الأطوار، دون أن يَضِيرَ ما قَدُمَ من الألفاظ، وما غَبَرَ من المعاني. من أجل ذلك، ارتأينا أن نطلق على لغة المعلّقات، في بعض استعمالاتها على الأقلّ. صفة التوحّش، لا صفة الغرابة؛ وصفة العذريّة، لا صفة البَداوة.
ولمَّا كان الأصلُ في كلّ تركيب لغويّ، هو اللغةَ نفْسَها في لَعِبِها بنفسها؛ ولمَّا كانت هذه اللغة هي المادّةَ الأولى التي يتشكّل منها التركيب، ويتركَّب منها النسج، ولمّا كانت هذه اللغة التي قيل عبرها الشعر الجاهلي وحشيَّةً، غجريّة: كأنّها نبْعُ الماء حين يتبجّس، أو شذَى الوردِ حين يعبق، أو خضرةُ النبْتَة حين تَدْهَامُّ، أو زَرْقَةُ السماء حين تصفو، أو إِشراقة الشمس حين تتوهَّج، أو نور القمر حين يتلألأ: سمحةً كعطاء الطبيعة، وكريمةً كقَطْرِ الغيث، وعبِقَةً كنفَس الفجر، ودافئةً كَلَبَنِ الثدي، كان التركيب اللغويّ الذي هو أثر من آثار عطائها، وشكل من ثمرات تشكّلها: غجريّاً مثلها.
خذ لذلك مثلاً قول لبيد:
*في لَيْلَةٍ كَفَرَ النجومَ غَمَامُها*
فإننا نلاحظ فيه:
1. فعلى المستوى النحويّ تقديمُ المفعول على الفاعل، على غير المألوف من التركيب، بحيث يمكن للقارئ، أو المتلقيّ، أن يقع في غَلَط إذا تسرّع في قراءته فيرفع المفعول، وينصب الفاعل، قبل أن يَنْبَه إلى وجه الكلام، ويهتدي السبيلَ إلى صواب الإعراب.
2. وعلى المستوى النحويّ أيضاً-لأنّ النحو ليس إِقامة الإعراب فحسب، ولكنه إقامة المعنى أيضاً- نلاحظ أنّ لفظ "غمامها"، هنا، مُشْكِلٌ بحيث يمكن أن تعود الهاء منه إِمّا على"ليلة"، وإِما على"النجوم": دون أن يمتنع إمكانُ توجيهِ إعرابِ على إعرابِ، وتخريج على تخريج.
3. وعلى المستوى الدلاليّ فإنّ اصطناع لفظ "كَفَرَ" الشائع في اللغة العربيّة، منذ ظهور الإسلام، بمعنى الشرك بالله، أو الشكّ في وجوده، أو القطْع بعدم وجوده: يوهم القارئَ العاديّ فيتسرّع وَهْمُهُ إلى المعنى الإسلاميّ، لا إلى المعنى الوصفِيّ لهذا اللفظ الذي كان معناه في أصل الوضع للسَّتْرِ والإِخفاء والمُواراة.
4. نلاحظ أنّ إضافة الهاء المُشْبَعَة بالسكون المفتوح الممدود، إلى الميم من لفظ (أو "ضَرْب"، كما يصطلح العَروضيّون): "غَمَامُها" ينهض بوظيفة إِيقاعيّة وجماليّة عجيبة؛ فلو أُورِدَ هذا المصراعُ على التركيب البسيط، فقيل:
*في ليلةٍ كَفَرَ فيها الغَمَامُ النجومَ
لخرج عن كلّ انزياح؛ ولَمَزَق من دائرة الخرْق النسجي، والتوتُّر اللغويّ؛ وإذن، لَمَا كان له مثل هذا الوقع الجميل، وهذا التنغيم البديع.
كما أنه لو أُوِرَد على طريقةِ النسج في هذه القصيدة، ولكنْ بتقديم وتأخير المفعول، وقيل:
*في ليلةٍ كفَرَ الغَمَامُ نُجومَها
لفسد الإيقاع، ولخرج من صوت الضمّ إلى صوت الفتح؛ وإذن لانْكَسَرَ الصوت؛ وإذن لحدث اضطراب مُريع في مسار الإيقاع الشعريّ الأخير لهذه القصيدة الوحشيّةِ الخارقةِ الجمال.
ويبدو أنّ نسج هذه القصيدة يُعَدُّ أُمَّ النسوج الشعريَّة التي قيلت على شاكلتها، على نحو أو على آخر، ابتداءً من الفرزدق إلى أبي الطيب المتنبي:
وفاؤُكما كالربْع أَشجاه طاسِمُهْ

بِأَنْ تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشقاه ساجِمُه(3)


إلى أبي الحسن الحُصْرِيّ في داليته البديعة (وهي الداليّة التي تناصّ معها كثيراً من الشعراء منهم نجم الدين القمراوي، وناصح الدين الأزّجانيّ، وأحمد شوقي...)(4) فنسج على غرار قصيدة لبيد، مع وجود الفارق، ولكن مع استلهام روح الإيقاع، متناصّاً معه:
يا ليلُ الصَّبُّ مَتى غَدُهُ

أقيامُ الساعة مَوْعِدُهُ؟


ولعلّ من الواضح أنّ إعادة الضمير على سابق في هذا الإيقاع، واجْتِعَاَلَ هذه الهاءِ عنصراً إيقاعيّاً، إضافيّاً، بجانب ما قبله: يفجّر اللغة بما فيها من الطاقات النغميّة، والعطاءات الصوتيّة؛ فيغتدى النسج كأنّه منظومة من الأنغام المتتالية المتصاقبة التي تخرج ألفاظ اللغة من مجرّد سمات صوتيّة فيزيائية دالة على مدلول، إلى سمات جماليّة تستحيل بالوظيفة اللغويّة من الذهن إلى السمع، ومن المدلول إلى الدالّ...
وممّا يمكن أن يندرج ضمن ما نطلق عليه التركيب الوحشيّ للغة العربيّة، قول لبيد أيضاً:
*قَسَمَ الخلائِقَ بيننا عَلاَّمُها*
فهذا التركيب بعيدٌ عن النسْج المألوف للغة العربية وأسلوبِها"الأَرْطودُوْكْسِي" بين الناس؛ وَفَهْمُ معناه لا يتأتَّى إلا باستعمال الذكاء، والاندماج في روح النّصّ حيث تصادفنا جملة من الانزياحات النسجّية منها:
1- تقديم المفعول على الفاعل، هنا أيضاً، كما كنّا لاحظْنا ذلك لدى تحليل المصراع الشعريّ السابق، وهو قوله:
*في ليلة كَفَرَ النجومَ غَمامُها*
وإن كان المفعول هنا، على موقعه المتقدّم، يبدو أكثر اطمئناناً في النسج، وأشدّ استقراراً في التركيب، وذلك على أساس أنّ القارئ العربيّ الذكِيَّ يُدرك، لأوّل وهلة، أن الذي يَقْسِمُ الأرزاقَ بين الناس لا يكون إلاّ علاَّمَ الغيوب؛ فهو الفاعل الأعظم، والمقِّدَّر الأكرم.
2- إن الضمير الوارد، هنا، في هذا المصراع الشعري اللَّبِيديّ، جَاءَ لِمُجَرَّدِ إِشباعِ الإيقاعْ بصوت إضافيّ، بعد الميم التي كأنَّها، لو أُبْقِيَ على ضَمِّها غير الممدود لكان في ذلك قمْعٌ للنفَس، وقهر لاندفاع الصوت، وغَفْص لمخْرَجِه، وَكَبْت لمنتهاه: أعِيدَ على الخلائق، ولكن بتغليب الكائنات غير العاقلة على العاقلة، وكأنّ الحياة كانت لا تبرح في تلك اللحظة الشعريّة العذريّة، تمثّل النشأة الأولى للإنسانيّة. وكأنه لم يكن هناك أي فرْقٍ بين ما لا يعقل، وبين من يعقل، ولذلك وقع التغليب. وعلى أننا نعلم، من الوجهة النحويّة الخالصة، أنه يجوز إعادة الضمير على جمع التكسير على هذا النحو دون حرج. ولكننا أردنا إلى تأويل هذا الضمير سيماءَوِياً، لا نحويّاً.
3- إنّ التركيب في هذا المصراع لا يستقيم، كما يجب أن يلاحظ ذلك كل مُتَلقٍ من الناس، وأنه مكثّف إلى درجة أن المتلقّي هو الذي عليه تأويلُ الصياغة، وتخريجُ المعنى، وتركيب النسج على الوجه المألوف، إن شاء أن يَفْهَم. وهو ببعض ذلك كأّنّه شعر حديث جداً، لأنّ الباثّّ، هنا، يرسم نصف صورة، ويترك للمتلقّي تكملةَ رسْمِ النصف الآخر من هذه الصورة.
ويغتدي المفعول، حين يُعْمِلُ المتلقي ذهنه، منصوباً على المُغَالَطَةِ (ونحن نتجرَّأُ على النحاة باقتراح هذا المصطلح الذي فرضتْه إجراءات هذه القراءة)، وهو هنا نائب لمفعول غائب اقتضاه التكثيف الشعري: يتمثل في لفظ"الرزق". وعلى بعض ذلك يغتدي تقدير نسج هذا المصراع العجيب:
* قَسَم العلاَّمُ الرِزقَ بين الخلائق.
فكأنّ التكثيف اقتضى تغييُبُ لفظ "الرزق"، المفهوم لدى المتلقّي الذكيّ، وتعويضه بمَنْ ينتفعون به وهم الخلائق: من الوِجْهة الدلاليّة، كما اقتضى حذف لفظ "الرزق" واتخاذ "الخلائق" نائباً له، للدّلالة عليه من الوجهة النحويّة. أمّا الهاء التي أُشْبِعَ بها صوتُ الميم من اللفظ الأخير في المصراع (الضرب)؛ فقد جاء، كما أَسْلفْنا الْقَالَ، لينهض بوظيفة جماليّة أساساً؛ ولكن لا يمتنع من أن ينهض بوظيفة إضافيّ‍ة تتجسّد في تعميق الدلالة، وتوكيد المعنى.
ولو جئنا نقرأ مثلاً هذا البيت لعمرو بن كلثوم:
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ

هِجَانِ اللَّونِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا


لتأكّد لنا ما كنّا زعمناه في شيء ممّا كنّا قرأناه من بعض شعرِ لبيدٍ، ولاٌ ستبانَ لنا أنّ هذا النسِج حوشيّ غجَريّ في معناه، وفي تركيبه:
1. فأَيْمْا في معناه فإنه يُشّبِهُ ذراعَيِ المرأةِ بذراعَي الناقة؛ وهي صورة في منتهى السوء، وانحطاط الذوق البدويّ، وقصوره عن إدراك جمال الحياة، وجمال الأشياء. ولعلّ الذي حمله على ذلك هو حرصه على إقناع المتلقّي بضخامة هذه المرأة: طولِ قامةٍ، وضخامَةِ جسدٍ. وإذِ اغتدتْ ذراعاً هذه المرأة العجيبة ذراعَيْ عيْطلٍ من النُّوق؛ فقد وُصِفَتْ بأنَّها كومُةُ من اللُّحْمانِ، وكثيبٌ من الأعصاب: فهي فارعة طويلة، وضخْمة بدينةٌ؛ فكأنّها مجموعة من النساء مجسّدة في امرأة، وطائفة من الأجساد مطويّة في واحد، وعلى الرجل الذي يريدها كلّها، أو يريد شيئاً منها: أن يكون، على الأقلّ، في مستوى طولها وعَرْضها، وبَدانتها وضَخامتها... وهذه أوصاف كلّها عيوب، ونعوت كلّها منفِرّات من المرأة، لا مرِغبات فيها.
وبياض هذه المرأة مثْلُ أَمْرِ ذراعيْها. فكما أنّ ذراعيها تشبهان ذراعي الناقة في الضخامة والبضاضة، فإنّ لونها، أيضاً، يشبه بياضُه بياضَ الناقةِ الأَدْمَاءِ. وتذوب هذه المرأة في هذا الحيوان، في هذه الناقة، أو البقرة الوحشيّة، لتتّخذ لها وصْفاً آخَرَ منهما؛ فكأنّ خيال الناصّ كان من القصور والحرمان بحيث لم يستطع قطّ مجاوزة صورة تلك الناقة التي كان يشاهدها ويركَبُها، فصوَّرَ فيها صاحَبَتَه، وجعلها امتداداً منها، أو امتداداً لها.
ولمّا جاء الناصّ يصف هذه المرأة، أو قل جاء ليؤكّد الوصف، بياض اللون، اصطنع لفظ "الِهجان"، وهو لفظ لا يكاد يطلق إلاّّ على البيضِ من النُّوق، وإِلاَّ على البِيضِ من العقيلات. وأنهى الصورة التي أراد من ذكرها تجميلَ صاحبتِه وتقديمها للمتلقّين في صورة من الحُسْن والجمال، بِجَعْلِ هذه المرأة ناقةً لمَّا تَقْرَأَ: أي لمَّا تَحْمِلْ. فهاتان الذَّراعان السمينتان، الغضّتان البضّتان، كأنهما ذراعا ناقة فتيّة ضخمة الجسم، طويلة العنق؛ لَمَّا تتجشّم الحمل...
وقد رأينا أنّ جمال هذه المرأة المسكينة انقلب من سحر الأنوثة، وفتنتها، ولطافتها، ورشاقتها؛ إلى مجرد كثيبٍ من اللّحمان المترهّلة، وقامة غليظة عملاقة تشبه هيئة النخلة المتهاوِيَة.
2. وَأيَمْا في تركيبه فإِنه تغْلُبُ عليه هذه الأوصاف التي هي، أصلا، للناقة، ثمّ استعيرت لهذه المرأة: فإذا العيطل، والأدماء، والبكر، وهجان اللون، وَعَدَم القَرْءِ.
ولو جاء معاصر يقرؤها لأَلْفاها ألفاظاً مسلوكةً في اللغة الغجريّة المنصرفة إلى هذا الحيوان الذي كان يلازم العرب ويلازمونه، وهو الناقة. فعلى ما يبدو في هذا النسج من أُلْفَةِ التركيب العربيّ، فإنّ المادة اللغويّة المنسوجَ منها تَجْعَلُهِ في مُجْتَعَلِ التوحُّش، وتعود به إليها. إذ الكلام واردٌ في معارِضَ حَوَالَ المرأةِ في معناه، وحوْل الناقِة في لفظه؛ فإذا صورة المعنى تطفو على صورة النسج، وإذ الدالُّ حيوان، وإذا المدلول إنسان.
أو قل إنه لا يمكن فَهْمُ هذا البيتِ فهْماً صحيحاً إلاّ بتعويمه في الأنتروبولوجيا والسيمائيّة معاً. فهو من الوِجهة الأولى يضطرب في مجتمع بدائيّ ينهض فيه الحيوان بوظيفة مركزيّة في الحياة اليوميّة، وَيُنْظَرُ فيه إلى الأشياء نظرة بدائيّة، ويُتَمَثَّلُ فيه الجمال بناء على ما بلغته الحياة الخياليّة في ذلك المجتمع... وهو من الوِجهة الأَخراةِ نُلفي الناقةَ تنهض، في هذا البيت، بوظيفة السمة الحاضرة، الدالّة على السِّمَة الغائبة. وليست السِّمَةُ الحاضرة هي المقصودة في الكلام، ولكن السمة الغائبة... وتذوب الصورة الغائبة في الصورة الحاضرة، أو قل إنّ الصورة الحاضرة هي التي تُذيبُ الصورة الغائبة فيها حتى ترقى بها إلى مستوى المُماثِل(الإقونة): إذْ لم تكن هاتان الذِّراعان المشاهَدَتانِ إلاّ صورةً للذراعيْن الغائبتين؛ كما أنّ هذه العَيْطل الأدْمَاءَ الحاضرةَ ليست إلاّ صورة كاملة مُمَاثِلَةً للمرأة الغائبة... ويمكن قلْبُ الصورة المُماثِليَّة بتعويم صورة المرأةِ في صورة الناقة؛ حيث إنّ هذه ذابت في تلك، وتلك ذابت في هذه؛ فلا ندري أيٌّ منهما يُرادُ؟ ولا ندرِي في أيّ منهما كان الناصّ يفكّر، وأيّاً منهما كان يَصِفُ، وأيَّاً منهما كان يَحِبُّ؟ إِنَّ منزلة الناقة تستوي هنا بمنزلة المرأة فليس بينهما فرق.
ولو جئنا نتابع أبياتاً لهذا، وأبياتاً لذلك، من المعلّقاتييّن، لَما أمِنَّا أن يستحيل هذا المجاز، في هذه المقالة، إلى فصل طويل، وربما إلى مجلدّ كامل. من أجل ذلك نجتزئ ببعض ما قدّمنا. ولكن قبل أن ننفض اليد من ذلك نودّ أن ننبّه إلى أنّ الشّاهديْن السابقَيْن لهذا: على الرغم من عذريّتهما النسجيّة، إلاّ أنّ التصوير فيهما كان بديعاً، وأنّ البَداوة لم تَحْرِمْهُما من فيض فيّاض من الجمال العبقريّ؛ فكأنّ مثل ذلك الشعر يظلّ، أبد الدهر، مصدَرَاً من مصادر الإلهام وينبوعاً من ينابيع الجمال.
****
ثانياً: النسج اللغويّ بالتشبيه
ليس هناك أيّ أدبٍ في العالم، وبأيّ لغة كُتِبَ، وفي أي نسْج نُسِجَ، وتحت أيّ خيال أنْشِئَ: تراه يخلو من التشبيه. وليس التشبيهُ مقصوراً على المبدِعين، شعراء وكتّاباً، وَحْدَهُمْ، ولكنه زينةٌ يصطنعها كلّ المتعاملين باللغة في حياتهم اليوميّة، وفي تعاملاتهم التبليغيّة الابتذاليّة، وفي تعابيرهم الشعبيّة، حيث تلفي المرأة البدويّة تستعمل التشبيه، بلغتها العاميّة، وَحَسَبْ مستواها الذهني والثقافي؛ فتصيب المحَزَّ، وتقطع المفصَلَ. وحيث تلفي الشاعر الشعبيّ يصطنع هذه الزينة الكلامية، في شعره، فتراه يشبّه صغير الحجم بكبيره، وناضر الوجه بأنضر منه، وطويل القامة بأطول منه، وهلمّ جرا...
وقد لاحظنا أنّ كثيراً من الأوصاف التي كنّا نلفيها لدى الشعراء الجاهلييّن لا تبرح متداوَلَةً بين الشعراء الشعبييّن، في العالم العربيّ بعامة، مع اختلاف في النسج، وتفاوت في درجة التعبير. فإذا كان العربيّ القديم كان يصطنع عبارة "بعيدة مَهْوَى القُرْطِ" ليصف بها عنق المرأة في طوله، وإذا كان امرؤ القيس يشبّه جِيدَ صاحبتِه بجيد الرئم في طوله-غير الفاحش- وفي لطفه واستوائه؛ فإننا نلفي شاعراً شعبيّاً جزائريّاً يستعمل الرَّقَبَةَ عَوِضَ العُنُق، ويستعمل الطْول صراحةً عَوِضَ التكنية عنه ببُعْدِ مَهْوَى القُرْطِ، أو تشبيهه بجيد الرئم...
وقد توقف البلاغيّون العرب لدى التشبيه، طويلاً، فقتلوه تعريفاً وتصنيفاً، وتقسيماً وترتيباً؛ ولكنّ الذي فاتهم، فيما يبدو، أنهم لم يميلوا إلى تناول جماليّته، وما يضفيه على النسج الأدبيّ من حسن فنّيّ بديع. فكأنهم تعاملوا معالتشبيه، كما تعاملوا في أطوار كثيرة مع الاستعارة أيضاً، تعاملاً إجرائيّاً؛ فغلب التصنيف والتقسيم على التحليل، وطغَا التعريف والترتيب على إبراز ما يجب أن يكمُنَ فيه من جمال يرقى بالنسج الأٍسلوبيّ من مجرد كلام عاديّ مبتذل، إلى كلام فنّيّ بديع.
وقد اجتهد في أن يُدَارِسَ التشبيه من الوِجْهة النفسيّة، ولكن ضمن التقسيم البلاغيّ المدرسيّ(5). ولعلّ أوّل من حاول أن يراعي الجانب الجمالي، في البلاغيّات بوجه عامّ، كان الأستاذ عليّ الجارم في كتابه المدرسيّ "البلاغة الواضحة". ولكن مساعيه، هي أيضاً، لن تجاوز المنطلقات التقليدية لمفهوم الإجراءات البلاغيّة، وتقسيماتها الركبكة...
وإنّ ما نودّ التوقّف لديه نحن، هنا، هو أنّ التشبيه حتى في حال اشْتِيَاقِهِ إلى التقبيح، وتعلّقه بأداء وظيفة التشويه: يظل، في منظورنا، راكِضاً في رياض الجمال، وسابحاً في مروج الخيال. فالشاعر حين يقول:
وإذا أشارَ مُحَدِّثاً فكَأَنَّه

قِرْدٌ يُقَهْقِهُ، أو عجوزٌ تَلْطِمُ!


فلا يعني حُبُّ التقبيح والتشنيع في رسم هذه الصورة، أنَّ التشبيه، من حيث هو إجراءٌ فنَيَ جماليَ، يلتحق بغاية أبي الطيب من إِرادة تشويه هيئة هذا المتحدّث الذي يشبّه هنا بصورة القِرْد حين يُقَهْقِه، وصورة العجوز الشمطاء حين تلطم. فالجمال الفنّيّ يكمن، بالذات، وهنا، في هذا القبح الجميل. أي أنّ عبقرية النسج تكمن في أنّ الناصّ استطاع أن يُصوِّرَ لنا القبيح الدميم، في صورة تشبيّه جميلة، فصوّر لنا الدميم البشع في صورة أدبيّة طافحة الجمال. فكأنّ المفارقة تقوم في أن الدميم من الأحياء، والرديء من الأشياء: قد يذوّبها الأديب الكبير في نسج عبقريّ فتغتدي الدمامة في نفسها، كأنها دمامة جميلة في نسج الكلام.
فلا شيء أسوأ من مَرآةِ قِرْدٍ وهو يضحك، ولا شيءَ أبشعُ من منظر عجوز وهي تلطم على وجهها؛ بيد أن نقل هذه الصورة المركّبة من منظريّن بشعِيْن إلى صورة شخص بشع يتحدّث بيْن أصحابه، ثم ربط المناسبة بينهما بجَعْل الصورة الأولى كأنها الصورة الأخراةُ لهذا الشخص: هو الذي جسّد عبقريّة النسج، وجمال التصوير، وحُسْن التشبيه: فتوارَتِ البشاعةُ، أو كأَنْ قَدِ! والسرّ في كلّ ذلك، ذلك الجمالُ الطافح الذي أنشأ هذا النسيج الكريم من الألفاظ، من مجرد الألفاظ؛ فتكوّنت علاقة بين بَشِعٍ واحدٍ، وبشعيْن اثنيْنِ؛ ولكن عَبْرَ عرائِسَ من الألفاظ، وعجيباتٍ من الصور.
ومما لاحظناه في تشبيهات امرئ القيس أنه كان يعمد، أطواراً، إلى تشبيه قويّ بضعيف، ومتوهّج باهر، بشاحب ذابل: أي أنه كان يصطنع ما يمكن أن نطلق عليه"التشبيه المقلوب".
ولعلّ بعض ذلك يَمْثُلُ في قوله، مثلاً:
أصاحِ تَرى برْقاً أُريكَ وَميِضَهُ

كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ


فهذا الوَمَضَانُ الخاطِفُ للأبصار، حين يَمِضُ في السَّحاب المركوم: لا يعدو أن يُشْبِهَ حركةَ اليديْن الصغيرتين. وماذا في حركة اليدين من وَمَضَانٍ، وماذا فيهما من سُرعة الحركة حتى يُشَبَّه بهما وميضُ البرق الخاطف؛ إلاّ أن يكون تشبيهاً مقلوباً؟
وذلك، مع أنّ الذي يقرّره البلاغيّون هو أنّ التشبيه يقوم على ضرورة بروز الحالة التي يراد تشبيهُها: في المشبَّه به، أكثر من المشبّه: فيشبّه الضعيف بالأضعف منه، والقويّ بالأقوى منه، والجميل بالأجمل منه، وهلمّ جرا... كما يقرّرون أنّ التشبيه، من وجهة أخراة، يقوم على تشبيه المجرّد بالمحسوس... ولكنّ هذه المقرّرات لا يمكن الالتزام بها لدى الكتابة الإبداعيّة التي تنهض على الإبداع في اللغة، وفي النسج، وفي الصور... وليس على تقليد الصور البالية، والتشبيهات العتيقة...، كما كان يقرر ذلك القدماء، ومنهم ابْنُ طَبَاطِبَا(6).
وقد لاحظنا أنّ التشبيهات لدى امرئ القيس تتنازعها ثلاثَةُ محاوِرَ كُبرى: وهي البياض، واللمعان، والنضارة، والصفاء، وما في حكمها. ثمّ الحركة والتبختر والاهتزاز وما في حكمها. ثمّ الطول والاعتدال والنحافة والرِّقّةُُ والاستواء. ونسعى الآن إلى متابعة ذلك خلال شعره.


أولاً: البياض والصفاء والإشراق والبريق
1. البياض والطراوة:
*وشَحْمٍ كَهُدَّاب الدِمَقْسِ المُفَتَّلِ*
2. البياض والصَّقْل والصفاء:
*ترائِبُها مصقولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ*
3. البياض القائم على التمازج مع الأصفر(الصفاء):
*كبِكْرِ المُقاناةِ البَيَاضِ بِصُفْرَةٍ*
4. البياض والصفاء والإشراق:
تُضيءُ الظلامَ بالعِشاءِ كَأَنَّها

منارةُ مُمْسَى راهبٍ مُتَبَتِّلِ


5. بياض اللون، وطول الذيول، وسُبوغ الشعور، وتبختر الحركة: معاً:
فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعَاجَه

عَذَارَى دَوَارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ


6. بياض: أطرافُه سُودٌ:
فأَدْبَرْنَ كالجِزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُ

بِجيدِ مُعَمٍّ -في العشيرة- مُخْوَلِ


7. البياض واللّمعان(له علاقة بالبياض)، وسرعة الحركة:
أصاحِ تَرى برْقاً أُريِكَ وميضَه

كلمْع اليديْن في حِبَيٍّ مُكَلَّلِ


8. البياض المخطّط:
كأنَّ ثبيراً في عَرانينِ وَبْلِهِ

كبيرُ أناسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلِ


9. البياضُ واللّمعان:
كلمْع اليديْن في حَبيٍّ مُكَلَّلِ
يُضيء سناه، أو مصابيحُ راهبٍ

أمالَ السليطَ بالذُّبال المُفَتَّلِ



****
ثانياً: الحركة السريعة، والاهتزاز، والتبختر:
1. فعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنّ نِعاجه

عَذارى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ

2. على الذَبْل جَيَّاش كأنَّ اهتزامَه

إذا جاشَ فيه حِمْيُهُ- غَلْيُ مِرْجَلِ

3. كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِبْدُ عن حَالِ مَتْنِهِ

كما زلَّتِ الصفواءُ بالمُتَنَزِّلِ

4. دريرٍ كخُذْروفِ الوليدِ أَمَرَّهُ

تتابُعُ كفَّيْه بخَيْطٍ مُوَصَّلِ

5. له أيْطَلاَ ظَبْيٍ وساقا نَعامةٍ

وإرخاءُ سِرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُلِ

6. مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً

كجُلمودِ صَخْرٍ حَطَّه السيلُ مِن عَلِ

7. كأنّ ذرى رأس المُجَيْمِرِ غُدْوَةً

من السيل والأغثاءِ فلْكَهُ مِغْزَلِ


****
ثالثاً: الطول والاعتدال والنحافة والدّقة والاستواء:
1. وكَشْحٍ لطيفٍ كالجَديلِ مُحَضَّرٍ
2. وفرعٍ يَزِينُ المَتْنَ أسْوَدَ فاحِمٍ

أَثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ

3. وجيدٍ كجيد الرئْم ليس بفاحش

إذا هي نَصَّتْه، ولا بِمُعَطَّلِ

4. وتعطو برَخْصٍ غيِر شَشْنٍ كأنه

أساريعُ ظَبْيٍ، أَوْمَساويكُ إِسْحِلِ


ثم تأتي معانٍ أُخَرُ مِثْلُ القوّة والفراهة والفتاء:
كأنّ على المتنين منه إذا انتحى

مَدَاكَ عَروسٍ، أو صَلاَيَةَ حَنْظَلِ


ثم تأتي معانٍ أُخَرُ متفرّقةٌ مثلُ الاستدارة والدقّة، والتلاؤم في الطبع، والعَبَق وانتشار الشذى، والظهور، وتداخل الأصوات وتكاثرها، والرسوب، والثبات والسكون...
لكننا إن قرأنا هذه التشبيهاتِ قراءةً تَشاكُلِيَّةً، وهو إِجراء سيماوِيٌّ، أمكَننا أن نُلْحِقَ بعُضَها بما سبق من التشبيهات المتواتِرَةِ المعانِي مثل الشذى أو العبق الذي هو هنا متلائم مع سيرة النساء اللواتي تكررت صُوَرُهُنَّ الجميلات فتبوَأّنَ المنزلة الأولى من الاهتمام عبر نصّ معلقة امرئ القيس. فبَضاضة جسد المرأة وغضاضَتُه: لا شيءَ أولى بالتلاؤم معه كالعطر والشذى. ويمكن أن يضاف إلى ذلك، التلاؤم في الطبع بين أمّ الحُويرِثِ وجارَتِها أمِّ الرَّباب. وأمّا تَداخُلُ الأصوات، أَصواتِ المَكَاكِيِّ، مَكاكِيّ الوادِي في الغُدِيَّةِ الربيعيَّةِ فلا ينبغي أن يستأثِرَ به شيء كجمال المرأة ودلالها وحركتها وحديثها، ورقّة صوتها، وحسن تَرَهْيُئها، وإشراقة ابتسامتها...
إنّ معظم الصور التشبيهيّة واردة في معلّقة امرئ القيس في إطار الإحساس اللطيف، بل الشعور الحادّ، بالجمال في صوره المختلفة، ومظاهره المتباينة: في أصوات الطير، في حركة العذارى، في عطر النسا، في ركض الحِصان، في شآبيب الصَّفْواءِ، في السحاب السابح في الفضاء، في حركة خُذروف الوليد، في غَلْيِ المِرْجل، في جُلمود الصخر المندفع من الأعلى نحو الأدنى، في جِيدِ الرئْمِ الجميل- أوفي جِيدِ الجميلة التي يشبه جيدُها جِيدَ الرئم- في الشَّعَرِ الأسود الأَثِيثِ، في البَنان الناعمة الرقيقة، في صفاء الترائب وَصقْلِ النَّحْرِ، في مصباح الراهب المضيء عِشَاءً...
ونلاحظ أنّ هذه الصور منتزعةٌ من صميم بيئة الناصِّ وحياته اليوميّة، وتقاليد مجتمعه البدويّ: الطبيعةُ مادَّتُها، والتعايُشُ معها أداتُها.
وحين نعمد إلى محاولة تحليل الأسس التي نهضت عليها التشبيهات لدى طرفة، نلاحظ أنه يختلف اختلافاً بعيداً عن امرئ القيس الذي صرف معظم عنايته إلى تشبيه الحِصان أوّلاً، ثم المرأة ثانياً، ثم من بعد ذلك تأتي الطبيعة والأشياء.
على حين أن التشبيهات، لدى طرفة، تنصرف، أساساً، إلى الناقة بتواتر بلغ أربعاً وعشرين مرة من تسع وثلاثين، ثم يأتي الرجل بعشر مراتٍ، ثمّ الطبيعة والمرأة بثلاث مرّات لكلّ منهما.
فالتشبيهات الواردة في معلّقة امرئ القيس متوازِنَةٌ بحيث توزّعت على المرأة، والحسان، والطبيعة، والأشياء، لكنّ الحصان هو الذي استأثر بالمنزلة الأولى بأربع عشرة مرّة، ثمّ المرأة بعشر، ثم الطبيعة والأشياء، مجتمعةً، بسبع. فاهتمام امرئ القيس يتوزّع، أساساً، على هذه الحقول الثلاثة. وإذا كان الحصان، لديه، نال المرتبة الأولى من العناية فلأنّه كان أميراً فارساً؛ ولأنه كان صيّاداً مقامراً، ولأنه كان متنزِّهاً سائحاً. وإذا كانت المرأة، لديه، وردت في المنزلة الثانية من الاهتمام فلأنه كان شاعراً عاشقاً، ومغامراً فاسِقاً(7) ومنادِماً فائقاً(7)؛ فكانت المرأة بالقياس إليه أساساً من أسُسِ الحياة، ومُتْعةً من مُتَعِها، وَملَّذَّة من ملذَّاتها. فكأنّه كان يعّدها مجرّد أنثى يتمتّع بها، ويلهو معها غير مُعْجَل؛ ثمّ لا شيء وراء ذلك. وهو ببعض ذلك يختلف عن عنترة الذي كان يحبّ امرأة واحدة، بوفاء، ويَمِقُها بِكَرمٍ، كما يختلف عن عمرو بن كلثوم الذي نلفيه يمجّد نساء قبيلته اللواتي كنّ يَقُتْنَ الخيْلَ للمحاربين أثناء المعركة، وكنّ يحْضُضْن الرجال على القتال، في حروب البسوس، حتى يتجنّبن سُبَّةَ السَّبْيِ، وعار الذُّلِ.
فالمرأة لدى عمرو بن كلثوم خُصوصاً، اثنتان: إحداهما للمتعة واللهو والنعيم، وتتمثّل في القِيان والجواري الميسَّرات لِمَا خُلِقْنَ له لديه، وإحداهما الأخراة هي السيدة الكريمة، والدُّرَّةُ العقيلة: التي كانت تشارك الرجل عَذابه ونعيمَه، وأملَه وألَمَه، وَضَنْكَ عيشهِ ورغده...
بينما المرأة لدى امرئ القيس لا. فهي ذلك الكائن اللطيف الذي وقف عليه، بعد الحصان، معظم تشبيهاته. إنها كانت لديه مجرّد جسَدٍ غضّ: للتمتّع العارض، والتلذّذ العابر، ثمّ لا شيء من بعد ذلك، يترتّب على ذلك. كانت مجرّد أنثى إذن. من أجل ذلك نجد ذِكْرَاً لنساء كثيرات في معلّقته؛ وكأنّ كلّ واحدة منهنّ كانت تمثّل جزءاً من حياته، أو لحظات سعيدات في حياته، ووجهاً من وجوه مغامراته معها. ثم، لعلّ من أجل ذلك، ألفيناه يصيب في تشبيه النساء، ويجوّد في إجراء الحِوار بينه وبينهنّ، ويبدع في تصوير علاقته بهنّ: وكيف كان يجاوز إليهنّ الأحراسَ، وكيف كان يلهو بالبِيض منهنّ في غيرِ عجلة من أمره، وكيف كان يَتَأَوّبُهُنَّ إذا جَنَّهُنَّ، وجَنَّهُ، الليلُ؛ وإذا نَضَضْنَ للنوم ملابِسَهُنَّ...
وربما تعود عبقريّة التشبيه التصويريّ للمرأة لديه، إلى كَلَفِهِ بها، وعِشْقِه إيّاها، وملازمتِهِ لها طويلاً؛ ثم إلى ممارساته العمليّة معها معاً. ثمّ إلى جُرأته على الجَهْرِ بفِسْقِه، والصَّدْعِ بفَضائح علاقاته الجنسية: إذا مارس العِشْقَ والاضطجاع... وهي سيرةَ عَفَّ عنها سَواؤُهُ من نُظرائِهِ المعلقّاتييّن .
وعلى الرغم من أنّ طرفة بن العبد يأتي في المنزلة الأولى، من حيث عدد التشبيهات التي اشتملت عليها معلّقتُه، على سبيل الإطلاق؛ فإنّ تشبيهاته، مع ذلك، لم يتوقف النقاد والبلاغيّون القدماء لديها إلاّ قليلاً، من حيث أُعْجِبُوا إعجاباً مَهُووساً بمعظم تشبيهات امرئ القيس؛ وخصوصاً ما ورد منها حوال المرأة والحِصَان. ولا نحسب أنّ الأقدمين جانبوا الصواب، إذا حقّ لنا إصدارُ حُكِم قيمةٍ، فيما كانوا يذهبون إليه. من أجل ذلك، قد نقضي بأن امرأ القيس وإن كان يأتي في المرتبة الثانية من حيث الترتيب العددي، بعد طرفة، بزهاء واحد وثلاثين تشبيهاً، مقابل زهاء تسعة وثلاثين تشبيهاً لدى طرفة: إلاّ أنّ ذلك ما كان ليكون مانعاً من عدّ امرئ القيس أحسن المعلقاتيين تشبيهاً، وأجملهم تصويراً، وأقربهم إلى الذوق العربي العام؛ فظل ذلك قائماً على امتداد ستة عشر قرناً.
ولعل الذي أضرّ بطرفة أنّ كلّ عبقريته الشعرية أهدرها في وصف الناقة في لغة بدويّة، وألفاظ حوشيّة، وتعابير وحشيّة، وصور غجريّة لم تلبث أن فقدت رُواءَها مع مرور الزمن، وأضاعت طلاوتها مع كُرِّ الأيام. على حين أنّ موضوع المرأة الذي عالجه امرؤ القيس، بإثارة وإباحيّة، هو موضوع، يظل إنسانيّاً، ماثِلاً لدى الناس إلى يوم القيامة، على الرغم من اختلافهم في النظرة إليه...
لقد استغنى كثير من الناس عن الناقة فلم يعودوا يعنون بها، ولا يلتفتون إليها ولا يتّخذونها همّاً في حياتهم، بينما من النِّفاق أن يَزْعُم الرجال أنهم قادرون على الاستغناء عن المرأة التي هي الحياة وسِرُّها وهِبَتُها وإِكْسيرها، ونضارَتُها وعَبَقُها.
فقد عرفْنا إذن علّة خُلودِ تشبيهاتِ امرئِ القيسِ، ودُرُوسِ تشبيهاتِ طَرَفَة، وَسَوَائِهِ من المعلّقاتيّين الآخرين.
وإنّا وقد ذكرنا المعلّقاتيّين الآخرين الخمسة، فما بالُها لديهم؟ وما شأنُها في معلقاتهم؟ وهل قصَّرَتْ، لديهم عن تشبيهات امرئ القيس وطرفة، أو فاقَتْها؟ لِنَرَ ذلك.
إنّ التشبيهات لدى الخمسة الآخرين تتفاوَتْ في الكثرةِ والقِلَّةِ، والرداءةِ والجَوْدَةِ: ولكنها مجتمعة لدى هؤلاء الخمسة(لبيد- زهير- عنترة- عمرو بن كلثوم- الحارث بن حلّزة) لا تمثّل إلاّ أقلّ من نصفها لدى الأوّلين: امرئ القيس، وطرفة. بيد أنّنا لاحظنا، أثناء ذلك، أن عنترة يأتي في المرتبة الثالثة بتسعة عشر تشبيهاً موزّعة، بحسب تكاثر التواتر، على الناقة، ثم الرجل، ثم المرأة، ثم الظَّليم، ثم الذُباب، ثم المطر؛ ولبيداً في المرتبة الرابعة بستّة عشر تشبيهاً موّزعة، بحسب تكاثر التواتر، على البقرة الوحشية، ثم على المرأة، ثم الطبيعة والأشياء، ثم الناقة، ثم الرجل، ثمّ الحصان بتشبيه واحد فحسب، وعمرو بن كلثوم في المرتبة الخامسة بأربعة عشر تشبيهاً موزَّعَةً، بحسب تكاثُرُ التواتر، على الرجل؛ ثم على المرأة، ثم الطبيعة والأشياء، ثم الحصان بتشبيه واحد فقط-مثله في ذلك مَثَلُ لبيد-؛ والحارث بن حلّزة في المرتبة السادسة بأحد عشرَ تشبيهاً موزّعةً، بحسب تكاثر التواتر، على الرجل، ثم الناقة، ثم الطبيعة والأشياء؛ وزهير بن أبي سلمى في المرتبة الأخيرة بأربعةِ تشبيهاتٍ فقط، موزعّةً على المرأة بتشبيهيْن اثنين، وعلى الطبيعة والأشياء بتشبيهيْن اثنيْن آخرين.
وربما قلّت التشبيهات لدى زهير لأنه كان في معلّقته، خصوصاً في القسم الحكميّ، مجرَّدَ حكم متأمِّلِ يَبُثُ تجاربَه، ويَسوق تعاليمَه، ليتعلّم بها الناس ويُفيدوا منها في حياتهم ممّا به يبتلون.
****
ثالثاً: النسج اللغوي، في المعلقات،
بين نظام الفعل ونظام الاسم
لاحظنا في المقالة التي عرضنا فيها لتحليل الإيقاع المعلقاتيّ أنّ هناك نصوصاً منها تميل إلى نحو ما أطلقنا عليه، في شيء من التجاوز والتساهل: "الحميمّية"، أو "الانضواءِ على الذات"؛ وذلك بناء على تأويل دلالة الخَفْضِ في اللغة العربيّة، مثلاً. وإذا كنّا لا نطمع في أن يتفق الناس معنا على ما ذهبنا إليه؛ فإنّنا قد نكون أفلَحْنا في تحفيزهم، على الأقلّ، إلى البحث عن تأويلٍ آخر، عن قراءة جديدة أخراة، من آلاف القراءات التي اقتُرِئَتْ بِها هذه النصوصُ ماضِياً، والتي ستقرأ بها مستقبلاً.
وإذا كنّا جئْنا نثير مسألَة نظامِ النسج اللغويّ فبِما رغْبَةٍ عارِمةٍ مِنَّا في الكشف عن الظاهرة النسجيّة التي تستأثر بنظام اللغة، وبنية التعبير لسطح هذه النصوص الشعريّة العذريّة.
وقد انتهينا من خلال الإِحصاء الذي اضْطُرِرْنا إليه (والذي لا نحمل أي عُقْدَةٍ له أو عليه، فهو لدينا مجرّد من الإجراءات التي قد نعمد إليها، في بعض المستويات من قراءتنا، وذلك ابتغاء استكشاف ظاهرةٍ ما، حين نعتقد أنه لا يمكن استكشافَها إلاّ به، أو إلاّ عَبْرَه): إلى أنّ النسج الشعريَّ يهيمن عليه النظام الاسْمِيُّ لدى عامّة المعلقّاتيّين إِلاّّ لدى زهير الذي يغلب، في نسجه الشعريّ، النظامُ الفعليّ، لِمَا سنعلّله من بعد حين.
وقد رأينا، والحال أنّ الشأنَ منصرِفٌ إلى نسج شعريّ، أن نراعي مَطْلَعَ صَدْرِ البيت، وآخر عجزه على أساس أنهما مفتاحَا البيتِ الشعريّ. ولم نُرِدْ أن ننزلِقَ إلى ملاحظة النظامين الفعليّ والاسميّ في أكثّر من هذين المستويْين الاثنين خشْيَة أن يُفضي ذلك إلى تطويل قد لا يكون فيه، لهذا البحث، غَناء كبير.
والحُكْم العامُّ الذي نستخلصه من هذه المتابعات المنصرفة إلى مطالع الأبَايِيتِ، وأواخر أعْجَازِها: أنّ الشعراء كانوا يجنحون للتعامُل مع النظام الاسميّ أكثر من جنوحهم للتعامل مع النظام الفعليّ، لأسباب مختلفة، منها:
1. إنّ نسجْ الأسلوب العربيّ ينهض أساساً على النظام الاسميّ أكثر من نهوضه على النظام الفعليّ. وهو قادر، على نقيض اللغات الأوربية وحتى بعض اللغات الشرقيّة، على الاستغناءِ عنِ الفعل من حيث لايستطيع الاستغناءَ عن الاسم. أَضْرِبُ لذلك مثلاً نَصَّ البسملةِ الذي يُردّده كلَّ يومٍ قريبَاً من مليارِ مُسْلم في العالَم، فإنه لا يشتمل على أيّ فعل. ودَعْكَ من تخريجاتِ النُّحاةِ وفي طليعتهم الشيخ عبد القادر الجرجاني؛ والتي فيها يزعمون أنّ الباء في"بِسم اللَّهِ" متعّلقة بفعل تقديرُه: "أَقْرَأُ، أَوْ أَتْلُو" (8). وعلى أنّ تقدير عامّة النحاة هو: "ابْتَدِئُ". فنحن لسنا نجنح إلى هذه التقديرات والمتعَلَّقات، ونحن نبحث في أمر المعلقّات، التي لا تتعلّق إلاّ بأوهام اغتدت فيما بعد قواعد للإعراب؛ وإلاّ فإن الله تبارك وتعالى، لو كان شاء إلى ما شاؤوا، وقصد إلى ما إليه قصدوا، لكان قال كما قالوا. والآية على ضعف هذا المذهب أنّ الله تبارك وتعالى حين أراد إلى أن يتبرَّكَ بأسمه، وَصَلَهُ بالاسْمِ لا بالفعل، فقال: "باسِمْ اللَّهِ مُجْرَاهَا ومُرسَاهَا(9)، ولم يَقُلْ: "أُجْرِيَها ببِسْمِ اللّهِ، وأُرسِيَها".
وقد لاحظنا، أيضاً، أنّ سورة النحل لا يوجد فيها إلاّ ثلاثة أفعال فحسب من بين سبعة عشر اسماً على الأقل؛ مَثَلُهُا مَثَلُ سورة الفاتحة التي تشتمل على أربعةِ أفعالٍ فحسب من حيث نُحصِيْ فيها من الأسماء ما لا يقلّ عن واحد وعشرين.
وقد يمكن النسجُ بالاسم وحده، في اللغة العربيّة، دون أن يَعْتَاَصَ ذلك على الفُصحاء الأبْبِنَاء، والَّلِسِنين البُلغُاء؛ كما نلاحظ ذلك في بعض خطبة قسّ بن ساعدة الإيادي الذي كان يُضْرَبُ به المثل في فصاحة اللسان، والقدرة على نسج البيان(10): "(...) في هذه آياتٌ محكمات، مَطَرٌ، ونبات، وآباءٌ وأمهات، وذاهبٌ وأت، ونجوم تَمور، وبحور لا تَغُور، وسقف مرفوع، ومِهَادٌ موضوع، وليلٌ داج، وسماءُ ذاتُ أبراج"(11). ففي هذه الكلمة لم يرد الفعل إلاّ مرتيْن اثنتيْن من بين عشرين اسماً؛ وكما يمكن أن يُلاحَظَ ذلك في بعض نصّ إحدى خطب الحجّاج، إذ يقول: "يا أهل العراق، يا أهل الشِّقاق والنِّفاق، ومساوئَ الأخلاق، وَبني اللَّكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والَفْقْع بالقَرْقِرَ..."(12): فهنا نجد خمسةَ عشرَ اسْمَاً بدون ورودِ أيّ فعلٍ، وبدون أن يمكن أن يذهب أحد من الناس إلى أنّ مثل هذا الكلام كان محتاجاً إلى أن يَتَعلَّق بغيره الغائب، على نحو أو على آخر...
ومثل هذا في العربية كثير مشهور، ومتواتر معلوم؛ بحيث لايحتاج معه إلى برهنة ولا إلى تدليل.
2. إن النظام الإسْميَّ يفيد الثبات والسكون؛ ولعلّ السكون هو الدَّيْدَنُ الغالب على حياة الجاهلية الذين كان الرُّتُوبُ يحكم حياتَهم، والسكون يقيّدها. وكانتْ تلك السيرةُ تُحَتِّمُها نوعيَّةُ الطبيعة المحيطة بهم، والبدائيّة التي كانت تحكم حياتَهم، بحيث كانت أسفارهم الطويلة، قليلةً، وإقاماتهم، أو تنقلاتهم القصيرة، كثيرة. لا تغير في نظام العيش، ولكن الرتوب... يعيش الأبناء كعيشة الآباء، ويعيش الأحفاد، كعيشة الأجداد. من خرج عن نظام القبيلة، وعاداتها، عُدَّ مارِقاً، ومَنْ تنكّر لتقاليدها اعْتُبَر عاقّاً مُفَارِقاً.
وإذن، فإنّ النظام الاسميَّ في نسج اللغة في المعلّقات السبع لا يعدو كونَه امتداداً للحياة الجاهليّة بمظاهرها الاجتماعيّة والعقليّة والاقتصادية والثقافيّة التي كانت تتجسّد، خصوصاً، في رواية الشعر، وفي إنشاده في المحافل والمناسبات الكبرى وفي التغنّي به في التظّعان. كما أنّ الأشعار التي كانت تتردّد في المآقِطِ المختلفة كانت تتشابه وتتقارب أشكالُها، ومضامينها: البكاءُ على الأطلال، ووصْفُ جمال النساء، ثم وصْفُ النُّوقِ والسَّفَر، أو الخيلُ، أو المطر، أو البلاء في الحرب... أو سَوْقٌ لبعض الحِكَمِ، وضَرْبٌ لبعض الأمثال، وذِكْرٌ لبعض الوقائع...
فلم يكن الثبات الذي يقتضيه النظام الاسِميُّ في نسج اللغة، عَبْرَ المعلقات، متمثِلاً في الحياة بمعانيها المادّية فحسب؛ ولكننا نلفيه ثابتاً أيضاً، في المظاهر الأدبيّة والثقافيّة (بناء القصيدة- نظام القبيلة- تقاليد الرعي والتماس الكَلأ، وهلمّ جرا من سائر المظاهر الأنتروبولوجيّة).
3. الاسْمُ يحيل على الكائن الحيّ ويعيّنه، فهو يحيا: يحبّ ويكره، إن كان عاقلاً، ويضطرب ويتحرّك، إن لم يكُنْهُ. على حين أنّ الفعل حدَثٌ، والحدث لا ينشئ نفسه، ولا يقوم بذاته بمعزل عن الاسم؛ عن الكائن الحيّ الذي يُسَبّبُهُ، أو يكون نتيجة له، أو يكون مندمجاً فيه.. فالفعل- وإذن النظام الفعلي، بجَذامِيرِه- لا ينبغي له أن يكون إلاَّ مجرّدَ تابِعَ للنظام الاسِميّ، خاضعٍ له، ناشئٍ عنه.
4. قد يجتزئ الاسم وحده في الكلام؛ إذا ظاهرتْه قرينةٌ ما، مثل قوله تعالى: "الرّحْمن"(13). فاسم الجلالة: الرحمن، هنا آية بنفسه؛ ولم نجد ذلك حَدَثَ في فعل من الأفعال. فالاسْمُ هو صاحب الشأن والبال؛ أما الفعل فلا يأتي إلا خَدَماً له، وسائِراً في فلكه.
5. وإذا كانَتْ بعض المعلّقات(خصوصاً معلّقة زهير) تَغَلَّبَ فيها النظامُ الفعليّ على النظام الاسميّ؛ فلأَنَّحكيمُ المعلّقاتيين عَمَدَ إلى بثّ الحكمة، وإرسال الأمثال، وتذكيرٍ بمآسي الحرب، وتصوير لبشاعتها، وتزهيد الناس في سفك الدماء، وترغيبهم في أن يجعلوا المحبّة والسلام يسودان بينهم. ومثل هذا السلوك الذهنيّ ينشأ عنه قلةٌ في استعمال الأسماء، وكثرةٌ في استعمال الأفعال. ولعلّ الذي ظاهر على ذلك أنّ نظام النسْج في معلَّقة زهير اقتضى أن ينتهي كثير من أبياتها بأفعال مضارعة، إذْ نلفي اثنيْن وعشرين بيتاً من بين اثنين وستين ينتهين بأفعال أغْلَبُهَا مُضارِعٌ. وهي سيرة من النسج الشعريّ ليست عاديّة.
ونحن حين اصطنعنا عبارة"نظام النسج"، في هذه المعلّقة، فلأننا، فعلاً، لاحظنا أنّ أسلوب الكَمِّ يكاد يختلف، هنا، عنه في سائر المعلّقات. فكأنّ نظام النّسْج في معلّقة زهير ينهض على تسخير هذه الفُيوض الفائضة من الأفعال المضارعة المجزومة التي كان وراء جزمها، في عامّتها، ذلك العامل الجازم لفعلين اثنين، وهو: "مَنْ"، وأخواته مثل "متى"، و"مَهْما"... التي تكرّرت، في جملتها، زُهاءَ أربعٍ وعشرينَ مرَّةً.
وعلى أنّنا لو انزلقنا إلى عدِّ الأفعال المضارِعة المجزومة المعطوفة على الجُمل الأصليّة الناشئة عن إعمال الجزم لوجدنا النص الزُّهَيْرِيَّ يَعْجُّ بها عجيجاً، مثل: يوخّرْ، فيوضعْ، فيدّخرْ، يعجَلْ، فينقم. ومثل: وَتَضْرَ، فتضْرَم، وتلقحْ، تنتج، فتُتْئَم، فتُنْتج، فتغلل....
وإذا كان اسم "مَنْ" جاء في العربيّة للدلالة على العقلاء، إلاّ لدى الانزياح(فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ...) (14)؛ فِلأَنَّ الناصّ كان يريد من وراء هذا الاستعمال إلى مخاطبة العقلاء حقاً، وتخصيصهم بالخطاب فعلاً. كان الشاعر الحكيم يريد أن يخاطبهم، فيؤثّر فيهم، ويبلغ غايته منهم؛ فيعدل بهم عمّا كانوا فيه من جَهالةٍ جهلاء، وما كانوا يَخْبِطون فيه من حروب هوجاء، وما كانوا يشنّونه من غارات شعواء، وما كانوا عليه من التساهل في سفك الدماء: باسْمِ الشجاعة، واستحلال أموال سَوائِهِمْ تحت عادياتٍ تَعَوَّدوها...
وإذا كانت لغة عنترة تجري في بعض ما نحن بصدده من افتخار بسفك الدماء، وتمجيد القتل وخوض الحروب، وتصوير لمكارم الأخلاق كلّها في طعن الفرسان بالرماح، وَشَكِّ الرجال بالسلاح، وجندلتهم في سَاحِ الوغَى، وتغنٍّ بمناظر الموت البشعة، وتبجّج بمشاهد الدماء وهي تنزف من أجساد البشر، وهم يَتَهَاوَوْنَ على الأرض صَرْعىً لَقىً كأجْذاع النخْل: بفعل العَضْبِ بالسيوف، والطَّعْنِ بالعوالي: فإنَّ الصورة لدى زهير هي غيرها لدى عنترة. فكأنّ عنترة قاتل محترف:
*قيلُ الفوارسِ: ويْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ*
ومحاربٌ متخصّص في جندلةِ الأبطال، على حين أنّ زهيراً رجلُ سلامٍ، ومحبّة، وعقل... وأيّاً كان الشأن؛ فإنّ الفكرة التي نهضت عليها معلقة زهير كانت تقتضي فيْضاً من هذه الأفعال، كأنه لِيَصِفَ بها، بطريقٍ غير مباشر، معارِكَ الحرب، وأهوالُ الموت، ومناظر العذاب والخرابِ. فكأنّ زهيراً لا يصف الحرب وأهوالَها وآلامها وأتراحَها ومِحَنَها وشقاءَها في اللغة، ولكنه كان يصفها باللغة. وكأنَّ هذه اللغة، اللغة الزهيريّة، حركات الفرسان وهم يتقاتلون ويتصاولون ويتطاعنون: في خِفّةِ حركةٍ، وفي كرٍ وفر، وفي إقبال وإدبار، وفي وَثَبَانٍ وَرَوَغَانٍ...
بينما نلفي نظام النسج اللغويّ لدى عنترة، وقد اقتضى المقام أن نقرن بينهما، هنا، ينهض على تصوير الحركة الفعليّة، الماديّة: للتقاتُلِ والتَّطَاعُنِ والتَّنَاحُرِ والتصاولُ بين الفرسان؛ وقل إن شئت بين عنترة وَحْدَهُ والفرسان الآخرين الذين كانوا يَعْرِضون له، أو يجرؤون على التَّطالُلِ على فروسيّته ورجوليته، وشجاعته التي سارت بذكرها الركبان... فاللغة لدى عنترة تنهض بوصف ما يحدث، فكأنّها سخّرت لِسَوَائِها، على حين أنّ اللغة لدى زهير تنهض بوصف الخارج فيها؛ فكأنها مسّخرةٌ لذاتِها، من أجل ذاتها. فكأنّ العمل باللغة في معلقة زهير يتّخذ من النسج باللغة غايةً له. فلغة زهير تصوّر الخارج عَبْرَ فَيْضٍ من وجدان الذات، فكأنّها تحويل للخارج نحو الداخل: لِتَركِّبَهُ، ثم تَبُثَّه نحو الخارج في صورة أخراةٍ جديدة. بينما اللغة لدى عنترة كأنها تصوير للخارج في واقع الداخل، وإٍسقاط للواقع الخارجيّ على حميميّة الذات.


وإذا كانت التقريريّة هي التي تحكم نظام النسج لدى زهير في معلّقته، مَثَلُه مَثَلُ عمرو بن كلثوم، وربما طرفة أيضاً؛ فإنّ السرديّة هي التي تحكم نظام النسج لدى المعلّقّاتيّين الآخرين على الرغم من أنّ صفة السردية تجمع معظم المعلّقاتيّين، إن لا نقل كلّهم، إذا انصرف الوهم إلى المطالع الطللّية. لكنّ امرأ القيس يظلّ أشدهم تعلّقاً بالسرديّة، وأكثر استعمالاً لها، وقد كان ذلك أثار عنايتنا منذ أكثر من ربع قرن(15).
وأياً كان الشأن؛ فإنه يمكن أن نقرر أنّ المعلّقاتيّين السبعة، في نظام النسج اللغويّ المستعمل في معلّقاتهم، هم إمّا سُرَّادٌ، وذلك عَامٌّ في مطالِعِهم؛ وإمَّا مُقَرِّرُونَ؛ وذلك خاصّ بأصحاب الحكمةِ والتأمّل، ولا سيما طرفة وزهير. ثم يقع التفاوت فيما بينهم على درجات من حيث الإغراقُ في السْردِ فحسب؛ أو الإغراق في التقرير فحسب؛ أو الجنوح للسرد أكثر من التقرير، أو الميل إلى التقرير أكثر من السرد...
ومن الواضح أنّ هذا الوضع يؤثّر في طبيعة الأسلوب، وشكل اللغة، ونظام النسج.
وهناك مسألة أخراةٌ عالجْناها، في غير هذا المقام، وهي أننا لاحظنا أن نظّام النسج كان يخضع، لدى هؤلاء المعلّقّاتيّين، لطبيعة المضمون المتناوَل، ولحال الوضع العاطفيّ الماثل، للمعلّقاتي حين يُنشئ شعرَه. فمَنْ النسْج ما يغْلُب عليه ما أطلقْنا عليه الضجيجيَّةُ كما في معلقتي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة، ومنه ما يطْغُو عليه الحميميَّةُ والذاتيَّةُ مثلما يصادفنا بعض ذلك لدى امرئِ القيس، وربما لدى عنترة أيضاً، ولدى طرفة في وجه من معلّقته. وقد كنّا لاحظنا أنّ الضجيجيّة تعني ذَوَبّان الذاتِ في الآخَرِ، وليس الآخَرُ هنا إلاّ القبيلةَ التي ينتمي إليها المعلّقاتي، فَيَنْضَحُ عنها، وَيُرَوِّجُ لِمَكَارِمِهَا، ويتغنّى بمآثرها، حتى يجعلها في ذروة من المجد، وقُلَّةٍ من السُّؤْدد. بينما الحميميّة إنما تُعْنى بتوهّج الذات، وطفوح قوة النفْس، وبروز شدة الحضور الداخلي، أو الحميميّ الذاتيّ، للمعلّقاتيّ: فإذا هو لا يلتفت إلا قليلاً إلى العالم الخارجي، ولا يكترث بما حوله، ولكنّ التعبير عن عالَمَه هو الذي يعنيه في المنزلة الأولى.

****
رابعاً: زخرفيّات نسجيّة أخرى
وممّا يمكن أن يكون له صلة بنظام النسج اللغويّ في المعلّقات ما لاحظناه من طفور بعض الأدوات الإنشائيّة، بتعبير البلاغيّين، وأدوات الزخرفة اللفظيّة باصطلاحنا: وذلك مثل الاستفهام، والقَسَمَ، والنداء، والتعجّب ونحوها.
وقد لاحظنا أنّ الاستفهام، بنوعيه البسيط والإِنكاري، يأتي في المرتبة الأولى بثلاثة وثلاثين استفهاماً، والنداء يتبوأ المنزلة الثانية بتسع عَشْرَةَ حالَةَ نداءٍ، والقسمَ يَردُ في المرتبة الثالثة بإِحدى عشرة حالة قَسَمِ، من حيثُ يتبوَّأُ التعجُّبُ المرتبةَ الأخيرة بسبع حالاتٍ تعجّبٍ فحسب.
والذي لاحظناه أيضاً حول هذه الظاهرة أنّنا ألفينا كلّ المعلّقاتيّين مستفهمين، مع تفاوت بينهم في كثرة الاستعمال: كثرة تتراوح بين تسعة استفهامات لدى الحارث بن حلّزة، واستفهاميْن فحسب لدى امرئ القيس.
ولعلّ أداة الاستفهام أن تكون زخرفة كلاميّة تجلو الرتابة عن النسج، وتنفض غبار السكون الأسلوبيّ عن الكلام، وتحمل المتلقيّ على التيقّظ والتّحفّز، وتدفعه إلى استعمال مَلَكَته الذوقيّة، وطاقته الذهنيّة من أجل أن يجيب عمّا أثير من تساؤلات، وطُرِحَ من استفهامات. إنّ الاستفهام، وخصوصاً الإنكاريَّ منه-وهو كثير- مُساءَلَةٌ، وَحَيْرةٌ، وقلق. ولعلّ المُساءلة أن تكون دعوة إلى المعرفة، والمعرفة أرقى مستويات الإدراك.
والاستفهام إبداءٌ لما في النَفْس من فضول معرفيّ، وَبَوْح بما في القلب من وجدان الذات، وكشْف عمَّا في الضمير من حَيرة حَيْرَى: فإِذا ما كان مخبوءاً يغتدي مكشوفاً، وإذا ما كان مستكيناً يُمْسِي مُعرّىً.
وبينما كنّا ألفينا امْرَأ القيس يتبوَأ المنزلة الثانية بالقياس إلى زَخْرَ‌فَةِ التشبيه (واعتبرناه الأوّل من حيث تنويع تشبيهاته، وجمالها، وإِصابتها-كما يعبّر الجاحظ- وابتكارها وابتداعها): نلفيه الأخير في زخرفة الاستفهام. فكأنّه وقع تبادلٌ في المواقع النسجيّة بين المعلّقات فإذا هذه تُغْرِقُ في التشبيهات، وتلك تغرق في الاسْتِفَهامات، والأخراة تجنح لِلْقَسَم، وهلمّ جرّا...
وإنما ألفينا الحارث بن حلزة يغرق في استعمال الاستفهامات فيبلغ بها تِسْعَ حالاتٍ متبَّوئاً المنزلةَ الأولى بين المعلقّاتيين لأنه كان يدافع عن قضيّة، وَيَنْضَحُ عن مَوْقِفٍ. لقد كان قصاراه إِقْنَاعَ المتلقّين بظلم قبيلة تغلِب مجسَّدَةً، أو مُجَسَّداً، في موقف عمرو بن كلثوم، وتجاوزه كل طَوَرْ، وعَدَوه كل حدٍ: في الادِعِاءِ على بَكْر، وذهابه في كلّ ذلك المذاهب المستحيلة من سَوْقِ التُّهَمِ بالباطل...
وقد لاحظْنا أن الحارث لم يندفع في نسج الاستفهامات من ذاته إلاّ مرة واحدة:
لا أرى مَنْ عَهِدْتُ فيها فأَبْكِي الـ

ـيوم، وما يُحيِرُ الْبُكَاءُ؟


وعلى أنّ هذا الاستفهام وارِدٌ ضمنياً، إذ يمكن أن تُقَرَأَ عبارة: "وما يُحَيُر الْبُكَاءُ" على معنى النفْي، لا على معنى الاستفهامِ؛ على الرغم من أنّ قراءتها على معنى الاستفهام يمنحها قوةًً دلالية أجمل وأقلق وأغنى؛ وكأن الحارث كان يريد أن يقول بالتسطيح النثري: وهل رأيتم، قط، بكاءً حارَ جَواباً، وردَّ خِطاباً؟ وهو كما يقرر الزوزنيّ: "استفهام يفيد الجحود"(16) فهذا الاستفهام: الشعريّ، الانزياحيُّ، الجميل(وهو جميل حقّاً لأنه خَرَقَ قواعد الصياغة المألوفة فاستفهم في غير مكان الاستفهام؛ وهي سيرة نعهدها لدى كبار الشعراء، وفصحاء الأبيناء) أفضى إلى الاستنكار والقَلَقِ، والحَيْرة والسُّمود.
وأمّا بقيّة الاستفهامات فتنطلق، في عامّتها من الضمير الجمعيّ: من صرخة القبيلة، ومن صوت العشيرة، مثل:
أم علينا جَرَّى قُضاعَةَ أم ليـ

ـس علينا، فيما جَنَوْا، أَنْدَاءُ؟


إنّ معظم التشبيهات لدى الحارث بن حلّزة واردة في معنى الإنكار والحجود، والرفض والنفي. وهو مازاد هذه التشبيهات فَيْضَاً جماليّاً بديعَاً، لأنّه يحمل جماليّة في نفسه من حيث هو مُساءلة، أي إيقاظٌ لانتباهِ المتلقّي ودَفْعَه إلى المشاركة في تشكيل الرسالة المطروحة، كما يحمل جماليّة أخراة تتمثّل في أنّه يحمل مُخادَعةً للمتلقّي، ومُغَالطَةً للمستقبل الذي يعتقد، لأول وهلة، أن الرسالة أُلقِيَتْ عليه ليجيب عنها، بينما هي تحمل جوابَها في نفسها، وإقناعَها في ذاتها، وإنكارَها في نسجها.
على حين أنَّنا ألفيْنا كُلَّ الاستفهامات الواردة لدى طرفة بن العبد، وهي ستّة، وهي تمثّل المرتبة الثانية بعد الحارث بن حلّزة، تنطلق من ذات الناصّ، وتنبع من نفسه، وتنبثق عن جَوَّانيته، لأنه كان بصدد نَعْيِ نَفْسِه، فيما يزعم مؤرخّو الأدب (17): فكان مُضطَرَّاً إلى التساؤل عن كثير ممّا يَحْدُثُ مِنْ حَوْلِهِ، أو قُلْ: ما يحدث له، أو قل: ما يحدث له عبر هذا العالم الغريب، وما يتعرّض له من ظلم ومَضاضَةٍ:
* وأنْ أَشْهَدَ اللّذّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخِلْدِي؟
* ستَعْلَمُ، إن متْنا غَداً، أَيُّنا، الصَّدِي؟
وأمّا منطلق مُساءلات عمرو بن كلثوم، وقد تواترتْ خمسَ مرّاتٍ، وهو الشاعر الذي كان يبشّر بقضيّة القبيلة، ويدافع عن مجدها، وينضَحُ عن شَرَفها: فإنّها وردت، هي أيضاً، وعلى سبيل الإطلاق، في معرض التحدّث عن الجماعة، والتكلّم باسمِها، ورفع العقيرة بصوتها:
بأيِّ مشيئةٍ، عمرو بْنَ هِنْدٍ

تُطيع بنا الوُشاةَ وتَزْدَرِينا؟

أَلَمَّا تَعْلَمُوا، مِنَّا ومنكم،

كتائِبَ يَطَّعِنَّ ويَرْتَمينَا؟


بينما انطلقت استفهامات عنترة، وهي خمسة أيضاً، من أعماق نفسه؛ إذْ كان بصدد النَّضْحِ عن حَقِهِ في الحريّ‍ة، وَجدارته بالوجودِ؛ وإذْ كان على شجاعته وَحُسْنِ بَلائه في الحروب كان أبوه يتردّد في إلحاقِه بنَسَبِه، كما أنّ حُبَّهَ عَبْلَةَ أَجَّجَ في قلبه رسيس الهوى فأنطقه بما أنطق، وألهمه بما ألهم: فجعله يخاطبها، وهي بعيدةٌ عنه، معاتباً إيّاها عن عدم مُساءَلَتِها عن بَلائه في الحروب، ومتابعتها لمقاماتِه في الوغى؛ وكيف أنّ الخيل كانت تعرفه لفُروسيّته، وكيف أن الفرسان كانت تتَهَيَّبُه لشجاعته: إلاّ هي التي ظلّت جاهِلَةً، أو متجاهلةً، بما كان يجب عليها أن تعلم من أمره، وتعرفَ من شأنه:
هَلاَّ سأَلْتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ

إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِي؟


وقد أثار انتباهَنا، هنا، شيءٌ آخرُ في نظام النسيج اللغويّ للمعلّقات؛ وهو هذه النداءات المتكررة، والأصوات المتعالية: الدالّة على الدَّلَهِ وَالْوَلَهِ، والقَلق والفَزَع، والتخوّف والترقّب. وكانت هذه النداءاتُ ربما خرجت عن إطارها الاستعمالِيّ المألوفِ، لتخرق القاعدة، ولتغتدي مُنزاحةً مُنساحةً، مثل ما نلفيه لدى امرئِ القيسِ الذي خاطب الليل فجعله يَعْقِلُ نداءه، ويعي خطابه (وإن كنّا شكَكْنا في أنّ الأبيات الأربعة التي يصف فيها الملك الضليل الليل، قد تكون له... وقد عللّنا ذلك في موقعه من هذه الدراسة...)، ومثل ما نجده لدى زهير الذي يخاطب الرَّ‍بْعَ ويدعو له بالسَّلامة، وكأنّه عاقِلٌ واعٍ، وسامِعٌ سَاعٍ.
ذلك، وقد ألفينا هذه النداءات الصريحة، أو النداءات المنزاحةَ الواردة في صور التعجب، تبلغ زهاء تِسْعَةَ عَشَرَ. وقد توزّعت على عامّة نصوص المعلقات إلاّ معلقة الحارث بن حلّزة إنها خَلَتْ من أيّ نداء أو تعجّب. أمّا التواتر فكان يتراوح بين ستّةِ نداءاتٍ (عمرو بن كلثوم)، ونداءٍ واحدٍ (زهير بن أبي سُلمى).
وإذا كنّا زعمنا أنّ الاستفهام يعبّر عن مدى القلق الناشئ عن فضول المُساءلة النائشة عن الحَيرة والتعجّب، فإنّ النداء لا يَقِلُّ جماليّة من حيث هو مظهرٌ تعبيريّ أنيق رشيق، وخصوصاً حين ينزاح النداء فينصرف إلى ما لا يعقل، أو حين يَحَارُ فينصرف إلى التعجّب كقول امرئ القيس:
ألا أَيُّها الليلُ الطويلُ ألا انجلِِ

بِصُبْحٍ، وما الإصباحُ منك بأَمْثَلِ


فهذا الليل لطول زمنهِ، وكثافة ظلمته، وكثرة هُمومه، وشِدّة أهواله، ولمُلازِمة النَّاصِّ له، ولملازِمة الليل للنَّاصّ: مسافِراً يتسقَّطُ المجْد، وظاعِناً يحاول السُّؤُدْدُ، وأرِقاً يتجرّع العِشّق، وساهِراً يَحْتَسِي كؤوس الرَّاح، وشاعراً يلتمس بناتِ الشعر: اندمج في هذا الليل، واندمج الليل فيه، فذاب، ما كانَ بينهما من فروق: أحدهما إنسان حيّ عاقلٌ واعٍ، وأحدهما الآخر زمن مظلم غير عاقل ولا واع: فإذا هذا ذاك؛ وإذا ذاك هذا؛ وإذا النَّاصُّ يُلفي سبيلَه على ليله؛ فتنزاح له الحُجُب، وتتكشّف له الأسرار، وَيُؤْتَى من هذه الأسرار ما يُتيح له الفهمَ عن الليل؛ بل يُتيح له ما يجعله: يجعل هذا الليلَ يفهم عنه، وَيَعِيَ خطابه، ويستجيب لندائه... وإنه لِسِحْرُ الشعر! وإنه لَجمال النسْج الأدبي العبقريّ. وإنّها لَعُذْرِيَّةُ الخيال، ووحشيّة اللغة الشعريّة...
وإذا كنا توقّفنا لدى نداء امرئ القيس، هذا، فلِمَا رأَيْنا من اشتماله على انزياح لغويّ عجيب، وانسياج نسْجيّ مبكِرٍّ في الشعر العربيّ. أمّا النداءات الأخراة وعلى كثرتها في معلّقة عمرو بن كلثوم مثلاً؛ فإنها لا تجاوز حدود الاستعمال المألوف الذي إن كان يعني قلقَاً وعجَبَاً، وَحيرةً وتطلّعاً؛ فإنه، مع ذلك، وعلى الرغم من ذلك، لا يستطيع أن يرقى إلى مستوى الاستعمال المنزاح، مثل قوله:
أَبَا هِنْدٍ فلا تعْجَلْ عليْنا

وأَنظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليقينا؟


وربما كان أجمل نداءات عمرو بن كلثوم حين قَرَنَ بين الاستفهام والنداء، في مثل قوله:
بأيِّ مشيئةٍ، عمرو بْنَ هندٍ،

تُطيع بنا الوُشاةَ، وتَزْدَرينا؟


أمّا المظهر النسجيّ الآخر الجديرُ لِلَّتَوَقُفِ، والقمينُ للْمُلاحظة؛ فهو القَسَمُ الذي هو زينةٌ من زيناتِ النسج الأدبيّ في الأدب العربيّ: شعره ونثره. فقد كان الفصحاء يتفنّنون في هذه الأقسام، ويتأبَّهُونَ بها، ويتبجّحون باستعمالها لِمَا كانوا يُحسِّون، إحساساً فطريّاً، فيها من الجمال الدافق، والوهَج الطافح: فكانوا يسحرون المتلقّين سحراً، ويأْسرونهم أسْراً.
فلا عجب أن نلفي هذه المعلّقاتِ تُنَمِّقُ نُسِوجَها ببعض هذه الأقسام فنلفيها تتكرّ‍ر لدى ثلاثة معلقّاتيّين هم طرفة، وزهير، وامرؤ القيس. بيد أنّها لم تكد تتكرّر لدى هؤلاء إلاّ عشرَ مرات: أربعاً لدى الأوّلين، واثنتَيْنِ لدى الآخر.
وقد وردت تلك الأقسام في صورة العبارات التالية:
*لعَمْرُكَ، ولَعَمْرِي(أربع مرات)،
*آليت، وأقسمت، وحلفت (ثلاث مرات)،
*يميناً، ويمين الله(مرتين اثنتين)،
*وجَدِّكَ(مرة واحدة).
وقد وردت هذه الأقسام الثمانية، لدى طرفة وزهير، على لساني هذين المعلقّاتيّين أنفسهما، بينما القَسَمان الاثنان الآخران الواردان في معلّقة امرئ القيس ورداً على لسان إحدى النساء اللواتي شبَّب بهنّ:
*ويَوْماً على ظَهر الكثيب تعذَّرَتْ

عَلَيّ، وآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ

*فقالت: يَمِينَ اللّهِ مالكَ حيلَةٌ

وما إِنْ أَرَى عَنكَ الغِوايَةَ تَنْجَلِي


ولكن يبدو أنّ القسم، هنا، ومن الوجهة الدلالية الخالصة، لا يعني الرفض، ولا يعني التقديس؛ بمقدار ما هو كلام تقوله المرأة حين تريد باطناً ولا تريد ظاهراً. فالتَّأَبِّي، والتَّأَلِيَّ لدى هذه المرأة لم يكن يُقْصَدُ منه التمنُّعُ الحقيقيّ، ولا التأييسُ منها، ولا التزهيدُ فيها؛ بمقدار ما كان ضَرْبَاً من الغَنَجِ والإِغراء بها، حتّى قيل: إنّ البيت الثاني هو أغنج بيت قيل في الشعر العربيّ على سبيل الإطلاق(18).
فكأنّ النسيج الشعريّ لدى امرئ القيس أبداً يَسْتَمِيزُ عن النسوج الشعريّة لدى زملائه المعلّقاتيّين، ويتفرّد عنها، إن لاّ نقل يتسامى عليها. فالقَسَم لديه، هنا، مُنْزاحٌ لأنّه لا يحتمل ظاهِرَ الدلالة، بينما نلفي الأَلاَيَا، لدى طرفة وزهير، لا تخرج عن وَضْعِها اللغويّ، المألوف لدى الناس مثل قول زهير:
فأقسمتُ بالبيتِ الذي طاف حوله

رِجالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُريشٍ وجُرْهُمِ

يَميناً لَنِعْمَ السيّدان وجَدْتُما


فالتَّالِيَّ، هنا في بيت زهير، مسلوكٌ في مَسْلَكِهِ المألوف؛ بحيث إنّ النَّاصُّ يُقْسِمُ يميناً بالبيت العتيق الذي كان تعاقب على بنائه أقوامٌ وأمم منها جُرْهُمٌ وقريش (ولأمر ما كانت قريش تؤثر شعرَ زهير على صِحَابِه، زاعمةً أنّه"لا يعاظِلُ بين الكلاميْن، ولا يتتبّع وحشيّ الكلام، ولايمدح أحداً بغير ما فيه" (19)، بينما قد يكون ذلك عائداً إلى أنّه لأنه ربما ذكر قريشاً في معلقته؛ وإلاّ فأين المُعَاظَلَة التي نجدها، مثلاً، في شعر امرئ القيس... فهناك شعراء لم يمدحو قطّ منهم عمرو بن كلثوم، وربما عنترة أيضاً(بينما مدائح امرئ القيس-وهي قليلة- لا يمكن أن ترقى إلى مستوى شعره في المعلّقة أو المطولّة-، فالمَدْح في مسألة تفضيل زهير غير وارد إذن، فلماذا ذكر؟ إلا أن تكون المفاضلة كانت بينه وبين سَوَاءِ المعلقّاتِيّينَ، والحال أنها كانت بينه وبينهم؛ فهم أَكْفَاؤُه وأَنْدَادُه. وهناك شعراء ظلت لغة شعرهم جاريةً على كلّ لسان، ومعانيهم مسرعةً إلى كلّ جَنان؛ منهم امرؤ القيس، فأين الوحشيّة اللغويّة المزعومة التي تتحدّث عنها تلك الرواية...؟ وَلِمَ قَدَّمَ الرسولُ الكريم، صلى الله عليه وسلم، امرَأَ القيس(20)، ضمناً، بينما لم تقدّمه قريْشٌ...؟) إنّ هذين السيّدين اللذين هما هرم بن سنان، والحارث ابن عوف: لَكَرِيمان ماجدان، بسعيهما إلى وقف سَفْكِ الدماء"بين عبس وذبيان، وتحمّلهما أعباءَ دِيَاتِ القَتْلَى"(21).
فالقَسَمْ، على شرف مستعملِه، لا يخرج هنا عن الإطار المألوف للنسْج الأدبيّ؛ فليس فيه خرّق ولا انْزِيَاحٌ. ومثل ذلك يقال في بقية الأَ‌لاَيَا الأخراةِ التي لا تكاد تخرج عن الاستعمال المألوف إلا ما رأينا من قَسَمَي امرئِ القيس على لسان فاطِمته.
وعلى أنّ هناك مُزَخْرَفِاتٍ أخراةً صادفتنا ونحن نقرأ نصوص المعلّقات وهي التعجّب، والدُّعاء، والتحيّة والتمنّي... وقد صادَفنا بعض ذلك، خصوصاً، لدى زهير، وعنترة، ولبيد، وامرئِ القيس، وطرفة. ولكنّ ذلك كلّه لم يجاوز تسع مزخرفات مثل قول امرئ القيس حكايةً عن حبيبته وهي تدعو إليه: دعاء المتدلِلَّةِ المتغِنّجَة، الوامقة العاشقة، لا الحاقدة الحانقة؛ فكأنّها كانت، إذن،
تدعو له:
*فقالَتْ: لَكَ الوَيْلاتُ، إنَّكَ مُرْجِلي
وهنا، أيضاً، نُلفي هذا الدعاءَ مارِقاً عن نظام الاسْتعمال المألوف، ونازحاً عن أصل الاستخدام المعروف: فإذا هو معدول به عن وضْعه الأصليّ. ذلك بأنّ الدعاء إمّا أن يكون عليك، وإمّا أن يكون لك؛ فإذا كان عليك فهو بالويل والثبور، وهو بالشقاء والتِّبارِ؛ وهو بكلّ ما هو سيّء ضار... وأمّا إذا كان لك فهو بالسَّقْيا والخَيْر، والرحمة والسعادة، والتوفيق والفَلَجْ. والويل، في ظاهره، مصروف إلى مصارف الشرّ، ومدفوع إلى وجوه الضَّيْر، لكنّ ذلك كله مجرّد مغالطة أسلوبيّة يحملها سطْح النسج: إذا كان السياق يقتضي أنّ الوبل، هنا، لا يزال يفقد من غُلُوَاءِ شِرّهِ وضيْره إلى أن يغتدِيَ مجرّدَ كلامٍ أبيضَ، أي إلى أن يغتدِيَ عبارةً تَحَبُّبٍ وَتَوَدُّدٍ، وقولَةِ إِغْراءٍ وتقرُّبٍ، وإعلانَ دُعاءٍ وتَوَمُّقٍ؛ فكأنَّ معنى هذا الدعاء الجميل: ارْفُقُ بِي أيها الحبيبُ الغالِ؛ والتزِمْ شيْئاً من الحِذَارِ حينُ تُقَبِلُّني؛ وأنا في غبيطيَ الصغير؛ فإنّك توشك أن تُوقعني أَرْضَاً، وإنّي أخشى أن تَقَعَ، قبل أن أَقَعَ أنا أيْضاً، أرْضاً! ومع ذلك، فامْضِ فيما أنتَ فيه ماضٍ؛ فإني مُلْفِيَةٌ فيه اللذاذَةَ، ومُحِسَّةٌ فيه بالنعيم!... فامْضِ، إذن، فيما أنت فيه، وَلأُرْجَلْ، أثناء ذلك، أَلْفَ إِرْجَالَةٍ!...ويَحْكَ امْضِ... ويحك ادْنُ..
ونُلْفِي زُهيراً يُحِيّي طَلَلَه الْبَالِ، وربْعَه الدارِسَ، فيخاطبه:
فلَمَّا عرْفتُ الدارَ قلت لربْعِها، تَكَلَّمي

أَلا عِمْ صباحاً، أيُّها الربْعُ، واسْلَمٍِ


كما نلفي عنترة يخاطب حبيبته، يحيّيها، ويدعو لها:
يا دارَ عَبْلَةَ، بالجَواءِ، تَكَلَّمِي

وعِمِي صَباحاً، دارَ عَبْلَةَ، واسْلَمِي


وقد يكون هذا البيت من أجمل الشعر العربيّ زخرفةً، فقد جمع فيه الناصّ بين عدّة مُزَخْرَفاتٍ:
المزخرِفُ الأوّلُ يَمْثُلُ في النداء الذي تكرر مرتيْن اثنتين:
يا دارَ...+ دار عَبْلَةَ (نداء بالياء، ونداء آخر بحذف حرف النداء).
ولقدْ يمكن أن نُؤَوِّلَ استعمالَ أدَاةِ النداء أوّلاً، ثم العدول عنها آخِراً، في موقف واحد، وفي بيت واحد؛ لم يكن إلاّّ تجسيداً لِمَا كان يلتعج في نفسْ الشّخصية الشعريّة التي كانت ترى مُبْتَدأَ الأمِر، أنّ دار الحبيبة، فِعْلاً، بعيدةٌ من حيث الحيزُ، من أجل ذلك كان الأليقُ بالنسج استعمالَ أداة النداء الدالّة على بعيد. ولكن لَمَّا دَعا لدار الحبيبة، عاد في موقفه، وكأنه اسْتَحَى أنْ يُخاطِبَها بأداة النداء الدالّة على البعيد، فناداها، تارةً أخراةً، بوجهٍ آَخَرَ من الكلام، واصطنع زَخْرَفَةً دالة على الاقتراب والالتصاق؛ فكأنّ عَبْلَةَ كانت مستقِرَّة في نفسه، وكأنها كانت كَظِّلهِ لا تُزايلهِ، وتقارفه ولا تفارقه، فقال: دارَ عبلة...
وأمّا المزخرِفُ الثاني فَيْمثُلُ في تَحيَّةِ الحبيبة والتسليم عليها، وقد اصطنع الناصّ عبارة أهل الجاهليّة في التحيّة، وهي:
عِمِي صباحاً.
والمزخرف الثالث يَمْثُلُ في الدعاء، وهو قوله:
اسلَمِي!
على حين أنّ المزخرِف الرابع يَمْثُل في استعمال الطَلب الوارد، ظاهريّاً، في صورة الأمر، وهو قوله:
تَكَلَّمي.
وعلى أنّ ذكر الحيز الذي كانت تقطنه عبلة أمرٌ واردٌ ضمن الإغراق في هذا التحبّب وهذا التومّق؛ إذْ ذِكْرُ المكان تخصيصٌ لِلاسْمْ؛ فكأنّه ذِكْرٌ لَعَبْلَةَ مرتين اثنتين... فما يدري المتلِقّي وقد تكون العَبَلاَتُ كثيراتٍ... فلمّا خصّ عَبْلَتَه بمكان الجَواءِ، بمقامها زادَ دلالةَ التسميةِ تَخْصيصاً. وأمّا المزخرِف الذي يُحَسَّ ولا يَلْمَسُ، وَيُفْهَمَ ولا يُنْطَقُ؛ فهو مخاطبةُ الشخصيّة الشعريّة ما لا يعقل إذا خاطب دارَ عبلة وكأنها كائِنٌ حَيٌّ عاقل يَفْهَم عنه، ويَسْمع منه، وذلك غاية الدَّلَهِ والسُّمود.... ونكاد نلاحظ في بيت زهير ما لاحظناه في بيت عنترة حيث إنّ النّاصّين يَدْعُوانِ من خلال الدعوة لداريَ الحبيبتيْن، في الحقيقة، للحبيبتيْن

**د لا ل**
2012-02-11, 16:23
معلقة زهير بن أبي سلمى




دراســـــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998



المستوى الثاني: التناصّ المضموني
بعد أن تحدّثنا، في الفقرة السابقة من هذه المقالة، عن التناصّ اللفظيّ في المعلّقات السبع، وخصوصاً في مطالعها، نتناول الآن، بشيء من التحليل ما أطلقنا عليه "التناصّ المضمونيّ وعلى أنّ هذا الضرب من التناصّ قد يتوسّع إلى التناصّ النسجيّ أيضاً.
ونعرض، فيما يلي، أنموذجات لذلك.
1- العين والآرام ومافي حكمهما:
1- ترى بَعْرَ الارآمِ في عرصاتها (مق).
2-بها العِينُ والأرامُ يَمْشِيَن خِلْفَةً وأطلاؤُها يَنْهَضْنَ من كُلِّ مَجْثَمِ(ز)
3- والعينُ ساكنةٌ على أطلائها (ل).
2- الديار والرسوم والبكاء والحيرة والسمواد:
1-إنَّ شفائي عَبْرَةٌ مُهرَاقَةٌ فهل عند رسْم دارسٍ من مُعَوَّلِ؟ (مق).
2- فوقفْتُ أسأَلُها وكيف سؤالُنا صُمَّا خَوالِدَ ما يَبينُ كَلاَمُها؟(ل).
3- لا أَرَى مَنْ عَهدْتُ فيها فأبْكي الـ ــيوم دَلْهاً: ومايُحيرُ البُكَاءُ (ح.ح)
3- الشاعر في وجه من الأرض، وحبيبته في وجه آخر منها:
جاءت فكرة هذه التناصَّةُ التي لَهِجَ بها كثير من الشعراء الجاهليّين، ومنهم شعراء المعلّقّات من أصل بيتِ امرئ القيس الشهير من مطوّلته المعروفة:
تنوَّرْتُها من أذْرِعاتٍ وأهلُها بيَثْرِبَ: أدنى دارِها نَظَرٌ عَالِ
فنسج على ذلك من بعده آخرون أمثال:
1- مُرِّيَّةٌ خَلَّتْ بِفَيْدَ وجاوَرَتْ أهْلَ الحِجَازِ: فأَيْنَ مِنْكَ مَرامُها؟ (ل).
2- وتحلّ عبْلَةُ بالجَواءِِ وأهلُنا بالحَزْنِ فالصَّمانِ فالْمُتَثَلَّمِ
كيف المزار وقد تربّع أهلها بعُنيزَتَيْن وأهْلُنا بالغَيْلَمِ؟(ع).
3- بَعْدَ عَهْدٍ بِبُرقَةِ شَمَّا ءَ: فأدْنَى دِيَارِها الخَلْصَاءُ
فتنوّرت دارَها من بعيد بِخَزازى ، هيهات مِنْكَ الصِّلاءُ(ح.ح).
4- ملاحقة الموت للإنسان:
1- لَعَمْرُكِ إنّ الموتَ ما أخْطَأَ الفَتَى لكالطِّولِ المُرْخَى وثِنْياهُ بِالْيَدِ (ط).
2- رأيْتُ المَنْايا خَبْطَ عَشْواءَ مَنْ تُصِبْ تُمِتْهُ، ومَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهرَمِ(ز).
3- إنّ المَنَايا لا تَطِيشُ سِهامُها(ل).
5- التحمّل والارتِحال:
1- كَأنَّي غداةَ البَيْنِ يومَ تَحَمَّلُوا لَدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ(مق)
2- تَبَّصَرْ خَلِيليَّ هل ترى من ظَعائِنٍ تَحَمَّلْنَ بالعَلْياءِ مَنْ فَوْقِ جُرْثُمِ(ز).
3- شاقَتْكَ ظُعْنُ الحَيِّ حين تحَمَّلوا فتكنَّسُوا قُطُناً تَصِرُّ خِيامُها (ل).
6- الوقوف على الديار:
1- قِفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ (مق).
2- فوَقفْتُ أسألها وكيف سؤالُنا؟ (ل).
3- قِفي قبل التفرُّقِ يا ظَعِينا (ع.ك).
7- الوشم ولمع اليدين:
1- كلَمْعِ اليديْنِ في حَبِّي مُكلَّلِ (مق).
2- تلوح كباقِي الوَشْمِ في ظاهرِ اليد(ط).
3- مراجِيعُ وَشْمٍ: في نواشِرِ مِعْصَمِ(ز).
4- أو رْجع واشمةٍ أُسِفَّ نَؤُورُها كِفَفاً تَعَرَّض فَوْقَهُنَّ وَشامُها(ل).
8- الاستعانة على الهمّ، وقضاء اللّبانة، بركوب الناقة:
1-
وإنّي لأَمضي الهَمَّ عند احضاره بِعَوجاءَ مِرْقَالٍ تروح وتَغْتَدِي(ط)
2- فبتلك إذْ رَقَص اللوامِعُ بالضُّحَى (......).
أقضي اللُّبانَة لا أُفَرِطُ ريبَةً (ل).
3- غيرَ أنِّي قد أستعينُ على الْهَمِّ (....)
بِزَفوفٍ كأنّها هَقْلَةٌ... (ح.ح).
وهناك تناصّات نسجيّة طوراً، ومضمونيّة طوراً، ونسجيّة مضمونيّة طوراً آخر: تنهض على التناصّ الثنائيّ بحيث نلفي معلّقاتيّاً ناصّاً، ومعلّقاتِيَّاً آخرَ مُتناصاً معه، مثل:
1- التناصّ حول الكَشْح:
1- هصْرتُ بفوْدَي رأسِها فتمايَلَتْ عَليَّ هضيمَ الكشح ريّا المُخلخَلِ(مق).
ومَأْكَمةٍ يضَيقُ البابُ عنها وكَشْحَا قد جُنِنْتُ به جُنونا (ع.ك).
2-التناصّ حول القدّ الممشوق:
1- إذا ما اسبكرَّتْ بين دِرْعٍ ومِجْوَلِ (مق).
2- ومَتْنَيْ لَدْنَةِ سَمَقَتْ وطالَتْ (ع.ك).
3- التناصّ من حول الساقَيْن:
1- عليّ هضيمَ الكشح ريّا المُخلْخَلِ (مق).
2- وسارَيتَيْ بَلَنطٍ أو رُخَامٍ (ع.ك).
4- التناصّ حول الصرْم والفراق:
1- وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأجْمِلي (مق).
2- إن كنتِ أزْمعتِ الفِراقَ فإنّما (ع).
5- التناصّ حول الوشم (وقد ذُكِرَ من قبلُ مقروناً بِلَمْعِ اليدين):
1- ودار لها بالرقمتيْنِ كَأَنَّها مراجيعُ وشْمٍ في نواشِرِ مِعْصَمِ (ز).
أو رَجْعُ واشِمَةٍ أُسفَّ نَؤُورها كِفَفاً تَعرَّضَ فوقهنُ وِشَامُها (ل).
6- التناصّ حول ظِباء وَجْرة:
1- بناظرِةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (مق).
2- زُجَلاً كأنّ نِعَاجَ تُوضِحَ فوقَها وظِباءَ وَجْرَةَ عُطّفاً أرْآمُها(ل).
7- النتاصّ حول الشجاعة والإقدام في ساحة الوغى:
ألا أيُّهذا اللاّئِمِي أحْضُر الوَغَى وأنْ أَشْهَد اللّذاتِ هل أنت مُخْلِدي؟(....).
وكَرِّي إذا نادَى المُضافُ مُحَنِّباً كَسِيدِ الغَضا -نَبَهْتَه- المُتَورِّدِ(ط).
2- هلا سأَلْتِ الخيلَ يا ابنةَ مالِكٍ إن كنتِ جاهلةً بما لَمْ تعلمي (....‎)
ولقد شَفَى نفْسي وأذْهَبُ سُقْمَها قيلُ الفوارسِ: وَيْكَ عَنْتَرَ، أقْدِمِ(ع).
8- التناصّ حول الملامة والكفران بالنعمة:
1- فما لي أراني وابنَ عَمِّي مالِكاً مَتَى أَدْنُ منه: يَنْأَ عنّي، ويَبْعُدِ؟
يَلومُ وما أدري علامَ يَلومُني؟ كما لامني في الحيّ قُرْطُ بْنُ مَعْبَدِ(ط).
2-نُبِئْتُ عَمْراً غيرَ شاكرِ نِعْمَتِي والكَفْرُ مَخبَثةٌ لنفس المُنْعِمِ(ع).
9- التناصّ حول الشراب واللّهو:
1- فإنّ تبغِني في حَلْقةِ القوم تلفَنِي وإنْ تلتمسْني في الحوانيتِ تصْطَدِ
ومازال تَشرابي الخمورَ ولَذَتِي وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتْلَدِي(ط).
2- فإذا شرِبْتُ فإنَّني مسْتهِلُكُ مالي، وعْرضِي وافِرٌ لم يُكْلِمِ
وإذا صحوْتُ فما أقصِرُ عن نَدىً وكما عَلِمْتِ شَمائلي وتكرُّمي(ع).
10- التناصّ حول نقاوة الثغر وبريق الأسنان:
1- وتبسِمُ عن ألْمَى كَأنَّ مُنَوَّراً تخلَّلَ حُرَّالرملِ دِعْصٍ لَهُ نَدِ(ط)
2- إذ تستبيك بذِى غُروبٍ واضِحٍ عَذْبٍ مُقَبَّلُه، لذِيذِ المَطْعَمِ(ع).
11- التناصّ حول تَهتان الغيث على الدمن والرياض بالعشايا:
1- دِمَن (...)
رُزِقَتْ مرابيعَ النجوم وصابَها ودْقُ الرواعِدِ جَودُها فرِهامُها
من كلّ ساريةٍ وغادٍ مُدجن وعَشِيَّةٍ مُتجاوبٍ إِرزامُها (ل).
2- أو روضةً أنُفاً تَضَمَّنَ نبْتُها غَيْثٌ قليلٌ الدِّمْنِ ليسَ بمُعَلمِ
جادت عليها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فتركْنَ كُلَّ حديقةٍ كالدِّرهم
وسَحّاً وتَسْكابا فكُلُّ عَشّيةٍ يجري عليها الماءُ لم يَتَصرَّمِ (ع).
12- التناصّ حول الوقوف على الطلول بعد مضّي عدد من الحِجَجِ:
وقفْتُ بها من بعد عشرين حِجَّةً فَلأْياًعرفْتُ الدَارَ بعد توهُّمِ(ز).
دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعدَ عَهْدِ أنيسِها حِجَجٌ خَلَوْنَ: حَلالُها وحَرامُها(ل).
13- التناصّ حول النُّؤْي:
1- أثافِيَّ سُفْعاً في مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ ونُؤْياً كجِذْمِ الحَوْضِ لم يَتَثَّلمِ(ز).
2- عَريَتْ وكان بها الجميعُ فأبْكروا منها، وغودر نُؤْيُها وثَمامُها(ل).
******
المستوى الثالث: التناصّ النسجيّ
إنّا نلاحظ أنّ هذا المستوى من التناصّ يتعدّى فيه حدود الاستلهام والاستيحاء، إلى مايمكن أن نطلق عليه التناسج: بحيث نحسّ أنّ الآخر ينسج على منوال الأوّل، ولم يجتزئ باستلهام فكرته، ولكنْ جاوزها إلى محاكاة النسْج، ومقابسة الكلامَ، ومُنَاصَّةِ الخِطاب. والحق أنّ بعض ذلك قد يَمْثل فيما كنا أطلقْنا عليه التناصّ المضمونيّ حيث نُحِسّ، أطواراً، بتقارب المسافة بين المضمونين الاثنين إلى حدّ غياب الفروق، واختفاء الاختلاف، واحتضار التماثل. ونذكر طائفة من هذه التناصّات الثنائية، النسجيّة، فيما يلي:
1-وقوفاً بها صَحْبِي عَليَّ مَطِيُّهُم يقولون: لا تَهْلِكْ أسىً، وتَجمَّلِ (مق).
2- وقوفاً بها صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُم يقولون: لا تهلك أسىً، وتَجَلَّدِ(ط).
1- فظلّ العَذَارَى يرْتمين بِلَحْمِها(مق).
2- فظلّ الإماءُ يمتلِلْنَ حُوارَها(ط).
1- فلّما عرفت الدارَ قلتَ لرِبْعِها ألا انْعِمْ صباحاً، أيُّها الربْع، واسْلَمِ(ز).
2- يادارَ عبلة، بالجَواءِ، تكلَّمي وعمِي صباحاً، دار عبلة، واسْلَمِي(ع).
1- فلأيا عرفت الدارَ بعد توهّم(ز).
2- أم هل عرفت الدار بعد توهّم؟(ع).
تحليل وتركيب
إنّ هذا الضرب من التناصّ الذي أطلقنا عليه التناًص المضمونيّ، وعقّبنا عليه بـ التناصّ النسجيّ يركض مثل صِنْوهِ الذي كنّا أطلقنا عليه التناص اللّفظيّ حول المحاور التي كنّا عرضنا لها بشيء من التحليل في الفقرة السابقة. وما يمكن ملاحظتُهُ أنّ هذا الضرب من التناصّ كان يقوم بين أربعة معلّقاتيّين على أقصى غاية، وقد تمثّل ذلك في الوشم، ولمع اليدين: حيث اشترك في هذا التناص: امرؤ القيس، وطرفة، وزهير، ولبيد (ونحن نقضي بأنّ كلّ تناصّةٍ اشترك فيها امرؤ القيس، فمنطلق التسلسل الزمنّي أنّ الملك الضليل هو الناصّ، وأنّ الآخرين هم المتناصّون). ولا تكاد التناصّات الأخراة تجاوز ثلاثةَ معلّقاتيّين كما هو الشأن بالقياس إلى مُساءلة الرُّبوع والبكاء عليها، امرَؤ القيس، ولبيداً، والحارثَ بن حلّزة اليشكري، وفي التحمّل والتظعان: امرأ القيس، وزهيراً، ولبيداً، وفي الوقوف على الديار: امرأ القيس، ولبيداً، وعمرو بن كلثوم... أو اثنين من المعلّقاتيّين، كما يمثل ذلك في ظِباء وجرة: امرأ القيس، ولبيداً؛ والملامة والكفران بالنعمة: طرفة، وعنترة، والكشح: امرؤ القيس، وعمرو بن كلثوم؛ وطول قامة المرأة: امرؤ القيس، وعمرو بن كلثوم أيضاً، والصَّرْم والفِراق: امرؤ القيس وعنترة؛ ونقاوة الثغر وبريق الأسنان: طرفة، وعنترة وهلمّ جرّا...
وعلى الرغم من أنّنا لم نَأْتِ على كلّ حالات التناصّ المضموني والنسجّي معاً، ولم نستثمر كلّ ماكنّا رَصْدنا لدى قراءاتنا المتكرّرة لنصوص المعلّقات: فإنّ ما أثبتناه، هنا، على سبيل التمثيل، قبل كلّ شيء، يجعل من لبيد: المعلّقاتيّ الأوّل في شبكة التناصّ المضمونيّ والنسجيّ جميعاً؛ إذْ هو أكثرُ زملائه قابليَّةً للاتِصّالِ والتفاعل حيث نلفيه يشترك مع امرئِ القيس في سبعِ تناصّاتٍ، ومع زهير في سِتٍّ، ومع الحارث بن حلّزة في أربعٍ، ومع طرفة في ثلاثٍ، ومع عنترة في اثنتين، ومع عمرو بن كلثوم في تناصّة واحدة فَقَط.
ونحن نعتقد أنّ لبيداً كان متناصّاً مع امرئ القيس، محاكياً له، محتذِياً حَذْوَه، وأنّ التناصّات التي تواترت لديه تمثّل موضوعاتُها الاهتمام الأوّل في نشاط أولئك المعلّقاتيّين الذين كانوا يضطربون في مُضْطَرَبٍ واحد؛ فكأنّهم وجوهٌ سبعةٌ لشخصيّةٍ واحدةٍ، أو كأنّهم صوت واحد لسبعة على الرغم من أنّنا كنّا قررنا، في غير هذا الموطن، أنّ أولئك السبعةَ تقوم بِنْيَاتُ قصائِدهم، لدى نهاية الأمر، على بنية واحدة ثلاثيّة تتشكّل من : 1+ب+ج: بحيث نلفيهم يتفقون في بنية (1) (مطلع المعلّقات)، ثمّ يختلفون في بنيتي (ب) و(ج).
ولا يعني مثل هذا السلوك الشعريّ، في رأينا، إلاّ أنّ المعلّقاتيّين كانوا يمثّلون مايمكن أن نطلق عليه ثُرَيَّا شِعْرِيَّةً لم يَلْحَنْ لها ناقِدٌ، فيما قرأناه، من قبل. ولم تَكُ تلك المدرسة الشعريّة العربيّة الأولى، في تاريخ الأدب العربيّ، مجرّدَ اتفاق عابرٍ كان يقع بينهم عفو الخاطر، فلا ينبغي أن يقول بالعفويّة الفنيّة إلا ساذَج؛ ولكنها كانت نشاطاً شعريّاً ينهض على أُسُسٍ فنيّة يَنْسُجُ على مِنْوالها: الّلاَّحِقُ السابِقَ. وإلاّ فَمِن السذاجة الساذّجة، والغفلة الغافلة: أنّ يذهب ذاهب إلى أنّ التناصّ الذي حدث، مثلاً، في مطالع المعلّقات كان مجرّد اتفاق، أو كان مجرّد تقليد ساذَج ينسج على منواله اللاّحق السابق، دون شيء من الوعي الفنّيّ.
والتناصّ الذي توقّفنا لديه، بأَضْرُبِهِ الثلاثةِ، إِنْ أمكنه أن يَكْشِفَ عن شيءٍ فإنما قد يكشف عن مدرسيَّة قصائِد المعلّقات، ومذهبيّتها الفنّيّة لأوّل مرّة في تاريخ الشعر العربيّ إطلاقاً.
******
المستوى الرابع: التناصّ الذاتيّ
إنّا لا نريد أن نَحْمِلَ الناس على أن يتّفقوا معنا في تقبل صياغة هذا المصطلح الذي يمكن أن يتناول مضمونه تحت عنوان آخر، أو حتّى تحت عُنوَاناتٍ أخراة، ونقصد به إلى هذا التكرار الذي يحدث لدى ناصٍ واحدٍ، عبر قصيدته أو قصائده، من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر.
ويدلّ مثل هذا الصنيع على الاحترافيّة النسجيّة، أو على مايمكن أن نطلق عليه ذلك، أي يدلّ على أنّ الشاعر لكثرة مانسج من نسوج كلاميّة تكوَّنَ لديه مايشبه الأسلوب الذي يلازمه ولا يزايله، ويفارقه ولا يفارقه.
وقد ألفينا شيئاً من هذا التناصّ الذاتيّ لدى امرئ القيس، ولعله أن يكون أكثرهم اصطناعاً لهذا الذي نطلق عليه التناًص الذاتيّ؛ وذلك بخمس تناصّات، ثمّ لدى لبيد، وعنترة والحارث بن حِلّزَة اليَشْكُريّ، أمَّا عمرو بن كلثوم فيمكن عدّ "أنَّوَاتِه" (اجتهاداً منّا في جمع "أنَّا"): تناصّاً ذاتِيّاً، مثلُّها "نَحْنُ" الذي تكرّر لديه، هو أيضاً، مُرُوراً.
ويمكن أن نُسَوَقِ نماذِجَ من هذه التناصّاتِ الذاتيّة لدى بعض هؤلاء المعلّقاتيّين:
مق:
1- كأنّ دماءَ الهادياتِ بنحرهِ
فألحقنا بالهادِيَاتِ ودونه
2- ألا رُبَّ يومٍ لك منهن صالح
ألا ربّ خصْم فيك ألْوَى رددْتُه
3- ويوم عقرْتُ للعذارَى مَطَّيتي
ويوم دخلتُ الخِدْرَ: خِدْرَ عنيزة
4- تُضيءُ الظلام بالعِشَاءِ كَأنّها مَنارةُ مُمْسَى راهِبٍ متَبتِّل
يُضيءُ سناهُ أو مصابيحَ راهِبٍ أمالَ السليط بالذُّبالِ المُفَتَّل
وإذا جاوزنا إطار المعلّقات ألفينا امرأ القيس يتناصّ مع نفسه مُرُوراً مختلفاتٍ، مثل تناصِّه التالي:
5- قِفَا نَبْكِ من ذِكْرَى حبيبٍ ومنزلِ
قِفَا نَبْكِ من ذِكرَى حبيبٍ وعِرْفَانِ(24).
ونلاحظ أنّ هذه التناصّات الذاتيّة لم تحدث على مستوى المضمون فَقَط، ولكنها وقعت على مستوى النسْج اللفظيّ نفسِه، إذ التناصَّةُ الأوْلى تقع من حول الفرَس، والثانية والثالثة من حول المرأة، والرابعة تشترك فيها المرأة والبرْق، والخامسة تَجُرُّ ورَاءها شبكةً معقَّدةً ومتداخلة من التناصّات الواقعة من حول الوقوف، والبُكْى والذكرى، والحبيب. وهي أغنى التناصّات وأكثرها تشابكاً مع سَوائِها، وتأثيراً في غيرها، في العصور اللاّحقة.
وأمّا لبيد بن أبي ربيعة فقد تناصّ مع نفسه، عبر معلّقته، خمس مرّات أيضاً، ولكن بعبارة واحدة مسكوكة بدون تغيير ولا تبديل، وهي: "حتّى إذا..." التي تواترت على هذا النحو:
1- حتى إذا انحَسَرَ الظلامُ وأَسْفَرتْ
2- حتّى إذا يَئِسْتْ وأَسْحَقَ حالِقٌ
3- حتّى إذا يَئِسَ الرُّماةُ، وأرسَلُوا غضفا...
4- حتّى إذا ألقَتْ يَداً في كَافِرٍ (ليل).
5- حتّى إذا سَخِنتْ وخَفَّ عِظَامُها
ولمعترِضْ أن يَعُدَّ مثل عباراتِ لبيد في بابِ التكرار، لا في باب التناصّ، والذي يجيء ذلك، أو يذهب إليه، أو يتعلّق به، يكون كمن وقع فيما فرّ منه. أرأيت أنّ التناصّ، في حقيقة شكله وجوهره، ليس إلاّ تكراراً، أو ضرْباً من التكرار: إمّا بلفظه، وإمّا بنسجه، وإمّا بمعناه، وإما بهما جميعاً، وإمّا بالتضّادِ والاعتراض... وفي كلّ الأطوار لا يستطيع أن يمرُقَ من جِلدهِ، ولا أن يتنكّر لوضعه، فيخرج عن دائرة التكرار، بالمفهوم التقليديّ لتجلّيات الكلام. ولو حقّ لنا أن نُعِيدها جَذعَةً، كما تقول العرب، فنُطْلِقَ مَعْنَى "السَّرِقَة" على هذا الضرْب من النسج لقلنا: إنّ لبيداً، هنا، سَرَقَ من نفسه، وَسَطَا على حُرّ نسج شعره. ولكنّ الحداثيّين تحاشوا اصطناع اصطلاح السرقة لما في معناها من إدانة أخلاقيّة للأديب، أوّلاً، ثمّ لما فيها من يقينيّة الحكم باطّلاع الآخِرِ على ماقال الأوّل -وهو أمر غير ثابت بالدليل القطعيّ في كلّ الأطوار، وتلك نقطة الضعف المهينة في وضع مايسمّى الأدب المقارن -ثانياً، ثم لِمَا فِيها من تهجينيّة المتناصّ إذا صَرفوه إلى التكرار (كما هو الشأن بالقياس إلى مانحن فيه، والذي تجّنبنا، متعمّدين، اصطناع التكرار لما فيه من إساءة إلى الناصين والمتناصّين معاً) آخِراً.
ويمكن أن نُنصف لبيداً فنقرّر أنه صرّف هذه التناصّات الذاتيّة مصارِف مختلفة من النسوج المعنويّة حيث يبتدئ متناصّاً، وينتهي غير متناصّ.
وأمّا عنترة فقد تناصّ، هو أيضاً، مع نفسهِ، في معلقّته، مرتين اثنتين على الأقلّ، وذلك حين يقول:
1- سَبَقَتْ يَدايَ له بعاجلٍ طعْنَةٍ
جادَتْ له كَفِيّ بِعَاجِلِ طعْنةٍ
وحين يقول أيضاً:
2-(.....) فلقد تركت أبَاهُما جَزَرَ السِّباع وكل نَسْرٍ قَشْعَمِ
فتركْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ
وإذا كانت تناصّات امرئ القيس اضطربت، في معظمها، حَوَالَ جماليّة الحيز، وجماليّة الزمن (مثول الذكرى السعيدة في الأيّام الخَوالي)، وجماليّة المرأة، وجماليّة الفَرَس، ثمّ إذا كانت تناصّاتُ لبيدٍ سَلَكَتْ مسالِكَ مختلفاتٍ، ولكن في غير الفَيْض الجماليّ: فإن تناصَّتَيْ عنترة لم تَمْرقا عمّا كان يُفْعِمُ نَفْسَه، ويملأُ روحَه، وهو لَهَجُهُ بتصوير سُلوكه حين كان يطعن الأبطال، ويجندل شجعان الرجال، وهما تناصّتان في غاية من البشاعة، بالقياس إلى ذوقنا العصري، حيث الطعنُ والقتل، وحيث سَفْكُ الدماء البشريّة، وحيث جُثَثُ الناس تَنُوشُها السِّباعُ، على حدّ تعبيره، وتلتهمها الجوارح. لكنّ هذا الشيء الذي نراه نحن، على عهدنا هذا، بشاعةً فتقزّز منه نفوسُنا، وتشمئز منه أذواقُنا، كان لدى القدماء مفخرةً من المفاخر، ومأثرة من المآثر. وأيَّاً كان الشأنُ، فلا شيء أعجب، ولا أَبْشَعُ، ولا أَشْنَعُ، ولا أسمج، من عَدِّ قتلِ الناس شرفاً يرتفع به الذكر، ومجْداً يَقْعَنْسِ به السِّمْعُ.
على حين أنّ الحارث بن حلّزة تناول معنيين اثنين مختلفيّن في التناصّتيْن اللتين اسْتَبَانَتَا لنا أثناء قراءتنا لمعلّقته، وذلك حين يقول:
1- (...) ببُرقَة شَمَّا ءَ: فأدنى دِيارِها الخَلْصَاء
(...) قبّة مَيْسُو نَ: فأَدْنَى دِيَارِها العَوْصَاءُ
وحين يقول:
2- أيّها الناطقُ المرقّشُ عنّا عند عمَروٍِ، وهل لذاك بَقاء؟
أيّها الناطق المبلّغ عنّا عند عمرو، وهل لذاك انتهاءُ؟
ولعلّ القارئ أن يلاحظ معنا أنّ الحارث بن حلّزة تناصّ مع امرئ القيس تناصّاً معنويّاً في التناصة الأولى التي تناول فيها المرأة، بينما يختلف عنه في الأخراة حيث يتناول شأناً آخر من المعنى.
وعلى أنّه لا ينبغي لأحد أن يعتقد أننا أرْدنا من هذا الإحصاء والشمول، وإلى الاستقراء والاستيعاب؛ ولكننا أردنا من بعض هذا إلى رسم صورة نسجية لهذه النصوص المعلّقاتيّة دون أن تكون غايُتُنا، في أيّ طور من أطوار سعينا، الانتهاء إلى استيعاب المُطْلق، ولا إلى بلوغ الغاية مما كنّا نريد...
******
إحالات وتعليقات
1- نشرت لنا مقالة، أخيراً، في مجلة "قوافل"، بالرياض تحت عنوان:"بين التناصّ والتكاتب: الماهية والتطور: ع.7، السنة الرابعة ، 1417، حاولنا أن نعيد النظر في المفهوم الشائع وهو التناصّ الذي أصبح عامّاً جداً، بينما التكاتب يتمخّض لتبادل التفاعل بين الكتابة، والكتابة الأخراة، أو بين كاتب وكاتب آخر.
2- عبد الملك مرتاض، مقامات السيوطي: المستوى التناصّيّ، ص.33-36، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1996.
3- عبد الملك مرتاض، فكرة السرقات الأدبيّة ونظريّة التناص، علامات، جدة، ج1، م1، 1991 ،
4 - الجاحظ، الحيوان، 3. 311.
5- تراجع المقالة التي وقفناها على الحديث عن "بنية الطليّات في المعلّقات".
6- إشارة إلى قوله:
عوجا على الطَللّ المُحيل لعَلَّنا نبكي الديار، كما بكى ابنُ حُمامِ
وقد روى اسم ابن حمام، تحت أسماء مختلفة متقاربة المرفولوجيا مثل ابن حزام، وابن خزام.
7- ابن حزم الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، ص. 456، وانظر محمد عبيد، مجلّة كلّيّة الدراسات الإسلامية والعربيّة، ع.10، ص. 279-288.
8- ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، 1. 39، والبيت الذي يومئ إليه ابن سلاّم، هو الذي أثبتناه في الإحالة السادسة. وعلى أنّ الذي يفهم من كلام ابن سلاّم، أنّ البيت المومأ إليه هو لابن حمام، بينما البيت لامرئ القيس الذي يُحيل هو على مضمون فكرة ابن حمام، لا على لفظه، وإلاّ لما قال: (...) كما بكى ابن حمام. -
9.م.س.، 1. 25.
10- الجاحظ، م.م.س 1. 74.
11- ابن سلام، م.م.س،1. 228 -229.
12- أبو عليّ الفارسي، كتاب الشعر، 2. 469 .
13- المرزباني، الموشّح، ص 35، و"بمّ" : أرض بكرمان.
14- م.س.، ص . 38.
15- ياقوت الحموي، معجم البلدان، 1. 376-4. 260
16- ابن سلاّم، م.م.س، 1. 228.
17- ابن منظور، لسان العرب، كفاْ.
18- ديوان الأعشى، ص. 63.
19- م.س.
20- نرمز لأسماء المعلّقاتييّن اختصاراً بمايلي:
امرؤ القيس : مق.
طرفة: (ط).
زهير: (ز).
لبيد : (ل).
عمرو بن كلثوم: (ع.ك).
عنترة: (ع).
الحارث بن حلزّة: (ح.ح).
21- ابن سلاّم، م.م.س.، وابن قتيبة، الشعر والشعراء، 1. 215.
22- وذلك في البيت الذي أثبتناه في الإحالة السادسة.
23- ابن حزم، م.م.س.
24- ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، 1. 43.

**د لا ل**
2012-02-11, 16:29
يتبع باذن الله ...........................

ميرة31
2012-02-15, 19:40
انا خصني بحث على الشعر العذري..........

**د لا ل**
2012-02-16, 21:11
6. الناصية والتناصية في المعلقات

لقد كثر الحديث عن التناص في العِقدين الأخيرين بين النقاد الحداثيين، والجامعيّين المشتغلين بالدرس الأدبيّ؛ حتى اغتدى جارياً على كلّ لسان، وعالقاً بكل جَنان، ودائراً في المجالس، ومتداوَلاً في المآقط.
ولقد سبق لنا، في كتاباتنا الأخيرة أن تناولنا الحديث عن التناصّ، أو التناصيّة على أصحّ ما ينبغي أن يقابل المفهوم الغربيَ : إما تنظيراً، وإما تطبيقاً(1)؛ كما سبق لنا أن أحلنا على كثير ممن تناولوا هذا المفهوم السيماءويّ الجميل من الأجانب والعرب(2) جميعاً.
وحين جئنا اليوم نتناول نصوص المعلقات السبع أثار انتباهنا ما في هذه النصوص الشعرية من مواقف متشاكلة على المستوى المضمونيّ، وألفاظ متشاكلة، أو مكررة، على المستوى الشكلي: لدى أولئك وهؤلاء؛ بحيث لاحظنا نسوجاً تعبيرية متشاكلة ومتماثلة. وواصح أن الأول من المعلقاتيين يُفترَض أن يكون هو المؤثّر، واللاحق له هو المتأثر. ذلك هو قانون الزمن، وناموس الإبداع؛ ولا ينبغي أن يدفعه إلاّ معارض مكابر، ومناوئ مغالط. ومن العسير الذهابُ إلى أن مثل هذه الأمور تندرج ضمن إطار ما كان يطلق عليه في النقد العربي القديم"وقوع الحافر على الحافر"؛ ذلك بأن المعلقاتيين السبعة، كما كنا حققنا ذلك في مقالة ضمن هذه الدراسة، كانوا متعاصرين جميعاً؛ فكانوا يشكّلون مدرسة شعرية واحدة...
وقبل أن ننزلق إلى تناول هذا الموضوع الذي اختصصنا به هذه المقالة، نودّ أن نومئ إلى نصّ لأبي عثمان الجاحظ عثرنا عليه في قراءاتنا إياه؛ ونحسب الناس لم يحيلوا عليه، ولا نبهو إليه، ولا احتفلوا به، وهو -من بين النصوص النظرية، التي كنا أومأنا إليها في مقالة لنا بعنوان"فكرة السرقات الأدبية ونظرية التناص" [ونشرناها في مجلة"علامات"، بجدة، 1991]؛ وهي: لعبد العزيز الجرجاني، ولجملة من النقاد العرب الأقدمين الآخرين(3)- تنبّهُه إلى أن الشعراء عالات على بعضهم بعض، وأن الإبداع الذي به يتبجحون قد يكون نسبياً جداً؛ إذ"لا يُعلم في الأرض شاعر تقدم في تشبيه مصيب تام، وفي معنى غريب عجيب، أو في معنى شريف كريم، أو في معنى بديع مخترع؛ إلاّّ وكلّ من جاء مَن الشعراء، من بعده أو معه، أن هو لم يَعْدُ على لفظه فيسرق بعضه أو يدّعيه بأمره: فإنه لا يَدَعْ أن يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكاً فيه، كالمعنى الذي تتنازعه الشعراء فتختلف ألفاظهم، وأعاريض أشعارهم، ولا يكون أحدهم أحقَّ بذلك المعنى من صاحبه..."(4).
ومثلُ هذا النصّ النقديّ العجيب هو الذي كان يحملنا، دَوْمَاً، على الانطلاق من التراث نحو الحداثة، أو من الحداثة ولكن بالاستناد إلى التراث؛ وذلك على أساس أنّ التراث النقديّ العربيّ، غنيّ بالنظريّات والآراء النقديّة... والذين يكابرون فيتحاملون على هذا التراث لا يَعْدُوَن أن يكونوا واحِداً من اثنيْن: إمّا لأنَّهم يجهلون هذا التراث، وإمّا لأنهم، لبعض ما في قلوبهم من مَرَضٍ، يمقتونه فيقعون في المكابرة. ولاحجّة لهم في الحاليّن، ولا سَدَادَ لرأيهم في الطوريْن.
فأبو عثمان، هنا يُؤَكِّدُ أنّ هناك معانِيَ مشتركةً، أو اغتدت مشتركة، بفعل تكالب الشعراء عليها، ولهجهم بها، واحتفالهم عليها؛ فإذا لا دَيَّارَ منهم أحقّ بذلك المعنى من صاحبه. ولنلاحظْ أَنَّ الجاحظ لم يقع فيما كان يسمّيه النقاد الأقدمون، وخُصوصَاً عَلِيَّا الجرجانيّ،"السرقات". إنّ هذا المصطلح الأخلاقيّ، القضائيّ مزعجٌ ومُؤْذٍ، ولايستقيم به الطريق للنقد في أيّ عهد ، إذْ كانت السرقة أمراً محرَّماً، وسُلوكاً مشنّعاً، في كلّ الأديان والشرائع والقوانين الوضعّية، والحال أنّ الأديب كثيراً ما لايتعمّد، بالتجربة والممارسة، هذه السرقة، ولا يقصد إليها؛ وربّما لا يريدها أصلاً؛ ولكنّ سلوكه يكون، في الغالب، من باب وقوع الحافر على الحافر؛ أو من باب تشابه المواقف فتتشابه معها الألفاظُ: كالبكاء على الأطلال، وكالنوح على الديار، وكالحنين إلى الربوع الدارسة، وكالوقوف على الدِّمَنْ البالية. وتماثل العواطف كحبّ الشعراء لحبيبات كنّ يعشن في تلك الديار التي لم يبق لهم منها إلاّ آثارُها، بعد أن تَحَمَّل عنها أهلها، وزايلَها أصحابُها... فقد كان واقعاً اجتماعياً محتوماً، وكان على الشعراء أن يخوضوا فيه، ويصوّروا تجاربهم من حوله. ولم يكن من المنصف أن يسكت اللاّحقون عنه، لمجرّد أن السابقين تناولوه...
إنّ الجاحظ، إذن، رفض، ضمنيّاً، مصطلح السرقات وأثبت أنّ هذا المصطلح غيرُ سليم، وهو إذن غيرُ مقبول. ولا نعرف شاعراً مُغلِقاً، ولا خطيباً مِصْقَعاً، ولا مترسِّلاً مُفَوَّهَاً: سَطَا، متعمِّداً، على آثار مَن سَبقه من الأدباء فسرقها علانية؛ وقلّدها من باب العيّ والعجز، والبَكاءة والفَهَاهة.. فإنّما كان الفصحاء الأبْيِنَاءُ ربما جال بِخَلَدِهم بعضُ نسوجِ سَوَائِهِمْ فرَكَضَتْ على أَلسنتهم وهم يخطبون، أو جرت علىأقلامهم وهم يكتبون ولا ينبغي لِسُرَّاق الأدب والأفكار أن ينضووا تحت لواء المتناصّين. فكلُّ سارق ساطٍ؛ ومَن كان ساطياً سارقاً كيف يمكنه أن يكون كاتباً أدبياً؟ فالمسألة محسومة من أصلها إذن. والأمر يجب أن ينصرف إلى التناصّ، أو التّكاتُب الذي هو سلك تأثيريٌّ تأثُّرِيٌّ معاً، وفاعِليٌّ تَفَاعِليٌّ جميعاً: بين كبار الأدباء... أمَّا السرقة الأدبيّة فلا يَعْمِدُ إليها إلاّ صغارُ النفوس، والمحرومين مِمَّن لم يخلقهم الله ليكونوا أدباء فتحدَّوْا إرادته، وحاولوا أن يَكُونُوهُمْ فأمْسَوْا من الخاسرين.
وقد لاحظنا حين جئنا نقرأ الشعر الجاهليّ بِعَامَّة، والمعلّقات بخاصّة، أنّ تأثير امرئ القيس فيمن عَداهُ من الشعراء العرب الأقدمين واضح ظاهر. ويبدو أنّ الشعراء الأقدمين لم يكونوا يتحرجون في تناول بعض الأَبَايِيتِ، أو مصاريع منها، أو أجزاء من مصاريعها، على سبيل التضمين، أو قل بلغة العصر على سبيل التناصّ؛ فإذا الواحِدُ منهم لا يرعوى عن أن يكرّر ما كان قاله سَوَاؤُهُ، دون أن يُلْفِيَ في ذلك حرجاً أو حُوباً.
ويمكن أن نمثّل لبعض ذلك في مقدّمة هذه المقالة من آثار امرئ القيس في الشعر العربي: جاهلِّيه، وإسلاميِّه، وأُمَوِيّه، دون إعنات النفسْ في متابعة ذلك إلى أزمنة أخرى متأخرة، أو إلى شعراء آخرين، على العهود الأولى للشعر العربيّ.
فهل يمكن، نتيجة لذلك، عَدُّ امرئِ القيس ناصّاً، ومعظم الشعراء الباقين في الجاهلية، وصدرٍ من عهد الإسلام، متناصّين معه، مُعْجَبِين به؛ محاكين له؟ فعلى الرغم مِنْ أنّ امرأ القيس نفسَه يعترف بأنه، هو أيضاً، تناصَّ مع امرئ قيسٍ آخَرَ، يُدْعَى ابْنُ حُمَام(5) حين زعم أنه هو الذي كان بكى الديار من قبله(6)، بل زعمت كَلْبٌ أنّ الخمسةً الأبياتَ الأولى كلّها من معلّقة امرئ القيس هي لابن حُمام(7): فإنّ معظم الشعراء على عهد الجاهلية خصوصاً، بل شعراء العهود المتأخرة، ظلّوا يتناصّون معه في وصف الديار، وفي وصف النساء، وفي وصف الخيل، وفي وصف الليل، وفي وصف المطر... فمنهم من كان يتعلّق به جودةً، ومنهم من كان ينأى عنه ولا يزدلف منه.
ولو لم يكن امرؤ القيس أميناً حين أومأ إلى هذا الشاعر المنقرِض السيرةِ، والذي لا يعرف عنه النقادُ الأقدمون شيئاً، ولا سَمِعُوا "شعره الذي بكى فيه، ولا شِعْراً غير هذا البيت الذي ذكرَ امْرؤُ القيس" (8)، لَمَا عُرِفَ ابْنُ حمام هذا بين نقّاد الشعر الأقدمين باسمه على الأقلّ.
والحق أنّ عبارة ابن سلاّم الجمحي تفتقر إلى نقاش، لأنّ قوله: "غير هذا البيت الذي ذكر امرؤ القيس" : يفهم منه أنّ امرأ القيس ذكر فعلاً بيتاً من الشعر لامْرِئِ القيس بن حُمام، يقول امرؤ القيس في مطولته الشهيرة:

أَلا عِمْ صَباحاً أيُّها الطَّلَلُ البَالِي



وهل يَعمِمَنْ مَن كان في العُصُرِ الْخَالي؟



ويقول عنترة:

يا دَارَ عَبْلَةَ بالجَوَاءِ تَكَلِّمِي



وعِميِ صَباحاً، دَارَ عَبْلَةَ، واسْلَمِي



ويقول زهير
*أَلا أنْعم صباحاً أيُّها الربْعُ واسْلَمِ*
وعلى أنّنا سنعالج، بعد حين، ما يتمحّض للتناصّ في المعلقات.
ويقول امرؤ القيس:

وجِيدٍ كجيدِ الرئم ليس بفاحشٍ



إذا هي نصًّتْه، ولا بمُعَطَّلِ



ويقول قيس بن الخطيم:

وجيدٍ كجيدِ الرئم حالٍ يَزِينُهُ



على النَّحْرِ منظومٌ وفصل زبرجَدِ (11)



ويقول امرؤ القيس:

فبات عليه سرْجُه ولِجامُه



وبات بعيني قائِماً غيْرَ مُرْسَلِ



ويقول الراعي:

فبات يُريِه عِرْسَهُ وبَنَاتِهِ


وبَتُّ أُراعي النجمَ أيْنَ مَخَافِقُه؟ (12)


ويقول امرؤ القيس:

أَلا أيُّها الليلُ الطويلُ ألا انْجَلِي



بصُبْحٍ، وما الإِصباحُ منك بِأَمْثَلِ



ويقول الطرمّاح بن حكيم الطائي:

أَلا أَيُّها اللَّيْلُ الطويلُ ألا أصْبِحِ



بِبَمَّ، وما الإْصْباحُ مِنْكَ بِأَروحِ (13)



ويقول امرؤ القيس:

أغرّكِ منّي أنّ حُبَّكِ قاتِلي



وأَنَّكَ مَهْما تَأْمُرِي القَلبَ، يَفْعَلِ



ويقول جرير:

أغرّك مِنّي أَنَّما قاَدَني الْهَوَى



إليك، وما عَهْدٌ، لَكُنَّ، بِدَائِم(14)؟



ويقول امرؤ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ



بسِقْطِ اللِوّى بين الدَّخولِ فَحَوْمَلِ



ويقول عمرو بن الأهتم التميمي:

قِفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ وأطْلالِ



بذي الرَّضْمِ، فَالرُّمَّانَتَيْنِ فأَوْعَالِ(15)



ويقول امرؤ القيس:
*فَمِثْلِكِ حُبْلَى قدْ طَرقْتُ ومُرْضِعٍ*
ويقول قيس بن الخطيم:
*ومِثْلكِ قَدْ أَصَبْتُ لَيْسَتْ بِكَنَّةٍ* (16)
ويقول امرؤ القيس:
*كأنّي غداةَ البَيْنِ يومَ تَحَمَّلُوا*
ويقول بشر بن أبي خازم:
*وكَأَنَّ ظَعْنَهُمُ غَداةَ تَحَمَّلُوا* (17)
ويقول امرؤ القيس:

فيالَكَ من لَيْلٍ كَأَنَّ نُجومَه



بأَمراسِ كتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ (رواية الزوزني).



ويقول الأعشى:

كأن نُجومَها رُبِطَتْ بِصَخْرٍ



وأَمْراسٍ تَدُورُ وتَسْتَزِيدُ(18)



ويقول امرؤ القيس:
*فَمِثْلِكِ حُبلْى قد طَرقْت ومُرْضِعٍ
ويقول الأعشى:
*فَمِثْلِكِ قَدْ لَهَوْتُ بَها، وَأَرْضٍ*(19).
ذلك، وأنه استرعى انبتاهَنا جملةٌ من الظواهر في هذا التناصِّ الذي قصَصْنا أثرَه في نصوص المعلّقات السبعِ قصاً لطيفاً حتَّى وقع لنا منه طائفةٌ صالحة، ومقادِيرُ وافِرَةٌ: فَوَفَر لنا منه ما نطلق عليه اللّغة المشتركة، أو التناصّ اللفظيّ؛ وما نطلق عليها التناصّ النسجي؛ وما قد نطلق عليه التناصّ الذاتي؛ وما قد نطلق عليه التناصّ المضمونيّ. ونعالج في هذه المقالّة كلّ هذه المستويات من التناصّ الذي يَحْكُمُ علاقاتِ التفاعُلِ بين المعلّقات السبع.
المستوى الأول: التناصّ اللفظيّ
ونحن نقرأُ نصوص المعلّقات، ونعيد قراءَتَها مُرُوراً كِثَاراً -لم نتمكّن من تَعدادها- :اسْتُبَان لنا أنّ هنَّاك ألفاظاً كثيرةً وردَتْ لدى ناصِيّنَ فتداوَلَها آخرون متناصِيّنَ معها، معجبين بها، مُحاكِين لها، وقد لا يعود ذلك، في رأينا، إلى قصور في المخزون اللغويّ لدى هؤلاء، أو لدى أولئك؛ ولا إلى ضيقٍ في الأفق الخياليّ، ولكن إلى انضواء المعلقّاتيّين من حول مسائَل متقاربَةٍ، حتّى إنهم كانوا يتعمّدون التقارب فيها، أو التناصّ من حولها.
وعلينا، أثناء ذلك، أن نعترف بأنّ الشعراء السبعة كانوا يعيشون في بيئة واحدة، متشابهة ومتناظرة، وفي عصر واحد لم يكد يجاوز قرناً واحداً: قيلت فيه هذه الروائع السبع التي ظلّت نموذجاً رفيعاً تحتذيه الشعراء طوال عمر الأدب العربي البالغ، الآن، ستّة عشر قرناً...
ولكن لماذا التناصّ اللفظي؟
لقد عقدنا له هذه الفقرة من البحث لأنّنا نعتقد أنّه يمثل المادّة الأولى التي كان المعلقّاتيّون يغترفون منها، ويبنون قصائدهم عليها. وإنّ مثل هذا السعي الذي ينهض على الملاحظة، ثم الإحصاء، سيسمح بتمثّل الاهتمامات المشتركة التي كانت تجمعهم، كما تجسّد ما يمكن تسميتُه بوحدة التصورّ للأشياء والعالَم. فتشابُه اللغة وتماثُلُها يَدُلاَّنِ على تشابه الخيال وتماثله.
وبمقدار ما تتشاكل اللغة وتتماثل لديهم، بمقدار ما سيسمح ذلك بإعطائنا فكرة عن منشغلاتهم، وصورة عن منطلقاتهم الشعريّة.
إننا نتمثّل اللغة التي يبني منها، أو بها، الشعراء قصائدهم، في كلّ عصر وفي كلّ مصر، بمثابة الألوان الزيتيّة التي يبني منها الفنّان المُلْهَمُ لوحَته بريشته السَّخِيَّة.
ولكن علينا، وهو ما سنفعله، محاولة تأويل طغيان مادّة لغويّة بعينها على مادّة أخراةٍ، وذلك بعد استعراض أهم الموادّ اللغويّة بين معلّقاتيَّيْنِ اثنَتيْن أو أكثر(20). وإنَّا نتحلّـل، سلفاً، من عدم متابعتنا، بدقّة دقيقة، واستقراء شامل، لكلّ ما هو مشترك من اللغة بين المعلّقاتيين. ولعلّ ما سنقدّمه، في هذه المقالة، أن يكون مجرّد انتقاء، لا إحصاء شامل. فذلك، إذن، ذلك.
الحقل الأوّل للتناصّ اللّفظيّ:
الطَللُ والرسم والدار والمنزل وما في حكمها

مق:

قِفا نَبْكِ من ذِكْرى حبيبٍ ومَنْزِلِ <LI value=1>فتوضِحَ فالْمِقْراةِ لم يَعْفُ رسْمُها <LI value=1>تَرَى بَعَرَ الأرِآم في عَرَصَاتها
فهَلْ عَنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ؟
ط:

لَخَوْلَةَ أَطْلاَلٌ بِبُرْقَةَ ثَهْمَدِ
ل:

عَفَتِ الدِيَارُ مَحَلُّها فَمُقامُها <LI value=1>فَمَدافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُها <LI value=1>دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدٍ أَنِيسها حِجَجٌ <LI value=1>وجَلاَ السُّيولُ عنِ الطُّلولِ كَأَنّها زُبُرٌ <LI value=1>فوقَفْتُ أسأَلُها وَكَيْفَ سُؤَالُنا؟ ...
عَريَتْ وكان بها الجميعُ فأَبْكَرُوا
ز:

أَمِنْ أُمِّ أوفى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ؟ <LI value=1>ودارٌ لها بالرَّقْمَتَيْنِ كَأَنَّها مَراجِعُ وَشْمٍ <LI value=1>فَلأَيّاً عَرْفتُ الدارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
أَلاَ أنْعِمْ صَبَاحاً أَيُّها الرَّبْعُ واسْلَمِ
ع:

أَمْ هل عرفْتَ الدارَ بعد تَوَهُّمِ؟ <LI value=1>يا دارَ عبْلَةَ، بالجَواءِ، تَكَلَّمِي <LI value=1>وعِمي صباحاً، دَارَ عَبْلَةَ، واسْلَمِي <LI value=1>فوقفْتُ فيها ناقَتِي وكَأَنَّها فَدَنٌ <LI value=1>حُيِّيت مِن طَلَلٍ تقادَمَ عهْدُهُ
أقوى وأقْفرَ بَعْدَ أمِّ الهيْثَمِ
ح.ح :

فأدْنى دِيارَها الْخَلْصَاءُ
لا أَرّى مَنْ عهِدْتُ فيها، فَأبْكِي...
إنّنا، من خلال عرْض لبعض هذه التناصّات الماثلةِ في مستوى اللغة-وقل إن شئت في مستوى اللفظ- أن أكثر المعلّقاتيّين تمسُّكاً بالديار، وبكاءً على الآثارِ، هما: لبيد وعنترة بستّة تَواتُرَاتٍ، لكلّ منهما. بينما نلفي زُهيراً يستبدّ بالمنزلة الثالثة بخمسٍ مراتٍ، من حيث يتبوَّأُ امرؤُ القيس المنزلة الرابعة بأربعة تَواتُراتٍ. ويأتي الحارث بن حلّزة في المرتبة الخامسة بتناصَّتيْنِ اثنتين فحسب. واجتزأ طرفة بتناصَّةٍ واحدة في المرتبة الأخيرة.
وقد جاء التَّناصُّ المنصِرفُ إلى ذِكْرِ الديار، والبكاء على الآثار، انعكاساً طبيعياً للخيال الجاهليّ الذي كان مقصوراً على التفكير، لدى الشعراء بعامّة، والمعلقاتيّين بخاصّة، في تلك الديار المقفرة، والرسوم البالية، والربوع الخالية؛ بعد أن تحمّلت عنها الحبيبة وَيَمَّمَتْ إلى حيث لا يكاد يَدْرِي إِلاَّ أَهْلُ حَيِّها. وكانت العلاقات الاجتماعيّة من الانغلاق، ووسائل النقل من البدائيّة، ما كان يجعل من العسير متابعة الحبيبة، والتمكّن من رؤيتها تارة أخراةً، بلْة الاستمتاعَ بجمالها، والتَّمِلّيَ بِبَهَائها.
لقد كان مثل ذلك الوضع الراكض في نَفَقٍ ضيّق، وفي حيز محدود الآفاق، على السِّعَةِ الجغرافيّة، عاملاً قويّاً على شيوع البُكائيات، وظهور ما يعرف بالطَليّات، تقليداً شعرياً في بناء القصيدة العربية الأولى، كما بلغَتْنا على الأقل. وإلاّ فماذا كان على الشاعر أن يأتي من الأمر وَقَدْ فَقَدَ الحبيبة، وأَضاعُ مُتَّجَهَ حَيِّها: غَيْرَ هذا البكاءِ، وغيرَ الوقوفِ على ديَارها، وغيرَ تأمُّلِ رسْم طُلولِ حيّها، وتشبيهه بوشم اليد البالي طوراً، وبالكتابة الشاحبة طوراً آخر: وقد عَرَّتَّهْا السيول الجارفة، أو عرّتّها الرياح العاصفة من رمالها التي كانت تغمرها...؟
إنّ طغيان هذه التناصّات يَسْتَبِينُ لنا كيف كان المعلّقاتيّون متمسّكين بهذه البِنْيَةِ الفنيَّة التي أسّسها، غالباً، شعراء قبل امرئ القيس، من بينهم امرؤ القيس بن حُمام؛ ولكنّ أشعارهم ضاعت وبادت؛ فإذا القصيدةُ الجاهليّة تتأسَّسُ على عهد الْمُهَلْهِلِ وامرئ القيس(21)، كما سلفت الإشارة إلى بعض ذلك، في مطلع هذه المقالة. وإذا معلقةُ امرِئِ القيس تصادف رواجاً عجيباً بحيث اغتدت القصيدة العربيّة الأولى، وأساس الأدب العربيّ لدى الناشئة والجامعيّين معاً؛ بحيث يكون أكثرَ الشعراءِ العرب محفوظيّةٍ على وجه الإطلاق؛ وإذا كلُّ عربيّ، في المشرق والمغرب، يردّد مع صدى الدهر، وصوت الزمن:
[I]*قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكرْى حَبيبٍ ومَنْزِلِ*
وإذا المتنبيّ، وعلى الرغم من أنّه تنبَّأ بأنّ الدهر لن يكون شيئاً غيرَ رُواةِ قصائِدِه، قد يكون آتِياً في المرتبة الثانية بعد أبي الشعراء العرب امرئ القيس.
والذي يعنينا، هو أنّ امرأ القيس لم يكن في بُكائه الأطلالَ ناصَّاً، ولكنه، هو أيضاً كان مُتناصاً مع ابن حُمام الذي، فيما يَبْدُو، كان متناصَّاً هو أيضاً، مع شعراء بَادُوا؛ ولم يكن لهم من الحِظَةِ ما جعل الدهر يحتفظ لنا بأسمائهم وأشعارهم؛ فضاع وجه كبير من التاريخ في ظلام الأميّة والتخلّف والبَّداوة والفِتَنِ والإِحْنِ والحرُوب والكوارث الطبيعيّة المُدْلَهِمَة...
أمّا وقد ضاع تاريخُ الشعر الجاهليّ، مما كان قبل عهد امرئ القيس، فليس لنا إلاّ الإذْعانُ للأمر الواقع، واعتبار هذا الشاعر العظيم أبَّاً للشعر العربيّ؛ وإذن فكل التناصّات التي عرضْناها لديه، ثمّ لدى المعلّقاتيّين ممّن عاصروه أو تعقبّوه زَمَناً: جاءت من تأثيره فيهم، وكانت من وقوعهم تحت سلطان إعجابهم به، واعترافهم له.
وإذا كنّا ألفينا معلّقة عمرو بن كلثوم تخلو من هذه التناصّات التي اشترك فيها زملاؤه، والمنصرف إلى الديار المقفرة، والأطلال الخالية؛ فلأنّه، في رأينا، ليس شاعراً بالمعنى الاحترافيّ؛ ولكن المناسبة اقتضت أن يقول شعراً يدافع فيه عن شرفه، ويصّور فيه غضبته الْقَبَلِّيّة لَمَّا أحسّ أنّ كرامته قد أُهينتْ، في شخص أمّه، فقال ما قال. ولم يقل، من بعد ذلك، غير ما قال.
فشعر ابن كلثوم تنقصه الاحترافيّة، والتصويرُ البديع الذي نجده لدى معظم المعلّقاتيّين الآخرين، فكأنّ قصيدتَه خُطْبَةٌ من الشعر، أو كأنّها مجرد قصيدة خطابيّة (ولا يعجبني مصطلح غنائيّة الذي لا معنى لغنائيّته الغائبة بالفعل، وربما بالقّوة، أيضاً) صبّ فيها جام غَضَبِه على عَمْرِو بْنِ هند، وأنحى عليه باللَّوائِم إذْ تعصّب لبَكْرٍ على تغلب، بل أَصْلَت السيف عليه فقتله به... ولمَّا كانت المعلَّقاتُ السِّتُّ البواقِي مشتملاتٍ على هذه التناصّات اللفظيّة فقد اقتضى ذلك أن يكون بمثابة قاعدة كانت تتّبع، وبنية كانت تُبْنَى، وتقليدٍ كان يُقْتَفَى؛ فكان اللاَّحق يتناصُّ مع السابق ويستلهمه في بناء مطلع معلّقته؛ مع اعتراف اثنين من المعلّقاتيّين بذلك: امرئ القيس(الذي اعترف ببعض ذلك في شعره خارج المعلّقة)(22)، وعنترة الذي افتتح معلّقته بالمُساءلة عن جَدْوَى نَسْجِ الشِّعْرِ وقد كان الشعراء من قبله جاءوا على كلّ معنىً، وتناولوا كلّ فكرة، وصوّروا ما عرضوا له ما استقام لهم التصوير:
*هلْ غادر الشعراءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ؟*
وإِنَّمَا عُنِيَ المعلقّاتيون بُبكاء الديار، والوقوف لدى الآثار؛ لأنّ علاقة الحبيبة كانت بتلك الديار حميمة؛ ولأن الشاعر كان كلّما مرّ بديار هذه الحبيبة وهو يشاهدها وقد بَلِيَتْ ودَرَسَتْ، وَأَقْفَرَتْ من أهلها وَخَلَتْ: كان يقف ليذكر في نفسه ذكرياتٍ جميلاتٍ حَييَتْ ثُمَّ بادَت، وعهود من اللَّذاذة والسعادة كانت. ثمّ ذهبت واضْمَحَلَّتْ ، فلَمْ تَعُدْ إلاّ تُوهُّماً في الذاكرة كأنّه لم يكن، على الرغم من أنّه كان، وإلا تصوّرا في المُخَيِّلَةِ كأنه لم يُوجَد في سالِفِ الأزْمان. فأيّ موقف كان أدعى إلى البكاء من موقفه ذاك، في مقامه ذاك؟
فكأن تلك الديارَ المُقْفرة، على إِقفارها وَخُلُوِّهِا من أهلها، هي التي كانت مَصَدراً لإلهام أولئك المعلّقاتييّن. وكأنّ الْقَفْر كان وراءَ وجودِ الشعر. وكأنّ الجمال الفنّيّ البديع الذي تطفح به هذه المعلقات، في معظمها، كان مصدرُه تلك الديارَ المقفرة، والربوع البالية، والرسوم الدارسة. وكأنّ الحياة التي ينبض بها ذلك الشعر نشأت عن الموت الذي كان أصاب تلك الديار. بل كأنّ ذلك الضجيج الطافح الذي كانت تجلجل به أصواتُ المعلقّاتيّين إنما كان مصدَرُه ذلك الصمتُ المطبقُ على تلك الديار.
لكن ماذا نقول؟ وهل يُعْقَلُ أن يكون الموتُ مصدراً للحياة، لولا أنّ الحياة التي كانت من قبل في تلك الديار هي التي ظلّت تمدّ المعلقاتيّين بينابيع الإلهام، وَتُزَيِّنُ في أنفسهم ملذّات الذكرى: فتتفجّر أشعاراً لم يعرف تاريخ الشعر العربيّ لها مثيلاً في جمالها...؟
لقد كانت الدار، إذن، وما في حكمها، مصدراً من مصادر الإلهام للشاعر الجاهليّ لأنها هي التي كانت تُؤْوِي الحبيبةَ الظاعنة عنها، ثمّ لأنّ الشاعر نَفْسَه، رُبَّما، كان ثَوَى بها زَمَناً ما، أو أَوَى إليها عَهْداً ما؛ ثم، لأنها كانتْ مجتمعَ العشيرةِ، ومُلْتَقى الأحبَّة، وَمَوْطِنَ الأفراح، وَمَسْقِطَ السَّعادة واللَّذَّات، فاستأثرَتْ بالاهتمام، واستبدَّتْ بالحبّ والحنين العارم.
الحقل الثاني للتناص اللفظي:
الماء والمطر وما حكمها
وقد لاحظنا أنّ هناك حقلاً آخرَ مشتركاً بين المعلّقاتيّين في المعجم الفنّي لديهم تناصُّوا فيه، وتداولوا عليه، وهو الماء والمطر والرَّعد وما في حكم هذه المعاني حيث نلفيهم إمَّا أَنْ يَتَمَاثلُوا، وإمَّا أن يتقاربوا، وإمَّا أن يتشابَهُوا في استعمال ألفاظ هذه المعاني مثل استعمال امرئِ القيس للوَبْل، والسيل، والغَرَق (من آثار الأمطار)، والصَّوْبِ (المطر)، والسَّحِّ، والمَاءِ والنَّفْيَانِ(تطاير قطرات المطر):
1. كأَنَّ ثَبِيراً في عَرانِينِ وَبْلِهِ
2. من السَّيْلِ والأَغثْاء فَلْكَةُ مِغْزَلٍ
3. وألْقَى(المطر) بصحراءِ الغَبيطِ بَعَاعَهُ
4. كأنَّ السِّباعَ فيه غَرْقى عَشِيَةً

5. فأضحى يَسُحُّ الماءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ


6. على قَطَنِ بالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِهِ



من حيث نلفي لبيداً يصطنع ألفاظاً تركض هذا المَرْكَضِ، وتتناول هذا الحقل؛ وذلك مثل الوَدَق، والجَوْد، والرِّهَام، والغَادِ، والمَدافِع، و(القَطْر) المُتَواتِر:

1. وَصَابها


ودْقُ الرَّواعدِ جَوْدُها فَرِهامُها



2. مِنْ كُلِّ ساريَةٍ وغَادٍ مُدْجِنٍ
3. وَعَشيَّةٍ متجاوِبٍ إرّزامُها
4. فَمَدافِعُ الرَّيّانِ عُرّيَ رَسْمُها
5. يَعْلُو طريقَةَ مَتْنِها مُتَواتِرٌ
بينما ألفينا عنترة يستعمل ألفاظاً قريبة من هذه، وذلك مثل العين(أو البِكْر: السحابة الممطرة)، والسَّحّ (ويلتقي في استعمال هذا اللفظ مع امرئ القيس)، والتَّسْكاب، والماء الذي لم يتصرّم (والذي يلتقي في استعماله مع امرئ القيس، وطرفة، وزهير)، والغيث:

1. تضمّن نَبْتَها



غَيْثٌ قِليلُ الدِمْنِ ليس بمُعْلَمَِ



2. جادَتْ عليْها كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ
3. سَحّاً وتَسْكاباً...

4. فكُلُّ عَشِيَّةٍ


يَجْري عليها الماءُ لم يتصرَّمِ



على حين أننا نجد زهيراً وطرفَةَ يجتزئانِ باستعمال لفظ الماء:
* فلمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمامُه
*يَشُقُّ حَبابَ الماءِ حَيْزومُها بِها.
تقوم التناصّات، هنا، بين المعلقّاتيّين السبعة على مادّة لغوية تركض في سياق المادّة اللغويّة الأولى التي كنّا جئنا على تحليلها؛ والتي كانت تضطرب حَوالَ الديار الخالية، والطلول البالية، والرسوم الدارسة التي لم يكن القصدُ من ذكرها وتردادها، على نقيض ما قد يتصور بعض الناس، التقبيحَ أو التهجينَ؛ ولكن كان من باب الحنين إلى ذكريات مَضَتْ فيها، وإلى سعادة ارْتُشِفَ رحيقُها-بين أحيائها- في مَأَمَنٍ من غوائل الدهر، وفي غفلة من الحُسّاد والعُذّال.
فذكر الطلول يندرج ضمن جماليّة الشعر الجاهلي بعامّة، ومطالع المعلّقات السبع بخاصة. ولم يكن ذِكْرُ الدّيار إلاّ مدرجةً لساكنات الديار. ولم يكن تَأَوُّبُ الطلولِ إلا استئناساً بِمَنْ كُنَّ فيها من حبيباتٍ أَيْمَا شعورُهن فسودٌ طويلاتٌ، وأيْمَا شِفاهُهُنَّ فحُمْرٌ رقيقات، وأيْما قدودهُنَّ فرشيقاتٌ ممشوقاتٌ...
تقوم التناصات، هنا، إذن على الماء الذي هو أحد مقوّمات جماليّة الحيز الذي كان يَمْثُلُ في تلك الرسوم والطلول، وفي تلك الديار والآثار. فإنما تكتَمِلُ جمالِيَّةُ الحيز بوفور الماء، وتَهتان الغيث، وَجَرَيانِ السيول.
لقد كانت الأحياء من العرب لا تفتأ تبحث عن مدافع الماء، وتتوخّى منابعه، وترتاد الكلأ الذي هو ثمرة من ثمراته: فتُقيمُ هنالك ولا تَرِيمُ. كانت الحياة الصحراويّة الجافّة تفرض على قَطِيْنها تَسَقُّط هذه المادِّة الحيويّة واعتبارها أَحَدَ مصادر الإِلهام للشعراء، وإحدى دعائم الحياة للرِّعِاءِ والأَبَّالِينَ. من أجل كل ذلك كانت العرب تدعو لمن تُحبُّه بالسَّقيا: لِمَا في ذلك من مظاهر الحياة الرخيّة، السخيّة، والسعيدة الرغيدة.
وإنما يقيم الناس الدَّورَ والخِيام، والمُدَن والعُمْران، من حول الماء، ولايمكن أن يقيموا ذلك بعيداً عنه، إذا البُعْد عن الماء لا يعني إلاّ الموت. فكلّ جمال، إذن، لا يمكن تصوّره خارج عطاءات الماء.
ولعلّ الدّيارَ المَبْكِيَّ عليها لم تُقْفِرْ من أهلها إلاّ حين نُضِبَ ماؤُها، وَجفَّتْ ينابيعُها، وغارت عيونها، فاضْطُرَّ من كانوا يَثْوُونَها، أو يَثْوون حَوَالَها، إلى التَّظعان عنها التماساً لغدران وعيون أخراة، فزعمنا أنّها مرتبطة بجماليّة الحنين، إنما ينهض على اعتبار ماكانت عليه، لا على اعتبار ماهي عليه كائنة.... ولعلّ ذلك أنْ يُفْضِيَ بنا إلى ربط الماء بالطّلَلِ، على أساس أنّ الطلل حين كان بناءً معموراً، وَسَقْفَاً مرفوعاً، لم يكن ممكِناً نهوضُه إلاَّ على وفور الماء، فكأنّ الطلل إحالَهُ على ماضِ من الماء.
وكأنّ جماليّة الحيز في المعلّقات لا تَمْثُلُ إلاّ في ماضِيَّةِ الماء.
فليس الماءُ مصدراً للحياة فحسب، ولكنه مصدر للجمال أيضاً.
فلا عجب أن ألفينا ألفاظ الماء تتكاثر في المعلّقات وتتغافص في نسْجها؛ فإذا كُلُّ معلّقاتِيّ لا يَعْدَمُ استعمالاً لها ، وإذا شبكةٌ من التناصَّاتِ اللفظيّة تنشأ عن ذلك السلوك اللغويّ بحيث نصادف، كما رأينا، ألفاظاً مائيَّة في هذه المعلّقة، وأُخْرَاةً في تلك....
الحقل الثالث للتناصّ اللفظيّ
الإيلاع باستعمال "كأنّ"
لقد كنا عَرَضْنا لتحليل جمالِيَّةِ التشبيهِ في مقالة أخراة، من هذه الدراسة، غير هذه. وهنا إنما نُعْرِضُ لأداة التشبيه المركَّبة "كأنّ" ليس من باب وظيفتها التشبيهيّة، ولكن من حيث وظيفتُها التناصِيَّةُ. ولكن لما كَلِفَ المعلقّاتِيُّون بهذه الأداة التشبيهيّة من دون سَوَائِها؟ لَعَلَّ ذلك أنْ يَرْجِع إلى جمالها المتمثّل في رصانة إيقاعها، بالإضافة إلى ذلك، مركّبة من عنصرين اثنين: أداة التشبيه (الكاف)، وأداة التوكيد (أنّ): فكأنّ، كَأَنَّ: ليست أداةً للتشبيه فحسب، ولا أداة للتوكيد فحسب، ولكنها إيّاهُما جميعاً.
ولمّا جئنا نتابع التناصّات التي وقعت في المعلّقات بهذه الأداة (كأنّ - كأنّها- كأنّما- كأنّي- كأنّه- كأنّهما- كأنّا - كأنّهم) لاحظنا:
1- أنّ "كأنّ" هي التي تستبدّ بالتواتُر أكثر من صنواتها اللواتي يلحقن بالضمائر أو بـ "ما" الكافّة، وذلكَ بتردادٍ بلغ تِسْعَ عَشْرَةَ مرَّةً من بين زهاء اثنتيْن وأربعينَ حالَ تشبيهٍ.
2- إنّ امرّأَ القيس يصطنع "كأنّ" تسع مرات -من بين ثلاثَ عَشْرَةَ "كأنّةً". بطريقِ الحياد النسجيّ:
1- كَأنّهُ حَبُّ فُلْفُلِ (بعر الآرام).
2- كأَنِّي غَداةَ البَيْنِ (الشاعرُ نفسه).
3- كأنّه أسارِيعُ ظَبْي (بنان صاحبته).
4- كأنّها مَنارَةُ مُمْسَى راهبِ (صاحبته).
5- كأنّ نُجومُه بأمراس كَتَّانِ (الليل).
6- على الذبل جيّاش كأنّ اهتزامَه (تَكَسُّرَه) (الفرس).
7- كأنّ على المتنيْن منه إذا انتحى) مَدَاكَ عَرُوسٍ... (الفرس).
8- كأنَّ دِماءَ الهادياتِ بنَحْرِهِ (الفرس).
9- كأنَّ نِعَاجَه عَذَارَى دَوَارٍ (سِرْبَ بَقَرِ الوَحْشِ).
10- كأنّ ثبيراً في عَرانينِ وَبْلِهِ (المطر).
11- كأنّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِر غُدْوةً (الأكمَة).
12- كأنّ مَكَاكِيَّ الجِوَاءِ غُدَيَّةً (الطير).
13- كأنَّ السِباعَ فيه غَرْقَى عَشِيَّةَ (السباع).
3- لعلّ الناقة هي التي تستأثر بـ "كأنّ" التشبيهيّة التوكيديّة، وذلك بتواتر بلغ زهاء ثَلاثَ عَشْرَة مَرَّةً. وقد أُوْلِعَ طرفَةُ بذلك فاستعملَها في تشبيهِ ناقتِهِ، تسْع مرّاتٍ وحْدَها:
1- كأنّه ظَهْرُ بُرْجُدِ (أصل التشبيه للناقة).
2- كأنّها سَفَنْجَةٌ (الناقة).
3- كأنّ جَناحيْ مَضْرَحيٍ (نسر أبيض) (وأصل التشبيه للناقة).
4- كأنّهما بَابَا مُنيفٍ ( أصل التشبيه للناقة).
5- كأنَّ كِنَاسَيْ ضَالَةٍ (الناقة).
6- كأنَّها تَمُرَّ بِسَلْمَيْ دالِجٍ (الناقة).
7- كأنَّ عُلوبَ (آثار) النِّسْعِ (الناقة).
8- كأنَّها بَنائِقُ (الناقة).
9- كأنَّمَا وعَى المُلْتَقَى (الناقة).
10- كأنّ حُدوجَ المَالِكيَّةِ (المرأة).
11- كأنَّ الشمس (وجه المرأة).
12- كأنّ البُرِينَ (المرأة حالَ كونها حالِيَةً).
13-كأنّا وضعْناه (يتحدّث عن ابن عمّه).
بينما شبّه بها لبيد ناقته مرتين اثنتين، واصطنعها في معلّقته سِتّ مراتٍ:
1- كأنّها صَهْبَاءُ (الناقة).
2- كأنّها جِنُّ البَدِيّ (الناقة).
3- كأنّها زُبرٌ (الطلول).
4- كأنّها أجزاعُ بيشَةَ (المرأة).
5- كأنّ نعاجِ تُوضِحَ (المرأة).
6- كأنّما هَبَطا تبالَةَ (حيوان).
على حين أنّ الحارث بن حلّزة اصطنع كأنّ أربع مرات في معلّقته، ومنها مرة واحدة للناقة:
1- كأنّها هَقْلَةٌ (الناقة).
2- وكأنّ المنون تَرْدِي بِنَا (البشر).
3- كأنّهم أَلْقَاهُ (اللصوص).
4- كأنّها دَفْوَاءُ (كتيبة).
من حيث اصطنعها عمرو بن كلثوم ثلاثَ مراتٍ، في غير الناقة في المّرات الثلاثِ:
1- كأنّ ثيابَنَا مِنَّا ومنهم (القبيلة).
2- كأنّ غضونَهُنَّ متونُ غَدْرٍ (الدروع).
3- كأنّا والسيوفَ مُسَلَّلات (القبيلة والسيوف).
واصطنعها عنترة مرتين، أحداهما للناقة:
1- وكأنّها فَدَنٌ (الناقة).
2- وكأنَّ فارةَ تاجرِ بقَسيمَةٍ (المرأة).
بينما لم يصطنعها زهير، هو أيضاً، الاّمرتين اثنتين، وفي غير الناقة:
1- كأنّها مراجيعُ وشْمٍ (الطلول).
2- كأنّ فُتاتَ العِهْنِ في كلّ منزل (النساء).
بينما لم تنل المرأة إلاّ تسع مرّات من هذه التناصات الكَأَنِيَّةِ كلّها: توزّعت على ثلاثِ مراتٍ لطرفة، ومرّتين اثنتيْن لامِرْئِ القيس، ومثلهما للبيد، ومرّة واحدة لكل من عنترة وزهير. ونجد هذه الأداة الكَأَنَّية، من بعد ذلك، تتوزّع على طائفة من الموضوعات كالفَرَس بثلاث مرات لدى امرئ القيس، ثم الكتيبة، والسيوف، والدروع، والقبيلة، والإنسان، لدى معلّقاتيّين آخرين.
4- إنَّ امْرَأَ القيس وطرفة هما اللذان يستأثران بالمنزلة الأولى باستعمال كلّ منهما ثلاث عشرة "كَأنَّه". وقد توزّعْت كأنَّاتٌ امِرئِ القيسِ على تسعةِ مواضيعَ هي: الفرس، والمرأة، والأرآم، والشاعر نفسه، وَبنان المرأة، والليل، والمطر، وسِرْب بقر الوحش، والأَكَمَة، والطير، والسباع، ومثل هذا الأمر يجعلنا نقرّر أنّه هو أكثر المعلقّاتيّين توظيفاً لكأنَّ بحيث وزّعها

توزيعاً أُسلوبيّاً، متوازِناً، قائماً على تجديد الموضوع في كلّ تشبيه، وإِغناء نسْجِه بالتصوير الفنّي البديع: كلّما اقتضى ذلك مقتضيات الكلام. بيننما ألفينا الباقين إيمَا أنَّهُمْ كانوا يقفِونها على موضوعين اثنيْن أو ثلاثةٍ غالِباً: طرفة: الناقة والمرأة فقط، وعنترة: الناقة والمرأة أيضاً، فقط، ولبيد الناقة والمرأة، والطلول والحيوان (خارج إطار الناقة)؛ وزهير: الطلول والمرأة فقط؛ والحارث بن حلّزة: الناقة، والإنسان، والكتيبة، واللصوص، وعمرو بن كلثوم: القبيلة، والسيوف، والدروع، وإيمَا أنَّهُم كانوا يصطنعونها في موضوعاتٍ غير مظنونةٍ بالجمال الشعريّ مثل اللصوص والكتيبة، والدروع والحيوان..
وتنهض جماليُّة التناصِّ الكَأنِّي، هنا خصوصاً على موضوعين اثنيْن كانا ذَوَيْ علاقةٍ حميميةٍ بحياة المعلّقاتيّين وعواطِفِهِم وبيئتهم، وهما: الناقة التي كانوا يسافرون عليها، وَيَطعَمُونَ لَحْمَها، ويتاجرون فيها، ويَتَّدُون بها لدى سَفْكِ الدماء... والمرأة التي كانوا يستمدّون سعادتهم من حبّها، والاستمتاع بجَمال جَسدها، فكأَنَّ هذيْن الموضوعين يشكّلان محور هذه النشاط التناصّيّ القائم على توظيف أداة /كَأَنَّ/ في التشبيهات، التي كانوا يُحَلُّون بها نسج الكلام في معلّقاتهم السبعِ.
أمَّا لماذا وظّف المعلّقاتيّون هذه الأداة، وكيف تناصّ بعضهم مع بعض بها، أو قل: كيف تناصّ اللاّحقون بها مع السابقين، بل قل: كيف تناصّ الستة المعلّقاتيّون مع الواحد الذي هو امرؤ القيس: فلعلّ ذلك أن يكوّن لحميميّة علاقة هذه الأداة برسم جماليّة الحيز، ورسم جمالية الحبيبة وما يَحْدَوْدِقُ بها، أو يضطرب من حولها. فما كان تكرارُها لديهم إلاّ تعزيزاً لمظهر جماليّة الحيز الشعريّ، وحرص المعلّقاتيين على الإصرار على وصْفِهِ بهذه الجماليّة، وادّعائها فيه، وإثباتّها له، ووقفها عليه.
وربّما كانت البنية الصوتيّة لأداة كَأَنَّ هي التي حَمَّلتِ المعلّقاتيين على الإكثار من استعمالها دُونَ سَوائِها من أدوات التشبيه مثل الكاف، ومِثْل؛ فقول القائل منهم:
كأنّها، أو: كأنّما، أو كأنَّني، أو:كأنّهُ.. يظاهر على إقامة الشعر بشكلٍ جميل؛ بينما الكاف وحدها، ومِثْل، أيضاً، لا يستطيعان النهوض بما تنهض به كأنّ: حيث إنّ، "كأنّها"، مثلاً تأتي على ميزان: "فَعَلْنَها"، بينما الكاف ومثل لا تتعلّقان بشيء من رصانة ذلك الإيقاع، وغَنائِهِ..
الحقل الرابع للتناصّ اللفظّي:
لفظ الحيّ
لقد ورد ذكر لفظ الحيّ لدى المعلّقاتيين زهاء إحدى عشرة مرة، واستأثر بهذا التناصّ اللفظّيّ خمسة منهم، هم: امرؤ القيس، وطرفة، وزهير، ولبيد، وعمرو بن كلثوم. بينما غاب من معلّقتي عنترة والحارث بن حلّزة:
مق:
1. لَدَى سَمُراتِ الحَيّ ناقِفُ حَنْظَلِ
2. فلّما أجَزْنَا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى...
ط:
1. وإِنْ يَلْتَقِ الحَيُّ الجميعُ تُلاقِني
2. كما لامَني الحَيِّ قرطُ بْنُ مَعْبَدِ
ز:
1. لَعَمْري لَنِعْمَ الحَيُّ جَرَّ عليهم
2. لِحَيٍّ حِلاَلٍ يَعْصُم الناسَ أمْرُهُم
ل:
1. ولقد حميت الحَيَّ تَحْمِلُ شَكَّتِي
2. شاقَتْكَ ظُعْنُ الحَيِّ حينَ تَحَمَّلوا
ع.ك:
1. ونحن إذا عمادُ الحَيِّ خَرَّتْ
2. ترانا بارزين وكُلُّ حَيٍّ
3. وقد هَرَّتْ كِلابُ الحَيِّ منّا.
ولقد نلاحظ أنّ لفظ الحيّ ذُكِرَ غالباً في معرض تصوير جماليّة الحيز الشعريّ المرتبط إمّا بالحبيبة، وإما بِطَلَلِهِا، وإمّا بديار القبيلة التي تنتمي إليها. وعلى الرغم من اختلاف توظيف هذا اللفظ حين نُذِيبُه في سياقهِ، ونصبّه في مرجعيّته الاجتماعيّة؛ فإنّه، مع ذلك ظلّ محافظاً على الدلالة العامة المرتبطة إمّا بالقبيلة وشرفها، وإمّا بالحبيبة وهواها.
وقد وظّف كلّ معلّقاتِيٍّ، هذا اللفظَ الجميلَ، الدّال على الحياة والحركة والعمران والتلاقي والتعاون و التضافر، فيما يلائم روحه ويُوائِم نفْسَه، ويتفق مع نظرته إلى الحياة، وتجربته فيها: فامرؤ القيس يوظّفه في حَيْرَته السامدة الناشئة عن تحمّل الحبيبة وأهلها عن الحيّ الذي كان يشهد ساعات النعيم لديه تارة، وفي تخلّصّه وحبيبته من الرقباء والمترّبصين به إلى حيث يصادف اللذة والمتاع تارة أخراة، فلفظ الأوّل، لديه يشهد على مأساة حبّه، وعذاب بَيْنِه، وَنَكَدِ سَعْدِهِ. على حين أنّ لفظ الحيّ الآخرَ يدلّ على تخلّصه من حيزه، ليُلْفِيَ، خارجه، نعيماً وسعادة مع تلك المرأة الحسناء التي يصفها بأبدع الأوصاف وأرّقها وألطفها وألذّها غزليّةً في الشعر الجاهليّ. فالحَيُّ الأوّل لديه مواطن للحَيرة والبكاء والعذاب، بينما الحيّ الآخرُ كان مَدْرَجَةً إلى حيز آخر يظفَرُ فيه النّاصُّ بأجمل اللحظات، وألذِّ السعادات.
بينما لا يكاد يخرج لفظ الحيّ لدى المعلّقاتيّين الآخرين عن معنى العَشِيرة، أو قَطِيِنِ الحيّ ورجالاتِه، كما يَمْثُلُ ذلك لدى طرفة وزُهيرُ ولبيد وابن كلثوم، فالحيّ لدى الناصّ الأوّل يجسد جماليّةً طافحة، ولدى المتناصّين معه يمثل مجرد بَشَرٍ يَحْرَنْجِمُوَن في صعيد واحدٍ من أجل الحياة. فالحي لدى النَّاصّ الأوّل -امرئِ القيس- حيز شعريّ طافح بالحركة والجمال، بَيْنَمَا هُوَ لدى الآخرين لا يكاد يجسد ألاّ أحْياءً لا خصوصيّة لهم، ولا جمال في حياتهم.. فكأنّ الحيز مُجسّداً في لفظ الحيّ يَمْثُل لدى امرئِ القيس الشعريّة، ويمثّل لدى أضرابه الاجتماعيَّةَ. وإذا تأمَّلْنا، في الحاليْن الاثنتيْن، المَواطن التي وُظِفَ فيها لفظ الحيَّ استبان لنا أنّ هذا المعنى ينضوي تحت جماليّة الحيز، حيز الحبيبة لدى امرئ القيس ولبيد، وأحياز القبيلة لدى المعلّقّاتيّين الآخرين.
الحقل الخامس للتناصّ اللّفظيّ.
البكاء والدمع ومافي حكمهما
لقد لاحظَنا أنّ أيّاً من المعلّقاتيّين لم يَكْلَفْ بتَرداد لفظ البكاء، ومايدلّ عليه، مثل ماجاء ذلك امرُؤُ القيس الذي تواتَرَ لديهِ زهاءَ سَبْعِ مرّاتٍ، بينما لم يتناصَّ معه في هذا البُكى إلاّ الحارِثُ بِذْكْرِ البكاءِ مرتيّن اثنتيْن فَقَطْ. وكأنّ امرأَ القيس كان يجسّد القصيدة العربيّة الأولى بامتياز، وكأنّ سلوك البكاء الذي كان يجيئه قبلَهُ امرؤ القيس بن حُمام، كان عالقاً بذاكرتهِ مترسّباً في نفسه، جارياً على لسانهِ، فلمّا جاء يُنشئ هذه المعلّقة العجيبة لم يستطع التخلّص من تلك الترسّبات التناصّية التي كانت تُفْعِمُ نفْسَه، وتملأُ قلبَه؛ فكان من أمره ماكان.
إنّ الأمّر المحيّر في هذه المسألة أنَّ امرأ القيس هو الذي يُولِي العناية الفائقة للبكاءِ فيردّده صراحة في مطلع معلّقتهِ، بينما الآخرون، ماعدا لبيد، يقفون على الطلول والديار، ولكنهم لا يبكونَّها. أجاؤوا ذلك لأنّهم لم يكونوا يُحِبّون؟ أم جاءوه لأنّهم رفضوا تَذرف الدموع وهم الرجالُ الأشداءُ الأَقْويَاءُ، وإنما كان البكاء للنساء والأطفال؟ لكن، البكاء لا يدلّ في كلّ الأطوار على ضعف النفْس، بل قد يدلّ على قوتها وصفائها وقدرتها على إفراز الأحزان الراسبة، وتذويبها بماء الدمع... ثمّ لِمَ تناصَّ مع امرئ القيس الحارِثُ وَحْدَهُ من بين جميع المعلّقاتيّين الآخرين؟ أم يعني ذلك أنّ كلباً مُحِقّةٌ فيما زعمتْ من أنّ الأبيات الخمسة الأولى ليست لامرئ القيس، ولكنها لاِبْنَ حُمام (23)؟ وإلاّ فما بال امرئِ القيس يبكي وحده، ولا يتابعه المعلّقاتيّون الآخرون إلاّ واحداً منهم بكى مرتيْن، من حيثُ نُلفي المَلِكِ الضليّل يبكي سبْعاً، أو قل: أنّه يبكي خمْسَاً، ويُبْكِي صَبيّاً مرّة، وحبيبتهِ مرّة أخراة...
مق:
1. قفا نَبْكِ من ذِكْرَى حبيبٍ ومنزل.
2. إذا مابكى من خلْفِها انصرَفتْ له.
3. لدى سَمُراتِ الحيّ ناقِفُ حَنْظَلِ (كناية هنا عن تَذْرافِ الدموع).
4. وإنّ شفائي عَبْرَةٌ مُهرّاقَةٌ.
5. ففاضت دموعُ العَيْنِ منّي صَبابَةً
6. وما ذَرَفتْ عيناكِ إلا لِتَضْرِبي...
ح.ح:
1. فأَبْكِي دَلَهاً.
2. وما يُحيرُ البُكَاءُ.
إنّ أوّل مانلاحظ أَنّ هذا البكاء استبدّ به امرؤ القيس بِسَبْعِ مرّات، ولم يتناص، معه، كما أسلَفْنَا الْقَّالَ، إلاّ الحارث بن حلّزة في حاليْن اثنتين فحسب، أو قل: في حالٍ واحدة عبّر عنها بتعبيريْن أحدهما يتّصّل بالآخر. فكأنّ البكاء، إذن، معجم وَقْفٌ على لغة امرئ القيس الذي اصطنع البكاء في مواطن مختلفة ليس للدلالة على حبّة هو وحده، ولكن للدلالة على حب، صاحبته إيّاه أيضاً فكأنّ دَيْدَنُهُ البكاء، الشاعر وصاحبته في ذلك سَواءٌ، ولم يَبْكِ امرؤ القيس الطُّلولَ وحْدَها، كما كان بكاها من قبله ابن حمام، ولكنه بكى من جَرَّاءِ مُزايلة الحبيبة: فهو إِذن بكاء وفاء، وذلك على الرغم من أنّ النقاد الأقدمين يزعمون أنّ امرأ القيس كان زِيرَ نساءٍ (24)، وعلى الرغم من أنه يناقض نفْسَه، عَبْرَ هذا البكاء، وذلك بذكر نساء كثيرات في معلّقته، فهل كان قادراً على حبّهنّ جميعاً في وقت واحد؟ أم كان يحبّ هذه؛ فلمَّا يُقْضِّي معها من الزمن مايقضّي، يَتَّرِكُها ويلتمس غيرها...؟ أم هي احترافية الشعر ومتطلبّاته الرفيعة؟...
ذلك، وقد صادفتنا تناصّات لفظية أخراة أقل تواتُراً مما ذكرنا، وأقل أَهمّيَّة ممَّا عالجنا، مثل الغزال الذي ورد ذكره في المعلّقات السبع- امرؤ القيس سبق إلى ذكره أكثر من مرة في معلّقته -إحدى عشرة مرّة- والوقوف الذي وقع التناصُّ به ثماني مَراتٍ، والثياب التي تواترتْ خمسَ مراتٍ، والبياض، والمتْن، والتحمُّل، والوشم التي تواتر كلّ منها أربع مرّات، والرسم والغبيط والحَب (بفتح الحاء) التي ورد كلّ منها ثلاث مرّات في المعلّقات. ونستخلص من بعض ما سبق أنّ الشعراء كثيراً ماكانوا يشتركون في اصطناع ألفاظ بعينها، وخصوصاً حين كانوا يتناولون موضوعات متشابهة، أو متماثلة، وقد ألفينا عامّة تلك الألفاظ المشتركة تصّب في مصب واحد: هو جماليّة الحبيبة، وجماليّة حيزها.
فكأنّ المادّة اللغوية المشتركة الأولى التي بَنَى منها المعلقّاتيّون معلّقاتهم تَمْثُل في الديار والرسوم، والربوع والطلول، والوقوف عليها، والبكاءِ من أجلها حَوْلِهَا، ثمّ في الغيوث والسيول التي كانت تُعَرِّي أثافِيَّها، وتجري في نُؤَيِّها، ثم في الآرام التي كانت تَجْثُمُ في قِيعَانها، وترتع في عَرَصَاَتها، بعد أن أقْوَتِ الديار، وأقفرت الأطلال...
وتجسّد هذه المادّة اللغويّة المشتركة بين المعلقّاتيّين، خصوصاً، مطالع هذه المعلّقات أو مقدّماتها الطليّة.

**د لا ل**
2012-02-16, 21:15
جماليّة الإيقاع في المعلّقات


لماذا نقف هذه المقالة على الإيقاع في المعلّقات؟ وهلاّ انصرفْنا إلى سَوَائِهِ ممّا قد يكون أهمّ منه شأْناً، وأَخْطَرَ أمْراً؟ لكن أي شيءٍ يمكن أن يكون أهمّ من الإيقاع في مُدارسَةِ النص الشعريّ وتحليله؟ وإذا سلّمنا بأهمّيّة هذا الإيقاع، ومالنا إلاّ أن نسلّم بذلك؛ فماذا يمكن أن يُلاصَ، لدينا، منه: وقد قرّرْنا اختصاصَه، في هذه الدراسة، بهذه المقالة، على حِدَةٍ؟ أيُلاَصُ منه الحديثُ عن التركيبِ العَروضيّ الخالِص، أمْ أنَّه ذَهابٌ إلى مايمكن من المذاهب في تأويليّة الصوت، ودلالة النغَم، وتناسق اللّفظ، وائْتِلاف التركيب؟ ثمّ هل يمكن ربْطُ الإيقاع بالنسج، والنسج بالإيقاع، وتعليل لماذيّة هذا، بلماذيّة ذاك؟
وعلى أنّا لا نريد بمفهوم الإيقاع إلى الميزان العروضي بالمعنى التقني للاصطلاح الخليليّ. فإنّما العَرَوض تنهض على التماس الميزان الدقيق، وإنما كان الميزان دقيقاً، في الأعارِيض، لأنه ينهض على تَقدير زَمنّي شديدِ الصرامة. فكأنّ العَروضَ تعني، قبل كلّ شيء، حساب الزمن، ودقّته وصرامته، مَثَلُها مثلُ الموسيقى في تحديدِ أنغامِها، وضبط ألحانِها، بالميزان الصوتيّ الدقيق.
وإذاً، فليس الإيقاعُ الذي نريد إليه: ذلك؛ ولكنه مجموعة أصوات متجانسة متناغمة، ومتشاكلة متماثلة، ومتضافرة متفاعلة: تتشكّل داخل منظومة كلاميّة لتجسّد، عبر نظام صوتيّ ذاتيّ ينشأ عن تلقائيّات النسج بالسِّمِاتِ اللفظية، نِظاماً إيقاعِيّاً يقع وَسَطاً بين دقّة العروض في ميزانها، وتساهل النثر في فوَضْاهُ.
ويختلف الوزن عن الإيقاع لدى منظّري الشعر اختلافاً محسوساً بحيث إنّ الوزن ينصرف معناه إلى انقسام إبداع موسيقيّ إلى أقسام: يكون لها، كلّها، المدّة الزمنيّة نفسها: تتوزّع بينها على سَواءٍ، على حين أنّ الإيقاع يتشكّل من انقسام، من جنس آخر، مختلفٍ عنه كلّ الاختلاف، ومِقدّرٍ لأقسام التركيب الماثل: مُدَداً زمنيّة ليست بالضرورة متساوية"(1).
وأياً كان الشأنُ، فإنه لا يمكن تحليلُ أيّ نصٍّ شعريّ دون المَعاج على إيقاعه لمُدارسَةِ جماله، وتحديد عناصر هذا الجمال، وبلْوَرَةِ علاقة التعاطِي والتضافر فيما بينها، عبر ذلك النّصّ، ويمكن الخوض، أثناء ذلك، في تأويل علّة اختيار ذلك الإيقاع بذاته، أو اختيار تلك الطائفة من الإيقاعات الجزئيّة التي تشّكّل، في مُثولها العامّ عبر النص الشعريّ المطروح للتحليل، نظام الإيقاع المركزيّ الذي غالِباً ماتكون وظيفتُه جماليّةً أولاً، ثم دلاليّة آخِراً.
وينشأ عن تمثّلنا لهذا الإيقاع وربطه بفنيّة الجمال، ثمّ ربط جماليّته بالدلالة: أنّا نتناوله تحت إجراء التأويليّة، وذلك كيما نتّخذّ في قراءتنا، وقد نكون، في بعض ذلك، على قدر كبير من الحق، حرّيَّةَ التمثُيلِ في قراءة الإيقاع عبْرَ نصّه الماثل فيه. أي أنّنا لا نزعم أنّنا نخضعه لسلطان نظريّة علميّة صارمة، ولكننا نزعم أنّنا نُخضعه لإجراءِ التأويليّة القائم، أساساً، على التعامل مع النّصّ الأدبيّ بحرّيّة تنهض على التماس المخارج والمَوالج للنّصّ، والسلوك بقراءته في مُضْطَرباتٍ جماليّة وسيمائَيِاتيّةٍ: تكون في الغالب مفتوحةَ الحدود، غير منغلقة الآفاق.
ولعلّ التأويليّة -أو الهرمينوطيقا بلفظها الأصليّ- جاءت إجراءً فعّالاً لتخليص النقد الأدبيّ الذي القراءة الأدبيّة فرع منه: من بعض وَرْطتهِ حيث إنّه ما أكثر ما كان يدّعي لنفسه الموضوعيّة، تحت عقدة الموضوعيّة العلميّة، بينما لا يكاد يمتلك من تلك الموضوعيّة إلاّ قليلاً، وذلك بحكم انتمائه إلى حقل العلوم الإنسانيّة التي لايُبَرْهَنُ فيها، ولدى تحليل ظاهرة معيّنة منها - على صحّتها أو زَيْفَها- بَرْهَنةَ علميّة صارمة، كما يبرهن على صحّة نظريّة فيزيائيّة، أو رياضياتيّة...
فلعلّ، إذن، التأويليّة بإجراءاتها المتفتّحة، أن تكون من بين الأدوات الحداثيّة التي اجتهدت في أن النقدَ، ممّا كان متورِّطاً فيه من أَبَوِيَّةٍ وأستاذيّةٍ واستعلائيّة، كما تنقذ، نتيجة لذلك، النصّ الأدبيّ من ذلك البَلاء الذي كان يَمْثُل في إصدار أحكامِ القيمةِ القائمة على التماس الجودة أو الرداءة في العمل الأدبي، لدى قراءته، بالضرورة...
أوّلاً: أثر الحميميّة في تشكيل الإيقاع الداخليّ
إنّا حين نَقْتَرِئُ نُصوص هذه المعلّقات لنحاول تسجيل شيء من الملاحظات حوال إيقاعِها، استبان لنا، ولا نقول استكشفْنا، أنّ البنية الإيقاعيّة الداخليّة لهذه النصوص ربما أمكن حصرُها في مجموعتينْ اثنتيْن من المعلّقات: معلّقاتِ امرئِ القيس، وطرفة، وعنترة من وجهة، ومعلّقات لبيد، وزهير، وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة، من وجهة أخراة.
وقد يكون من القصور، في إنجاز التحليلات الإيقاعيّة على الطريقة الحداثيّة، أن نتحدث عن مجرّد الإيقاع الخارجيّ الذي كثيراً ماينصرف لدى الناس إلى مجرد مايطلق عليه العروض: إما الرويّ في حال، وإمّا القافية في حال أخراة: ثم نَتَّرِك الروافد الخلفيّة الثرثارة التي تمدّ هذا الإيقاعَ بالأنغام، وتمكّن له في الحَصْحَصَةِ والقِيام. إنَّا لو جئنا ذلك لكان سعْيُنا مُجَرّدَ ملاحظات ساذَجة، وتقريرات فجّة، إن لا نقل فاسدة، وهل يجوز جَنْيُ الثمرة، وقطع الشجرة؟ إِنّ أيَّ إيقاع، حين ندارسه ونداخله، لا مناص لنا من العودة إلى الخلفيّات اللّفظيّة (نحن هنا ندارس نصَّاً أدبيَّاً لا منغومة موسيقيّة، ولذلك فإنّ المادّة الإيقاعيّة تتمثّل في مادّة الألفاظ وما تأتلف منه من حروف تجسّد أصواتاً هي بمثابة الأنغام في علم الموسيقى...)، والتي تشكّل هيكله الصوتيّ العامّ...
فلماذا اصطنع امرؤ القيس الإيقاع الخارجيّ الوطيءَ الصوت (الرويّ المكسور)؟ وهل كان ذلك مجرّد مصادفة واتفاق؟ ولكن مَنْ مِنَ الحُذّاق يذهب إلى عفويّة مثول الفنّ؟ وحتى إذا كان ماحدث من نسوج نغميّة، كان في الأصل، افتراضاً، مصادَفَةًً وعفواً: فكان بمثابة الصوت الذي يصدر عن الحنجرة، والنظرة التي تصدر عن الطرْف، والشذى الذي يعبق من الورد... فإنّ من حقّنا، ومن واجبنا أيضاً، ونحن نقرأ: أن نقرأ النصّ الأدبيّ على غير ماكان لاصَ النّاصُّ، وعلى ما لم يكن فكّرَ فيه قط، إذّ من حقّنا البحث عن اللاَّمحدودِ في الدلالات التي ضمّنها المؤلّف نَصَّهََ، كما أنّ من حقِّنا البحثَ أيضاً عن اللاّمحدودِ في المعاني التي جَهِلَها المؤلِّف (2)، أو تلك التي لم تَدُرْ له بِخلَدٍ.
ذلك بأنّ الغاية من القراءة لم تعد، كما يقرّر ذلك امبرتو ايكو، مقصورةً على جانبها التجريبيّ فحسب (ارتضاؤها بالاقتصار على تحقيق هدف يتمثّل فيما يمكن أن يطلق عليه سوسيولوجيّة التلقّي): ولكن إبراز وظيفة التطنيب (البناء) والتقويض (أي مايطلق عليه النقاد الحداثيّون في شيء من القصور: التفكيك) للنّصّ الذي تتولّى القراءةُ النهوضَ بِلَعِبِهِ: بما هو وظيفة فاعلة وضرورية لإنجازِهِ كما هو (3).
أرأيت أنّنا يمكن أن نقرأ النص الأدبيّ، إذا ركضنا به في مضطَربِ التأويليّة الرمزيّة، على نحوين اثنين:
1- بالبحث عن اللاّمحدود في الدلالات التي كان المؤلّف ضمّنها نصّه.
2- بالبحث عن اللاّ محدود في المعاني، أو الدلالات، (وذلك هو الذي يعنينا في تحليل مسألة الإيقاع في المعلّقات، وفي كلّ الجماليات السيماءَوِيَّةِ التي نطرحها من هذه القراءة من حولها التي جَهِلَها المُؤَلِّفُ (والتي أْنَتَتجَتْ- كذلك نريد أن نُعَبِّرَ- احتمِالاً، من المتلقّي، ولكن دون أن نعلم ما إذا كان ذلك نتيجة، أو قصوراً، عن مقصديّة النّاص)(4).
والمشكلة المنهجيّة التي قد تظلّ قائمةً لزمن بعيد، تَمْثُلُ في هاتين المُساءلتينْ الاثنتين:
1- هل يجب أن نبحث في النّص عمّا كان المؤلّف يريد قوله؟
2- أو يجب البحث في النّص عمّا يقوله هو، لا عمّا يقوله صاحبُه؟
أي أننا في الحال الأخيرة نعالج النص الأدبيّ بمعزل عن مقصديّات مؤلّفه.
وفي حال التسليم بالاحتمال الثاني للقراءة، فإنّ التعارُضَ، حينئذٍ، سيحدث بين:
أ- هل يجب أن نبحث في النّص عمّا يقوله النصّ بالإحالة على نَسَقِهِ السياقيّ، وبالإحالة على وضع أَنْسِقَةِ الدلالة التي يُحيل عليها؟
ب- أم هل يجب أن نبحث في النّصّ عمّا يجده فيه المتلّقي بالإحالة على أَنْسَاقِ دلالته و/أو بالإحالة على رغباته، أو قابليّة ميوله، أو مشيئاته الممكنة...؟ (5).
ويبدو أنه من الأمثل للقارئ، وللنصّ المقروءِ، وللمؤلف الذي كان أبدع النص: من الأمثل للجميع أن تكون القراءة على المذهب الثاني.
وإذن، فلِمَ الإيقاعُ الخارجيّ في معلّقة امرئ القيس وطيء الصوت، بتعبيرنا؟
إنّا ونحن نجتهد، ولا نملك إلاّ قولَ ذلك، في الإجابة عن هذا السؤال المعرّفي الإجرائيّ معاً: ربما نكون قد أجبنا عمّا لم نطرحه من سؤال، من قبل، وهو: ومابال الإيقاع الخارجيّ، وإنما غايتُنا، في هذه الفقرة من البحث، تحليلُ الإيقاع الداخلي أساساً؟
والحقّ أنّ الفصل بين الداخليّ والخارجيّ من الإيقاع لم يكن إلاّ إجراء تيسيرِيَّاً للمتلقيّ، وإلاّ فَهُما، في الأصل، مندمجٍان، منسجمان، متزاوجان متكاملان، بحيث لا يكون الأوّل إلاّ بالآخر، وإن أمكن كَوْنُ أحدِهما فما كان ليكون إلاّ ضعيفاً هَشاً وهزيلاً فَجَّاً.

لقد لاحظنا أنّ امرأ القيس ابتدأ أوّل حرف في معلّقته بالصوت المخفوض: قِـ +فا... فكان، أو كأنّ ذلك كان، بمثابة إعلان عن هويّة المنظومة الإيقاعيّة عَبْرَ هذا النص الشعريّ العجيب... ولقد ازداد ذلك رُسوخاً بورود خفض واحد على الأقل في كلّ السمات اللفظيّة التي يتألّف منها البيت الأول من المعلّقة المرقسيّة- إلاّ ظرفاً واحداً كان يجب أن يظلّ مبنياً على الفتح هنا:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبيبٍ ومَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فحَوْمَلِ


إنّ الصوت الأوّل في النّص كأنّه يأتي بمثابة إعلان عن الهويّة الإيقاعية للصوت الأخير فيه. والصوت الأوّل في البيت، يؤذن بالهويّة الإيقاعية للصوت الأخير منه...
إنّا نُحِسُّ، منذ الوهلة الأولى، أنّنا أمام نظام إيقاعيّ مُتماسِكٍ تتركّب أنغامُه، خصوصاً، من أصوات وطيئة (من مخفوضات متلاحقة). ولكن هذه الأصواتَ المنخفضة المتلاحقة، المتضافرة المتغافصة، والآخِذَ أوّلُها بتلابيب آخرها: هي، في نهاية الأمر وأوّله أيضاً، جزء من نظام صوتيّ تقوم جماليَّتُه على حميميّة المضمون، وعلى سياق الحال، فأفضى إلى نظام للتركيب الإيقاعيّ الداخليّ الذي هو بمثابة الخزّان الجماليّ للإيقاع الخارجيّ الذي ماكان ليأتي، في الحقيقة، إلاّ تتويجاً لهذه الخلفية المتناغمة التي ازدانت بها منطوقات هذه القصيدة.
ولقد نؤول أنّ الصوت المخفوض، أو المنكسر، أو الوطيء، هو أليق بالذات، وأولى بحميميّتها من سَوَائِهَ في هذا المَقام، وذلك على أساس أنّه يتلاءم، في اللغة العربيّة، مع ياء الاحتياز ( ياء المتكلّم) الدّالّة على الامتلاك والأحقّيّة. وَلِمَّا اقتنعْنا بهذا التمثّل ربطناه بنصّ معلّقة امرئ القيس الذي بصرف الطرف عن الأحشاء، والأعاريض والأَضْرُبِ، والأضْرُبِ، بلغة العَروضيّين، أو الفونيمات بلغة الصَّوْتانِيّينّ، والتي تمثّل أواخِرَ المصاريع خصوصاً - وهي تمتدّ على مدى نصّ المعلّقة -فإنه اشتمل على سِمَاتٍ لفظيّة كثيرة: إمّا لأنّها تنتهي بصوت وطيء، أو منخفض، وهو الصوت الذي زعمنا أنه يرتبط بالذات، ويتمحض لباطن النّفس، وذلك لأنه كثيراً مايرتبط بياء الاحتياز؛ وإمّا لأنّها تدلّ على حميميّة المدلول.
إنّ الإيقاعَ الداخليّ، كما يجب أن يتبادَرَ إلى الأذهان، نقصد به إلى العناصر الصوتيّة، أو السمات اللّفظية، التي تأتَلِفُ منها الوحدة الشعريّة (البيت) بِجَذاميرها، والتي تشكّل هي في ذاتها، مع صِنْوَتِها، هيئة النص الشعريّ المطروح للقراءة، بحذافيره.
وقد كُنّا لاحظّنا منذ قليل أنّ هذا الإيقاع، في تشكيلاته الكبرى، يتحكّم فيه الصوت المنخفض الدالّ، في رأينا، على الانهيار، والبّثّ، والحزن، والحرقة، وإذا غَضَضْنا الطْرف عن الصوت الساكن الذي لا يأتي في الكلام إلاَّ لِلْحَدِّ من الحركة الصوتيَّة وقمعها، أو التلطيف من غلوائها وعنفوانها؛ فإنّ العناصر الصوتيّة المنخفضة، هنا، هي السائدة المهيمنة، والماثلة المتحكِّمة. ولعلّ هذا الأمر أن يندرج ضمن هذا الوضع المتدّنّي لمعنويّات
يندرج ضمن هذا الوضع المتدّنّي لمعنويّات نفس النّاصّ.
ونحن حين جئنا نتابع العناصر اللفظية المُفرزة للأنغام، ونتقصّى طبيعة أصواتِها، ألفينا مالا يقل عن عشرين عُنْصَراً اتّخذ له الصوت المفتوح (منها اثنا عشر صوتاً مفتوحاً ممدوداً):
قِفَا- ذِكْرَى- اللِّوَى- بَيْن- فَتُوضِح- رسْمُها- لِمَا- نَسَجَتْها- تَرَى- بَعَرَ- عرصاتِهَا- قِيْعَانِهَا- غَدّاةَ- يَوْمَ- لَدَى- بِهَا- عليَّ- لا- وإنَّ- عِنْدَ (وقد رصَدْنا ذلك من الستة الأبيات الأولى من المعلّقة).
ودلّت الهيمنة النسبية للصوت المفتوح على أنّ حال الشاعر كانت تستدعي البثّ والشكوى، والحنين والبُكى، لأنّ الذين يَشْكِي أو يبكي مضطرّ، في مألوف العادة، إلى أن يرفع عقيرته كَيْما يَسْمَعُهُ الناسُ ويلتفتوا إليه. ولأمر ما كانت حروف النداء، في اللغة العربيّة، مفتوحةً كلّها (أ- أيْ- يَا- أيّا- هيّا....): ولعلّ ذلك من أجل أن يُسمَع المُنادِي حاجته، ويبلّغَ لهم رسالتَه، وَيَسْتَبين عمّا في نفسه من كوامِنِ الأسرار، ومكنون الأخبار، الدعاءُ مدٌّ للصّوت، والشكوى مدٌّ، أيضاً، لهذا الصوت، والحنينُ، من بعض الوجوه، مَدٌّ للصوت. ويكون الصوت في مثل هذه الأطوار مفتوحاً لينفتح به الفم، ولتنطق به الحنجرة حال كونها مفتوحةًً، ولتنادي به العقيرة في الهواء، ولترتفع به في الفضاء.
أمّا العناصر الصوتيّة المنخفضة الأخرى، والمشكّلة للإيقاع الداخليّ، أو لكثير منه، في الطليّة المرقسيّة؛ فإنها بلغت، هي أيضاً، زهاء ثمانيةَ عَشَرَ عنصراً صوتيّاً، وهي (وراعينا في ذلك النطق الفعليّ، لا الحالة النحويّة في مثل "في"، وفي مثل "كأنّي"): نَبْكِ- ومنزل- بسِقْط- الدُّخولِ- فَحَوْمَلِ- فالمقراةِ- وشمأَل- الاْرآمِ- في -فُلْفِل، كأنّي- البينِ -سَمُراتِ- الحيِّ- الحيّ- حَنْظّلِ- صَحْبِي- وتجَمَّلِ- شِفَائِي- مُعَوَّلِ.

وإذا توسّعنا في استقراء القراءة وجاوزّنا بها الستةَ الأبيات الأولى إلى مابعدها نصادف سِماتٍ كثيرةً تنتهي منخفضةَ الصوت. ودالّة على الحميميّة والامِتلاك.. مثل قوله: (شِفائِي- دَمْعي- مِحْمَلي- مَطِيَّتي- يا امرأ القيس- بعيري- ولا تُبعِديني- وتحْتي- صَرمْي- أغرّكِ- مِنّي- حُبَّكِ- ساءَتْكِ- فسُلّي- ثيابِي- أمْشي- فُؤادي- هواكِ- فيكِ- مِنّي- حَرْثي- أغتدي- بعيني- أصاح- وصَحْبَتِي...
وإذا حقّ لنا أن نؤوِّلَ هذا السعيَ الماثل في النّص، فسيكون، مثلاً، أنّ الناصّ إنما اصطنع الأصوات المنخفضة على دأبه في التعامل مع المنخفضات من الأصوات، من أجل أن يدلّ بها، في رأينا على الأقلّ، على انقطاع الماضِي، وموْت الزمن الفائت، وذهاب الحال، واستحالة الأمر. وقد لاحظنا أنّ الأصوات المكسورة [والمكسور، من الوجهة اللغويّة، مقهور- ومن الوجهة الإحصائية] متقارِبَةُ العدد مع الأصوات المفتوحَةِ الآخِرِ: ولعلّ ذلك لتناسب حالة الحنين والشكوى والبثّ المعبَّر عنها بالأصوات المفتوحة الممدودة، وغير الممدودة، بحالة الزمن المنقطع، والماضي المندحر، والأمس المندثر.
فهناك إذن تلاؤُمَ تامّ، وانسجامٌ عجيب، بين الأصوات المنفتحة، أو الأصوات الممتدّة إلى نحو الأعلى، والأصوات الممتدة إلى نحو الأسفل: في التعبير عن الراهن من الحال، والدّلالة على الوضع القائم في ذات الناصّ ونفسه.
وهناك سمات صوتيّة أخراةٌ تَرِدُ في النسج الداخلي للإيقاع، بعضها حميميّ خالص، وبعضها له صِلَةٌ بالحميميّة حين يُذابُ في النسيج العامّ للنّصّ، وذلك مثل: عَقَرْتُ- دَخلْتُ- فقُلْتُ- فألهَيْتُ+ها- تمتَّعْتُ- تجاوزْتُ+ فجئت-خرجت+ هصرت-فقلت- جعلت- قطعت+ه- فقلت. -طرقت.- عقرت...
ومثل:
بنا- وراءنا- أثرَيْنا- يا (امرأ القيس)- وما (أن أرى)- انتحى- بنا- أرخى- عصامها- لمّا- عَوَى... إنّ الصوت الخارجيّ (الرّويّ) الطاغِي على النّصّ ليس إلا صورة للأصوات الداخليّة المُتتالية المتناغمة، والتي تتّخّذ لها سَلالم صوتيّة مختلفة بين الامتداد المفتوح، والانكسار المخفوض، وكُلُّها ذو صِلَةٍ بحميميّة النفْس، وجوانيّة الذات للناصّ: التي كانت بمثابة المُرْتَكَزِ الحصين الذي يرتكز عليه الصوت الخارجيّ، وإذا وَفُرَ للإيقاع، بنوعيهْ، أصواتٌ داخليّة تدعمّه وتُثريه، وصوت خارجي، يُزِيْنُه ويُؤْوِيه، كان غنيّاً سَخِيّاً، وطافحاً عبقريّاً.

والحميميّة التي ردّدناها، والتي نردّدها كًثيراً في هذه المقالة، كما رأينا بعد، ترتبط ارتباطاً داخليّاً بنفس الناصّ، وحُبّه، وسيرته، وهمومه، فالذات، في هذا النّص، هي الطاغية؛ إذ لم يكد يخاطب إلاّ بعض أصحابه، وبعض حبيباته، وبعضَ ليلهِ، وبعضَ ذئابه (على الرغم من أنني أذهب مع من يذهبون من القدماء، إلى أنّ الأبيات الأربعة التي يتناول فيها الذئبَ ومحاورته ليست له). وماعدا ذلك فصوت الناصّ هو الطاغِي، وذاتيّته هي الطافحة، وحميميّته، هي البادية الماثلة.
إنّ الإيقاع في معلّقة امرئ القيس لم يكن، من منظورنا على الأقلّ، اعتباطِيّاً تركيبُه، ولكنه ينهض على نظام صوتيّ موظّف عبر النسج الشعريّ بحيث نلفي الدالّ -وهو السمة التي تمثّل الصوت- يُحيلُ على المدلول؛ والمدلول يحيل على الدّالِّ، في انتظام وانسجام، وتناسق والتحام.
ولا يُصادفنا إلا شَيءٌ من ذلك حين ننزلِق إلى الحديث عن معلّقة طرفَة التي تطالعنا فيها حميميّة طاغية. وإنما قلنا: طاغية؛ لأنّ دوالَّها أوفرُ كثرةً، وأوسَعُ انتشاراً في هذا النصّ، من معلّقّة امرئ القيس نفسها، كما نصادف فيها فيْضاً من "الفونيمات" المنخفضةِ الأصواتِ التي كانت هي أيضاً بمثابة خزّانِ سخيّ للمنظومة الصوتيّة العامّة التي يتركّب منها نسج المعلّقة. ومن العجيب أنّ أوَّلَ حرف، في أوّلِ لفظٍ، في أوّل بيْتٍ، في هذه المعلقة يبتدئ بالخفض: مثل أوّل حرف، في أوّل لفظ، في أوّل بيت -أيضاً في معلّقة امرئ القيس، حَذْوِ النعلِ بالنعلِ. ونلاحظ في نصّ طرفة أيضاً فئتين اثنتيْن من الأصواتِ: فئة الأصوات المنخفضة، وهي التي تركض، فيما نزعمه، في مركض الحميميّة التي تَسْتَمِيزُ بها قصيدة طرفة، وفئة الألفاظ التي وإن لم تكن منخفضة من حيث هي سِماتٌ صوتية، إلا أنها دالة على ذلك من حيث هي مدلولات.
ويمكن أن نمثّل للفئة الأولى ببعض مايلي:
صَحْبي-وإنّي- صاحِبي- تَبْغِني- تلْقَني- تلتَمسْني- تُلاقِني- تَشْرابي -ولذَّتي- وبِيْعي- وإنفاقي- طريفي- ومُتْلَدِي- تحامَتْني- سْبقي- وكَرّي- فَما لي- أرانِي- وابنُ عَمِّي- عَنّي- يلومني- لامَنَي- وأيأسَنِي.... وهلمّ جرّا ما تَكَلُّفُ إدراجِه، كلّه، قد يثقل كاهِل هذه المقالة، ويمدُّ في طولها، فعسى أن يكون هذا التمثيل كافياً لمن أراد أن يتابع ذلك في معلّقة طرفة حيث وصلّنا به، نحن، إلى زهاء إحدى وستّين حالة منطلقة من ذات الناصّ، أو صابّة في فيضه الذاتيّ الثرثار.
أمّا الشقّ الثاني لحميميّة هذا النّصّ، تلك الحميميّة التي نربطها بالإيقاع الخارجيّ المنخفض الصوت: فيتمثّل، هو أيضاً، في فيض من السِّمات الصوتية الضاربة في هذه الحميميّة، الحائلة عليها، أو المنطلقة منها، وذلك مثل:
وإنّي -لأمْضي- وإن شئتُ- وإن شئتُ- وإن شئْتُ- أمْضِي- خِلْتُ- أنّني- عنيت- لم أكْسَلْ- لم أتبلَّدْ- أحَلْتُ- ولسْتُ- أَفِرْدْتُ- رأيت- أبادر- أحفل- أرى- أرى- أرى- أدرى- نشدت- أغفل- قرّبت- وأنْ أدع- أكُنْ- أشهدَ- أجهدَ- أسقهم- أحدثته... وهلمّ جرّا ممّا عَفَفْنا عنه من ألفاظ أخراةٍ باقية كثيرة تدلّ على حميمية المعنى، وذاتيّة المدلول، ويكون لها أثناء ذلك دور في إغناء الإيقاع بالأنغام الصوتية المتماثلة، أو القريبة التماثل...
ويأتي عنترة في المرتبة ذاتها، أو في مرتبة من الحميميّة قريبة من مَرْتَبَتَيْ ضَرْبَيْهِ امرئِ القيس، وطرفة. وواضحّ أنّ ذلك يعود إلى طغيان الذاتيّة لدى هؤلاء الثلاثة المعلّقّاتيّين لأنّ غايتهم، من قول الشعر، لم تكن للحكمة أساساً، ولا لالتماس صلح بين قبائل متحاربة (زهير)، ولا لالتماس الفخر بالقبيلة والتغنّي بأمجادها (عمرو بن كلثوم)، ولا لتجسيد اللوم والتثريب، والتوبيخ والتقريع، لخصوم القبيلة (الحارث بن حلّزة)؛ لكنّها كانت للتعبير عن النفسْ، والترويح عن القلب، والتغنّي بالذّات، ووصف ماله صلة بها كالرّكوبة، والحبيبة، والفَرَس، ومجالس اللهو، والشراب...

علاقة الإيقاع بالنسج الشعرّي لدى عنترة
ولمّا كانت الميم شَفَويّةً، فكأنها حرف الذات، وصَوْتٌ للنفس، إذ الشفتان تنضمّان عليه كما تنضّم الرّحِمُ على الجنين، وكما ينطوي الكِمُّ على الوَرْدَةِ قبل أن تنشق عنه، وكما يَشُّدُّ كُلُّ امْرئٍ على ذي قيمة. ونلاحظ أنّ الميم حين تكسر، تظلّ محتفظة بالصوت، وحين تخرجه، لدى نهاية الأمر، تُلْقِيَ به نحو الأسفل، نحو القلب، نحو الجوانح... كذلك نتمثّل أمر وظيفة هذا الصوت... على حين أنّه حين يُفْتَح، يطيرُ به الصوت في الهواء، وينتشر في الفضاء. أمّا حينَ يُضَمُّ، فإنّه يتلاشى في الهواء، ولكن نحو الأمام من وجهة، ولمَدَّى من الانتشار، يقلَّ عن الانتشار الذي يتمخّض للصوت المفتوح -وخصوصاً حين يمتدّ- من وجهة أخراة.
من أجل كلّ ذلك وافَقَ صوْتُ الميم المنخفض دلالة النسج على المدلول، وهو هذه الحميميّة التي تصادفنا في معلّقة عنترة حيث إنّ هناك مالا يقلّ عن ستٍّ وسبعين حالةً يقترن فيها السِّمَةُ الصوتيّة بياء الاحتياز، أو همز الأَنَا، أو تاء المتكلّم، أو مافي حكم ذلك.. ممّا يجعل من معلّقة عنترة، من الوجهة النسجيّة: نصّاً يدور في دائرة معلّقتي امرئِ القيس وطرفة حيث كنّا رأيناهما، هما أيضاً تحملان كثيراً من هذه السمات الصوتيّة: الرويّ المكسور غير الممدود، وهو الصوت المقترب من النفس والذات، واستعمال اللاّم التي يمكن أن نطلق عليها لام الامتلاك، واصطناع الدال، وهي حَرْفٌ صوته يقترب من النطق الشفويّ (تُصَنَّفُ الدالُ حَرْفَاً لَثَوِيّاً، لأن مبدأ نطقها من اللّثّة) الذي يعني شَيْئَاً من الحميميّة والانغلاق على النفس، والانْزِواء داخل حيز الذات...
فلو كان حرف الرويّ الذي هو الميم، هنا، مضموماً لكان رمى بكلّ شيء إلى الخارج، ولألْقَى بكلّ القيم الدلاليّة نحو العَدَم؛ لكنّ هذه الميم خُفِضَتْ؛ فكان خفضها من أجل إرسالِ هذه القيم الدلاليّة إلى نحو الأسفل، إلى نحو القلب والذات، والإحالة بها على الماضي الغابر على أساس أنّ النُّصَّاصَ، هنا، يسردون ذكرياتٍ وأحداثاً ممّا كان وقع لهم في بعض ذلك الماضي.
ولقد ظاهرت هذه السِتَّةُ والسَّبْعُونَ عُنْصَرَاً المكسورة الآخِرِ، وفي نصّ معلّقة عنترة، على التمكين لِمّا نُطْلِقْ عليه حميميّة الإِيقاع الناشئة عن اغتفاص هذه الاحْتِيازات الكثيرة، والتي منها ناقِتي- وحشيّتي_ مخالقتي- مالي- وعِرضي- شمائلي- وتكرّمي- يدايّ- كِفّي- عهدي- لبّي- جاريتي- نعمتي - عمّي- مقدمي- دمي...- لي- إليّ...
وهناك سِمات أخراة تحيل على الذَّات، والداخل، والحميميّ، ولكن لا يعبّر عنها بياء الاحتياز، ولكن بأدوات أُخراةٍ مثل تاء المتكلّمْ، وهمزة المضارع الدالّ على المفرد المتكلّم، مثل: فوقفت- أقتل- أبيت- ظُلِمْتُ- أظلم- تركت- شَرِبْتُ- صَحْوتُ- أغشى- فشكَكْتُ- فتركتُه- نزلت- قطعتُ+ـهُ- فبعثْتُ- نُبِّئْتُ- حفظت- رأيت- مازلت- شئت...
كما أنّ هناك سماتٍ دالّةً على الذات؛ ولكن بصورة غير مباشرة مثل:
مِنّي- راعَنِي- دُونِي- إنني - عَلَيَّ - بي - ولكنّني- مشايعي...
وكلّ ذلك كان من أجل التمكين للنسج من أن ينسجم مع المنسوج، وجعل الدّالِ يتماشى مع المدلول؛ إذْ لمّا كان الإيقاع الخارجيُّ مكسوراً فإنه كان- والحال إنّ الشعر جمالٌ وسحر وقول يبهر ويدهش، وكلام يمتع ويؤنس- مُنْتظَراً أنْ تتلاءَمَ مُعظمُ النسوج (الألفاظ، أو السمات الصوتية، المنتسجة منها الجُمَلُ داخل النّص) بأن تنتهي، هي أيضاً، بالكسر، أو بياء الاحتيازِ (ياء المتكلّم) الناشئة عن الكسر، أو المُنْشِئَة لهذا الكسر المُحيل على الذات الدّالَّة على الحميميّة المتقبّلة كلّ ما يأتيها من الخارج لتختزنَه في الداخل المضطرِبِ فَتَزْدَخِرَ بِهَ ازْدخاراً...
فهؤلاء المعلّقاتيّون الثلاثةُ، كما رأينا، (وإن لم نعمّق تحليل الإيقاع في نصوص معلّقّاتهم، لأسباب منهجيّة...) تشيع في قصائدهم الحميميَّةُ بمعنَيَيْهَا لدينا: ياءِ الاحتيازِ، وضمير المتكلّم المفرد.
ويمكن أن نصنّف لبيداً ضمن الخاصيّة النسجيّة الأولى حيث وردت في معلّقته سِماتٌ صوتيّة كثيرة تَرْتَكِضُ مُرْتَكَضَ الثلاثة أتيْنا عليهم ذِكْراً في هذه المقالة. وقد أحصيْنا من ألفاظ الحميميّة في معلّقته ما أناف على الثلاثين.
فكأنّ لبيداً يمثّل حلقةَ وصْلٍ بين السبعة، وكأنّه يقترب، في هذه الخاصيّة الإيقاعيّة، من الثلاثة الأوائل دون أن ينضِويَ، مع ذلك في لِوائهم، ويدرج في فَلَكهم، فكأنَّه، إذن، في الوقت ذاته، يَزْدَلِفُ من الثلاثة الأواخِر (ولفظ "الأواخر" هنا لا يعني إصدار حكم قيمة، وأنّ هؤلاء الثلاثة أدنى شاعريّةً من الثلاثة الذين توقفنا، في هذه المقالة، لدى بعض عناصر الإيقاع في شعرهم، ولكنه يعني مجرّد نظام الحساب...) على نحو ما...
إنّ حميميّة لبيد لا ترقى إلى تشكيل ظاهرة نسجيّة، تمثّل جهازاً صوتيّاً يمدّ الصوت الخارجيّ بالأنغام على نحو ما كنّا ألفيناها لدى طرفة، وبدرجة أقلّ لدى امرئ القيس، فإنما كان لبيد يصف حالاً، ويتحدّث عن وضع كأنه كان يعيشه قبل، أو قُبَيلَ، إنشاءَ هذه المعلّقة التي يبدو أنها تعرضت لتنقيح شديد... فنسْج شعره يقوم إيقاعُه على مايمكن أن نطلق عليه الروح السرديّة أكثر ممّا يقوم على الحميميّة. وينهض إيقاعه على الإحالة على ماضٍ قريب حتّى كأنّه حاضر ملفوف فيه: مُهَا.
فالضمّ الوارد قبل الفتح، في الإيقاع الخارجيّ، يُبعدُ الحميميَّة، وهَا الممدودة تُدْنِي النًّسْجَ من الحاضر، بمقدار ما تَزْدَجِيهِ نحو الماضي. فكأنّ الماضِيَ، هنا في تمثّلنا نحن على الأقلّ، يمتزج بالحاضر، والذاتَ تذوب في الآخرَ، كما أنّ الآخَرَ يذوب في الأنّا. من أجل ذلك تمازجت النسوج بالإيقاعات، فكانت تحيل على الخارج، ولكن انطلاقاً من الداخل المتمثّل خصوصاً في صوت الميم الدال على الحميميّة، حتى وإن كان مضموماً فإنه باعتبار ميميّته- أي باعتبار مخرجه الشفويّ الذي يستدعي أن تَضْطَمَّ عليه الشفتان معاً- يظلّ محتفظاً بمسحة من هذه الحميميّة.
بينما نُلفي هذه الحميمية تضعُف لدى زهير، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلّزة، وتحلّ مَحَلّها؛ وخصوصاً لدى الحارث وعمرو، نَا الدّالةُ على الجماعة، المنبثقةُ عن ضمير القبيلة وصوتها الجمّاعيّ.
وإذا كان زهير لم يكد يورد من ألفاظ الحميميّة إلاّ زهاء اثني عشر لفظاً، فَبِمَا إغراقهِ في التأمّلّية؛ وَبِمَا نَهْيِهِ عن الانغِماس في رِجْسِ الحرب؛ وبما دعوته الناسَ إلى السلم وترغيبهم في الجنوح لها حيث كانوا، إذ لا يَجْنُون من الحرب إلاّ المآسيَ والشقاء، والإحن والعذاب.
ونلفي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة يتفرّدان بالإضراب- والشأن منصرف إلى الإيقاع الداخليّ في معلقتيهما-

**د لا ل**
2012-02-16, 21:24
الصورة الأنثويّة للمرأة في المعلّقات

ما أكثر ماتحدّث الناس عن المرأة في الشعر الجاهليّ، وما أكثر ماتوقّفوا لديها فتحدّثوا عن رمزيّتها، وواقعيّتها، ووضعها الاجتماعِّي... لكنّ أحداً، في حدود مابلغْناه من العلم، لم يتناول المرأة الجاهليّة على هذا النحو الذي عليه نحن تناولناه:
فالأَوْلَى: إنّ الكتابات التي كُتِبَتْ عن العصر الجاهليّ، والتي أتيح لنا الإِلمام عَلَيْهَا، لم تحاولْ تناوُلَ المرأة، من خلال النصوص الشعريّة، على نحوٍ أُحاديٍّ: متمخِّض لها، ووقف عليها، ولكنها تناولها إمّا عَرَضَاً، وإمَّا مُعَوِّمَة إيَّاهَا في القضايا الأخراة التي عرض الشعر الجاهليّ لها. وفي ذلك شيء من الإجحاف بحقّ المرأة العربيّة، وتقصير في ذاتها.
والثانية: إننا عالجنا وضع المرأة الجاهليّة، أو المرأة العربيّة قبل الإسلام، وعلاقتها بالرجل من خلال نصوص المعلّقات السبع وَحْدَها، وقد تعمدّنا وَقْفَ هذه الدراسة على هذه المعلّقات تخصيصاً، توخّياً للتحكّم في البحث، إذا لو وسَّعْنا دائرة سعْيِنا إلى الشعر الجاهليّ كلّه لَخَشِينا أن لا ننتهي إلى رأيٍ رصين، وأن لا نتمكّن من إصدار حكم مبين.
والثانية: إننا حاولنا معالجة هذا الموضوع بمنهج ركّبناه، في مجازاتٍ متعدّدة منه: من السيمائيّة والأنتروبولوجيا معاً، وذلك ابتغاء الكشف عن وضع المرأة في المجتمع الجاهليّ، ونظرة الرجل إليها، وهي النظرة التي كانت تقوم، في الغالِب، على اعتبار أُنْثَوِيَّتها وأُنُوثتها جميعاً، وليس على اعتبار أنها كائن إنسانيّ عاقلّ، حسّاس، وأنّها شقيقة الرجل، وأنّها ، إذن، عضو فعّال ومؤثّر في المجتمع..
وربّما فزعنا، أثناء تحليل الأبيات المستشهَدِ بها حَوالِ المرأةِ في المعلّقات، إلى الإِجراء الجماليّ، أيضاً.
والأخراة: إننا لم نُرَكِزْ على الآَراء المعروفة التي قُرِرت من حول المرأة الجاهليّة - إلاّ ماكان من مناقشة الدكتور البهبيتي الذي ذهب إلى رمزيّة المرأة في المعلّقات - قبلنا، هنا وهناك. وتوّخينا التقاط الأَبَاِييتِ التي تحمل دلالةً ما: إمّا سيماءَوِيَّةً، وإمّا أنتروبولوجيّة: اعتقاداً منّا بأنّ مالم نتناولْه، نحن في هذه الكتابة، قد يكون سَوَاؤُنَا تناولَه قبْلَنَا: منذ الأعصار الموغلة في القدم، وإلى هذا العهد.
*****
أوّلاً الحضور الاجتماعي ّ للمرأة في الجاهليّة
إنّ وَأْدَ كِنْدَة - وقبائل أخراةٍ كانت تحذو حذْوَها -بناتِهَا في الأَسْنَانِ المُبَكِّرةِ لَبُرْهَانٌ خِرّيتٌ على قوّة حضور المرأة في الجاهليّة، وعلى قوّة شخصيّتها، وعلى رِفْعَة مكانتها، في المجتمع العربيّ قبل الإسلام: لا على ضعف قوّتها، وقلّة حيلتها، وانحطاط منزلتها. وإنّ الآية على ذلك أنّ الوَأْدَ كان يقع للصبايا وهُنَّ في سنّ الرضاعة أو نحوها. وكان الحامل على ارتكاب تلك الجريمة البشعة هو خوف العار، فيما كان الوائدون يزعمون، ولكنّ القرآن العظيم فضح أولئك اللئام بأنّ وَأدَهُمْ بناتِهمْ، لم يكُ خشْيَةََ العار، ولكنه كان خشية الوقوع تحت ضائقة الفقر والإملاق(1).
وقد صوّر القرآن الكريم الحال الحزينة التي تقارف بعضَ لِئَامِهِمْ حين كان تولد له جاريَةٌ؛ فقد كان وجُهه يسودّ، ومُحَيَّاهُ يَربَدُّ؛ فكان يُلِمُ عليه، من أجل ذلك، الحزنُ والعبوسِ، والكلوح والقطوب (2). ويبدو أنّ قرار الوأد، كما يفهم ذلك من نصّ القرآن الكريم، كان يتمّ، غالباً، في الأيّام الأولى من ميلاد الصبيّة.
وكان الأعرابيّ ربّما غضب على امرأته وزايلها إذا لم تنجب له صبياً. وقد كان الناس يعتقدون أنّ الحليلة هي المسؤولة عن صفة جنس المولوَد، وذلك على الرغم من أنّ أعرابيّة أجابت بعلها حين غضب عليها وهجرها حولاً كاملاً: أَن وَضَعَتْ له صِبْيَّةً، بأنها لا تلد، في حقيقة الأمر، إلاّ ماكان يُزْرًعُ فيها(3). ولعلّ رجز تلك المرأة العربية يوحي بأنّ النساء كن يَرَيْنَ في أمر تحديد صفة جنس الجنين غير ماكان الرجال يرون.
لم يكن أهل الجاهليّة، إذن، يئدون صباياهم لأنهم كانوا يخشَوْنَ أن يلحَقَهُم من جرّائِهَنَّ العارُ والشنار، ولكن الحق ماقاله القرآن. أي أنه كانوا يخشون الفقر والإملاق. وإنما كانوا يخشون ذلك لعلل كثيرة منها، في تمثّلنا:
1- إنّ الصبيّة في السنّ الأوّلى ربما أسهمت في النهوض ببعض الأعمال الاقتصاديّة اليوميّة البسيطة مثل رعي الأغنام، على مقربة من الحيّ، وذلك لانتفاء الظنّ عن تعرّضها للاغتصاب، ولِمَا لا يجوز من التخوّفات عليها

2- لكنّ الجارية مجرّد أن تقترب من سنّ المراهقة تُحْبَسُ في البيت حَبْسَاً، خَوْفَاً عليها مِمَّا لا يجوز.... وكان ينشأ عن ذلك السلوك أَنّ أباها، أو أخاها، هُوَ الذي يتولّى الإنفاق عليها، إذ تغتدي محرومةً من الإسهام في الحياة الاقتصادية الخارجيّة للأسرة: فإذا هي لا تذهب إلى الأسواق، ولا تزاول الأعمال التجارّية بنفسها، ولا تحتطب إلاّ من الأماكن القريبة جداً من الحيّ بحيث لا تغيب عنها عيْنُ الحيّ. وحينئذ ينحصر دَوْرَها في البيت الذي لم يكن مركز النشاط الاقتصاديّ للأسّرة... وتظلّ تنتظر الرجل الذي سيختطبها. ولعلّ من أجل هذا العامل الاقتصاديّ الخالص كان يتّمّ تزويج العربيّات في سنّ مبكّرّة جداً، ولا يبرح هذا الوضع قائماً إلى يومنا هذا في بعض البلدان العربيّة مثل اليمن؛ على الرغم مِنْ أنَّ تلك الأسبابَ زال بعضُها... والفتاة الشقية هي تلك التي كان يطول مُقامها في بيتِ أهلها فتَعْنس ولا تتزوّج...
بينما شأن الفتى شأنٌ آخر. لا يخاف أبوه عليه، صغيراً وكبيراً. وهو إلى ذلك يستطيع أن يكلّفه ببعض المهمّات منذ بلوغه الأوّل. وهو في أسوأ الأحوال قادر على الإغارة مع القبيلة، كما يُعَدُّ للدفاع عن نفسه أوّلاً بِحَدِّ السيف؛ ثم الدفاع عن القبيلة آخِراً إذا دُهِيَتْ بداهية، وتعرّضُ أمْنُها للأخطار... الفتاة لا؛ لم تكن في منطق الظروف الحضاريّة البدائيّة السائدة قادرةًً على الدفاع لا عن نفسها، ولا عن قبيلتها، إلاّ من الإسهامات الخلفيّة للمعركة كَقَوْتِ الخيْلِ، وتضميد كِلامَ الجرْحَى؛ كما سنستنتنج بعض ذلك من بعض معلّقة عمرو بن كلثوم.
فكانت المرأة من ذلك المنظور الجاهليّ اللّئيم عالةً على أسرتها؛ فكان يسارع بعض الطّغامِ إلى وأدها مجرّد ميلادِها.
من الغريب في هذا الأمر أنّ الوائدينَ كانوا يَفْزَعونَ إلى المرأة زَوْجَاً، ويحرصون على مودّتها وإكرامها، كما كانوا يُحبّون، ويُحْبُونَ، معاً أخواتِهِمْ، ويحمونَهُنَّ مثل البنات والحليلات حين كانوا يُصَبَّحُوَنَ بالغارات. وكانت المرأة العربية إذا زُوِّجَتْ في الغُرباء ربما جَزِعَتْ وَحَزِنَتْ لمُزايَلَتِها مغانِيَ قبيلتها، ومفارقتها ديارَ عشيرتِها، كما يؤكد ذلك بيتان من الشعر ينسبان إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة وقد زوّجت في طيئ : فاستوحشت المقام بين أهل بعلها، فقالت:

لا تَحْمَدنَّ الدهرَ أُخْتٌ أخاً لَها



ولا تَرْثِيَنَّ، الدَّهْرَ، بِنْتٌ لِوَالِدِ



هُمُ جعلوها حيْثُ ليْسَتْ بِحُرَّةٍ



وهُمْ طرحَوها في الأقاصي الأباعِدِ(4).



ولعلّ تخوفّ المرأة العربيّة، على عهد الجاهلية، وجزَعها من التزوّج في غير بني قومِها: يعودان إلى انغلاق ذلك المجتمع، وبدائيّة وسائل المواصلات فيه: إذْ كان التنقل من صُقْعٍ إلى صُقْعٍ يتطلّب أيّاماً طِوالاً من السفر الشاقِّ، مع انعدام أمْنِ الطُرقاتِ، وقلّة موافاة القبائل؛ القبائل الأخراة.
وإذا كانت المرأة، لدى امرئ القيس، وطرفة وعنترة: كأنّها لم تَكُ إلاّ للَّذاتِ والمُضاجعاتِ؛ فإنها، لدى عمرو بن كلثوم، كانت لذلك أيضاً، وذاك أمرٌ طبيعيّ؛ ولكنها كانت تُسهِمُ في الحروب مع الرجل، وكأنّ النساء كانت بمثابة القاعدة الخلفيّة التي يستمدّ منها الرجال القوّة، ويستلهمون من جمالها ولطفها الشجاعة وحسن البلاء في ساح الوغى: حمايةً لها، وحُبَّاً فيها، وتعلٌّقاً بأطفالها، وَنْضَحَاً عن شَرَفِها:

على آثارِنا بيضٌ حِسانٌ



نُحاذِرُ أن تُقَسَّمَ أو تَهُونا



فقد كان الرجال -ولا يبرحون- من أن يقع نساؤهم تحت السبي فتُقَسَّمَ تقسيماً بين المُغيرين، أو تقع تحت وطأة المَهانة والعار. فكانت مشاركة النساء في الحروب مزدوجةً الفائدة: أنهن كنّ يَقُتْنَ خَيْلَ البُعولةِ، ويُشْرِفنَ على تمريض الكَلْمَى. كما كُنَّ، في الوقت ذاته، يَحْضُضن أولئك البعولَ على الثَّبات في ساحة الهيجاء، وإِلاّ تعرَّضْن للسَّبْي والغصب:

يَقُتْنَ جِيَادَنا ويَقُلْنَ لَسْتُمْ



بعولَتَنَا إذا لم تَمْنَعُونَا



لقد تفرّد عمرو بن كلثوم، إذن، من بين كلّ المعلقّاتييّن؛ بتسجيل هذه الصورة الراقية لدور المرأة في العربية في ذلك المجتمع المتطاحِن المتحارِب المتصارع من أجل البقاء، بل من أجل الاستعلاء، إذ ليست المرأة لدى معظم المعلّقاتييّن، إلاّ لعبة جميلةً يتلذّذ بها الرجل، لأنّها تصلح لأن يُشْبِعَ منها رَغْبَتَه الجنسيّة: ثمّ لاشيءَ من وراء ذلك يوجد فيها من غَناء! على حين أنّها لدى عمرو بن كلثوم عضو مؤثّر في المجتمع: لها كامل الحقوق، وعليها كلّ الواجباتِ - ضَمْناً على الأقل- إذْ مَنْ يشارك في الحرب يكون له السهم المُعَلَّى في بقيّة مظاهر الحياة الأخراةِ: وهي دون الحرب خَطَراً، وأهون منها شأناً.
ومن الآيات على شرف مكانة المرأة، وسمّو منزلتها على عهد الجاهليّة، وحرص الرجل الشديد على حمايتها في ذلك المجتمع المضطرب الذي لم يكن الاستقرارُ يعرفُ إليه سبيلاً : أنّ عمرو بن كلثوم قَتَلَ عمرو بن هند، وقد كان مَلِكَاً للحيرة؛ لأنّ الملك أزمَعَ على إِهَانَة عمرو بن كلثوم في شخصِ أمِّه ليلى ابنة مهلهل بن ربيعة: بأن دسّ لها أُمَّهُ هِنْداً لتطلب من ليلى مناولتَها الطبَّق وهي لديها ضَيْفٌ، فاعتذرت ليلى لهند أوّلاً؛ فلمّا أعادت عليها الطلب وألحّت، صاحت ليلى: "واذلاَّهُ! يالتَغلِب!"(5) فلَمَّا سمِعَها ابْنُهَا عمرو بن كلثوم عَمَد إلى سيف كان معلّقاً قريباً من عمرو بن هند فقتله به...
وقد كانت المرأة العربيّة على عهد الجاهلية شاعرةً تفْهَم الشعر، وناقدة تستطيع التعليق عليه، وتمييزَجيّدهِ من رديئهِ، ولا يعني ذلك إلاّ أنّها كانت بلغت مقداراً صالحاً من الثقافة الشعريّة حيث تزعم أمّهات التراث العربيّ أنّ امرأ القيس وعلقمة بن عبدة -الفحل- تنازعا في أيّهما أشعر؛ ولم يُسَلِّمْ أحدُهما للآخر فاتفقا على أن يحتكما لحليلة امرئ القيس، يومئذ، أمّ جُنْدُب التي حَكَمَتْ لعلقمة على امرئ القيس مما أحفظ الملكَ الضَّلّيِلَ فطلّقها(6).
فإنّ صحّت هذه الحكاية فإنّ ذلك يعني أنّ المرأة لم تَكُ شاعرةً فحسب، ولكنها كانت أيضاً ناقدة تُصْدِرُ الأحكام، وتُجرى التعليقات، في كفاءةً مدهشة.
ولعلّ، ممّا قد يؤيّد هذه الحكاية، في مضمونها على الأقلّ، خبر آخر يزعم أنّ الخنساء (تماضر بنت عمرو بن الشريد السُّلميَّة) بارَتْ في سوق عكاظ، أمام النابغة الذبياني، حسّانَ بْنَ ثابتٍ فَحَكَمَ النابغةُ لها عليه(7).
وجاء في الأخبار أيضاً أنّ ابنةَ حسانَ بْنِ ثابتٍ كانت شاعرة، وأنّ حَسّاناً أرِقَ ذاتَ ليلةٍ فارتجل بيتيْن اثنيْن من الشعر فسمعتْه ابنتُه فأجازَتْهُ مرّتين متتاليتيّن، فقال لها أبوها: "لا أقول بيتَ شعرٍ وأنت حَيَّةٌ."(8). لكنّ الفتاة أمّنَتْ أباها قائِلَةً: "لا أقول بيتَ شعرٍ مادمتَ (أنت) حيّاً!".(8).
كما أنّ الأشعار الكثيرة، المتفرّقة، التي وردتْ شواهد على قواعدِ النحوِ، أو على صحّة اللغة في كتب النحو والمعاجم والأمهات مثل "الكتاب" لسيبويه، و"لسان العرب" لابن منظور: تدلّ على أهمّيّة مكانة المرأة العربيّة في المجتمع الجاهلي؛ إذ هناك العدد الجمّ من أبيات الاستشهاد التي قيلت إمّا في وصف أعضاء معيّنة من جسد المرأة مثل العينين، والثغر، والشعر، والأسنان، والجيد، والكشح، والثديين، والسّاقيين، والأنامل، والقدّ.... وأمّا في وصف علاقة الرجل بالمرأة، أو قالها، في الأصل، نساء...
ويفتقر هذا الموضوع إلى بحثٍ على حدة
بينما لانكاد نجد مادّة واحدة، من موادّ المعجم العربيّ، لا تُذْكَرُ فيها المرأة على نحو أو على آخر، فكأنّ اللغة العربيّة لغة نسويّة أساساً! وكأنّ هذه التسويّة تستأثر بأمرها إلى حدّ أن العرب تعتبر كثيراً من المسمّيات مؤنّثة على الرغم من خُلِوِّها مِنْ هاءِ التأنيث في آخرِها مثل الحرب، والعَصا، والعين، والأذن، والساق، والرِجلْ، واليد، والنار، والبئر...، بالإضافة إلى الألفاظ الكثيرة التي يجوز تأنيثها وتذكيرها مثل السوق، والحال، والسبيل والرُّوح...وكأنّ العرب كانت تراعي في أصل إطلاق الأسماء على المسمّيات اتّصالَها بالمرأة، أو اعتبارها مؤنّثة لتوهم النَّسوية فيها... على حين أنّنا نلفي الأعضاء الجنسيّة للمرأة، خصوصاً، وما يتّصل بها أيضاً من حركة أو فعل تشكّل مادّة ضخمة في اللغة العربية.
ولا يقال إلاّ نحو ذلك في جمع مالا يعقل، وجمع التكسير حيث يعاملان، لدى إعادة الضمير عليهما، معاملةَ المؤنّثِ.
حقاً، لم يكن هناك نظام اجتماعيٌّ قائم، وإن كانَهُ على نحو ما، ولا قانون وضعيٌّ صارم، ولا تعاليمُ دينية تحمي المرأةَ في الجاهليّة من عُدّوان نفسِها أوّلاً، ثمّ من تسلّط الرّجل المفرِطْ عليها آخراً: إلى أن جاء الله بالإسلام فقنّن علاقتها بالرجل، وجعلها سيّدة في مالها، ورفع من شأنها في المجتمع حين جعلها شقيقة الرجل، وحين جعل الجنّة تحت أقدامها - حين تغتدي أماً - وحين اشترط في صفة العشرة بينهما أن تكون بالمودّة والمعروف....
ولكن على الرغم من الحقوق المادّية والمعنويّة التي قرّرها الإسلام للمرأة، فإنّه كان في الجاهليّة أعرافٌ وقيم تحفط للمرأة العربيّة شيئاً من حقوقها، وتحفظ لها شيئاً من كرامتها ( ونقصد بذلك المرأة الحُرَّة؛ أمّا الأمَّةُ فظلّت حالُها على هَوْنٍ، ومكانتها على سوء، إلى أن تخلّصت الإنسانيّة من نظام الرِقِّ المَقِيت) فكان الرجل يعاشرها بشيء من المعروف، والمودّة، وربما الوفاء أيضاً... وقد يدلّ على بعض ذلك هذه الوفرة الوافرة من الأشعار التي تتحدّث عن علاقات البعول بحليلاتهم، أمثال أقوالهم:
* ذريني للغنى أسْعى فإنّي

رأيْتُ الناسَ شرّهم الفقيرُ(9)

*ِتلْك عِرْسي غَضْبَى تُرُيد زِيَالِي

اَلِبَيْنٍ تريد أم لِدَلال؟(10)

* فإن تسألوني بالنساء فإنّني

بصيرٌ بأدواء النساء طبيبُ (11)

* تِلك عِرْسَايَ تنطِقانِ عَلى عمْـ

ــد، لي اليوم قَوْلَ زُورٍ وهتْرِ(12)...


إنّ طفوح الأشعار العربيّة القديمة - الجاهليّة خصوصاً- بذكر هذه المرأة، وإنّ التباري بين عامة الشعراء في وصف جمالها، وفي ذكر دلالها، وربما التغنّي بصفاتها الروحيّة الأخراة كما يمثل بعض ذلك في شعر عمرو بن كلثوم:
ظعائن من بني جشم بن بكر

خَلَطْنَ بميسَمٍ حَسَباً ودِينا


لَدليلٌ خِرّيتٌ، وبُرْهان ساطعٌ، على سُمُو مكانة المرأة العربية في المجتمع الجاهلي بعامّة، وفي أَنْفُسُ الشعراء بخاصة.
وعلى الرغم من أنّنا نرتاب، ارتياباً شديداً، في صحة نسبة هذا البيت إلى عمرو بن كلثوم، لأنّ هذا الشاعر لم يكن من الوَرَع والتقوى والإيمان -وهو الجاهليّ الوَثَنِّيّ- مايجعله يمتدح في النساء العنصرَ الديني لديهنّ. وكيف لا يرتاب في نسبة هذا البيت إليه وهو الذي يقول في المعلّقة نفسها:
ألاَ لاَ يَجْهَلنْ أحدٌ عليْنا

فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهلينا


فهل نصدّق بصحّة هذا البيت أم بصحّة البيت السابق؟ أمّا أَنْ نُصَدِّقَ بصحّتهما معاً، فعلينا أن نكون سُذَّجَاً، وإذن، فإن صحّ لابن كلثوم هذا البيت: الجاهِليُّ، الجاهِلُ، فليكن؛ ولكن على أن لا يصِحَّ له البيت الآخرَ الذي يتغنّى فيه بمكارم الأخلاق، وورع نساءِ تَغْلِب.
وإنّ صحّ الآخرُ له، فليكن، ولكن على أن لا يصحّ له هذا. وهبْ سلَّمْنا بمسألة الحسب والنسب في البَيْتِ السابق، لكن مابالُ ذِكْرِ الدِّيْن لدى شاعر مثل عمرو بن كلثوم الذي لم يتورّع في قتل عمرو بن هند لمجرّد حادثة كان يمكن أن يتخلّص منها بمغادرة الحيرة مع أمّه، وكتابة قصيدة هجائية فيه، ويستريح.... ولكنّه آثَرَ سفك الدّم، فقتل....
ثمّ ، إن المرأة المتدّينة - لو كان ماورد في هذا البيت يصدق على نساء بني تغلب- تسمو بنفسها، وتتواضع، وتتلطّف، وتتسامح، وتساعد الآخرين... فكان يمكن، إذن، لليلى أمّ عمرو بن كلثوم، أن تناول هنداً الطبَق -ولو من باب تجاهل العارف- أو لا تناولها إيّاه، ولكنها تتسامى بنفسها، وتتعالى بخلاقِها، وتتسامح بحُكْم، أو بفضل، دينها المزعوم مع تلك الجاهلة الفجَّةِ، الْفَظَّةِ الجِلْفَة، الغليظةِ القلب المتغطرسَةِ في جاهليّتها الجهلاء، والسامدة في ضلالتها العمياء... لكنّ ليلى كانت أجهل من هند، كما كان عمرو بن كلثوم أجهل من عمرو بن هند، في هذه الحادثة. فأين مظاهر الدين في هذا الأمر؟ ومابال التّقى والوَرِع لدى بني تغلب؟ وهل نلوم عمراً أنْ لم يَكُ متديّناً في زمن ومكان لم يَكُ فيهما نبيّ مُرسَل، ولا كتابٌ مسطّرٌ، ولا رسالة إلهيّة...
إننا، إذن، لا نعتقِدُ أن يكونَ مِثْلُ هذا الوصف الوارد لدى نهاية البيت الأخير، للمرأة الجاهليّة -من خلال وصف نساء بني تغلب- صحيحَ المتْن، ولا سليمَ الرواية، ولا صادق النسبة إلى صاحبه، لتناقضه مع الوضع الذي كان يعيشه الشاعر، ولتعارضه مع السيرة التي كان يسيرها في حياته العامّة. ولا نَخَالُ ذلك إلاّ من دَسَّ حمّاد الراوية الذي جمع نصوص المعلّقات، ثم رَوّاها الناس (13) (وهي رواية يأتيها الضعف والشكّ من كونها جاءت بعد أكثر من قرنين من الزمن، وأنّه تفرّد بها وحده، وأنّها إذن لَمْ تَكُ رواية متواتِرةً) وهي الرواية الذي كان اشتهر بالكذب، فكان لا يتحرّج في التزّيد في أشعار الناس(14).
إنّ كائناً مثل المرأة التي تمثّل الأمّ، والأخت، والبنت، والزَوْج، بالقياس إلى الرجل من وٍجهة، وتمثّل الرٍقًّة المتناهية، والحنان الغامر، وتزدخر بالحبّ العارم، والإحساس الفائض، من وجهة أخراة... وإنّ كائناً كان هو الذي ينهض في ذلك المجتمع الذي كان يحكمه الشَّظَفُ والغِلْظُ، وتَسِمُه الخُشونة والشدّة -بقسط كبير من أعباء الحياة اليوميّة فينسج الملابس ويغسلها إذا اتّسخت، ويصنع الأخبية والخيامَ ويتعهّد نظافَتها، ويطْهُو، إلى ذلك، الطعام، ويُنْجِب الأطفال، ويُرضِعُهُم ويُنْشِئُهُمْ تَنْشِئَةً.....- لَمَجْدُرَةٌ لأنْ يَلْقَى من الاحترام والتقدير، والحبّ والتكريم، والعناية والتعظيم: مانلفيه قائماً في أشعار الجاهليّين التي المعلّقاتُ السبعُ يجب أن تكون أجملّها وأروعَها.
وكأنّنا نفترض أن هناك حلقةً مفقودةً من هذا الشعر، وطَرفاً ضائعاً من هذا الأدب، وأنّ الرواة لم يكادوا يحفظون لنا منه إلاّ ماكان وَصْفَاً لجسد المرأة وعلاقتها بالرجل، أو علاقة الرجل بها: وزهدوا ، أو كادوا يزهدون، في كل، أو بعض، ماكان وصْفاً لروحها، وتسجيلاً، ولو على هون ما، لمكانتها الاجتماعيّة، وحياتها اليوميّة: على الوجه الأعمّ، والنحو الأشمل.
******
ثانياً: هل نساء المعلّقات رمزّيات؟
لقد ذهب كثير ممّن يحلو لهم أن يؤوّلوا الأشياء على غير ظاهرها، ويفسّروا الأمور على غير منطوقها، كما يقول علماء الأصول، إلى رمزّية المرأة في كثير من مواطن ذِكْرِها في أشعار الجاهليّين، وأنّها واردة بالمعنى الذي ذكرت عليه بظاهر اللّفظ، وفي صريح النسجْ. ومن ذلك ماذهب إليه أُستاذُنا الدكتور نجيب البهبيتي حول هذا الأمر الذي لا يمكن تقبُّلُه، بدون مناقشة ولا مُقادَحَة. فقد كان الشيخ ذهب إلى أنّ كلَّ امرأةٍ كان ذِكْرُها رمزاً حيث إنّ هذه المرأة، في كلّ مواردها من الشعر الجاهليّ، كانت رمزاً لقيمة؛ وأنّ الأسماء المُطْلَقة على النساء هي أسماء تقليديّة، تجري عند الشعراء دون وقوع على صاحباتها"(15).
فيما ذهب إليه الشيخُ قد يصدق على هذه المرأة، أو على هؤلاء النساء إن شئت، في الطلليّات، أو في مطالع القصائد العيون، لكنّه لا يجوز، في تمثّلنا نحن على الأقل، أن يصدق عليها في أصلابِ الطِّوالِ، والمعلّقات السبع، وخصوصاً لدى عنترة وامرئ القيس. بل ربما لدى عامة المعلّقاتيّين الآخرين أمثال الحارث بن حلّزة (أسماء- ميسون- هند)، وزهير (أمّ أوفى)، ولبيد (نوَار).
ولعلّ المرأة لم تُرْمَّز إلاّ فيما بعد لدى الشعراء الغزِليين، وخصوصاً لدى أهل التصوّف الذين بلوروا رمزّية المرأة، ووظّفوا قيمتها الجماليّة فاغتدَوْا يُطلْقِون اسمَ ليلى على كلَّ موضوع، وعلى كلّ أمل، وعلى كلّ قيمة معنويّة خِيّرة أو نبيلة، وعلى كلّ غاية كانوا يتعلّقون بها من ابن الحرّاق إلى محمّد العيد(16).
وأمّا ماقبل ذلك، فقد كان كلّ شاعر، على الأغلب، يذكر صاحبته التي كان يُحِبُّها باسمها الشخصيّ. وحتّى إذا سلَّمنْا، جَدَلاً، بأنّ هذه الأسماء التي تمتلئ بها الأشعار الجاهليّة بعامّة، والمعلّقات السبع بخاصّة -كما سنرى بعد حين- لم تكُ حقيقيّةً، فهي لم تَرْقَ قَطُّ إلى مستوى الرمز؛ وإنما قد تكون رَقِيَتْ إلى مانطلق عليه نحن "مستوى التَّعْمِيَة" وعلى أنّ القدماء من مؤرّخي الأدب العربيّ - وعلى عنايتهم الشديدة بالشعر الجاهليّ، وعلى إيلاعهم باستيعاب أخبار شعرائه، وخصوصاً في علاقاتهم بالنساء -لم يؤمنوا ، فيما بلغّنا من العلم، قط، إلى أنّ أولئك الشعراء كانوا يتحرّجون في التصريح بأسماء حبيباتهم وعشيقاتهم. بل إنّا ألفينا حكاية "دارة جلجل"، المشكوك في صحّتها لدينا، تُلحُّ على أنّ امرأ القيس كان يتابع العذارى وكان يتعشّق ابنة عمّه عنيزة جهاراً، بل كان يُراكبها على بعيرها، ويقبّلها في خدرها، ويتفرّج على جسدها وهي عارية حين كانت تسبح، وحين أرغمها على أن تخرج من ماء الغدير ليشاهدها عُريانةً: مُقْبِلَةً ومدبرة، فيما يزعم الرواة الأقدمون(17).
فما هذا التناقض المريع بين رواية تذهب إلى الإباحيَّةِ المطلقة في العلاقة مع المرأة الجاهليّة، بتواتر الروايات، واتفاق الحكايات، وبيْن رأي يذهب إلى اتّخّاذ هذه المرأة مجرّدَ رمز وقيمة؟ إنّنا إذن نستبعدُ ورودَ أسماءِ النساءِ الجاهليّات في الشعر، في الشعر على ذلك العهد، مَوْرِداً رمزيّاً في ذلك المجتمع الذي لم يكن يكاد يعرف شيئاً كثيراً أو قليلاً من الروحيات، والمعنويّات، ومن باب أولى: الرمزّيات: فكلّ العالم يعرف أنّ عبلة هي ابنة عمّ عنترة.
وكلّ العَالَم يعرف أيضاً أنّ عنيزة هي ابنة عمّ امرئِ القيس بالرواية المتواترة، والأخبار المتطابقة ولا يقال إلاّ نحو ذلك في نساء المعلّقاتيّين الآخرين.
ففيم تَمْثُلُ، إذن، هذه الرمزيّة؟ وهلا وقفناها على البكاء على الديار؟ وهلا قصرناها على الوصف العامّ لامرأة حبيبة بدونِ ذِكْرِ لاسمها، ولا وَصْفٍ لجَسَدِها، واسترحْنا فأرَحْنَا؟ أمَّا أن نعمّم الترميز، فنجعلَ من الأسماء المختلفة الكثيرة لأُوْلاءِ النساء مجرّد رموز لقيم ومبادئ وآمال؛ فإنما لا نحسب ذلك يجسّد حقيقة، ولا نراه يمثّل تقريراً لوجه من التاريخ الصحيح، والخبر الصريح.
فامرؤ القيس بن حجر حين يقول:
* قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ*
فذلك، غالباً، لم يكن يعني حبيبةً بعينها، ولا امرأةً بذاتها، بمقدار ما كان يكرّس، مطلعَ قصيدته، تقليداً شعريّاً كان كرّسه، قبله، آخرون منهم امرؤ القيس بن حارثة بن الحمام بن معاوية(18).
وأمّا حين يقول، مثلاً:
ويوم دخلت الخِدْرَ: خِدْرَ عُنَيْزَةٍ

فقالت: لك الويلاتُ، إنكّ مُرْجِلِي


فذلك لا يعني، غالِباً ، إلاّ امرأة بعينها، امرأةً عاش معها الشاعر وأحبَّها، فأراد أن يتمتّع بها، كما كان يتمتّع بسَوائِها غَيْرَ مُعْجَلٍ ولا خائِفٍ، فيما يزعم:
* تمتّعت من لهوٍ بها غَيْرِ مُعْجِلِ*
ولم تكُ هذه المرأة، فيما أجمع عليه مؤرّخو الأدب العربيّ القديم، إلاّ عنيزَةَ نَفْسَها.(19).
أم هل كان هذا التمتّعُ تسابِيحَ روحيَّةً، وابتهالاتٍ ملائكيَّةً، نَسَجَهَا الشاعر نَسْجَاً؟ أم هل كان مجرّد عيش وهميٍّ يأتيه مع طَيْفها المُتأَوِبِ، وحُضورها المُحوِّمِ، من نفسه؟ أم كان ذلك اللهوُ مجرّد صورة رمزّية لعلاقة رجل مع امرأة لم تتمّ قطّ.؟ إنّا لا نلفي أيّ أَثَرٍ لهذه الرمزيّة في مثل هذه الأبيات التي استشهدْنا ببعضها، بمقدار ما نلفي فيها حضوراً واقعيّاً لهؤلاء النساء، مثل الوجود الواقعيّ لأولئك الشعراء أنفسهم. وإلآّ فإنّ بالغنا في الذهاب إلى أقصى الحدود في استعمال التأويل؛ فإننا سنْخُرج من حدود التأويل الممكنة، والمشروعة أدبيّاً، ونتولّج في حدود التأويل غير الممكنة، أي أنّنا سنمُرقُ من مستوى تأويل النّصّ، إلى مستوى استعمال النص فنقوِّلُه مالا يقول، ونُحَمِّلُه، مالا يحتمل؛ ونسلكه في مسالك الشَّطَطِ، وندرجه في مدارج التعسُّف، بحيث سنؤَوِّلُ، في هذه الحال، كلّ شيءٍ على غير ماهو عليه، أو على غير ما يجب أن يكون عليه؛ فيُمسي، أو يوشك أن يُمْسِي، كلُّ شيءٍ رمزيّاً، أو قل إن شئت إلاّ شيئاً من الدّقة في التعبير: يُمسي كلُّ شيء وهميَّاً في حياة الجاهليّة التي ماكان أبعَدَها عن الروحيّات والرمزّيات، بمقدار ماكان أقْرَبَها، بل ألصقها بالمادِّيَّاتِ والواقعيّات.
إننّا نعتقد، إذن، أنّ الأسماء: أسماء النساء التي وردت في المعلّقات لم ترد بمعاني الرمز ولكنها وردت بمعاني الحقيقة والواقع.
ثالثاً: ماذا عن حقيقيّة المرأة الجاهليّة
في المعلّقات؟
إذا قلنا، معجميّاً ودلاليّاً معاً: حقيقيّة المرأة، فكأنّما قلنا: عدم رمزيّتها: إمّا على وجه الإطلاق، وإمّا على سبيل النسبيّة، وكان سبق لنا في المحور الثاني، من هذه المقالة، أن زعمنا أنّنا لا ننكر، جملة وتفصيلاً، رمزيّة المرأة في الشعر الجاهلي، ولكننا لا نجاوز بها مواطنَ منه معيّنةً لا تعدْوها، ومنها -وربما أهمّها- مايذكر في الطلليّات والمطلعيّات، وما قد تدلّ عليه ظواهرُ الأحوال. وكانت حجَّتُنا، في ذلك، أنّ المؤرخيّن أجمعوا على مادّيّة العصر الجاهليّ، وواقعيّة كثير من المظاهر العامّة فيه، بناء على النصوص الشعريّة التي بلغتْنا منه، ورُوِيَتْ لنا عنه: أكثر ممّا ذهبوا إلى روحيّته ومثاليّته. يضاف إلى ذلك أنّ عامّة المؤرّخين يزعمون أنّ المرأة لم تكن لها مكانة شريفة، في كلّ الأطوار، على عهد الجاهلية، وأن الإسلام وحده هو الذي أنصفها فحقّق لها مالم يكن لديها...
ونحن مع إقرارنا واقتناعنا بما أعطى الإسلامُ المرأةَ، وبما حقّق لها من كرامة، وبما حفظ لها من ماء الوجه فاغتدتْ شقيقة الرجل (20)، بل لم يزل يكرّم المرأة الأمّ إلى أن جعل الجنة تحت أقدامها: فإنّا كنّا زعمنا، في الوقت ذاته، أنّ مكانة المرأة، على عهد الجاهليّة، لم تكن من السوء والبؤس، والمهانة والذّلّ، بحيث كانت كلّها شقاء مطلقاً.
وقد قنن الاسلام العلاقةَ بين الرجل والمرأة، واجْتَعَلَ لها حدوداً صارمةً -من خلال آيات قرآنيّة كثيرة- لا تعدوها، ومن خلال أحاديث نبويّة جمّة، وخصوصاً ماجاء في خطبة حجّة الوداع... ذلك بأنّ المرأة كانت تتدلّل على الرجل أكثر ممّا نتصوّر من سطحيّة المواقف واستعجاليّة الرأي، فمن ذلكم أنّ الرجل هو الذي كان يُرْكِبُ حليلَتَه لدى الإزماع على التَّظعان، حتى قالت إحدى النساء العربيّات إدْلالاً بنفسها، ووثوقاً من منزلتها لدى بعلها: "احْمِلْ حِرَكَ أَوْ دَعْ"!.(21).
وقد علق ابن منظور على هذه القولة التي صارت مَثَلاً، بأنّ ذلك لم يكُ منها إلاّ إدلالاً، وحثّ بعلها "على حَمْلِهَا" ولو شاءت لرَكِبَتْْ"(25).
ومن الواضح أنّ لهذا المثل العربيّ القديم دلالةً حضاريّة واجتماعيّة وعاطفيّة ذاتَ بال، وأنّه يدلّ على المنزلة المكينة التي كانت للمرأة في المجتمع الجاهليّ، فعدم ركوب المرأة، بدون مساعدة الرجل لم يكن عن عجز منها عن الركوب، بمقدار ما كان إدلالاً منها، وتغنُّجاً على بعلها، ولقد يُشْبِهُ هذا السلوكُ المتحضِّرُ مانراهُ، على عهدنا هذا، في الأشرطة السينمائيّة لدى الغربيّين، وذلك حين يفتح الرجل باب السيّارة للسيّدة -لدى الصعود والنزول- مع أنها قادرة على فتحه بنفسها، وبدون عناء، ولكنّ الرجل يأتي ذلك لباقةً وتلطّفاً، وترى المرأة تتثاقل لدى الاقتراب من السيّارة حتى يسارع هو إلى فتح الباب لها.
وعلى الرغم من اختلاف الأحوال، وتبدّل الأطوار؛ فإنّ النيّة في الحالين الاثنتين واحدة: رجل يعيش على عهد الجاهليّة يُركِبُ حليلته على البعير وهي على ذلك قادرة، ولكنها لا تفعل تدلُّلاً، ورجلٌ يعيش في نهاية القرن العشرين يستبق حليلته، أو خدينَتَه، بابَ السيّارة فيفتحه لها لكي تمتطِيَها، وهي على فتحه قادرة، لكنها تتثاقل وتتباطأ غَنَجَاً. فالنيّة هِيَ، في الحالينْ والعهدينْ، ولكنّ المظهر الحضاري هو الذي تغيّر فاستحال من البعير إلى السيّارة.
ويعني ذلك، كما نرى من خلال تحليل مضمون هذا المثل الجاهلي، أنّ الرجل العربيّ سبق الرجل الغربيّ، بقرون طِوالٍ، إلى هذا السلوك المتحضّر.
كما أنّ قول امرئ القيس:
وما ذرفتْ عيناكِ إلاّ لتضرِبي

بسهَميْكِ في أعشارِ قلبٍ مُقتَّلِ


برهانٌ ساطع على رقة قلب الرجل العربيّ، وَرَهَافَةِ كِبدِه، ولطافة إحساسه، إزاء المرأة: هذا الكائِن اللطيفِ المُدَمِّرِ معاً. كما يدلّ على بعض ذلك، أيضاً، هذا الفيض الفائض، والوَفْرُ الطافِحُ، من جميل الأشعار التي قيلت وَصْفَاً للمرأة، وتشريحاً لأعضاء جسدها، وتمجيداً لعينيها وثدييها وساقيها وجِيدِها وشعَرِها وثَغْرها وابتسامتها وصوتها ومِشْيَتَهِا التي تترَهْيَأُ فيها...
إنّ التغني بجمالِ نساءٍ معيّنات، في جملة من المعلّقات، لدليل قاطع على أنّ هؤلاء الشعراء كانوا يحبّون، حقاً، نساء بأعيانهنّ، ولم يكن ذلك مجرّد رمز من الرموز، ولا مجرّد قيمة من القيم الفنّيّة، أو الجماليّة. فقد كَلِفَ امرؤ القيس بذِكْرِ جملة من أسماء النساء كما ذكر نساءً أخرياتٍ في صور عامّة مثل:
* وبيضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها

تمتّعْتُ، من لهوٍ، بها : غيرَ مُعْجِلِ


* عَذارَى دَوَارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ
* فظلّ العذارَى يرْتمِينَ بِلَحْمِها
* ويوم عقرتُ للِعَذارَى مَطيَّتِي
ونلاحظ أن امرأ القيس قد يكون سَيِّدَ المُعَلَّقَاتِيّينَ: لا في وصف المرأة، وصفاً جسدياً، فحسب، فذلك أمر لا ينازع فيه أحدٌ، ولكنْ في تقديره المرأةَ، واحترامه إيّاها في مواقف معيّنة- وذلك على الرغم من أنّه كان أميراً سَرِيَّاً، وفارساً كِمِيَّاً؛ ومن ذلك قولُه، وقد كانت الإيماءة سبقت إليه:
وماذرفت عيناكِ إلا لتَضْرِبي

بِسَهمَيْكِ في أعشارِ قلبٍ مُقتّل


فامرؤ القيس في هذا البيت وفيّ، ومقدّرِ لجمال هذه المرأة وسِحْرها إيّاه، وتعذيبها لقلبه الوامق، ولو كان امرؤ القيس زانياً، كما تصوّره بعض الأخبار المدسوسة(23): لمَا وصفَ حبّه هذه المرأةَ وأبدى تأجّج عاطفتِهِ نحوَها بهذا التقدير الذي جعله يتهالك على حبّها، ويتدلَّه بجَمالها، ويتعذّب بسْحِرْها، فإذا بكاؤُها يُدْلّهُهُ؛ وإذا دموعُها تفطِّرُ كَبدَه، وتكلمُ قلبَه.
ومن ذلك أيضاً قولُه في بعض وصف يوم دارة جُلْجُل العجيبِ، لو كانت حكايته ممّا يَصِحُّ لدينا:
* فظلّ العذارَى يرْتمِينَ بِلَحْمِها
بينما نلفي طرفة بن العبد يعبّر عمّا يشبه هذا المشهد، وهذا المعنى، بقوله:
* فَظلَّ الإماءُ يَمْتَلِلْنَ حُوارَها.
ولا سِواءٌ شاعِرٌ يذكر عذارَى، وشاعرٌ آخر يذكر إماءٌ. فالإماء مظِّنَةٌ للخدمة والامتهان، والعذارى مظنّة للعزّة والدّلال. فحِسُّ امرئِ القيس، هنا، الشعريُّ أرَقُّ، وذوقُهُ أرقى، وموقفه من المرأة أكرم. فكأنّه أراد باصطناعه لفظ "العذارى" أن يُلغي الفوارق الطبّقية بين امرأة وامرأة، فكلُّ عذراء، لدى نهاية الأمر، تمتلك خصائص العذراء، بصرف النظر عن طبقتها الاجتماعية التي كُتِبَ عليها أن تُجْتَعَل فيها. فَمَعَ مانعلم من رواية الفرزدق عن جدّة، وهي الرواية التي تذهب إلى أنّ الإماء هنّ اللواتي جمعن الحطب "فأجّجن ناراً عظيمة"(24).
إلاّ أنّ هذا الشاعر المرهَفَ الإحساسِ، الشاعرَ الإنسانَ؛ كأنَّه تَأَبَّى أن يصف أولئك الفتياتِ الجميلاتِ بالإماء، فِعْلَ طرفةَ بخَدينَاتِهِ؛ فينال من كرامتهن وجمالهنّ: ووَصْفَهُنَّ، تكريماً لهنّ، بالعذارى، كما وَصَفَ نساءَ صَنَمِ دوارٍ بالعذارى أيضاً:
* عذارى دوارٍ في مُلاءٍ مُذيّل.
إننا لنحسب ذلك التّطوافَ من حول صنم دوار كان عامّاً في النساء والرجال؛ وكان عامّاً في العذارى والمتزوّجات -أو الثيبّات-، ولكن لمّا كان لقب العذراء أكرم للمرأة (بدليل قوله تعالى لدى وصْف نساء الجنّة: (لم يَطْمَثُهنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌ)(25)؛ فإنّه وصف أولئك النساءَ بهذ العُذريّة إِغراقاً في التصوير الجمالِيّ لهنّ. فقد كان يمكنه أن يقول مثلاً:
* نساء دَوارٍ...
لكنه لو قال ذلك لكان أَذْهَبَ عن هذه الصورة الشعريّة البديعة (التي هي صورة تنهض على حركة كأنها دائريّة حيّة، مصطحبة بأجسام جميلة لطيفة، تجرّر أذيالّها حول بناية تجسّد معتقداً وثنياً... فهي صورة تمثّل شيئاً من جمال الحركة؛ وذلك على الرغم من أنّنا الآن ننظر إليها على أنها تجسّد مجرّد معتقدٍ باطل....). أطرافاً من جماليّتها. بل لاغتدتْ مجرّد صورةٍ لكائنات حيّة تتحرّك، ليس إلاّ. ولقد يسْتَميزُ لفظُ عذارى عن لفظ نساء، كما يستميز وصف مذيّل عن لفظ مُلاء، إذ لو قال: "في مُلاء" وسكت عن صفة هذه المُلاء، لما كان لذلك شيء من الوقْع الشعريّ، ولا مِنْ بَدَاعَتِه، ولا من مائه، ولا من نضارَتَهِ، ولا مِنْ توهُّجه وعُنفُوانه، لكنه لمّا وَصَفِ المُلاء بطول الذْيْل دَلَّ على كرمِ هؤلاءِ العذارى، وعزّتهن لدى قومهنْ، وَسعَةِ أيديهنّ في أُسَرِهِنّ؛ بحيث لا ترتدي المُلاءَة المُذيَّلة -أي الطويلة المتجرْجرة- إلاّ من كانت موسَرِةً مُقْتَدّرَةً على الإنفاق والمُغالاة في التماس أَجْوَدِ الأثواب وأرقِّها نَسْجَاً، وأَدَقّها صُنْعاً، وأبدعها نقشاً.
إنّ أسماءً كثيرةً تصادفنا في المعلّقات ممّا يطلق على النساء مثل: فاطمة، وعنيزة، وعبلة، ونوار، وهند، وأسماء ، وميسون، وخولة، بالإضافة إلى الأمّهات: أمّ الحويرث، وأمّ الرباب، وأمّ الهيثم، وأمّ أوفى.
ولا نحسب أنّ اختلافَ هؤلاء النساءِ يدلّ على رمزيّتهنّ؛ بمقدار مايدلّ على حقيقتهنّ. وأنّ مايذهب إليه أستاذنا البهبيتي، لدى حديثه عن الحارث بن حلّزة من أن ظاهر الشعر يقتضي "أنّ الحارث يَنْسِبُ بأسماءَ وبهندٍ، وحقيقة الأمر ليست كذلك. وإنّما أسماءُ هذه شخصيّة خياليّة تذكر أيضاً في قصة حبّ المرّقش الأكبر البكريّ الذي خرج على ملوك المناذرة"(26) لا يعدو كونه تحمّساً لفكرة كان الشيخ رَسَمَها في نفسه للعصر الجاهليّ؛ ثم راح يَنْضَحُ عنها بكلّ ما أُوْتِيَ من قوّة عقليّة، وكفاءة فكريّة، وإلاّ فإنّ مايُعَدُّ لديه "حقيقة أمر" لا ينبغي أن يجاوز كونَه وجهةَ نظرٍ، ومن ذا الذي يستطيع أن يكتب عن الشعر الجاهليّ (ويتناول المرأة من خلال هذا الشعر)؛ وذلك بعد أن مضى عليه قريبٌ من ستّةَ عشرَ قرناً: ثمّ يتحدّث، بثقة عجيبة، عن هذه الحقيقة؟ بل لا يزال كذلك حتّى يتعصَّبَ لها، ويدافِعَ عنها، على أساس أنّها عين التاريخ!....
ولِمَ تكونُ أسماءُ الحارثِ بن حلّزة مجرّدَ امرأةٍ خياليّة من حيث لم يكن هذا الحارث إلاّ شاعراً كجَميع شعراء البشر، عبر خمسة وعشرين قرناً من التاريخ الإنسانيّ المسجّل بشيء من الانتظام، يحبّ ويعشق، ويصوّر في شعره مَنْ يحبّ، ويصف مَنْ يَعْشَقُ؟ ولِمَ نَسْعَى إلى حرمان شاعر من أوّل مادّة يقوم عليها شعرُه، وهو الحبّ؟ فليس هناك شاعر حقّ على الأرض لا يحبّ. وإذن فكلّ مَن لا يحبّ لا يكون شاعراً، وماينبغي له. وإذن، ليس هناك شعر حقّ على الأرض لا يتحدّث عن الحبُ، ولا يصف المرأة، ولا يتغزّل بالحبيبة، ولا يتغنّى بجمالها.... فما لِهذا الحارث إذن يكون بِدْعاً من الشعراء قاطبة: من قدم منهم ومن حدث؟
ثمّ إنّا لا ندري كيف يذهب شيْخُنا المذَاِهَبَ الصارِمَةَ في مناقضة طه حسين، ومعارضته في موقفه المتعسّف من العصر الجاهليّ: شعرائِهِ وشعرِه، ثم يأتي إلى أسماءَ بنت عوف بن مالك بن ضبيعة بنت قيس بن ثعلبة (27) فهي إذن شخصيّة تاريخيّة، وهي التي كان يتغزّل بها المرقّش الأكبر (وهو ربيعة بن سعد بن مالك، ومن الناس من يقول: أنه عمرو، وليس ربيعة)(28). فيحرمها من وُجودها التاريخيّ الذي اتّفق عليه جميع القدماء، باسْمِ وُثوقِه بمعرفةِ الحقيقة؟ أنه ينشأُ عن هذا الموقف المنكِر لوجود الأَسْمَاءَيْنِ الاثْنَتَيْنِ: أسماءِ الحارثِ بْنِ حلزةَ، وأسماء المُرقَّش الأكبرِ رَفْضُ الفاطمتَيْنِ الاثنتَيْنِ أيضاً: فاطمةِ امرئِ القيسِ، وفاطمةِ المرّقشِ الأصغرِ (29).
ولا يزال الشيخ، رحمه الله، يتعسّف في إنكار هذه الأسماء النسويّة، الجاهليّة، التي لا نرى لإنكار تاريخيّتها أيّ مبرّرٍ مقبولٍ إلى أن يذهب إلى إنكار هندِ الحارثِ بْنِ حلزةَ أيضاً، وأنّ اسم هند "يكاد يقع في شعر كلّ شاعر اتّجه إلى ملوك المناذرة بمدح أو ذم"(30).
ونحن نعجب من شيخنا كيف يتناقض مع نفسه في موقف واحد: فبعد أن كان قررّ في الأسطار السابقة، من الصفحة نفسها، من الكتاب نفسه: أنّ أسماءَ شخصيةٌ أسطوريّة، أو خياليّة بتعبيره، نلفيه يعمّم ذلك على هندٍ أيضاً فيزعم أنّها كانت مجرّد اسم تتحلّى بذكره الشعراء على بسيل الاِزدلاف إلى المناذرة كلّما يمّمتْهم مادِحَةً، أو كلّما زايلتْهم قادِحَةً.... وماقول شيخنا في ميسون التي تغنّى بذكرها الحارثِ بْنِ حلّزةَ؟ أهي أيضاً مجرّد شخصيّة خياليّة، وامرأة رمزيّة لا صلة لها بالواقع، ولا صلة للواقع بها؟
ولِمَ ألفينا هندَ ابنةَ عُتبة يبرُزُ دورُها، ويعظُمُ شأنُها، في المجتمع المكِّيِّ حتى يمكن أن نلقبّها سيدة نساء قريش على عهد الجاهليّة؟ ومابال هند أمّ عمرو -ملك الحيرة- حتى بلغت منزلة من السؤدد، وتبوّأتْ مكانةً من العِزّ: قوّة شخصيّة، وعلوّ قدر، ورفعة نفْس: حتّى أمكن نسج حكاية أَنَفَة خدمة ليلى، أمّ عمرو بن كلثوم -وبنت مهلهل بن ربيعة- ومن حولها، وأنّ ليلى هذه هي الوحيدة، من بين نساء العرب، التي كان يمكن أن تأْنَفَ من خدمتها؟ (ونلاحظ ذلك أنّ عمرو بن هند تَسَمَّىَ، على غيرِ ديدَنِ العرب في الانِتساب، باسم أمِّه، وألحق لقبه بها: تكريماً لها، وتشريفاً لمنزلتها). ثم مابالُ هندٍ بنتِ الخُسّ التي كانت من أعقل النساء العربيَّاتِ في الجاهليّة، وأَعزِّهنَّ...؟ ثمّ مابال الهُنُودِ الأخرياتِ اللواتي لا يأتي عليهنّ العّدُّ... ؟ فهل كنّ جميعاً ذوات صلةٍ، أو كان الرجال الذينَ كان لهم بهنّ صلةٌ ما، بالمَناذرة؟... ثمّ، لم ألفيْنا الزبَّاءَ تحكمُ، وبلقيساً تَمْلِكُ، وتُماضرُ تُبْدِعُ، وَسَلّمَّنا بذلك تسلِيماً، وأقررنا به إقراراً؟ ثمّ لِمَ ألفينا هؤلاء النساء جميعاً مذكوراتٍ في التاريخ المضطرَبِ في الشعرُ الجاهليّ فلَمْ ننُكر أسماءَهن، ولا فكّرنا في رفض تاريخيّتِهِنّ، ولا شكَّكْنَا في وجودهنّ: حتّى إذا صادفنا شاعراً من شعراء المعلّقات، أو من شعراء الجاهليّة بعامّة، يتغزّل بامرأة تُسَمَّى هِنْدَاً، أو أسماءَ أو فاطمةَ، أقمْنا القيامة، وأقعدنا الدنيا، وأقلقْنا الكون؛ من أجل أن نزعم للناس أنّ هنداً هذه لا تعدو كونَها أسطورةً في أساطير الأوّلين ‍!؟...
إنّ الرأي لدينا يقوم على الاِعتدال، فمَنْ ذَكَرَ الشعراءُ من النساء في المطالع، أو الطلليّات، قد ربّما يكون مجرّدَ رمزٍ، أو مجرّد تقليدٍ شعريّ. وقد يكون هذا المذهب، لدينا، أدنى إلى الوَجاهة والسَّداد، أمَّا النساء اللائي ذُكِرِتْ بأسْمائِهَا، والتي ذكرْنا طائفةً منها، في صلب المعلّقات، وتحت أَسْيَقَةٍ تاريخيَّةٍ لا يُنكِرها أحدٌ من العقلاء، فأَوْلئكَ نِساءٌ حقيقيَّاتُ الوجودِ، تاريخيَّاتُ الشخصيَّاتُ، في أغلب الظنّ. وليس لنا في ذلك من حُجّة سِوَى أنّ الأدب الإنسانيّ منذ كان، وعبر قريب من خمسة وعشرين قرناً من تاريخه؛ أي منذ عهد هوميروس إلى أحمد شوقي: كان الغزل من موضوعاته الكبرى، والتغنّي بجمال المرأة من تقاليده المُثلى.
وإلاّ فكيف نَقْبَلُ بأن يكون لعُمَرَ بْنِ أبي ربيعة -وكان يعيش في أول عهد الإسلام- أي لم يكن بعيداً عن عهد الجاهليّة من الوجهة الزمنيّة الخالصة -فاطمةُ، ونُعْمٌ ، وغيرهما، نِساءٌ في حياته، ومغامراته غراميّة في تاريخه، على نحو أو على آخر.... نسلّم بكلّ ذلك حتى إذا أُبْنا الْقَهْقَرَى إلى أقّلَّ من قرنٍ في عهد الجاهليّة خُضنا الباطِل خَوْضَاً: فأثبتنا مالا يُثْبَتْ، وأنكرنا مالا يُنكر؟ إنّا لا نكاد نقول عن عصر عمر بن أبي ربيعة إلاّ ما ألفيناه مدّونَّاً في كتب تاريخ الأدب؛ لكننا إن عُدنا إلى عصر امرئ القيس، وعنترة، والحارث بن حلّزة.... أوّلنا الأشياء على سَواءِ ظاهِرها، وذهبْنا في ذلك المذاهِبَ الغريَبَةَ، واضطربنا المضطرَبَاتِ العجَيبة، وزعمنا للناس أنّ أولئك الشعراءَ كانوا يصطنعون الرمز، قبل أن يغتدِيَ هذا الرمز تقليداً أدبيّاً يعترف به النقد، ويرتاح إليه العِلمْ. وإذن، فقد كانوا يعرفون الرمزيّة قبل أوّانها، ويتعاملون معها قبل زمانها؛ فكانوا يقرضون الشعر ضمن تياراتها. وإذن، فلا حرج ولا إثم أن نجعل من مثل الحارث بن حلّزة، على مذهب أستاذنا البهبيتي، مالارْمِي العرب، بل مالاَرْمِي العرَبِ على عهدِ الجاهليّة؛ وأنه كانّ يرمز بالأسماءِ، أسماءِ النساء؛ دون أسماء الرجال، مثلُه مَثُل أصاحِيبهِ من المعلّقّاتيّين.
ذلك هو التعسُّفُ في المذهَب، والتكلُّفُ في الرأْي، والمغالاةُ في التأويل.
وإذا كانت نَوار، وأسماءُ، وهِنْدُ، ومَيْسُون، وفاطِمةُ، وعنيزةُ، وعَبْلَةُ، وَخولةُ، وأمُّ الحويرث، وأمُّ الرباب، وأمّ الهيثم، وأمّ أوفى، ومُرِّيَّةُ لبيدٍ، وابنةُ مالكِ عنترةَ!، وجارَيتُه أيضاً، وبيضَةُ خدرٍ امرئِ القيس، وعذارَى دَوارِهِ، وعذارَى دارةِ جُلْجُلِةِ، وحِسَانُ عمرو بنِ كلثوم، وظَعائِنُ بُنِيَ جُشَمٍ: لَمْ يَكُنَّ إلاّ مجرّد رموز في الرموز، وأساطير في الأساطير: فما القول في أثدائِهِنَّ التي كانت تشبه الأحْقاقَ، وكشوحِهِنَّ التي كانت تشبه الجُدُلُ، وسُوْقِهِنَّ الرَّيَّا التي كانت تشبه البَلْنَطَ أو الرُّخام، وشعورِهِنَ المُسْتَشْزَراتِ إلى العلا، وعطورِهِنَ الشذّية التي كانت تعبق من فُرُشِهِنّ إذا نِمْنَ، وتنتشر من حولهنّ إذا تَرَهْبَأْنَ متكسِّرات في المَشِي...؟
أم كان كُلُّ أولئك مجرّد رموزٍ؟ أم يعني ذلك أنّ بعض الناس يريد أن ينكر وجود المرأة، أصلاً، في الحياة من حيث هي، فيحتال على إنكار دورها في المجتمع، وحضورها في أخْيِلَة الشعراء بتلفيق هذا الشيءِ الذي لم يفكّر فيه شعراء الجاهليّة قطّ، والذي يقال له الرمزيّة؟ أم ماذا يُلاصُ من إنكارِ أسماءِ النساءِ؟ فهل هو إنكار لوجودهنّ، ورَفْضٌ لحضورهن، في المعلّقات؟
******
رابعاً : جماليّةُ المرأة في المعلّقات
ربما سنتولّج إلى معالجة هذه الفقرة من آخر ماكنّا أثرّناه من مُساءلاتٍ في أواخر الفقرة السابقة. وإذا كنّا دَأبنا، في كثير من كتاباتنا الأخيرة، على إيثار عدَم الإجابة عن الأسئلة التي نثيرها، فلأننا نعتقد أنّ طريقَتَنا في إِلْقَائِها تجعل الإجابة عنها كامنةً فيها، أو أنها توحي على الأقلّ، بوجه من الوجوه، بِضَرْبٍ من الإجابة عنها.
وإنما ذهبنا إلى مادِّيَّةِ الوصف النسِويِّ في المعلّقات بخاصّة، وإلى مادّيّة الوصف من حيث هو بعامّة: لأنّنا لا نرى أيّ مُبرّرٍ: لا أخلاقيّ، ولا دينيّ، ولا قانونيّ، ولا نفسيّ، ولا اجتماعيّ، كان يحمل أولئك المعلّقاتيّين على التلميح دون التصريح، وعلى الترميز دون التقرير والتوضيح، ولعلّ الأوصاف الدقيقة التي حاول المعلّقاتيّون توصيفَ المرأةِ بها أن تكون من بين الآيات التي نتخّذ منها ظَهِيراً لنا على إِبعاد رمزيّة المرأة، في المعلّقات،

**د لا ل**
2012-02-16, 21:33
مظاهر اعتقاديّة في المعلّقات
أوّلاً: معتقدات العرب في الجاهليّة

إنّنا نعتقد أنّ المعتقدات، بأنواعها وأشكالها وطقوسها الكثيرة المختلفة، قديمةٌ قِدَمَ الإنسان. ويبدو أنّ مفهوم المعتقداتِ مظهرٌ ذهنيّ عاطفيّ معاً ينشأ لدى الإنسان حين يضعف ويُحِسُّ بالصِّغَر والضَّآلة أمامَ قوى الطبيعة العاتية، وحين يقصُرُ عن تأويل ظواهر القوى الغيبيّة الهائلة التي تَذَرُهُ حيرانَ أمامَ كثيرٍ من المواقف والأحداث التي لا يُلفي لها تَفسيراً مُقْنِعاً، فيذعن لمعتقدات يعتقد أنها تنقذه مِمّا هو فيه، أو تُقَرِّبُه إلى تلك القُوى الغيبية التي يُؤْمِن بها. من أجل ذلك كانت غريزةُ العاطفةِ الدينيّة جبلّةً في سلوك الإنسان ومعتقداته منذ الأزل، ولكنّ طقوسها ومظاهرها هي التي تختلف.
ولعلّ حتّى أولئك الذين لا يؤمنون بالله تعالى، أو لا يوحّدونه، تراهم يَعْمَدونَ إلى الإيمان بمظاهر غيبيّة أخراةٍ فيقدّسونها تقديساً، ويعبدونها من دون الله زُلْفَى، طمَعاً في خيرها، ورغبة في أن ينالَهم شيءٌ من بركاتها، فيما يعتقدون. ولعل، من أجل ذلك كثرت الديانات غيرُ السماويّة، فشاعت عبادةُ الأصنام، وتعدّدت مظاهر الوثنية في شبه الجزيرة العربيّة فإذا كُلّ قبيلةٍ كانت تَتَّخِذُُ لها صَنَمَاً بعينه تَزْدَلفُ منه "وتَعْبُده على سبيل الشرك بالله: إمّا جَهْلاً، وإمّا مُكابرةً وعِناداً(1).
وقد "كان دينُ الحنيفيةِ غالباً على العرب يَدينون به حتى أنشأ عمرو بن قمعة(2) صنم اللاّت، فهم أوّل من غيّر دين إبراهيم وإسماعيل وكفَرَ بتعاليمهما، فهو، إذن، أوّل مَنْ عَبَدَ اللاّت من العرب. وكانت اللاّتُ صخرةً عظيمة فكان ابن لحي يَلُتُّ عليها الطعام (أي يَبُلُّهُ بالماء، ويَخْلِطُهُ بشيء من السمن)، ثمّ يُطعمه قومَه، فسُمِيَتْ تلك الصخرةُ اللاّتَ(3).
ولكن قبل سعْيِ عمرو بن لحي كانت هناك معتقدات عربيّة قديمة تَمْثُلُ في تقديس الشمس والقمر خصوصاً، وقد أومأ القرآن الكريم إلى عبادة أهل اليمن القدماء الشمسَ، وذلك على عهد الملكة بلقيس(4). من أجل ذلك كانوا يسمّون أطفالهم باسم عبد شمس، على سبيل التبّرك والإقرار، ومن ذلك أنّ قَيْلاً من أقيال بني قحطان كان "يسمّى عبد شمس بن يشجب"(5) ويزعم صاحب التيجان أنّ سبأ بن عبد شمس هو الذي بنى سدّ مأرب(6).
وكانت العرب، لتقديسها الشمسَ والقمر، لا تفتأ تقول عن مالها مثل عبارة: "استرعيْتُ مالِيَ القَمَرَ (إذا تركَتْهُ هَمْلاً، لَيْلاً، بلا راعٍ)، واسترعْيتُه الشمسَ"(7) إذا أهملتْه نهاراً).
وقد عبّر عن هذا المعتقد العربيّ القديم طرفة بن العبد، فقال:

وكان لها جارانِ قابوسُ مِنْهُما



وبشرٌ، ولَمْ اسْتَرْعِها الشَمسَ والقَمَر(8).



فكأنّ الشمس والقمر كانا مُوَكّلَيْنِ، في معتقداتِ قدماءِ العرب، بحفظ أموالهم، ورعاية أبنائهم، وكَلْئِهمْ من شَرِّ الشياطين، وحِفْظِهمْ من نَكَباتِ الدهر، وكأنّ اسم القمر مشتقّ، من بعض الوجوه، من التَقَمُّرِّ الدالِّ على قوّة الخِداع والمِحَال، والقدرة على المُباغتة والمُفاجأة. وكأنّ القمر، إِذن، مأخوذٌ من بعض ذلك، وهو تأويل اشتقاقيٌّ استنبطناه من المعاجم العربيّة القديمة(
وقد سرد القرآن شيئاً من تلك الوثنيات التي كانت قائمة في الجاهليّة على تقديس الشمس والقمر، ونهى عن استمرارها، وممارسة طقوسها، كما سبقت الإيماءة إلى ذلك في آَيَتَيِ النمل وفصّلت(10).
كما أنّ هذه المعتقدات كثيراً ما كانت تنشأ عن المبالغة في الأخبار، والتزيُّدِ في الروايات، والتهويل في مشاهد الأسفار، وقد ذكروا أنّ العجم كانت "تكذب فتقول: كان رجل ثُلُثُهُ من نحاس، وثلثه من رصاص، وثلثه من ثَلْج، فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه"(11).
ومن ذلكم اعتقادُ العرب في النار، وزعْمها المزاعمَ حَوالَها، فكانت تزعم في أساطيرها قبل ظهور الإسلام: "إنّ الغيلان توقد بالليل النيران، للعَبَثِ والتَحَيُّل، واختلال السابلة"(12).
وقد تحدّثتْ كتب السيرة النبويّة عن نار التحكيم اليمنية التي كانت تحرق الظالم، ولا تضير المظلوم(13). ويبدو أنّ هذه النار العجيبة كانت من نسج أخيلة بني إسرائيل الذين ربطوها بِحَبْريْنِ يهوديَّيْن: فهما اللذان لم تكن النار تُحْرقهما، وهما اللذان كانا يَحْكُمان بتلك النار بين المختصِمين: فهي نار تُحرْق العرب، ولكنها لا تُحْرِقُ اليهود(14).
ومن معتقدات العرب القديمة توهُّمُهُمْ أنّ كُلَّ شيءٍ كان يَعْرِفُ وينطقُ، في الأزمنة الموغلة في القدم، وأنّ الصخور كانت رطبة، فكانت تؤثِّرُ فيها الأقدامُ إذا وَطِئَتْها، وأنّ الطّلْحَ كان خَضِيداً: لا شوك عليه(15).
وعلى أننا لا نريد أن نذهب، في بحث هذه المسألة اللطيفة، إلى أبعد حُدودها التي، في حقيقة الأمر، خاض الناس فيها خيَاضاً، قَبْلنَا، وإنما آثْرْنا الكلامَ حَوَالَها من باب التمهيد والاستهلال لهذه المقالة. وهي إِشارات تدلّ على أنّ الجوّ الروحيّ، أو النفسيّ، كان مهيّاً، في المجتمع الجاهليّ، لِتُعشّشَ فيه المعتقداتُ، ولتتبوّأ لها مكانة مكينة في نفوس النساء والرجال. من أجل ذلك تعدّدت الديانات، وشاعَت عبادة الأصنام، وكثر التصديق بالأوهام أمثال السَّعالِي، والغيلان، والشِّقّ، والنَّسْنَاس، والرَّئِيّ..(16)، ومثل التصديق بأنّ الجنّ كانت تقرض الشعر وتُبْدِع الأدب الجميل(17).
وقد أردنا، أن نقف هذه المقالة على طائفة من المعتقدات العربيّة القديمة المرتبطة بالطقوس الوثنيّة، والتي أومأت إليها المعلّقات السبعُ: كلُّها أو بعضُها، ونحلّلها تحليلاً انتروبولوجيّا مثل الذّبائح، والعَتَائِر، والتَّمائم، ومسألة تقديس الثَّوْر في المعتقدات الجاهليّة، وطواف العذارَى حول بعض الأصنام مثل طوافهنّ حوال صنم دَوارٍ، وغيرها ممّا له صلة بها كلعبة المسير التي كانت طقوسها العجيبة لا تخلو، هي أيضاً، من مظاهر اعتقاديّة.
ثانياً: الحيوان في المعلّقات
لقد كَلِفَ الشعراء، على عهد الجاهليّة، كلّفاً شديداً بتناوُل البقر والثور ووصفها، ومعالجة الحمار والأتان ونِعْتِهِما.. ولم يَنْبِه النقّادُ القدماءُ، وشارِحُو النصوص، إلى لطف هذه المسألة، وإلى إمكان ربطها بالمعتقدات العربيّة القديمة، وكان علينا أن ننتظر حتّى تتطوّر الدراسات، ويدور الزمن دورة سحيقة، وتتقدّم الأطوار بالمعرفة والعلم، من أجل أن تخصّص دراسات تحاول تأويل مُثِولِ الثور والحمار، في الشعر الجاهليّ، تأويلاً انتربولوجيّا قائماً على ادِّعاء وجود ترسّبات معتقداتية موغلة في القِدَمِ كانت سائدةً، في شبه الجزيرة العربيّة، ثمّ بادت، أو خمدت جَذْوتُها أو كادت.. وهي التي حملت شعراء الجاهليّة بعامة، وشعراء المعلّقات بخاصة، على أن يَعْرِضُوا لها، أو يومئوا إليها في أشعارهم.
وإذا كان النقاد الأقدمون لم يُعْنَوا بهذه المسألة ولم يجاوزوا، أو لم يكادوا يجاوزن، شرحَها على ظاهر النصّ، فإنّ المحدثين -وخصوصاً المعاصرين الحداثيّين -من النقّاد لم يفتأوا يتأوّلون التأويلات، ولم يبرحوا يذهبون في ذلك المذاهب حتّى تعسَّفوا، فعَدَوْا طَوْرْ المعقول.
ولعلّ ما يذهب إليه الدكتور عليّ البطل من أنّ صورة الحيوان في الشعر الجاهليّ “تُنْبِئُ بأصول أسطوريّة قديمة كالثور الوحشيّ، وحمار الوحش، والظليم، والناقة، والحِصان، وهي من المعبودات الأساسيّة القديمة"(18) يندرج ضمن هذا المنظور.
وقد رأينا من خلال ما ذهب إليه الدكتور البطل أنّ كلّ حيوانٍ كان مقدّساً لدى أهل الجاهليّة: ابتداءً من الثور الوحشيّ، إلى الظليم، والناقة، والحصان. وهو مذهب من الصعوبة الموافقةُ عليه، لأنّنا لا نحسبه يستند إلى نصوص موثوقة، ولا إلى منطق مقبول، إذ لو أنّ العرب كانوا يعبدون هذه الحيوانات كلّها، حقّا، لما اصطادوها، ولما أكلوها، ولامتنعوا عن امتطائها في تَظْعانِهم، ولكانوا عَفُّوا عن تسخيرها في حياتهم الاقتصاديّة والحربيّة:
فالأولى: أنّ الذي يقدِّسُ حيواناً، ويعبده، لا يسمح لنفسه بايذائِه، بَلْهَ قَتْلَهُ واصطيادَه، بله أكْلَهُ والتهامَه. ولم نَعْثُرْ على نصّ من النصوص التاريخيّة، ولا الأدبيّة القديمة، ما يفيد أنّ العرب كانت تمتنع عن أكل لحمان الناقة،

**د لا ل**
2012-02-16, 21:36
القديمة، ما يفيد أنّ العرب كانت تمتنع عن أكل لحمان الناقة، والفرس، والثور الوحشيّ، والنعامة، والعير..
والثانية: أننا لم نعثر على نصّ شعريّ جاهليّ يثبت أنّ العرب كانت تعبد كلّ هذه الحيوانات التي ذَكَرَ طائفةً منها الدكتور البطل. ولا نعتقد أن ما اسْتُكْشِفَ من رسوم، هنا وهناك، يَرْقَى، تاريخيّاً، إلى أن يدُلّ على تقديس العرب إياها، على سبيل القطع واليقين. فقد يرسم المرء ما يحبّ، كما قد يرسم ما لا يحبّ. وتظلّ المسألة، هنا، قائمة على التخمين والظنّ، لا على اليقين والقَطْع.
والثالثة: أنّ ما ذهبَ إليه الدكتور ابراهيم عَبد الرحمن من "أنه لم يحدث ولو مرة واحدة، أن قتل الصائد ثوراً في شعر الجاهليّين القَصَصِيّ، إلاّ في شعر صَدْر الإسلام"(19): لا نتّفق معه عليه، هو أيضاً، لجُنوحِنا إلى الاعْتقادِ بنقْصِ الاستقراءِ قبل إصدار هذا الحكم.
وعلى أنّا لا ندري ماذا كان يعني الدكتور ابراهيم عبد الرحمن بقوله "في شعر الجاهلييّن القصصيّ"، على وجه الدّقّة؟ فهل كان يريد به إلى الشعر الذي يحكي فيه صاحبُه مغامرةَ صَيدٍ، أو نزهة طَرَدٍ، أم كان يريدُ إلى غير ذلك؟ ونحن ألفينا كثيرا من الأشعار الجاهليّة تتحدّث عن قتل الثور، أو العَيْر، وعن أكله -وهي مندرجة بشكل أو بآخر في مجال القصّ -ومن ذلكم قولُ امرئِ القيس:
فعادَى عِدَاءً بين ثورٍ ونَعْجةٍ

دراكاً، ولم يَنْضَحْ بماءٍ فَيُغْسَلِِ

فظّلُّ طُهاةُُ اللَّحِمْ مِنْ بين مُنْضِجٍ

صَفِيفَ شِوَاءٍ، أو قَديرٍ مُعَجَّلِ


ولعلّ ما يذكره الدكتور إبراهيم عبد الرحمن لم يرد إلاّ في أشعار قليلة منها معلّقة لبيد التي نلفي في بعضها البقرة تنتصر على الصّياد وكلابهِ معاً:
لِتَذُودهُنَّ وأيْقَنَتْ إنْ لَمْ تَذُدْ

أنْ قدْ أحمّ مِنَ الحُتوفِ حِمَامُها

فتقَصَّدَتْ منها كَسَابِ فضُرِجَتْ

بِدَم، وغُودرَ في المَكِرّ سُخامُها


لكنّ هذه البقرة لم تأتِ ذلكَ إلا بعد أن كانت، في الحقيقة، ابْتُلِيَتْ بعدوان الصيّاد وكلابِه على جُؤْذُرها، وبعد أن كانت أيقنت، بعد سبعِ ليالٍ مَضَّتْها تنتظره لعلّه أن يَؤُوبَ إليها، أنَّ ابنَها قد اُصْطِيدَ:
صادَفْنَ مِنْها غِرَّةٌ فأصَبْنَها

إنّ المنايَا لا تَطِشُ سِهامُها


فكأنّ سلوكَ البقرة وغضَبَها كان ضَرْباً من التعبير عن الحُزْن الذي أصابَها بعد أن فَقَدَتْ جُؤذَرَها.
وعلى أنّ المعركَةَ الضارَيَة التي تَحْدُثُ بين الصّيّادِ وبقرةِ الوَحْشِ، في معلّقة لبيد، لا تدلّ على أنّ هذه البقرة كانت مقدّسةً معبودةً لديهم على نحو صريح، بمقدار ما نلفي تصويراً دقيقاً وأميناً لها، قائماً على المُعايشة والمُخالطة والمُعاينة والمُمارسة، نابِعاً من التجربة والمُشاهدة: لِمَا كانَ الصَّيّادُ يكابده لدى اصطياده بَقَرَةً أو ثَوْراً. ولعلَّ مثل ذلك هو الذي حمل امرَأَ القيس على أن يفتخر بفرسه فيجعلَها سابقة إلى درجة خروجها عن مألوف العادة ممّا يعرف الناس من سرعة الخيل، فإذا جوادُه قَيْد الأوابِدِ، ولذلك استطاع أن يعادِيَ بين ثور وبقرة في طلْقٍ واحد دون أن يُلِمَّ عليه العَرَقُ، أو يصيبَه شيء من البُهْر والنَّصَب: فقد استطاع الصيّادُ بفضل هذا الحِصَان السابق أن يجارِيَ ثَوْرَاً ونعْجَةً في وقت واحد، فيتيح لصاحبه أن يقتلهما معاً، ليقدّمهما من بعد ذلك طعاماً شهيّاً لأهلْ الحيّ، فيشوِيَ منهم مَن شاءَ ما يشاء، ويطبخَ منهم مَنْ شاء ما يشاء، مِنْ لحومهما.
ثالثاً: أصناف الحيوانات والطير والحشرات
في المعلّقات
لقد رصدنا من خلال قراءاتنا المعلّقاتِ السبعَ ما لا يقلّ عن ثلاثة وعشرين صِنْفاً من الحيوانات والطير والحشرات مثل الناقة وما في حكمها (البعير -المطيّة الخ)، والأرآم وما في حكمها (الرشأ- الغزال- الظبْي -الخ) والحصان، والنَّعام، والذئب، والثعلب، والبقر، والثور، والأَتان، والعَيْر، والأسارِيع، والمَكاكِيّ، والسباع، والأوْعَال، والحَمام، والحَيّة، والعُقَاب، والذُّباب.. وألفينا امرأ القيس أكثرَهم ذِكْراً لأصنافِها حيث ذكر في معلّقته ما لا يدنو عن أربعةََ عشَرَ صِنْفاً، ثمّ يأتي بعده لبيد وطرفة بذكر تسعةِ أصنافٍ من الحيوانات، ثم عنترة بذكر ثمانية أصْنَافٍ، ثم الحارث بن حلّزة بذكر سبعة، ثمّ زهير بذكر ثلاثةٍ فقط: وهي الناقة، والآرام، والأسَد، ومثله عمرو بن كُلثوم بذكر ثلاثة هي الناقة، والكِلاب، والخيل.
وعلى أنّ كثيراً من هذه الحيوانات وَردَ مكرَّراً، وقد بلغ التكرارُ لدى طرفة إحدى عشرة مرّة على الأقلّ للناقة وما في حكمها، وبلغت درجة التكرار لدى عنترة سبع مرات، ولدى لبيد خمساً، ولدى امرئ القيس وعمرو بن كلثوم أرْبعاً، ولدى زهير ثلاثاً، ولَمْ يقع التكرار لدى الحارث بن حلزّة.
وربما يأتي ذِكْرُ الخيلِ في المرتبة الثانية، ولكنْ بعيداً عن الناقة التي استأثر ذِكْرها بخمس وثلاثين مرة في المعلّقات السبع، حيث لم نُلْفِ ذِكْرَها يعلو إلاّ لدى عنترة وعمرو بن كلثوم بستّ مرّات، ثمّ لدى امرئِ القيس وزهير بزهاء ثلاثِ مرات. ولم يرد ذكر الخيل في معلّقات لبيد، وطرفة، وزهير، إطلاقاً.
ثم يأتي ذِكْرُ الظبي وما في حكمه بتواتُرٍ بلغ سِتَّ عَشْرَةَ مرّةً: أربع مرّات لدى كلٍّ من امرئ القيس، ولبيد، والحارث بن حلزّة وثلاثاً لدى عنترة، ومرّةً واحدةً فقطْ لَدى طرفة.
ثم يأتي ذِكْرُ النّعام بتسع مرّاتٍ: ثلاثِ مرّاتٍ لدى كُلٍ من زُهير، والحارث بن حلّزة، ومرّة واحدة لدى كلّ من امرئِ القيس، وطرفة، ولبيد...
ولعل قائلاً أنْ يقولَ، ولا نحسبه إلاّ مكابراً مُناوئاً: وما بَالُ هذه الإحصاءات(20)؟ وما قيمتها ما دامت تنهض على جَهْدٍ عَضَليٍّ بَحْتٍ، وما دامت، بحكم يدويّتها، لا تستطيع أن تَبْرأَ من بعض الأخطاء لدى القيام بالإحصاء: إمّا زيادةً، وإمّا نقصاً؟ ولَوْلاَ عَدَلنَا عَنْها إلى إجراءٍ آخرَ أجدى نَفْعاً للقارئ والباحث معاً؟
ونحن مع اقتناعنا بأنّ الإحصاء لم يَكُ قطُّ لدينا غايةً في ذاته، ومع تسليمنا بأنّ نتائج الإحصاء لا تكون مسلّمة على سبيل القطع واليقين، فإننا، مع ذلك، نريد أن نُبْهِتَ هذا المعارضَ المُكابر، ونبْكّتَ هذا المُشاكِسَ المُناوِئَ، بأن نلقي عليه أسئلة أخراةً، وهي: بل ماذا كان يمكن أن نأتي، ونحن نتحدّث عن هذه الحيوانات في نصوص المعلّقات لَوْ لَمْ نَعْمدْ إلى هذا الإحصاء؟ وما الوسيلة الإجرائيّة التي كان يمكن بواسطتها أن نهتدِيّ السبيلَ إلى أنّ الناقة، مثلاً، هي التي استأثَرَتْ بالتواتُرِ لدى المعلّقاتيّين، وأنّها الحيوان الوحيد الذي ألفينا ذِكْرَهُ يَرِدُ في جميع المعلّقات؟ وما ضُرّ هذا الإحصاءِ، في هذه الاِستنتاجات، وقد أتاح لنا، كما أسلْفنا الْقَال، أن نعرف الحيوانَ الذي كان مستْبِدّاً، لدى المعلّقاتيّين، بالاهتمام، مستأثراً بالعناية، حاضراً في الأذهان، عالِقاً بالقلوب: وهو البعير الذي كان يُتّخَذَ رَكوبَةً، وطَعَاماً، كما كان يُتخّذُ لِمَنَافِعَ أخراةٍ كثيرةٍ كالاتّئِادِ والإمْهْار؟
وإذا كُنّا لَمْ نُلْفِ حيواناً، كان أكثرَ استبداداً بالحضورِ في نصوص هذه المعلّقات من البعير، فَبِمَا اتّصاله اتّصالاً وثيقاً بحياة أهل الجاهليّة.
والحقُّ أنّ للإبل مكانةً مكينةً في المجتمع العربيّ البدويّ بعامة، والمجتمع الجاهليّ بخاصّة. ولعل من حقّنا، ونحن نحاول التركيز على موضوع الإبل، أن ننصرف بوهمنا إلى دَوْرِها الاقتصادّي في ذلك المجتمع بحيث كانت تُمَثّلُ أساسَ الحياة، بعد الماء، حتّى قالت إحدى بناتِ ذي الإصبع العُدْوانيّ: "الإِبل (...) نأكل لُحمانَها مُزَعاً، ونشْرَبُ ألبْانها جُرَعاً، وتَحْمِلُنا وضَعَفَتَنا مَعاً"(21) فكانت الإبل بالقياس إلى العرب طعاماً يقتاتونَه، وشراباً يتجرَّعونه، ومْركَباً يمتطونه:
1-كانت الإبلُ تُتَّخَذُ غِذَاءً إذْ لَحْمُها مِمّا يُؤكَلُ، في المجتمعات البدوية والصحراوية، إلى يومنا هذا. ويبدو أنّ أهل البادية كانوا يجدون في طَعمه نَكهة خاصّةً كانت تجعلهم يتلذّذون بطعمه تلذُّذاً، وربما كانوا يشوونه كما نفهم ذلك من حكاية امرئ القيس مع النساء يوم دارة جُلْجُل، حيث اقترح الشاعر على العذارى أن يعقر لهنّ ناقتَه، فرحبّن بالفكرة، وتقبّلن الدعوة، فجمع الإماءُ الحطب، وضرَّموا النار فيه، ثمّ أخذوا في شَيِّ لَحِمْ ناقة امرئ القيس:
ويوم عَقْرتُ للِعَذارَى مَطيّتي

فيَا عَجَباً مِنْ كُورِها المُتَحَمُّلِ

فظلَّ العَذارى يَرْتَمينَ بلَحْمِها

وشَحْم كَهُدَّاب الدَمقْس المُفَتَّل(22).


2-كانت الإبل تُتّخَذُ للنقل، وتُصْطَنَعُ في الأسفار، فكان يُرْتَفَقُ بها في مُرْتَفَقاتٍ اجتماعيّة كثيرة، لعلّ أعْرَفَها لدينا:
أ-إنهم كانوا ينقلون عليها بضائعهم في الأسفار التجاريّة (رحْلَتَا الشتاءِ والصيف لدى قريش)، ويحتملون عليها أمتعتهم في الارتحالات العاديّة التي كانت تقع لهم حين كانوا يتحمّلُونَ من حَيٍّ إلى حَيٍّ، ومن مَرْعى إلى مَرْعى، ومن ماء إلى ماء، ومن صُقع إلى صقع آخر.
ب-إنهم كانوا يحتملون على مُتونها نساءَهم في الأسفار التي كانوا يتّخذون هوادج يُركِبون فيها نساءَهم على ظهورهم. ويبدو أنّ هذه الهوادج كانت تتّخذ للحرائر والعقيلات، ولم تَكُ تُتّخَذُ لعامّة النساء، ولطبقة الإماء. وكانت العرب تطلق على الرجل المديدِ القامةِ، الفارِعِها "مُقبّل الظُّعُن"(23).
وشاهُد استعمال الهوادج للنساء واحتمالها فوق المطايا، قولُ امرئ القيس مثلاً:
ويوْم دخَلْتُ الخِدْرَ: خِدْر عُنَيْزَةٍ

فقالَتْ: لكَ الويلاتُ إنّك مُرْجلي

تقول وقد مال الغَبِيطُ بنا مَعاً

عَقَرْتَ بعيري يا اُمْرأ الْقَيْسِ، فأنْزِلِ


3-كان يُنْتَفَعُ بوبرها انتفاعاً لطيفاً بحيث كانوا يرتفقون به في جملة من المرافق لعلّ أهمّها:
أ-كانوا يصطنعونها في نَسْج المَلابس بحيث كان نساؤُهم ينْسُجْنَ وَبَرَها لاتّخاذِها أثواباً يرتدونها. ولا يبرح الناس، إلى يومنا هذا، في جَنوب الجزائر مثلاً، ينسُجون، من هذا الوَبَر، بَرانِسَ. وهِيَ من أغلى الأثوابِ التقليديّة ثمَناً، وأجْملها لباساً عربيّاً، وأبهاها مَرْآةً للرجال، وأجلّها في المجالس والمَآقط.
ونحن وإن كنّا لا نمتلك من المعلومات التاريخيّة ما يتيح لنا أن نحكم بِغَلاءِ سِعْرِ الملابس الوَبريّة قديماً، في المُجتمعِ الجاهليّ، إلاّ أننّا وقياساً على ما نعيشه إلى يومنا هذا في المجتمعات البدَويّة، نعرف أنَّ الوبر هو الأغلى، ثمّ يأتي من بعده الصوف، ثم الشَّعَر.
وإنما كان الوبر أغلى ثمَناً لأنّه أندرُ وجوداً في الأسواق، وأعزّ مادّةً في الإنتاج، على حين أنّ الصوف أكثرُ كثرةً في هذه الأسواق، وأيسر إنتاجاً لدى مُرَبيّ المواشي. أمَّا الشعر فلِرداءة مادّته، وخُشونتها، وعُسْرَ غَزَلِها ونسْجِها، وتساقُطِ أَسْقاطِ الشعَر منها أثناء الغزْل- وقد يتطاير الشعرَ على الطعام إذا كان منه قريباً، وربما صادف الطاعِمُ شيئاً من ذلك في أصل الطعام الذي يطْهوه النساءُ اللواتي لا يتشدّدن في التزام النظافة- فإنَّ زُهْدَ الناسِ فيه كثيرٌ، ورغبتهم عنْه شديدةٌ على الرغم من أنّ هناك مُرتَفَقاتٍ لا تليق إلاّ به، ولا يليق إلاّ لها، ومن ذلكم نسْجُ الخيام التي تُنْسَجُ أيضاً من الصوف والوبر(24)- بيد أنّ نوعيّة الخِيام الشّعَريّة هي الأردأ والأسوأ بالقياس إلى مادّتِيَ الوبر والصوف.
ب-كما كان العرب ينتفعون بالوَبَر في نسْج الأخبية، والبُجُد(25)، خصوصاً. وإنما سُمِّيَ سكّانُ الباديَة أهْلَ الوبر "لأنّ بيوتهم (كانوا) يتّخذونها منه"(26).
فوظيفة الوبر حين تربط بهذه الارتفاقات تبيّن لنا أنّ أهميّتّها الاقتصاديّة والعُمْرانيّة والغذائيّة عظيمةُ الشأن، شريفة المكانة، ذلك بأنّه كان يَقِي الناس حَرّ الشمس وَصَبَارَّة الشتاء، كما كان هذا الوبر زينةً في المجالس، وَجلالاً في المَحافل بحيث يُضْفي شيْئاً من البَهاء والسكينة على مُرتديه. بل كان أيْضاً ضرْباً من الطعام يُضْطَرُّ الناس إلى الاقتيات به أيّام المجاعات. ذلك بأنّ الأعراب البادين المحرومين، كانوا في أيّام المحَن والضُّرِّ، يُضطرّون إلى شَيّ هذا الوبر بعد أن يصبّوا عليه شيئاً من الدَّم ابتغاءَ الاقتياتِ به، وذلك هو العِلْهزُ(27).
4-وْديُ القَتْلى:
كان من دأب العرب إذا وقعتْ حادثةُ قَتْلٍ بين شخص وشخص آخر، من قبيلتين مختلفتين، خارج إطار حرب معلنة، أو عَداوة مبيّتة: أن يحتكموا إلى حكمائهم لِوَدْي القَتيل، والاّ أُخِذَ بثأره دَمَاً. وكانت دِيَةُ القتيل، في حال الاتّدَاءِ، غالباً ما تتوقّف لدى مائةٍ بعيرٍ للقتيل الواحد، أو لافتكاك الأسير الواحد، فإن أسَرَ أسيراً رجلان اثنان، كان لكلّ منهما مائةٌ مِن البُعْران. فإن كان الأسيرُ سيّداً من سَراةِ القوم وأشْرافهم كانت الدِّية أكثرَ من ذلك كما وقع في افتداء معبد بن زُرارة الذي أسَرَه عامِرٌ والطُّفَيْل، ابنا مالك بن جعفر بن كلاب، فلمّا جاءهما لَقِيط ابْنُ زُرارة، أخو معْبَد، ليفتدِيَه منهما بمائَتَيْ بعير استَقَلاّ الدّيَة، وَقَالا: "أنت سيّد الناس" وأخوك معبد سيّد مضر، فلا نقبل فيه إلاّ دِيَةَ مَلكٍ(28)!
وقد نَهَى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يزيد وَدْيُ القتيل عن أكثر من مائة بعيرٍ، وعَدّ ذلك من فعل أهل الجاهليّة(29).
5-مهْرُ النِساء:
وكان الرجل الكريمُ رُبَّما مَهَرَ العقيلةَ العربيّة مائةَ بعيرٍ، بل كان ذلك هو الأغلب، وقد ظَلّ قائماً إلى أن جاء الله بالإسلام(30).
ويبدو أنّ العرب بدأت تستعيض عن الإبل بالدراهم حين شاع التداول بين الناس بالعملة المسكوكة بعد ظهور الإسلام، وبعد تدفّق الثروات، وتكاثر الأرزاق(31).
كما كانت الإبل تمثّل أساسَ الاقتصاد في المجتمع الجاهليّ فكانت هي مصدرَ أموالِهم، ومآل أرزاقهم، فكانوا إمّا أنْ يُرَبّوها فَتُنْتَجَ لهم فَيَبِيعُوا ما يفيض منها عن لُباناتِهم في الأسواق، وإِمَّا أن يُتاجِروا فيها فيتموَّلوا من ذلك أموالاً، ويُحرزوا أرْباحاً، فكان ذلك يحصل لهم، إذن، إمّا بالابتياع، وإمّا بالإنتاج، وإمّا بالاتّداء، وإمّا بالامتهار، وإمّا بالاتِّهاب..
لم يكن البعير سفينةَ الصحراءِ فحسْب، ولكنه كان مصدرَ الحياة والبقاء، ولم يكن أحدٌ يستغني عنه من العرب على ذلك العهد، فالذي كان يُبْدَعُ به في تَظعانِه، من فقراءِ الأعراب ومَحْروميهم، كان ربّما اسْتحْمَلَ السّراة والأكارِمَ من الناس، كما حَدَثَ للأعرابي الذي استحمل الرسولَ عليه السلام قائلاً: "إنّي أُبْدعَ بي فأُحْمِلْنِي"(32) ولعلّ هذا الاهتمام الفائق بالبعير هو الذي أفضى إلى نشوء طائفةٍ من الطقوس والمعتقدات والوثنيّات حَوَالَهُما، فإذا نحن نصادف في هذه الطقوس الفولكلوريّة لُعبةَ الميْسرِ القائمة على نَحْر الإبل، ثم توزيع لُحمانِها على الفقراء والغرباء والضِّيفانِ، كما نصادف معتقدات ووثنيّاتٍ أخراةً تنهض من حولها مثل معتَقَدِيِ البليَّة والعَتيرة وسَوائِهِما. ولنبدأْ في تحليلها بما انتهَيْنا منه.
1-العتيرة:
وردت هذه المُعْتَقَدةُ المرتبطةُ بعادات أهل الجاهليّة، الوثنيّة، في معلّقة الحارث بن حلّزة، لدى قوله:
عَنَتا باطلاً وظُلْماً كما تُعْـ

تُر، عن حَجْرَةِ الربيض(33)، الظّبَاءُ


فقوله:/ كما تُعْتَرُ/ إيماءةٌ إلى طقوس وثنيّة قديمة كانت تُمارَسُ في معتقدات الجاهليّين، وظلّت قائمةً إلى أن جاء الله بالإسلام فأبطلَها. وينصرف معنى "العَتْر"، و"العَتيَرِة" إلى جملة من الطقوس المعتقداتيّة، لعلّ أهمّها:
أ- أنّ العَتْرَ كان عبارة عن "شاةٍ كانوا يذبحونها في رَجَبٍ لآلهتهم"(34) وكانوا يدَمُّونَ رأس صَنَمِهم الذي كانوا يقَرِّبون له عَتْراً، في هذا الشهر المحرّم: بِدَم العتيرة. وكانوا يطلقون على تلك الطقوس الوثنيّة العجيبة "أيّام ترْجيبٍ وتعْتَارٍ"(35).
ب- كانوا يذْبَحون أوّل ما يُنْتَجُ لهم لآلهتهم على سبيل التبرُّك، والتماس الأزدِلاف منها.
ج- وهناك المُعْتقدةُ (التي أومأ إليها الحارث بن حلّزة والتي كانت متمِثّلة في أنّ الرجل منهم "كان يقول في الجاهلية: إن بلغت إبلي مائةً، عَتْرتُ عنها عَتِيرةً، فإذا بلغت مائةً ضَنَّ بالغنم فصادَ ظَبْياً فذبَحه"(36).
وكانوا في كلّ الأطوار، إذا ذبحوا عتائرهم، يَصُبُّونَ دمها على رؤوس الأصنام المقرّب إليها. وكانت طقوس الذّبْحِ تَتِمُّ، فيما يبدو، في كلّ الأطوار، في شهر رجب. ولعلّ من أجل ذلك كانوا يطلقون على هذه المُعْتقَدةِ الوثنيّةِ: الرجبيّة(37).
د- وكان العَتْر بمثابة النَّذْر، في الشؤون العامّة، بحيث كان الرجل، على عهد الجاهليّة، إذا طلب "أمراً: نذَرَ لئِنْ ظَفرَ به ليذْبَحَنّ من غنمه في رجب: كذا وكذا. وهي العتائر أيضاً. فإذا ظفَرَ، فربما ضاقت نفسُه عن ذلك وَضَنَّ بغَنَمِه، وهي الربيض، فيأخذَ عدَدَها ظِباءً فيذبحها في رجب مكان تلك الغنم"(38).
وقد شرح ابن منظور بيت الحارث بن حلّزة الذي نحن بصدد تحليل بعض الطقوس الفولكلوريّة فيه، فذهب إلى أنّ "معناه: أنّ الرجل كان يقول في الجاهليّة: إن بلغت إبلي مائةً عتْرتُ عنها عتيرةً، فإذا بلغت مائةً ضَنَّ بالغنم فصاد ظَبْياً فذبحه. يقول: فهذا الذي تَسَلُونَنا اعتراضٌ وباطلٌ وظُلْمٌ، كما يُعْتَرُ الظَّبْيُ عن ربيض الغنم"(39).
فالعتيرة، إذن ذبيحةٌ كان أهل الجاهليّة يتقرّبون بها لآلهتهم كلّما ألمّ عليهم رجَبٌ في طقوس وثنيّة عجيبة إلى أن جاء الإسلام "فكان على ذلك حتّى نسخ بعد"(40)، وذلك بنهْي النبيّ عليه السلام عن ذلك في الحديث المعروف: "لا فرْعَ ولا عَتِيْرَةَ"(41).
ولقائِل أن يعترض علينا فيقرّر أنّ أمر هذه العتيرة خالصٌ للغنم، ومتحوّل عنها إلى الظِباء، فما بالُ الإبلِ وهي هنا منشودَةٍ للْعَتْر، ولا مطلوبةٍ للنّحر، ونحن نُجيبه مبكّتين إيّاه: إنّ كلّ هذه الطقوس لم تكن إلاّ من أجل أن يبلُغَ تعدادُ إبل الرجل مائة، فلمّا كانت هذه الإبل هي موضوع هذه الطقوس، وهي الغاية التي كانت من أجلها تتّخذ هذه الوسيلة، فقد اقتضى الأمر أن تكون هي مركزَ الاهتمام، ومِحْوَرَ العنايةِ في هذه المقالة التي انزلقنا فيها من العناية بالإبل، والارتفاق بها، والانتفاع من بَيْعِها إلى حُبّها، والحرص على امتلاكها، إلى درجة إيرادِ شأنها ضمن طقوس كَهْنوِتيَّةٍ كانت تُقامُ كُلّ شهرِ رجب من العام.

البنت الجلفاوية
2012-02-16, 22:17
السلام عليكم مشكورة على المجهود ممكن طلب دروس في أي مقياس

midou 01
2012-02-24, 13:54
ما شاء الله

**د لا ل**
2012-02-24, 23:53
يتبع بحول الله ..............

bouagal3001
2012-03-07, 16:58
ساعدوني في البحث عن مفهوم مصطلح الشعرية.......

rima83
2012-03-11, 16:01
jai des information mais je ne sais pas comments vous les passer sur le forum

youcef8804
2012-03-13, 22:39
طلب مساعدة
السلام عليكم لي رجاء من الاخوة الأفاضل أعمل على اعداد مذكرة تخرج بعنوان "فن المقامة عند الهمذاني دراسة أسلوبية المقامة الحلوانية نموذجا" لمن يريد مساعدتي وشكراا

الإبراهيمية
2012-04-07, 16:25
السلام عليكم,,,,
هل لكم أن تخبروني بالمقاييس المدرسة في الأدب العربي,,, ماهي؟,,, عددها؟؟,,, و ماذا يدرس في كل مقياس بشكل عام؟؟,,,,,,,,,
أرجو منكم الرد في أسرع وقت و لا تبخلوا علينا بنصائحكم و توجيهاتكم بارك الله فيكم و في معلوماتكم,,,,,,,,,,

midou 01
2012-04-13, 16:21
المقاييس : النحو والصرف ، الأدب المعاصر ، الأدب الجزائري ، الأدب المغربي والأندلسي ، اللسانيات التطبيقية ، علوم القرآن ، علم الدلالة ، البلاغة ، مدارس نقدية ، الأدب الحديث ، النقد القديم

kais der
2012-04-18, 22:22
الرمز والرمزية في الشعر المعاصر

kais der
2012-04-18, 22:28
السلام عليكم لي رجاء من الاخوة الأفاضل .ابحث عن كتاب الرمز والرمزية في الشعر المعاصر لمحمد فتوح احمد
من فضلكم والله غير راني حاصل

**د لا ل**
2012-04-20, 00:50
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

انا اسفة انقطعت عن النت مدة وساحاول ان اكمل ما بدات به وساحاول ان ابحث لك اخي عن كتاب محمد فتوح احمد

البنت الجلفاوية
2012-04-21, 12:28
المقاييس هي : النحو و الصرف -اللسانيات-البلاغة - المصادر -علوم القرآن - أدب قديم - العروض - النقد القديم - الفرنسية - الانجليزية -الحضارة ع إ
منها محاضرات ومنها أعمال موجهة.................سلام...............

brahimcollo
2012-04-21, 14:33
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته من فضلكم اريد بحث حول ..الدراسات المقارنة عند علماء لالمان .. في مادة علوم اللسان باقصى سرعة من فضلكم وشكرا

kais der
2012-04-22, 22:00
ابحث عن كتاب الرمز والرمزية في الشعرالعصري لمحمد فتوح احمد يوم الخميس اخر اجل لي من فضلكم اخواني الاعزاء

**د لا ل**
2012-04-23, 23:31
ابحث عن كتاب الرمز والرمزية في الشعرالعصري لمحمد فتوح احمد يوم الخميس اخر اجل لي من فضلكم اخواني الاعزاء

السلام عليكم

اخي الكتاب غير موجود كنسخة الكترونية عليك بشراءه او طلبه من دار نشره *دار المعارف *

ابحث في المكتبات الجامعية

راية ترفرف
2012-05-04, 11:48
ادا امكن ساعدوني في اجاد قصيدة لعجرود بشير تحت عنوان البرقية والوطن والكبرياء وبارك الله فيكم

adil40
2012-05-04, 19:11
ساعدوني في البحث بعنوان شعر المولديات
يتكون من مفهوم شعر المولديات ، نشأتها ، خصائصها .
وأيضا قصيدة في المولديات في 10 أبيات مع قائلها
وأيضا الدراسة الأدبية والفنية لهذه القصيدة .
وبارك الله فيكم .

youcef7410
2012-05-14, 07:51
مأجورين على هذا العمل القيم و الذي يعد منبرا و دربا ميسرا لطريق الطلاب الجامعيين في تحصصيلهم العلمي مشكورين

yasane
2012-06-07, 19:03
اريد توقعاتكم في امتحانات السداسي الثاني للسنة الاولى أدب ال ام دي

بلييييييييييييييييييييييييييز لكل من له خبره

مشكورييييييييييييين أخوتي

skype130987
2012-06-12, 11:48
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته <br>أتمنى من اخواني ان لايكتبوا هكذا في المنتدى بل يجعلوها في ملف وورد او بي دي اف <br>او غير ذلك <br>هو التماس وفقط وليس الزام<br>فقط لتكون الامور اكثر وضوحا وتنظيما<br><br>

**د لا ل**
2012-06-13, 00:00
نكمل على بركة الله ما بدأناه

رجلٌ منهك
2012-06-13, 00:06
نتاعش هذ الموضوع ؟ وش نقدر نشارك انا

ramzi1982
2012-06-20, 18:21
شكرا جزيلا

وردة المنتدى
2012-06-22, 20:13
ارجوكم اريد الدروس السنة الثانية ادب عربي (ل م د)

fleur d'espoir
2012-07-18, 14:41
السلام عليكم
هل يوجد أساتذة متخصصين يمكنهم مساعدتي في مذكرة التخرج و تزويدي بمحاضرات السنة الرابعة أدب عربي؟

omarzant
2012-08-05, 00:42
مبارك بحول الله
انا ادرس سنة ثانية وانتقلت للثالثة ادب عربي كلاسيكي
وشئ مفيد ان نجتمع هنا ونتبادل وجهات النظر
رغم ان في جامعة الجزائر الكل يعتمد على الكتمان والكتابة في الطاولات والجدران هههههه
الا من اتقى الله
سلام

**د لا ل**
2012-08-05, 01:17
مبارك بحول الله
انا ادرس سنة ثانية وانتقلت للثالثة ادب عربي كلاسيكي
وشئ مفيد ان نجتمع هنا ونتبادل وجهات النظر
رغم ان في جامعة الجزائر الكل يعتمد على الكتمان والكتابة في الطاولات والجدران هههههه
الا من اتقى الله
سلام

اهلا اخي
مرحبا بك

الباجيرو
2012-08-11, 23:06
الف مليون شكر قليل عليك ايتها الغالية

وردة المنتدى
2012-08-14, 05:12
مدخل اصطلاحي
1. مفهوم علم اللسان (اللسانيات)
عبّرديسوسير (de Saussure) منذمايزيدعننصفقرنعنالمشاكلالتيتعترضالمقاربةالعلمية لظواهراللغة (ولكلالظواهرالإنسانية). فبينماتعملالعلومالأخرىعلىموضوعاتمحدّدةسلفايمكنتناو لهابعدذلكمنزوايانظرمختلفة،ففيميداناللسان،بعيداعنال قولأنالموضوعيسبقوجهةالنظر،يبدولناأنوجهةالنظرهيالتي تشكلالموضوع،وعلىأيةحالفإنلاشيءيخبرنامسبقاماإذاكانت إحدىزواياتناولالظاهرةنفسهاسابقةأملاحقةعنزواياالنظر الأخرى. ولهذاقالأيضاأنهيمكننادراسةاللسانمنعدةنواحفيآنواحد، لكنموضوعاللسانياتسيبدولناإذامجموعةمختلطةمنالأشياءغ يرالمتجانسة،دونرابطفيمابينها. فإذاتصرفناكذلك،فُتحالبابلعدةعلوم (علمالنفس،الانتروبولوجيا،النحوالمعياري،الفيلولوجيا ،إلخ...)،ويضافإليهاحالياالأكوستيك،الفيزيولوجيا،علم الأعصاب،الارطوفونيا،طبالأطفال،علمالاجتماع،الاثنولو جيا،الفلسفة.
اللسان،كموضوعمعقد،يمكنالتطرقإليهإذامنعدةوجهاتنظر؛ك خاصيةبشريةأوكظاهرةاجتماعيةأوكنمطلتسجيلالنصوص (الأدبيةمنهاعلىالخصوص) أوكمادةللتطبيقاتالتقنية. منهذاالمنطلقيتضحلناأنهيشكلموضوعدراسةللعديدمنالعلوم التيلاتنتميللعلومالإنسانيةأوالاجتماعيةفحسببلوتلكال منتميةلعلومالحياةوللعلومالدقيقةأيضا.
تعريفعلماللسان:
ماهوعلماللسان؟يتعلقهذاالحقلأساسابطبيعةاللغةوالتواص لاللغوي؛ تلك الأداة التي نستعملها يوميا لتبليغ الآخرين أفكارنا وما يدور بخلدنا. يبدوأنالبشرقدافتتنواباللغةوالتواصلمنذآلافالسنين،وح تىيومناهذاأينبدأفهمالطبيعةالمعقدةلهذاالوجهمنالحياة البشرية.
علماللسانأواللسانيات (علىقياسالرياضيات،والطبيعيات،والبصريات...) يقابلالمصطلحالأجنبي (linguistique) بالفرنسية،و(linguistics) بالانجليزية. يعودالفضلفيظهورهذاالعلمبمفهومهالمتدوالفيعصرناإلىال عالمالسويسريالمشهورفردينانديسوسير (Ferdinand de Saussure)،مؤسساللسانياتالحديثة.
يعتبرديسوسير أن الدراسةاللسانية ”هيدراسةمناللسانوإليه“دراسةعلميةموضوعية،مقصيابذلكك لالاعتباراتالتيلاتعدمنصميمموضوعاللسانيات. صحيحأنالعالمالنفسانيقدينظرفيأحداثالكلاملأنلهاجانبا سيكولوجيامهما. وينظرعالمالاجتماعفيهاأيضالارتباطهابالمجتمع؛كماينظر فيهاعالمالانثروبولوجياأيضا. ولكنفيكلهذهالأحوال،وفيغيرها،كليتناولاللسانوأحداثهم نجانبواحدوليسهوفيالحقيقةالموضوعالرئيسيالذيتطرقهالل سانياتالبحتة؛ولهذافإناللسانيات ”هيدراسةمناللسانوإليه“.
تهتم اللسانيات بموضوع اللغة من كل الجوانب:الدلالي، والنحوي، والصرفي، وكذا الصوتي. وتقوم الدراسة في اللسانيات على الموضوعية أي وصف اللغة كما هي عليه وتحليل جوانبها من أجل بيان حقيقتها دراسة بعيدة عن الذاتية والأهواء، وتتوخى الدقة في وصف نظام اللغة إعتمادا على الإستقراء والملاحظة التي تكشف عن خصائص اللغة كما هي في الواقع الاستعمالي لمستعمليها. لذلك فاللسانيات علم إستقرائي موضوعي تجريبي ومنهجي يقوم على الملاحظات والفرضيات والتجارب والمسلمات ويعني بالحقائق اللغوية القابلة للإختيار بالمبادئ الثابتة ويقنن نتائجه في صيغ مجردة ورموز رياضية.
والغايةمنهذاالعلمهيالتطلعإلىأسراراللسانكظاهرةبشرية عامةالوجود،ومنثمإلىالقانونالذىيضبطبنيتهومجاريهوتطو رهعلىمرالزمانوكيفيةاستعمالالناطقينله.
أما موضوع اللسانيات فقد وضعأندريمارتيني (André Martinet) تحديدادقيقايُرجعإليه؛قال:"إناللسانهوأداةتبليغ،يحصلعلىمقياسهاتحليللمايخبرهالإ نسانعلىخلافبينجماعةوأخرى. وينتهيهذاالتحليلإلىوحداتذاتمضمونمعنويوصوتملفوظوهيا لعناصرالدالةعلىمعنى (monèmes) ويتقطعهذاالصوتالملفوظبدورهإلىوحداتمميزةومتعاقبة: وهيالعناصرالصوتية (phonèmes) ويكونعددهامحصورافيكللسانوتختلفهيأيضامنحيثماهيتهاوا لنسبالقائمةبينهماباختلافالألسنة."
وللتصديلدراسةاللسانتوجهانأحدهماذونزعةحسيةنقليةيعتم دفيهاعلىالمشاهدةوالاستقراءانطلاقامنالمدونةاللغويةل معاينةالأحداثاللغويةوتصنيفهالاستنباطالقوانين،وذلكك مافعلالرواةالعربأوالهنودفيدراستهمللغاتهمقديما،والم دارسالبنويةالتيانبثقتعنتوجهاتديسوسير،مثلالمدرسةالو ظيفية،والمدرسةالبنويةالأمريكية. وأماالنزعةالثانيةفتعرفبالنزعةالعقليةالمبنيةعلىالاف تراضاتالاستنتاجيةالمنطلقةمنمسلماتثميستنتجمنهاقواعد بفعلعملياتمعينة ويمثل هذه النزعة المدرسة البصرية قديما، والمدرسة التوليدية التحويلية وعلى رأسها نوام تشومسكي حاليا.
مدخل تاريخي إلى الدراسات اللغوية قبل ظهور علم اللسان الحديث:
علماللسانالمعروفحديثالمينشأمنالعدمبلكاننتيجةسلسلةم نتطورالفكرالبشريحولموضوعهالرئيس ’اللغة‘،فلاعجبإذالفهمالنظرياتالحديثةالمبنيةعلىمفاه يمكانتنتيجةتطورطويلاستمرعدةقرونمنالرجوع إلىالدراساتالقديمة،وهوماسنشيرإليهباختصارشديد. والسؤالالمطروحهناهومتىنشأتاللسانيات؟
نشوءاللسانياتمسألةلايمكنالجزمفيها. يقولجورجمونان (Georges Mounin) ”يحددتاريخنشوءاللسانياتبحسبنظرةالباحثإليها،فمنالمم كنأنيقالأنهانشأتفيالقرنالخامسقبلالميلاد،أوفيسنة 1816 معفرانزبوب،أوفيسنة 1916 معديسوسير،أوفيسنة 1962 معتروبتزكوي،أوفيسنة 1956 معتشومسكي.“. يبينهذاالقولمدىاختلافالباحثينلافيتحديدعلماللسانالت حديدالعامموضوعاومنهجا،بلوفيتقييمالنظرياتالمذهبيةوم ايتبعهامنمناهجالتحليل.
بدايات التحليل العلمي للسان البشري:
الدراساتاللغويةقبلظهورعلماللسانالحديث
اختراع الكتابة
إن ”الذين اخترعوا الكتابة وطوروها هم في الحقيقة من أكبر اللسانيين، بل هم الذين ابتدعوا اللسانيات.“ هذا ما كتبه أنطوان ميي للتعبير عن أن أول تفكير علمي حول اللسان بدأه أولئك الذين فكروا في كيفية الحفاظ على الكلام الزائل الذي يتلاشى بتلاشي أصواته المنتشرة في الهواء. وهكذا تمكن بني البشر، بواسطة هذا الاختراع العظيم، من التواصل عبر مسافات بعيدة، بل وبين الأجيال المتعاقبة.
مرت الكتابة بأطوار؛ فبدأ الإنسان يستعمل للتعبير عن المعاني الصور كالنقوش على الحجر، وتسمى الكتابة التصويرية الرمزية للمعاني، وبعد مدة، وللتخفيف من مشاق الكتابة التصويرية وتعقيدها، وضع كتابة تصور رمزيا حروف الهجاء، وقد تم ذلك على يد الفينيقيين الذين جعلوا لكل حرف صوتي صورة واحدة بسيطة سهلة التصوير منذ ما يزيد عن الثلاثة آلاف سنة؛ ويعدهذا الاختراع امتداد للتطورات التي مست الأنظمة الكتابية على مدى قرون تعاقبت فيها الحضارات في بلاد الرافدين. وهكذا خرجت إلى الوجود الكتابة الأبجدية التي انتشرت في أكثر أنحاء العالم وكيفتها الأمم التي استعارتها منهم مثل اليونانيين الذين أضافوا صورا للصوائت غير الممثلة في أبجدية اليونانيين، وقد سميت حينها بالألفبائية المعروفة حاليا. كل هذا دليل واضح على قدم البحث وإعمال للتأمل في تحليل مدارج الكلام والتوصل إلى مستويي التحليل: مستوى العناصر الدالة، ومستوى العناصر غير الدالة، وتشخيصها بصفاتها الذاتية، والتمييز بينها بمقابلة بعضها ببعض.






الدراسات اللغوية عند الهنود:
الحضارة الهندية من الحضارات التي يشهد لها بعظمة إنجازاتها في مجالات عديدة كالطب، والفلسفة، والرياضيات، والهندسة. أما إنجازاتها في مجال الدراسات اللغوية فلا تخفى عن العيان لما تركوه من آثار مكتوبة غزيرة ذات قيمة علمية جمة. لقد وصل إلينا من جملة هذه الآثار كتاب خطير لأهم نحوي هندي يدعى بانيني. وهو لا يمثل في الواقع إلا حلقة متقدمة من أجيال النحاة الهنود الذين اهتموا بدراسة اللغة السنسكريتية (لغة الكتاب المقدس الفيدا) للحفاظ عليها من الضياع بسبب انتشار لغات أخرى مكانها في الهند.
جاء إذا كتاب بانيني المسمى ’الأست – أدهياي‘ ومعناه الكتب الثمانية متضمنا أربعة آلاف سوترة؛ وهي عبارات في غاية الإيجاز احتيجت إلى شروح كثيرة أهمها وأشهرها ال’مها بها سهيا‘ معناه: الشرح الكبير للنحوي الهندي المشهور ’باتنجالي‘ (150 ق.م.).
بنى الهنود دراساتهم اللغوية على المشاهدة والاستقراء (وهو منهج علمي أصيل)؛ فقد انطلقوا من خلال تصفح جزئيات اللغة السنسكريتية ومجاري كلامهم من مشافهة بعضهم لبعض، وبالنظر في النصوص القديمة. تميزت دراستهم بالمنهج الوصفي حيث ينظر إلى حالة اللغة في زمان معين ولا ينظر إلى التحولات التي تطرأ عليها على مر الأيام، وهذا يجعل من تحليلهم تحليلا بنويا كما نلفيه الآن في الدراسات اللغوية الحديثة أو ما كان سائدا عند العلماء العرب قديما.
الدراسات اللغوية عند الإغريق:
فيالقرنالسادسقبلالميلادبدأالفكرالإغريقييتبلورفيجمي عالميادين وعلى الأخص في مجال الفلسفة. ولذا فليس من المستغرب أن نجد ملاحظات عديدة حول اللغة فزيادة على تعليم النحو عندالنحاةالإغريقوهدفهم تلقينالمتعلمالكلاموالكتابة، مع ماعرفعنهؤلاءالنحاةأنهمأولعوابالنظرالعقليوالمنطقيفي اللغةوالنحو الذيعدوهجزءامنالفلسفة،وبالتاليمنالبحثالعامفيطبيعةا لعالمالذييحيطبهموالنواميسالاجتماعيةالتيتحيطبهموتتح كمفيهم.
ومنالمسائلالمثيرةللانتباهذلكالجدالالذيدامعدةقرونبي نعلماءالإغريقحولنشأةاللغةوأدىبهم إلىالانقسامإلىفريقين :الطبيعيونوالاصطلاحيون.يرىالفريقالأولوعلىرأسهأفلاط ونأناللغةمنصنعالطبيعةأيأنهاانحدرتمنأصلتحكمهقوانينخ الدةغيرقابلةللتغييروأخذتبهذاالرأيمدرسةالشذوذيينوعل ىرأسهاقراطيسومدرسةالرواقيينمؤسسهازينونحواليق300مأم االفريقالثانيالذييتزعمهأرسطوفيؤكدعلىأناللغةوليدةال عرفوالتقليدوالتزمبهذاالرأيالقياسيونوعلىرأسهمأرسترا خوسوالأبيقوريونوعلىرأسهمأبيقور.
وقامعددمنعلماءالإغريقبدراسةمظاهرالنحووالصرففياللغة الإغريقيةالقديمةومنهم بروتاغوراس الذي قامبتمييزالأجناسالثلاثةفياللغةالإغريقية :المذكروالمؤنثوالوسطوقسمالجملإلىأنواعحسبالوظائفالد لاليةالعامةللتركيبالنحويةالخاصةمثل: السؤالوالإثباتوالأمروالتمني. وأما أفلاطون فأولمنتحدثبإسهابعنالنحوالإغريقيفدرسظاهرةالافتراضوا لتداخلاللغويوبينوجودأصلأجنبيلعددكبيرمنالمفرداتالإغ ريقيةوقسمالجملةإلىإسميةوفعليةواكتفىبالتمييزبينالأس ماءوالأفعالورأىبأنالأسماءهيالعباراتالتيتدلعمنيقومب الحدثفيالجملةوأنالأفعالهيالعباراتالتيتدلعلىحدثأوصف ةفيالجملة.غير أن تلميذه أرسطو خالفه في أمورعدةمنهاالنظرةالفلسفيةللكون.وأصلاللغةوطبيعتهاوع لىعكسأستاذهفإنهلميقمبصياغةأصولالكلماتومعانيهالأنقض يةالمعنىالأصليبدتلهغيرمهمةعلىالإطلاقوذلكلاعتقادهبأ ناللغةوليدةالاصطلاحوالعرفوالتقليدويرىأرسطوأنكلشيءف يهذاالعالميتكونمنشكلومادة.واكتشفأرسطوأيضاصيغالفعلا لمختلفةفياللغةالإغريقيةوأكدعلىأنالتغيراتالمنتظمةفي أشكالالفعلترتبطارتباطاوثيقابمفهومزمنحدوثه.
لقدنظرنحاةالإغريقإلىالعالمبمنظارفلسفيميتافيريقي،فا صطبغتقواعدهمبصيغةفلسفيةعقلانيةأثرت أيما تأثير على الدراسات اللغوية الأوروبية.

الدراسات اللغوية عند الرومان:
تأثر الرومانيونباليونانيين أشد التأثرومثال على هذا التأثر استمرار الصراع بين أصحاب القياس والشذوذ والطبيعة والاصطلاح ولذا حاولوا دائما إخضاع دراسة لغتهم إلى القوانين المسننة من طرف الإغريق واكتفوا بتبني ونشر أفكارهم.
كانت بدايات الدراسات اللغوية عند الرومان على يد الرواقي الشهير "قراطيس" لتشهد روما بعدها تدفق عدد كبير من العلماء الإغريق وعنهم أخذ الرومان الاهتمام بلغتهم اللغة اللاتينية.
الدراسات اللغوية عند العرب:
ترجع نشأة النحو العربي حسب الروايات المتوارثة إلى خشية المسلمين على القرآن الكريم من مخاطر اللحن والتحريف؛فقد كان مصحف عثمان ابن عفان رضي الله تعالى عنه يعوزه الشكل والتنقيط مما أدى إلى انتشار اللحن بين أقوام من غير العرب قد دخلت في الإسلام فقام أبو الأسود الدؤلي بوضع الشكل نقاطا أملاها على كاتبه إذ يقول له: "إذ رأيتني فتحت فمي بالحرف فأنقط نقطة فوقه على أعلاه وإن ضممت فمي فأنقط بين يدي الحرف وإن كسرت فأنقط النقطة نقطتين ومن هذه الحادثة يتضح لنا أن النحو العربي قد وضع لخدمة أغراض تطبيقية بحتة.
والنحو عندهم كما يرى ابن جني: "والنحو هو انتحاء سمت كلام العرب...ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها بالفصاحة فينطق بها" هذا هو الهدف من النحو وكان العرب يعظمون النحو والنحاة حتى ذهب بهم الأمر إلى تسمية كتاب سبويه الكتاب بأنه قرآن النحو ومن النحاة العرب الأوائل الخليل بن احمد الفراهيدي100هـ-175هـ وكان قد عالج عدة نظريات تتعلق بالنحو والصرف والعروض والقياس والمعاجم والصوتيات؛وهذا ما جعل حسان تمام يقول عنه:إن دوره في بناء النظرية النحوية يضعه في منزلة النحاة لم يبلغها أحد قبله ولا بعده وقد بلغ النحو ذروته على يد سبويه، تلميذ الخليل، في أواخر القرن الثاني للهجرة. ومع انتشار الإسلام في العراق أصبحت الكوفة والبصرة مركزين من مراكز المسلمين فأنشأت مدرستان نحويتان هما مدرسة البصرة والكوفة وكان بينهما خلاف حاد في القضايا النحوية وتنافس شديد.
إن الدراسات النحوية العربية قد بلغت مستوى علمي رفيع ونضج فكري مستنير جمعت بين النقل والعقل والوصف والتحليل تناولت مظاهر عديدة لم يتطرق إليها علماء الغرب إلا في القرن العشرين ومنها المورفولوجيا والتركيب والدلالة والصوتيات وصناعة المعاجم.يقول برجشتراسر الألماني إنه لم يسبق الأوربيين في هذا العلم، أي الصوتيات، إلا قومان من أقوام الشرق هما أهل العرب والهنود و يقول فيرث الانجليزي: إن علم الأصوات قد نما وشب في خدمة لغتين مقدستين هما: السنسكريتية والعربية. ويقول فيشر« إذا استثنينا الصين لا يوجد شعب آخر يحق له الفخر بوفرة كتب علوم لغته غير العرب».
النحوالمقارن والدراسات التاريخية:
أولا: علم اللغة المقارن
كان لاكتشاف اللغة السنسكريتية في عام 1786م في الهند على يد وليام جونز أهمية كبرى في تاريخ الدراسات اللغوية؛ فقد ظهر جليا للدارسين إمكانية مقارنة اللغات وردها إلى لغة أم واحدة تفرعت عنها. وعلى إثر هذا الاكتشاف العظيم برز للوجود أسلوب مقارن هدفه الكشف عن أوجه القرابة بين اللغات ولا سيما بين اللغات الهندية الأوروبية. وقد برع في المجال المقارن كل من فريديرك فون شليجل، وفرانز بوب، وراسموس راسك، وشلايشر، وجاكوب غريم، إلى أن أصبح النحو المقارن في تحول بارز لنظرة الباحثين إليه دراسة تاريخية تعنى بالبحث التطوري والتعاقبي للغات.
ثانيا: اللسانياتالتاريخية:
هيدراسةتطور اللغةالواحدة عبرالأزمنةوكيفية المختلفةمنذالنشأةإلىالوقتالحاضرلمعرفتتاريخهامنذالع صورالأولى وأسبابالتغيرات الصوتيةوالنحويةوالدلالية التيتحدثإماداخللغةمعينةبواسطةالأفراد؛وإماخارجهاعنط ريقالاحتكاكباللغاتالأخرى.
وفيمايخصالمنهجالمتبعفياللسانياتالتاريخيةفإنالباحثي قومبجمععيناتلغويةمنالاسرةالواحدةويسجلالتطوراتالمتت اليةللكلمةالواحدةعبرمختلفالعصورثميحاولجاهدابناءالش كلالافتراضيالأولعلىأسسمنهجية تتمثل في: المنهجالمقارن،ومنهجإعادةالتركيبالداخلي، والمنهجالفيلولوجي.ومعنهايةالقرنالتاسععشرميلاديظهرت نتائجاللسانياتالتاريخيةمخيبة للآمال مماأدىإلىالاقتناعبضرورة التغيير. وكانأولمنأحدثالقطيعةالسويسريفيردينانديسويسرالذيطفق يحاضرفيفرعجديدمناللسانياتيعنىبدراسةاللغةدراسةوصفية .
علماللسانالحديث (فرديناندديسوسير):
يعود الفضل في ظهور اللسانيات الحديثة إلى نشر كتاب دي سوسير "محاضرات في اللسانيات العامة" (Cours de linguistique générale)سنة 1916 أي بعد ثلاث سنوات من وفاة صاحبه وهذا بعد أن جمع ألبير سيشهاي و شارل بالي محاضرات أستاذهما وقاما بتصفيفها ونشرها.
1. التعريفبموضوعالدراسةاللسانيةومنهجها
يقوم دي سوسير، في تأسيسه للسانيات الحديثة، بتوجيه مجموعة من الانتقادات للدراسات السابقة التي يقسمها إلى ثلاث مراحل هي:
مرحلة القواعد أو النحو المعياري: مؤاخذات دي سوسير لهذا المنهج الذي اعتمده الإغريق قبل أن يمتد إلى النحاة الفرنسيين من أتباع مدرسة بول رويال (Port Royal) تتمثل في:
- أن هذه الدراسة قائمة على المنطق بشكل جوهري، وهي خلو من أية نظرة علمية، سامقة على اللغة ذاتها، وتهدف إلى تقديم قواعد لتمييز الصيغ السليمة من الفاسدة؛
- إنها منحى معياري بعيد جدا عن الملاحظة الصرف وله رؤية ضيقة محدودة؛
مرحلة الفيلولوجيا التاريخية : تهدف هذه الدراسة إلى شرح النصوص القديمة وتفسيرها والبحث في خصائص أسلوب المؤلف بالاعتماد على المنهج التاريخي. عيوب هذه الدراسة، حسب دي سوسير، تتمثل في ما يلي:
- إنها تعتبر اللغة وسيلة وليست غاية؛
- تهتم بالنصوص المكتوبة وتقصي من اهتمامها الخطاب المنطوق، مع العلم أن اللغة ظاهرة منطوقة، وهذا ما جعلها تبتعد عن الدراسة العلمية الدقيقة؛
- إنها تعتمد على المنهج التاريخي العاجز عن الرؤية الشاملة للغة وعن الوصف العلمي الدقيق لنظامها ولمستويات التحليل الخاصة بها.
مرحلة الفيليولجيا المقارنة: تهدف هذه الدراسة إلى المقارنة بين لغتين فأكثر لكشف صلات القرابة بين اللغات؛ ظهرت مع اكتشاف اللغة السنسكريتية من قبل الأوروبيين على يد فرانز بوب (Frantz Bopp) واضع منهج النحو المقارن. ينتقد دي سوسير هذا النوع من الدراسات على النحو الآتي:
- إنها لم تكن لتقوى على تشكيل اللسانيات الحقيقية لكونها لم تتوخ استخلاص طبيعة غرض دراستها، أي أنها لم تحدد غرضا لمنهجها، بحيث إنها لم تكن تتساءل عن معنى التقارب الذي كانت تبحث عنه، ولم تهتم بأبعاد العلاقات التي كانت تكتشفها؛
- إن القواعد المقارنة لم تكن قادرة على الوصول إلى نتائج مهمة نظرا لكونها تحصر نفسها في المقارنة ولم تكن تاريخية؛
- إنها تعتمد على مبدأ خاطئ، وذلك حينما تكتفي بالبحث في الظاهرة الصوتية معزولة عن نظامها النحوي الآني الواردة فيه.
مهمة اللسانيات عند دي سوسير:
ما إن يفرغ دي سوسير في محاضراته من توجيه مجموعة الانتقادات للمناهج السابقة حتى يستقبلنا بالنظر في مهمة اللسانيات عنده وهي:
- السعي إلى الدراسة العلمية والموضوعية للسان البشري من خلال متابعة رصد شكله الآني الذي يبرز اللغة بوصفها بنى مترابطة ووحدات متعالقة بشكل منتظم ومتناسق يجعل منها نظاما من العناصر والقيم؛
- دراسة اللغة لذاتها ولأجل ذاتها؛
- تقديم الوصف والتأريخ لمجموع اللغات وهذا يعني سرد تاريخ الأسر اللغوية، وإعادة بناء اللغات الأم في كل منها ما أمكنها ذلك؛
- البحث عن القوى الموجودة في اللغات كافة، وبطريقة شمولية متواصلة، ثم استخلاص القوانين العامة التي يمكن أن ترد إليها كل ظواهر التاريخ الخاصة؛
- تحديد نفسها والاعتراف بنفسها وذلك باستقلالها عن باقي العلوم الأخرى.
منهج اللسانيات عند دي سوسير:
تعتمد النظرية التي وضعها وجردها دي سوسير على مجموعة من المبادئ التي لخصها لنا العلامة عبد الرحمن الحاج صالح في ما يلي، على أن يتم الحديث بالتفصيل عنها لاحقا:
- بناء دي سوسير لنظرية الدليل اللغوي من خلال تحديده للعلاقة القائمة بين الدال والمدلول، تفسر ماهية الدلالة اللغوية إلى حد ما. وإشارته بعد هذا إلى وجود علم أشمل من علم اللسان يتضمنه ويتضمن الأنظمة الدلالية التبليغية الأخرى، يسميه السيميولوجيا أو علم الأدلة أو علم السيمياء؛
- تمييزه بين اللغة والكلام؛ فاللغة وضع (code) (أو مجموعة منتظمة من الرموز) تصطلح عليها الجماعة ويشترك في استعمالها جميع أفرادها، وأما الكلام فتأدية فردية للغة. وخروجه بعد ذلك إلى الحكم بأن اللغة بهذا المعنى أي بما هو قدر مشترك، هي صورة وليس بمادة؛
- تحديده، بناء على هذا، لموضوع اللسانيات: هو اللغة لا الكلام في ذاته وإن كانت اللغة لا تظهر ولا يمكن مشاهدتها إلا من خلال الكلام أي من تأدية كل فرد لها ومن كيفية استعمال مجموع الأفراد لها. أما الظواهر الخاصة بالكلام فدراستها وإن كانت ضرورية لدراسة اللسان إلا أنها لاحقة بها وليست هي غاية علم اللسان في حد ذاته؛
- توضيحه لمعنى الارتباط في قول العلماء “إن اللسان نظام (Système) ترتبط فيه جميع أجزائه بعضها ببعض” على أساس اتحاد الهويات واختلافها أي على أن العناصر اللغوية في ذاتها أمثلة تبقى هي هي في أذهان المتخاطبين وإن اختلفت تأدياتها وعلى أن كل واحد منها يكسب هويته عند المتخاطبين بمخالفته ومقابلته لغيره (مبدأ التقابل). إلا أن الاختلاف – بمعنى التباين والتقابل- هو جوهر النظام نفسه. فاللغة كصورة هي مجموع المباينات (التقابلات) الحاصلة بين عناصره وعلى هذا فكل عنصر فيها كيان تبايني أو تفاضلي ونسبي وسالب غير موجب لأنه ينتج عن مقابلته لكل واحد من العناصر الأخرى ويتحصل وجوده بالنسبة إلى غيره ولا شيء يعتبر في نفسه إلا بالإضافة إلى غيره؛
- تمييزه بين نوعين من الدراسة: الزمانية والآنية. وأن النظام الللغوي في عمله الآني لا يمكن تفسيره بالعوامل التاريخية الطارئة بل يرد إلى النظام في حد ذاته وهذا ما لا يمكن ضمان نتائجه إلا عن طريق دراسة اللغة في زمن معين يكون حينها النظام اللغوي في حالة استقرار.
2. مفهومالبنية (النظام) عندديسوسير:
← شجرة
← حصان
يؤاخذديسوسيرسابقيهعلىرؤيتهمالمشظيةللغة لاعتبارهماللغةمدونةأيقائمةمنالعناصرالتيتحيلفردياوب طريقةمستقلةإلىأشياءالعالم.
مثال: كلمةشجرةتطابقمباشرةالشيءالممثلفيالرسموكذاالأمربالن سبةلكلمةحصانالمطابقةللحيوانالمرسومههنا. ومن ثم فلكلشيءفيالعالماسميعينهويطابقه. معرفةلغةماهوإذامعرفةالأسماءالتيتعينأشياءالعالم؛ وهذا ما ينتج عنه وجود لغة واحدة مشتركة بين جميع أبناء البشر غير أن الواقع يكذب هذه الفكرة.
وبالمقابل فإن دي سوسير عرف اللغة على أنها كلمنظم،وهينظام(système) يتحددبداخلهكلعنصرانطلاقامنالعلاقاتالتييقيمهامعالعن اصرالأخرى. وأن اللغةلاتقتصرعلىقائمةمنالأسماء (مدونة) لكنعلىنظاممنالعلامات (signes). وبذلك أصبحت فكرةأناللغةتشكلنظاماأساسيةوهيالتيتشكلالأطروحةالرئي سةالتيتحددتانطلاقامنديسوسيروهيالتيتعطيلمفهومالنظام دورامركزيا.
تعريفالنظام
نظامماهومجموعةمنالعناصرالمتجانسة: ومنهناوجبتحديدعناصرنظاماللغة،وسوفنرىأنديسوسيرلايست عملمصطلح ”كلمة“(mot) بل ”العلامة“ (signe). لاتتحددقيمةالعناصرإلاسلبيامنخلالالتقابلاتالتيتقيمه افيمابينها على أساس اتحاد الهويات واختلافها.
فينظامماالعلاقاتبينالعناصر(العلامات) هيالتيتعلوعلىالعناصرولذاوجبتحديدالطبيعةالدقيقةللعل اقاتبينعناصرالنظاماللغو، فبعد أن يتم تصنيف العناصر، والنظر في العلاقات القائمة في ما بينها، يستطيع الباحث الكشف عن القانون المنظم لهذه العلاقات بين العناصر، اللغوية هنا، وهذا هو هدف اللسانيات المعلن.
3. أهمثنائياتديسوسير
- اللغةوالكلام:
خلص دي سوسير، بعد النظر في الوقائع اللغوية إلى تحديد ثلاثة مفاهيم تعد أساس النظرية اللسانية الحديثة؛ وهي:
أ‌. اللسان:
اللسان ملكة يشترك فيها جميع بني البشر وتتجلى في تلك القدرة البشرية، أو في ذلك الاستعداد الذي يولد به الطفل ويؤهله لاكتساب اللغة من المجتمع واستعمالها. وهذا الاستعداد يجعل من الإنسان مختلفا جدا عن باقي الكائنات الحية الأخرى ولا سيما الحيوانات التي تولد وهي مزودة أصلا، غريزيا، بنظام تواصلي.
ب‌. اللغة:
هي تلك القواعد، الصوتية، والصرفية، والتركيبية، ...، التي يتواضع عليه الناس وتتموضع بشكل لا شعوري على مستوى أدمغة المتكلمين من المجموعة اللسانية الواحدة.
ج. الكلام:
هو الإنجاز الفعلي للغة؛ وهو عبارة عن سلسلة صوتية يتصل بعضها بعضها الآخر إتصالا وثيقا، فنحن لا نتكلم أصواتا منفردة و إنما كلمات وجمل وملفوظات. وتتشكل آلية الكلام من جانبين: جانب عضوي، وجانب نفسي. وحركة الكلام تبدأ من الرباط النفسي أو العقلي الذي سبق الاتفاق عليه في عقول المتكلمين بين دلالة معينة ومجموعة من الأصوات ترمز إليها وسرعان ما تنتقل إلى عملية عضوية عن طريق إشارات عصبية يرسلها العقل إلى الجهاز النطقي لإنتاج الصوت المطلوب وفي الحال تبدأ مهمة الجهاز النطقي الذي يصدر أصوات متتابعة مسموعة تنتقل عن طريق الموجات الصوتية أذن السامع وأذن السامع بدورها توصل الرمز الصوتي الذي استقبله إلى العقل الذي يعطي هذه الرموز ومدلوله أسواء اتفق الفهم تماما مع ما في ذهن المتكلم أم لا.
إن سر العملية الكلامية كلها يكمن في تلك الصلة القائمة في عقول إثنين بين الرمز والمدلول وما عدا ذلك من العملية الكلامية فهو عضوي طبيعي ميكانيكي.
إن التقابل بين اللغة والكلام أنتج مجموعة من الظواهر المتفاوتة يمكن وصفها:
اللغة ضرورية عند دي سوسير لكي يكون اللفظ واضحا ومفهوما ولكي يحدث تأثيراتها إلا أن اللفظ ضروري لكي يقوم اللغة.فالعلاقة بينهم علاقة الجوهر بالعرض.
اللغة: - ثابتة ومستقرة إلى حد ما؛
- تفرض علينا من الخارج ويكتسبها الفرد بطريقة سلبية ويكون ذلك عادة في الطفولة؛
- لا يمكن أن تتغير أو تستبدل تبعا لمزاج الفرد وأن أي ابتكار خارج لابد له من موافقة الجماعة اللغوية قبل أن تجد طريقة إلى نظام اللغة؛
- نتاج الجماعة و ملك لهم.
الكلام: - شيء عابر سريع الزوال؛
- نشاط متعمد مقصود؛
- يتسم بالفردية.
وبما أن دي سوسير انطلق في تحديده لعلم اللسان من مفهوم اللغة باعتبارها نظاما فقد قدم اللغة في الدراسة على الكلام؛ وهذا متوقع من دي سوسير الذي بنى نظريته على مفهوم النظام أو البنية فحتى تكون الدراسة بنوية، من الضروري أن تجعل من اللغة منطلقا لها أي إيلاء الأسبقية للسانيات اللغة على لسانيات الكلام.
غير أن المشكلة القائمة هنا هو عدم تمكن الباحث من ملاحظة اللغة بحكم أنها ضمنية متوضعة في دماغ الناطقين وأنه لحد الساعة لا يمكن لعلم تشريح الدماغ من الوصول إلى المناطق المخصصة للغة لمعرفة ما هي عليه في الواقع، فهنا يتدخل الكلام باعتباره نتاجا للغة ليكون الدليل على القواعد اللغوية، فيلجأ الباحث مضطرا للعمل على مدونة كلامية ليصنف أولا الوحدات اللغوية على مختلف مستوياتها، وليلاحظ العلاقات القائمة بينها وحتى كشف أو يستقرأ القوانين التي سمحت بإيجاد تلك الصيغ الشكلية والتعابير المادية أي الكلام.
الدالوالمدلول
1. تمهيد:
نقل المعنى من شخص إلى آخر يرتكز على وجود الدليل اللغوي. كان دي سوسير سباقا إلى تحديد هذا المفهوم الهام بطريقة دقيقة بواسطة المفاهيم الآتية:
يتكون الدليل من قسمين:
ا) القسم المادي: الدال (الصورة السمعية، الصورة العقلية للدليل، التمثل العقلي الصوتي)
ب) القسم غير المادي: المدلول (القسم المفهومي للدليل، المفهوم).

الدليل االلغوي هو إذا اجتماع دليل ومدلول (المعنى). ومن الصعب تصور أحدهما دون الآخر.
المدلول يتشكل من عناصر دلالية تسمى بالسمات الدلالية وهو مفهوم نابع من علم الدلالة. السمات الدلالية تعرض عادة من قبل اللسانيين على شكل خصائص ثنائية (فاعلة أو غير فاعلة تكتب بواسطة ”+“ أو ”-“.
مثال:
المدلول (رجل) يمكنه أن يضم السمات الدلالية الآتية:
[+ حيوان] [+ عاقل]. وبتحديد أن الرجل حيوان عاقل نقابله بالحيوان غير العاقل، ونقابله بالجماد، وبالنبات وهي ليست حيوانات.
2. دي سوسير والدليل اللغوي
"إن العلامة اللغوية لا تربط شيئا باسم بل تصورا بصورة سمعية، وهذه الأخيرة ليست الصوت المادي، الذي هو شيء فيزيائي صرف، بل هي الدفع النفسي لهذا الصوت...
إن العلامة الألسنية إذن هي كيان نفسي ذو وجهين يمكن تمثيله بالشكل التالي..."

يمكننا إعادة بناء تصور دي سوسير للعلامة اللسانية حسب الشكل الآتي:

3. خصائص الدليل اللغوي
إعتباطي: العلاقة التي تربط الدال بالمدلول علاقة وضعية غير طبعية غير حتمية. يقولعبدالقاهرالجرجاني "إنالكلمةالمفردةفيدلالتهاعلىمعناهاليستمنإملاءالعقلب لهيمحضاتفاقفلوأنواضعاللغةقدقال " رضبمكانضرب" لماكانفيذلكمايؤديإلىفساد".
غير أن هناك استثناء يتمثل في الدال المحاكي للصوت الطبيعي مثل: مواء القطة، صياح الديك...إلخ. نتنبه إلى أن هذا التطابق نسبي على كل حال إذ كل لغة تستعمله بشكل خاص بها وفق تمثل الواقع الخارجي من قبل المتكلمين مثل: صوت البط: عند الفرنسيين: (couin - couin، وعند الانجليز: (quack - quack)
وضعي: لكي يتفاهم أعضاء مجموعة واحدة يجب أن يتفقوا على نفس الوضع أو على نفس العلامات.
خطي: الدال يتسلل بطريقة خطية وفق المحور الزمني. يلزمنا مدة معينة للتلفظ بكلمة فالأصوات في كلمة ”رجل“ تتعاقب الواحد تلو الآخر بطريقة مضبوطة حتى يحصل التفاهم
كيان تفاضلي سلبي: تجرى مجاريه بوجوده أو بعدم وجوده فهو يدل على مدلوله عند مقابلته مع دليل آخر وهو ينتمي إلى نظام، نظام اللغة المعينة ولا يكتسب قيمته إلا عند تقابله مع أدلة أخرى تنتمي إلى نفس النظام.
ثبوت العلامة وتغيرها: تمتاز اللغة بالجمود ونتاج قوى تاريخية تقاوم كل تغير اعتباطي ولذا يستبعد حدوث تغير لغوي مفاجئ وسريع. وبالمقابل تتغير اللغة بالتدريج عبر الزمن من ناحية المفردات ومعانيها ومهما تكن قوى التغير فإنها تؤدي إلى تبدل العلاقة بين الدال والمدلول.
4. نقد 1
يقصي دي سوسير ”المرجع“، أي الشيء الخارجي الذي تحيل عليه العلامة اللسانية، من مكونات العلامة اللغوية، واعترض عليه أوقدن و ريتشارد معتبرين أن المرجع مكون هام من مكونات العلامة وعبرا عن فكرتهما في الشكل الآتي:

5. نقد 2
اعترض إميل بنفنيست على دي سوسير في مفهوم العلاقة الاعتباطية بين الدال والمدلول على أنه حكم خاطئ فالعلاقة الاعتباطية هي بين الدال والشيء الموجود في الواقع الخارجي. ويرى بنفنيست أن الربط الجوهري بين الدال والمدلول ليس اعتباطيا بل العلاقة تلازمية أي أن أحدهما سبب في وجود الآخر.

وردة المنتدى
2012-08-14, 05:16
هذه محاضرات السدلسي الاول لمقياس السانيات العامة لمساعدة الطلبة المقبلين على تخصص ادب

نائلة
2012-08-22, 00:43
بارك الله فيك على هدا المجهود

نائلة
2012-08-22, 00:44
ياريت عناوين جديد لمذكرات تخرج نظام ل م د تساعدنا في الأختيار

تسنيم الحياة
2012-08-24, 21:44
مشكوووووووووووووووووووووورة يا دلاااااااااااال

وردة المنتدى
2012-08-27, 21:42
في اي سنة تدرسين و اي جامعة اختي نائلة

شوية عبد القادر
2012-08-30, 02:38
أرجو من الأخوة الكرام تزويدي بمذكرات تخرج أو مراجع حول الشعر و النثر الصوفي

mino.hirochima
2012-09-19, 11:35
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أنا تلميذ سنة أ ولى ادب عربي بالمدرسة العليا للاساتذة
ممكن مساعدة في الدروس او الاختبارات وبارك الله فيكم

مصطفى الجزايري
2012-09-23, 21:20
ممكن سؤال :
من الأسبق الشعر أم النثر؟؟؟

sam02000
2012-09-24, 11:37
الشعر اسبق

الشعر : هو كلام موزون مقفى يعتمد على الخيال و العاطفة
النثر : هو كلام غير موزون و غير مقفى يعتمد على العقل و الفكر و البرهان
من حيث الاسبقية فى الوجود :
الشعر اسبق فى الوجود من النثر حيث يعتمد الشعر على الخيال و العاطفة فى حين إعتماد النثر على التفكير و البرهان و العاطفة و الخيال لا شك اسبق فى الوجود من التفكير و البرهان

khaoula belka
2012-10-04, 17:44
hhhhhhhhhhhhhhhhhhhh

ايلول20
2012-10-09, 13:18
من فضلكم اريد مساعدة في علم اللسان وتحليل الخطاب باسرع وقت ممكن ارجوكم ساعدوني

جولاياتي
2012-10-14, 15:47
Merciiiiiiiiiiiii

جولاياتي
2012-10-14, 18:04
merciibkkkkkkkkkkkkkkkk

اسامة مسلم
2012-10-19, 16:05
السلام عليكم و رحمة الله و برطاته
اريد بطاقة فنية حول الشعر مميزات الشعر في عصر الانحطاط اسباب و نتاآآآآئج

وجزاكم الله كل خيــــــر

abdo32000
2012-10-25, 18:42
ممكن بحث عن خصائص اللغة و الكتابة و مميزات كل منها و تطورهما

khaoula belka
2012-10-26, 12:46
ساعدوني من فضلكم اريد بحث عن المنهج الاستدلالي

ماسيلا
2012-10-27, 08:01
من يستطيع ان يقدم لي تحليل مثل القرد و النجار في كليلة و دمنة و تحليل المقامة المكفوفية و ذكاء الخليفة المعتضد (كتاب الأذكياء لابن الجوزي)

حبة سكر
2012-10-28, 17:18
لازمني بحوث و محاضرات السنة الثانية ادب عربي

omarzant
2012-10-31, 21:36
بحث قمت به
سنة ثانية نقد قديم
البحتري وابي تمام -دراسة نص نقدي عنهما-

مقـــــــــــــــــــــــــــــــــــدمـــــــــــ ـــــــــــــــــة
سئل أبو العلاء المعري ذات يوم عن أي من الثلاثة أشعر من غيره في الشعر فكان رده " أن المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر هو البحتري".
تأثر البحتري كثيراً بشعر الكثير من الشعراء الكبار وعلى رأسهم أبو تمام الذي أخذ الكثير من أقواله، ولكنه لم يأخذ الحكمة في أغراض شعره ولا قام بصبغه فلسفية، وقد اعتنى البحتري بانتقاء ألفاظه فتجنب المعقد منها والغريب، وقد كان من أفضل شعراء عصره في المدح لذلك حصد الكثير من الجوائز والعطايا من الخلفاء والملوك.
التعريف بالبحتري
ولد البحتري بمدينة (منبج) شرقي حلب سنة 206هـ ، ونشأ في باديتها , في قبائل بني طيء , ورحل إلى العراق ليتكسب بشعره , فلم يلق حظوة فعاد إلى الشام خائبا حزينا ناقما. ولما مات الواثق وبويع المتوكل سنة 223هـ عاد البحتري إلى العراق واتصل بالفتح بن خاقان وزير المتوكل وبالمتوكل نفسه ونال منهما عطاء جزيلا لم ينله مثله عند من جاء بعدهما من الخلفاء. ولما قتلا رثاهما بقصيدة عصماء, وعاد بعد ذلك إلى منبج ولم يلبث إلا قليلا حتى عاد إلى العراق ومدح من الخلفاء المنتصر والمستعين والمعتز والمقتدر, ولكن لم ينل منهم ما كان يأمله من النعم فهجاهم هجاء قبيحا بعد أن خلعوا, كما هجا بعض الولاة والأمراء بعد أن مدحهم, ولذلك كان يرمى بقلة الوفاء.
عاد إلى الشام واعتزل في بلدة منبج حتى مات عن 78 عاما
وكان على فضله وفصاحته من أبخل خلق الله ، وأكثرهم فخرًا بشعره ، حتى كان يقول إذا أعجبه شعرهُ أحسنْتُ والله، ويقول للمستمعين : ما لكم لا تقولون أحسنت ؟
وكان شعره كله بديع المعنى، حسن الدّيباجة، صقيل اللفظ، سلس الأسلوب، كأنهُ سيل ينحدر إلى الأسماع مجودًا في كل غرض سوى الهجاء ، ولذلك اعتبره كثير من أهل الأدب هو الشاعر الحقيقي، واعتبروا أمثال أبي تمام والمتنبي والمعري حكماء كما سبق عن المعري .من شعره في وصف الربيع
أتاك الربيع الطـلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النوروز في غسق الضحى أوائل ورد كن بالأمس نوما
يفتقها بـــرد الندى فكأنما يبث حديثـــــا كان قبل مكتما
فمن شجــر رد الربيع لباسه عليه كما نشرت وشيا منمنما
أحل فأبدى للعيون بشاشة وكان قذى للعين إذ كان محرما
التعريف بأبي تمام
ولد أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قرية (جاسم) بالقرب من دمشق سنة 188هـ ، التحق بكُتَّاب القرية ليتعلم القراءة والكتابة، ولكنه كان يعمل بمهنة الخياطة، ليساعد أباه وفي غمرة انشغاله بالعمل لم ينس أبدًا حبه للعلم والتعلم، فكان يتردد عقب انتهائه من العمل على حلقات الدرس في مساجد مدينة دمشق بعد فقد كان أبو تمام يهوى الشعر والأدب..
رحل إلى مصر، فأقام في مسجد عمرو بن العاص، وقضى بها خمس سنوات، كان يعمل خلالها في سقاية الماء، كما كان يتعلم من خلال استماعه للدروس التي تعقد في المسجد، فألمَّ بالفقه والتاريخ والشعر والحديث والفلسفة، ولكنه كان يميل إلى الأدب والشعر.
وتفتحت موهبة أبي تمام في نظم الشعر، فأخذ يتكسب به، لكنه مع ذلك لم يحقق ما كان يرجوه من تحسين أحوال معيشته، فانصرف أبو تمام إلى الرحلات، وأخذ ينشد الشعر في شتى البلاد، فذاع شعره وانتشر، حتى سمع به الخليفة المعتصم، فاستدعاه وقربه منه، فكان ذلك فاتحة خير عليه وتحسنت حالته، وأخيرا استقر به المقام في الموصل؛ فظل بها حتى توفي بها في عام 231هـ


من أهم الافكار النقدية الواردة في النص
نجد اهمها في الطبع والتكلف الذي قام في العصر العباسي لنتيجه ثنائيه مدرستان, اولهما: مدرسة المطبوعين. وعلى رأسهم البحتري. والاخرى: مدرسة المتكلفين,وفى مقدمتهم ابو تمام, وطال النقاش حول الشاعرين واتجاههما, وعناصر الطبع والعفويه عند البحتري, وأسباب التكلف وأدخال المنطق والاقيسه العقليه في الشعر عند ابي تمام . وقامت الدراسات وألف الامدي كتاب الموازنه بين الطائيين. ومما قاله فيه: ( أنا أذكر بأذن الله الان في هذا الجزء المعاني التي يتق فيها الطائيان فأوزان بين معنى ومعنى وأقول أيهما أشعر في ذلك المعنى بعينه, فلا تطلبني أن اتعدى هذا الى أن أفصح لك أيهما أشعر عندي على الاطلاق فأني غير فاعل ذلك........ وأن أبتدىء بما سمعته من أحتجاج كل فرقه من أصحاب هذين الشاعرين على الفرقه الاخرى عند تخاصمهم في تفضيل أحدهما عن الاخر))
فمهما اوغلنا في النقاش حول التكلف والطبع في الشعر تبقى لابي تمام والبحتري قصائد جيده وأخرى لا تماثلها مستوى وثالثه بين بين, ويقرأ الناس لهذا وذاك ويعجبون ويرفضون, ولم يتغير الذوق الادبي والمفاهيم الشعريه السائده أيام المعتصم عنها أيام المتوكل2 فالقضيه نوع من التقسيم والتصنيف والتحديد وهيمنة النقاد على الذوق الادبي.
هناك شعر جيد صادر عن تجربه وفهم وصدق وموهبه عالميه, لا تملكالا ان تعجب به تطرب, وهناك شعر آخر مصطنع بارد لاتخفى على القارىء عوامل الضعف فيه ولا يخلو شعر شاعر من قوة وضعف وصدق وأفتعال.

وهذا ينسب على ابي تمام والبحترى والشعراء الذين وصفوا بالمطبوعينوالمتكلفين
المسأله اذن هي مصطنعه لاثارة المعارك الادبيه وهي متكلفه أصلا ولا تستدعي عناءا كبيرا وأن استمر الحديث عنها أحقابا طويلة
عمود الشعرلدى البحتري
لعل أبرز ما يميز البحتري من سابقيه المحدثين أنه في عرف النقاد القدماء "ما فارق عمود الشعر، وطريقته المعروفة"(إذ هو في نظرهم النقدي شاعر مطبوع، تهش النفس لنسيبه، والقلب يعلق به، والهوى يسرع إليه لأن في شعره يعرف الفرق بين السمع المنقاد والأبي المستكره، لصدوره عن عفو خاطره وأول فكرته). فهو نموذج للسهل على الشاعر المطبوع ، الممتنع على غير المطبوعين، من مثل قوله

أُلام على هواك وليس عدلاً إذا أحببت مثلك أن أُلاما
أعيدي في نظرة مستثيب توخى الأجر أو كره الاثاما
تري كبداً محرقةً وعيناً مؤرقةً وقلباً مستهاما
تناءت دار علوة بعد قربٍ فهل ركبٌ يبلغها السلاما
وجدد طيفها عتباً علينا فما يعتادنا إلا لماما
وربت ليلةٌ قد بت أسقى بعينيها وكفيها المد اما
قطعنا الليل لثماً واعتناقاً وأفنيناه ضماً والتزاما
إذ لا يرى القدماء في مثل هذا الأسلوب الشعري المطبوع ما يتعارض ومقومات الشعرية الشفاهية، التي تتطلب المعنى المألوف المتواضع عرفياً على حمده وتنأى عن المعنى المبتذل وتألف الألفاظ التي ألف الشعراء تداولها وكان للشعر ألفاظاً مخصوصة فلا تجد في المطبوع على الشعر لفظاً مشهراً (عامياً) مستعملاً، إنما يصدرها الطبع عن أول فكرته وعفو خاطره، فلا تحس صنعة وإبداعاً ولا تدقيقاً أو أغراباً "ثم تأمل كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقد ما يتداخلك من الارتياح، ويستخفك من الطرب إذا سمعته، وتذكر صبوة إن كانت لك، تراها ممثلة لضميرك، ومصورة تلقاء ناظرك فابي تمام هنا يعنى بالجانب العاطفي الذي يبثه الشاعر في خلال خطابه الشعري، إذ يعمل ابي تمام على استقصاء الكثافة الشاعرية المشحون بها النص الشعري، كونه استعمالاً نوعياً خاصاً للغة، تعمل الظواهر المتشكلة في خلال هذا الاستعمال النوعي على التأثير في المتلقي جمالياً، ولكن المهم هنا، أن المنحى الجمالي الذي يتأثر به المتلقي عند ابا تمام هو الشكل الفني الذي هيمن عليه الحس وتلقاه على عفو طبع وأول خاطر في خلال مباشرة ووضوح تكشفان عن تجربة في إنتاج اللغة الشعرية في حدود المتواضع عليه من الآخر أكثر من الكشف عن تجربة الذات الشاعرة، التجربة هنا مكشوفة في كلام شعري معناه في ظاهر لفظه، تخييله يجعله قريب المآخذ في معناه، بعيداً عن المجاز الذي يعمل على التأويل أو التدبر العقلي.
ولما كانت مقومات الأسلوب الشعري عند البحتري صادرة عن هذا الاتجاه الذي نصح به من معلمه ابا تمام، من توخ للمعنى المقبول عقلاً والمدل على فهم لما ارتضاه الجمع فهو يندر أن يخرج على الإجماع، ومن قصد للفظ الجزل الخاضع لمقومات اللغة القياسية، ليكشف في خلاله عن طبع اعتاد على تداول التراث الشعري السابق حتى صار التطبع على التراث طبعاً فيه، ولما قال شعره بوحي من ذلك الطبع فإن خروجه على العرف السابق صار نادراً ومن هنا فهو ملتزم به، في سائر المقومات الجمالية لأسلوبه الشعري، إذ هو في لغة الوصف يكشف عن ذكاء في إصابة الموصوف وحسن تمييز بين ما يمكن أن يرتضيه العرف وما ينأى عنه الذوق السائد، وكأن رواية التراث الشعري السابق هي باعث الذكاء في وعيه، وإدمانه على استعمال المروى قد خلق في روحه أو وعيه ذكاءً وحسن تمييز وفطنة وحسن تقدير، تتشكل في ضوئهما فطنته في الخلق الشعري، ومقدرته الشعرية في الشكل الفني، على نحو تخلق فيه إدامة الدربة وطول الممارسة، طبعاً كأنه طبع الأوائل الذين قالوا عن فطرة لغوية لم يكن كلامهم الشعري ليصدر عن غيرها، فكأنه هنا يمتلك حيازة لسانية تؤهله لأن يكشف في خلال شعره عن قربه من الأصل.
لكن هذا القرب من الأصل عند البحتري الذي جعله غير مفارق لعمود الشعر وطريقته المألوفة، إذا لم يحقق لنفسه عبره تفرداً في الأسلوب الشعري، فسيكون إلى التقليد الجامد أقرب منه إلى التجديد المتغير.
ولما كان الذين رأوه ملتزماً بطريقة القدماء إما من اللغويين الذين يرون في القدماء أصلاً يستشهد بهم في اللفظ، والمحدثين فرعاً يستشهد بهم في المعاني على أحسن الحالات وإما من النقاد الذين يحتكمون في نقدهم إلى الشعر الجاهلي بوصفه كلام شعراء الجاهلية على أنه اللسان العربي، ويطلبون إلى المحدثين أن يصدروا عن مقومات الشكل الفني للشعر الجاهلي، على أنها مقومات الشكل الشعري الذي يمثل اللسان العربي وهذا إغفال لسمة التغيير التي يتصف بها الخطاب الشعري، فقد عدوا جيل الشعراء المحدثين السابقين، أقل التزاماً بعمود الشعر القديم، لأنهم نظروا في أساليب شعرهم إلى سمة التغير التي تميز الخطاب الشعري من جهة وتكشف عن تفرد كل شاعر بأسلوبه الخاص، من جهة أخرى لكن اللافت للنظر أن هذا التفرد في الأسلوب كلما كان كبيراً كان صاحبه مفسداً للشعر، لأنهم ينظرون إليه بالقياس إلى الشكل الشعري السابق فإذا "كان هذا شعراً فما قالته العرب باطل أي إذا كان هذا التغيير مأخوذ به مقبول، فما قالته العرب لا يقتضي الاتباع وعدم الاتباع يشير إلى البعد عن الأصل غير المتبع والأخذ بأسلوب جديد. وكما الأمر متصل بطريقة استخدام اللغة، فقد كان أبرز محاولة تحديث عن المحدثين استهدفت الخروج بالشعر من إطار وصف حياة جاهزة إلى حياة ومعان جديدة(كأن حداثة الشعر العربي بعد أبي نواس وأبي تمام اكتملت من جهة المضمون أو المحتوى ومن جهة الشكل الفني بكل مقوماته ولا سيما المجاز ومنه الاستعارة، وحين كان الشكل الفني معبراً عن أسلوبية النص الشعري وكاشفاً عن مقوماته الجمالية، وموحياً بالدلالة على ذائقة جديدة تغاير النص القديم ولا أقول تضاده، فقد قامت قائمته على النقد التطبيقي المحتكم إلى مقومات العمود الشعري القديم ناظراً إلى جانب التقليد فيها لا إلى جانب التجديد، لإبراز الشعراء الذين التزموا عمود القدماء شعرياً، وإخراجاً لغير الملتزمين بدائرة العمود فكانت المقارنة على أشدها بين أبي تمام الذي "انفرد بمذهب اخترعه وصار فيه أولاً وإماماً متبوعاً، وشهر به، حتى قيل: هذا مذهب أبي تمام، وطريقة أ بي تمام. وسلك الناس نهجه واقتفوا أثره) وبين البحتري الذي وصف عندهم بأنه "أعرابي الشعر مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب، التعقيد، ومستكره الألفاظ، ووحشي الكلام
والواقع أن عمود الشعر، بوصفه طريقة القدماء في الخلق الشعري، يكشف عن وجهين نقديين، الأول مباشر يشير إلى اتباع مقولاته أو مقوماته تقليداً، على نحو شبه جامد، والثاني إيحائي يكشف عن أن النظر المتأمل في النصوص التي ظهر العمود أثر تلقيها يدلل على أن روحية الفن غير الخاضعة للتقيد المطلق والتي صدر في ظلها النص الشعري الأول هي ما يجب أن ننظر إليه ونستوحيه، مستلهمين بواعثه على الخلق الشعري تلك التي لا تلغي شخصية الشاعر في خلال أسلوبه إنما تكشف عنها.
ولما صدر اللغويون والنقاد في قراءة النص الأول عن العناية القصوى ببنيته اللغوية من جهة الالتزام بالقواعد والأعراف القياسية للفظ الشعري، لفظاً وتركيباً، فقد كان رأيهم في عمود الشعر القديم معتمداً على الأخذ بالوجه التقليدي الأول وبوحي منه كانوا يقرؤون شعر البحتري الشاعر الأعرابي المطبوع كما يصفونه وهذا ما تكشف عنه قراءة شعره في خلال مقومات عمود الشعر.

شرح الــــــــــــــــــــــــنص

لما اراد البحتري صقل موهبته الشعرية وتهذيبها رحل الى حمص حيث كان ابو تمام فعرض عليه شعره واتصل به يتعلم منه واخذا بنصائحه المستنبطة من مسيرته الادبية وخبرته الشعرية في كتابة الشعر بما يلائم الزمان والمكان ويعجب الناس والنقاد بهدف تيسير الحال وراحة البال
وكان أول ما قال له ابو تمام : يا أبا عبادة تخير الأوقات أنسبها اليك وانت قليل الهموم صفر من الغموم أي لا تحمل هم الدنيا ولا متاعبها فلا تتغلب عليك ولا تؤثر فيك وأنت تكتب .وخير هذه الاوقات وقت السحر لما فيه من راحة الجسم والنفس.
وزاده يقول :
فاذا اردت النسب فاجعل اللفظ رقيقا والمعنى رشيقا أي الاخذ ببساطة الافكار من السهل الممتنع الجميل والممتع. واكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الاشواق ولوعة الفراق لغرض التاثير في السامعين .واذا اخذت في مدح سيد ذي اياد فاشهر مناقبه واظهر مناسبه واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة الى حسن نظمة. فان الشهوة نعم المعين وجملة الحال ان تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين فما استحسنه العلماء فاقصده وما تركوه فاجتنبه
فكان بذلك شعره كله بديع المعنى، حسن الدّيباجة، صقيل اللفظ، سلس الأسلوب، كأنهُ سيل ينحدر إلى الأسماع مجودًا في كل غرض سوى الهجاء ، ولذلك اعتبره كثير من أهل الأدب هو الشاعر الحقيقي.

الخاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــة
مهما اوغلنا في النقاش حول هذا النص النقدي لاسلوب الشعرالمتبع والموصى به من ابي تمام للبحتري فقد تبقى للشاعرين قصائد جيده وأخرى لا تماثلها مستوى وثالثه بينهما, ويقرأ الناس لهذا وذاك والنقاد يعجبون ويرفضون, فلم يتغير الذوق الادبي والمفاهيم الشعريه السائده أيام المعتصم عنها أيام المتوكلة. فالقضيه نوع من التقسيم والتصنيف والتحديد وهيمنة النقاد على الذوق الادبي.
هناك شعر جيد صادر عن تجربه وفهم وصدق وموهبه عالميه, لا تملك الا ان تعجب به و تطرب, وهناك شعر آخر مصطنع بارد لاتخفى على القارىء عوامل الضعف فيه ولا يخلو شعر شاعر من قوة وضعف وصدق وأفتعال.
وهذا ينسب على ابي تمام والبحترى والشعراء الذين وصفوا بالمطبوعين والمتكلفين






المراجع والمصادر

أعلام الشعراء العباسيين الطبعة : 259.
للمؤلف:سلمان هادي الطعمة
منشورات دار المعارف الافاق الجديده. بيروت
.
موسوعة عباقرة الأسلام (في العلم والفكر والأدب والقيادة) .
للمؤلف: الدكتور محمد أمين فرشوخ
دار الفكر العربي. بيروت
.
الجامع في تاريخ الأدب العربي.. الأدب القديم.
للمؤلف: حنا الفاخوري
.
كتاب تاريخ الأدب العربي.
للمؤلف: أحمد حسن الزيان

omarzant
2012-10-31, 21:38
قضية
الطبـع والتكـلف
فى التراث النقدى والبلاغى
قراءة جديدة


الدكتور
عيد بلبع

أستاذ البلاغة والنقد
كلية الآداب ـ جامعة المنوفية


الطبعة الأولى
1995






بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن دراسة قضية الطبع والتكلف التى نطرحها فى هذه الصفحات إنما هى محاولة تحديث ، وليسـت محـاولة رصد تاريخى أو تفسير أو حتى نقد، فهى أقرب إلى النقض ؛ لأننا لانبدأ فيها من حيث انتهى التراث ، بل نبدأ فيها من حيث بدأ ، فطول التأمل وتتبع القضية فى وجودها التراثى التاريخى يضع بين أيدينا حقيقة مؤداها : صلاحية المنطلقات وفساد الإجراءت ، والقراءة الناقضة التى نحن بصددها هادمة بانية فى آن واحد ، تؤكد امتلاكنا لهذا التراث بوعى وموضوعية ، وتدفع عنا مظنة الحذر والإشفاق على هذا التراث من الضياع أو الانصهار ، التى قد تؤدى فى نهاية الأمر إلى أسيجة كثيفة مــن العقــم الفكـرى والجمــود والتقوقــع فى اختناقــات الاتباعية ، التى تستهلك الزمان والإنسان بمحاولاتها التبريرية للإقناع بأحقية ما كان - فى ظل ظروف وملابسات بعينها ـ فى الكينونة الآن ، وفى ظل ظروف وملابسات مغايرة تماماً .
وفى مستهل هذه المحاولة أود أن أنفى أمرين عنها :
الأول : أنها ليست محاولة تعسفية لربط مقولات تراثية بمقولات حداثية ، فليس الهدف هنا هو إلصاق صفة الحداثة بالمقولات النقدية التراثية ، لأن محاولتنا هذه تأصيل لرؤية جديدة تنطلق من قضية الطبع والتكلف التراثية ، ولكنها تتجـاوز هـذه المنطلقات ، ولا تتنكر للمناهج النقدية الحديثة بل تستخدم العديد من مقولاتها فى محاولة التأصيل لثنائية الطبع والتكلف بوصفها رؤية نقدية ، ظلت حكماً نقدياً له حضوره الذى لاينكر فى التراث النقدى والبلاغى عند العرب حتى العصر الحديث .
والثانى : أننا لانهدف هنا إلى استقصاء المقولات النقدية الحديثة بمناهجها المختلفة ، كما أننا لانهدف إلى استقصاء مقولات منهج بعينه ، لأن هذه المناهج ليست ـ هنا ـ هدفـاً فى ذاتها ، لذلك نكتفى ـ وفق ما يقتضيه البحث ـ بالمقولات التى ترتبط بالقضية ارتباطاً وثيقاً ، وتعين ـ من ثم ـ على إعادة الوعى بهذه القضية .
لعل أولى نقاط التلاقى تتمثل فى الهدف العام : فكما أن المناهج النقدية الحديثة التى انطلقت من الألسنية تتجه بالنقد نحو الموضوعية فإن رؤية " الطبع والتكلف " النقدية ـ بوصفها حكما تقييمياً ظل يخضع للنظرة الانطباعية الذاتية ـ يمكن إفادته من انتهاج الموضوعية ، وهذا يمثل أحد الأهداف التى تسعى إليها هذه الدراسة بتجلية الأدوات النقدية بحيث يمكن الإفادة منها فى مَوضَعة الرؤية النقدية المنطلقة من فكرة الطبع والتكلف .
إن قضية الطبع والتكلف لمن القضايا النقدية التى استحوذت على اهتمام النقاد والبلاغيين العرب القدماء ، فلا يكاد كتاب من تراثنا النقدى والبلاغى يخلو من التعرض لهذه القضية بشكل أو بآخر ، وإن تباينت الرؤى للقضية وللشعر العربى فى ضوئها ، وقد أثرت هذه الرؤى على الشعر العربى سلباً وإيجاباً ، وحسبنا أننا لانختلف الآن على أن عصوراً كاملة للشعر العربى يمكن أن توصف بأنها عصور تكلف ، فقد نتـفق على هذا الحكم عند تعرضنا للشعر من القرن السادس الهجرى حتى عصر النهضة الحديثة ، وقد يتردد هذا الحكم ويُـقنع على الرغم من عدم جلاء الرؤية فى تحديد مدلول اصطلاحى لدال التكلف ، ربما لأنه قد وقر فى أذهاننا تصور عن مفهوم التكلف من خلال التناول التراثى المتكرر ، وإن كان غير محدد المعالم ؛ لخضوعه للنظرة الذاتية الانطباعية .
لقد كانت فكرة الطبع والتكلف معياراً جوهرياً فى تمييز بشر بن المعتمر بين منازل البلغاء التى حددها فى رسالته ، كما كانت معياراً بين يدى الجاحظ فى رده على الشعوبية فى كتابه " البيان والتبيين " ، ثم كانت محاولة ابن قتيبة التنظيرية لتحديد مفهوم للطبع والتكلفسابقةً ، على الرغم مما اعتراها من الاضطراب ، وظلت الفكرة تُـتَـناقل بين نقاد القرن الثالث حكما تقييمياً ، حتى جاء القرن الرابع فلم يلتفت ناقداه المنظران : ابن طباطبا وقدامة بن جعفر ، التفاتاً ذا قيمة للقضية ، بيد أن مفهوم الشعر عند كل منهما أبان عن موقف من القضية ، بالإضافة إلى التعليقات المتناثرة التى لاتخرج عن الأحكام التقييمية التى سادت فى القرن الثالث ، ولكن ما فات هذين الناقدين تـنبه له ناقدان آخران من الذين اهتموا بالمعالجات التطبيقية ، فقد أبان عبد العزيز الجرجانى فى مستهل كتابه " الوساطة " عن رؤية متعددة الأبعاد للقضية عرض فيها لنماذج من شعر جرير وأبى تمـام والبحترى ، كما اتخذ الآمدى القضية متكأ للعديد من أحكامه التى انتشرت فى كتابه " الموازنة " .
ثم أبانت معالجات أبى هلال العسكرى للمباحث البلاغية فى كتاب " الصناعتين " عن ارتباط القضية بهذه المباحث ، بدا ذلك واضحاً فى تعليقاته المتناثرة فى ثنايا كتابه هذا .
ولا شك أن العديد من الجوانب المتصلة بهذه القضية قد تبلور عند النقاد والبلاغيين فى القرن الخامس ، فجاءت نظرة المرزوقى - فى مقدمة شرح " ديوان الحماسة " - أكثر عمقاً ونفاذاً إلى جوهر القضية ، كما كانت معالجة ابن رشيق أكثر ثراء فى رؤيته للنماذج الشعرية من خلال مفهومه القضية والتمييز بين بعض الشعراء ، وقد تناثرت الإشارات إلى القضية فى ثنايا كتابى عبد القاهر الجرجانى " أسرار البلاغة " و " دلائل الإعجاز " .
وظلت الملاحظات فى الكتب النقدية والبلاغية تدور حول هذه المفاهيم حتى جاء حازم القرطاجنى ، فَنَفَذَ إلى العديد من الجوانب التى لم ينفذ إليها أحد من سابقية ، فى كتابه " منهاج البلغاء وسراج الأدباء " ، فقد تعرض للعوامل المهيئة للإبداع داخلية وخارجية ، كما جاء حديثه عن الفطرة والاكتساب ذا صلة حميمة بمقولات الدراسات النفسية الحديثة عن عملية الإبداع الفنى ، وما حديثه عن " الحيل الشعرية " سوى كشف لأسباب الصنعة والتجويد الفنى ليبلغ الإبداع مبلغه من التأثير فى المتلقى .
وفى أثناء هذه الفترات ظهرت أقوال وتعليقات عند بعض الفلاسفة الذين عرضوا لمسائل فى الأدب ومن أهمهم : الفارابى " فى رسالته فى قوانين صناعة الشعراء " ، وابن سينا فى " فن الشعر " من " كتاب الشفاء " ، وابن رشد فى " تلخيص الشعر " ، ولايكاد يخلو كتاب فى التراث العربى تناول قضية الشعر - بصورة أو بأخرى - من ذكرالطبع والتكلف أو الطبع والصنعة ، وإن اختلفت المفاهيم فى استعمالات هذه المصطلحات ووصلت إلى حد التباين أحياناً .
وقد ظل هذا التباين والتفاوت السمة الغالبة على أصداء هذه المعالجات التراثية فى الدراسات الأدبية الحديثة ، فوقف الباحثون والنقاد المحدثون من القضية مواقف شتى .
لقد سار المحدثون - فى مستهل هذا القرن - على نهج القدماء فاستعملوا مصطلحات القضية دون تحديد لمفاهيم هذه المصطلحات ، معتمدين فى معالجاتهم على الذوق والانطباعات الذاتية ، فتناثرت الأحكام فى مؤلفات د. طه حسين بالطبع أو التكلف وخصوصاً كتابيه فى " الأدب الجاهلى " ، و" مع المتنبى " ، كما اعتمد " عباس العقاد " على ثنائية الطبع والتكلف فى التمييز بين شعراء مصر فى كتابه " شعراء مصر وبيئاتهم فى الجيل الماضى" ، وعلى الرغم من منهجيه د. محمد مندور فى كتابه " النقد المنهجى عند العرب " فإن تعرضه للقضية لم يخل من أسر الاضطراب الذى انتشر فى كتب التراث ، وقد وقف د. شوقى ضيف موقفاً مغايراً من القضية ، حيث أعلن عن زهده فى جدواها فى كتابه " الفن ومذاهبه فى الشعر العربى " ثم عاد وقسم فصول كتابه هذا على هدى من معطيات القضية ذاتها ، إذ قسم المذاهب إلى : الصنعة والتصنيع والتصنع .
ولكن ذلك لم يحل دون ظهور بعض المعالجات التى اهتمت بتحليل موقف القدماء من هذه القضية ، منها تناول د. محمد مصطفى هدارة الصنعة عند شعراء القرن الثانى الهجرى بالدراسة فى فصل من كتابه " اتجاهات الشعر العربى فى القرن الثانى الهجرى " ، وقدكشفت هذه الدراسة عن ملاحظات هامة فى تناول القدماء قضية الطبعوالتكلف ، كما أفرد د. عثمان موافى فصلا فى كتابه " الخصومة بين القدماء والمحدثين " عرض فيه أراءهم فى القضية ، كما أشار إلى التضارب الذى ساد هذه المفاهيم ، وتعد هذه الدراسة- مع إيجازها - من أوفى المعالجات الحديثة للقضية .
كما تناول د. عبد الفتاح عثمان القضية فى فصل من كتابه " نظرية الشعر " ، ولكنه جاء امتداداً للعديد من المفاهيم المتضاربة المضطربة فى النقـد القديـم ، ولعل آخر هذه الدراسات ما نشـر فى مجلة عالـم الفكـر عــدد ( يناير - يونيو 1994 ) ، بعنوان " جودة الشعر عند نقاد القرن الرابع الهجرى بين الطبع والصنعة " للدكتور محمد الحافظ الروسى .
ولعل هذا العرض الموجز يلـقى بعض الضوء على تاريخ القضية فى التراث النقدى والبلاغى ، والدراسات الأدبية الحديثة ، وإذا كان الخلط والاضطراب الذى ساد معالجة القضية أو معالجة الشعر العربى فى ضوئها من أهم العوامل التى لفتتـنى إليها وحفزتنى لاستقرائها ، فإن الهدف من الدراسة قد تجاوز هذا الملمح إلى آفاق أخرى ، أرجو أن أكون قد وفقت فيها إلى إكساب القضية خصوبة وثراء بإعادة قراءتها وفق رؤية نقدية جديدة .
وفيما يلى أضع بين يدى الدراسة تمهيداً يضم مبرراتها وتحدياتها ومنهجها وأهم أهدافها .

omarzant
2012-10-31, 21:42
معجمية سنة 2 ادب عربي



اللغة خاصية إنسانية ينفرد بها الإنسان عن غيره من الكائنات وهي في أبسط وأوجز تعريفاتها:(أصوات يعبر بها كلّ قوم عن أغراضهم).
وتعدّ الكلمة هي المادة الأساسية في المعجم اللغويّ ومن هنا عُرِّف المعجم اللغويّ بأنّه (كتاب يضم بين دفتيه أكبرعدد من مفردات اللغة مقرونة بشرحها، وتفسير معانيها،على أن تكون المواد مرتبة ترتيباً خاصاً، إما على حروف الهجاء أو الموضوع، والمعجم الكامل هو الذي يضم كل كلمة في اللغة مصحوبة بشرح معناها واشتقاقها وطريقة نطقها وشواهد تبيّن مواضع استعمالها).
لذا كان تدوين المعجم ضرورة لغويّة لكل مجتمع متقدم، ليتمكن أفراده من معرفة الكثيرمن المعلومات التي توضح ما يحيط بالمادة الأساسية فيه ألا وهي الكلمة.
أما المادة في عُرْف اللغويين فكل ما يكون مدداً لغيره ومادة الشيء أصوله وعناصره التي منها يتكون حسيّة كانت أو معنوية ومواد اللغة ألفاظها.
وعلى الرّغم من وضوح الكلمة ومفهومها في الذهن إلا أن الخلاف بين علماء اللغة – قدماء ومحدثين – كبير جدّا في تحديد ماهيتها حيث إن للكلمة جوانب متعددة يمكن النظر إليها، كالجوانب الصوتيّة أو الصرفيّة أو النحويّة أو الدلاليّة ومن ثمّ تعددت التعريفات، وواجه كلّ تعريف منها نقداً من علماء اللغة على اختلاف مدارسهم..
فالكلمة عند النحاة من علماء العربية هي: (اللفظة الدّالة على معنى مفرد بالوضع) ، وهي (لفظ وضع لمعنى مفرد) وهي (قول مفرد مستقل أو منوي معه). وقد حدد ابن يعيش الشروط الواجب توافرها في مفهوم الكلمة العربيّة وهي:الصوت والمعنى أو الوضع ثمّ الاستقلال بدلالة محددة.
ولكن هذه الحدود والتعريفات غير دقيقة - في نظر بعض المحدثين - لأسباب أهمها:
1-أنها لاتفرق بين الصوت والحرف.
2-أنها تخلط بين الوظيفة اللغويّة والمعاني المنطقيّة.
3-أنها لاتفرق بين وجود الكلمة وعدمها في التعريف.
أما الكلمة عند المحدثين فهي: (أصغر صيغة حرّة) ، وهي:(ربط معنى ما بمجموعة من الأصوات صالحة لاستعمال جراماطيقي ما) ، وهي: (جزء من الحدث الكلاميّ له صلة بالواقع الخارج عن اللغة، ويمكن اعتبارها وحدة غير قابلة للتقسيم، ويتغيّر موضعها بالنسبة لبقية الحدث الكلاميّ).
وخلاصة القول أنّ ثمّة معايير ينطلق منها المحدثون في تصورهم لماهيّة الكلمة من أهمها:
1- معيار الدلالة وهوالذي قامت على أساسه المعاجم اللغويّة والكلمة بهذا المعيار هي التي تدل على معنى ما.
2- معيار الشكل والكلمة بهذا المعيارامتداد صوتي محدد يحافظ على شكله واستقراره حيثما وقع في الجملة ويشغل فيها وظيفة نحويّة.
3- معيار ثلاثي وفحواه أنّ الكلمة تشتمل على جوانب ثلاثة هي: الصوت، الدلالة، الوظيفة النحويّة.
غير أن كلّ معيار من هذه المعايير- قديمها وحديثها - لا يخلو من النقص والاضطراب عند التطبيق، ومن هنا آثر تمام حسّان تعريف الكلمة العربية بأنّها: (صيغة ذات وظيفة لغويّة معينة في تركيب الجملة، تقوم بدور وحدة من وحدات المعجم، وتصلح لأن تُفْرَدَ، أو تُحْذَفَ، أو تُحْشَى، أو يُغَيَّرَ موضعها، أويُسْتَبْدَل بها غيرها في السياق وترجع مادتها غالبا إلىأصول ثلاثة وقد تلحق بها زوائد).
ويرى أحد الباحثين أنّ علماء المعاجم ينطلقون من وجهة نظر تخالف غيرهم من العلماء، ولذلك لم يحاولوا البحث عن تعريف نظريّ للكلمة، وإنّما انصرفوا إلى تحديد ماهيتها من الناحية العملية؛ لأنّ مهمة المعجم اللغويّ هي بيان وشرح معاني الكلمات سواء من ناحية المبنى أم المعنى.


وهذا ما نلحظه في ضوء ترتيب المعاجم العربية القديمة؛ إذ يدل ذلك على إدراك المعجميين العرب لجانبين مهمين في طبيعة الكلمة، وهما جانب اللفظ، وجانب المعنى، وقد نتج عن ذلك ظهور نوعين من المعاجم اللغويّة هما:
أ- معاجم الألفاظ: وهي المعاجم التي تضم أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونة بشرحها وتفسير معانيها ومرتبة ترتيبا خاصا، والمعجم الكامل هو الذي يضم كل كلمة في اللغة.
وأول هذه المعاجم معجم (العين) المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيديّ (ت170ه) رحمه الله، ثمّ توالت بعد ذلك معاجم الألفاظ كالجيم لأبى عمرو الشيباني (ت 206ه)، والجمهرة لابن در يد (ت321 ه)، والبارع للقالي (ت 356ه)، وتهذيب اللغة للأزهريّ(ت370ه)، والمحيط للصاحب ابن عباد (ت 385ه)، ومقاييس اللغة والمجمل لابن فارس (ت395 ه)، والصحاح للجوهريّ (ت 400 ه)، والمحكم لابن سيّده (ت458 ه)، وأساس البلاغة للزمخشريّ (ت 538 ه)، والعباب للصاغانيّ (ت 650ه)، ولسان العرب لابن منظور (ت 711 ه)، والقاموس المحيط للفيروزآ باديّ (ت817ه)، وتاج العروس للزَّبيديّ (ت1205ه)
ب- معاجم الموضوعات: وهي التي ترتب الألفاظ اللغويّة حسب الموضوع أو المجال اللغويّ، أي أنّ المعجميّ يجمع الألفاظ المتصلة بمجال معين كخلق الإنسان مثلا للأصمعيّ، والمطر لأبي زيد الأنصاريّ، والبئر لابن الأعرابيّ، والنخل لأبي حاتم السجستانيّ، ونحوها مما نظم تحت مجال واحد، وقد لقي هذا النوع من التأليف عناية كبيرة عند القدماء بدأ بما يسمى بالرسائل اللغويّة،وانتهى بالموسوعات الموضوعيّة كا لغريب المصنف لأبى عبيد (ت223ه)، والمنجد لكراع النمل (ت310ه) والمخصص لابن سيده (ت458ه). ويلاحظ مجال التنافس بين القدماء كان واضحا بالنسبة للنوع الأول (معاجم الألفاظ) حيث ظهرت عندهم عدّة طرق للترتيب المعجميّ - كما سنبينه في موضعه - بخلاف النوع الثاني (معاجم الموضوعات) حيث لم توجد عندهم إلا طريقة واحدة وهي الترتيب حسب الموضوع أو المجال.

طرق معالجة المادة المعجميّة
جمع المادة المعجميّة
لا يمكن الحديث عن جمع المادة المعجميّة بمعزل عن جمع المادة اللغويّة حيث كانت العناية الأولى بجمع المادة اللغويّة استجابة إلى ما توجبه المحافظة على القرآن الكريم وتفهم معانيه من حفظ مادته اللغويّة وما ترمي إليه من دقيق الدلالة والمغزى وصحيح المبنى والمعنى
وعلى ضوء ذلك شمّرالأوائل من أئمة اللغة فأخذوا يجمعون اللغة وكان هدفهم الأول جمع الكلمات الغريبة وتحديد معانيها، ويعدّ (المربد) بالبصرة أول محطة رأى فيها العلماء وطلاب العربية تحقيق ذلك الهدف حيث كان (المربد) من أسواق البصرة التي يقصدها الأعراب للمتاجرة ولتبادل المنفعة، وربما حضر بعضهم وليس عنده سلعة يبيعها ولا رغبة في شراء وإنّما جاء ليشبع رغبته في القول والإنشاد واستماع الشعر والأخبار كما هي عادة العرب في أسواقها. وكان أهل البصرة يخرجون إلى هذه السوق وبينهم فئة من رواة اللغة وطلابها جاءوا ليدونوا ما يسمعون عن هؤلاء الأعراب ، وكان من بين هؤلاء الفئة الأصمعيّ؛ إذ يقول:
(جئت إلى أبى عمرو بن العلاء فقال: من أين جئت يا أصمعي، قلت: من المربد. قال: هات ما معك، فقرأت عليه ما كتبت في ألواحي، ومرّت به ستة أحرف لم يعرفها فأخذ يعدو في الدّرجة قائلاً: شمّرت في الغريب ياأصمعيّ)
وعندما أحسّ الأعراب بالحاجة إليهم أخذوا يرحلون إلى الأمصار فرادى وجماعات يعرضون بضاعتهم من اللغة، ويتلقاهم العلماء للسماع عنهم ويتنافسون في الأخذ منهم حتى أصبحت اللغة سلعة غالية يبيعها الأعراب ويشتريها الرواة في (المربد) بالبصرة وفي (الكناسة) بالكوفة، بل إنّ منهم من اتّخذ التعليم مهنة له كأبي البيداء الرياحي الذي كان يعلم الصبيان بأجر. ومنهم من ألّف الكتب كأبي خيرة الأعرابيّ الذي ألف كتاباً في الحشرات وآخر في الصفات.
وكان أبو مهدي والمنتجع من أبرز الأعراب الذين يُتَحَاكَمُ إليهم، كلّ يمثل لهجة قومه؛ يقول الأصمعيّ:
(جاء عيسى بن عمر الثقفيّ ونحن عند أبي عمرو بن العلا ء فقال يا أباعمرو: ما شيء بلغني عنك تجيزه؟ قال: وما هو؟ قال بلغني أنك تجيز ليس الطيب إلا المسك (بالرفع) فقال أبوعمرو: نمت وأدلج الناس. ليس في الأرض حجازيّ إلا وهو ينصب، وليس في الأرض تميميّ إلا وهو يرفع. ثمّ قال أبو عمرو: قم يا يحي- يعني اليزيديّ - وأنت يا خلف- يعني خلف الأحمر- فاذهبا إلى أبي المهديّ فإنّه لا يرفع، واذهبا إلى المنتجع ولقناه النصب فإنه لا ينصب. قال: فذهبنا فأتينا أبا المهديّ…قال اليزيديّ: ليس ملاك الأمرإلا طاعةُ الله والعملُ الصالح فقال: ليس هذا لحني ولا لحن قومي؛ فكتبنا ما سمعنا منه، ثمّ أتينا المنتجع فأتينا رجلاً يعقل، فقال له خلف: ليس الطيب إلا المسكَ (بالنصب) فلقّنّاه النصب وجهدنا فيه فلم ينصب وأبى إلا الرفع).
ولما طال مكث الأعراب في الحضرلانت جلودهم وطاعت ألسنتهم بشوائب العجمة؛ يقول الجاحظ:(كان بين يزيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة وبينه يوم مات بون بعيد على أنّه كان قد وضع منزله آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة).
فلما ضعفت ثقة العلماء بالأعراب رحل العلماء والرواة إلى البادية بمدادهم وصحفهم ليسمعوا من أولئك الذين لم تتأثر ألسنتهم بمخالطة الأعاجم، قال أبو العباس ثعلب: (دخل أبو عمرو الشيبانيّ (إسحاق بن مرار) البادية ومعه دستيجانحبراً فما خرج حتى أفناهما بِكَتْبِ سماعه عن العرب).
وممن خرج إلى البادية الكسائيّ، ورجع وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبراً في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ.
وكان أبوعمرو بن العلاء من أوائل الرواة الذين رحلوا إلىالبادية وأعجب بأهل السروات وعدّهم من أفصح العرب لساناً وأعذبهم لغة.
وهكذا ظل التواصل مستمراً بين الرواة والبادية وحرص العلماء على مشافهة الأعراب حتى وجدنا في أواخر القرن الرابع من يروي عن الأعراب كالأزهريّ، (ت370ه)، وابن جنيّ (ت392ه)، والجوهريّ (ت393ه) وابن فارس (ت395ه). ثمّ توقّف هذا التواصل مع نهاية هذا القرن حتى أصبحت الرواية عن الأعراب أنفسهم يشوبها شيء من الحذر، يقول ابن جنيّ: (أنا لا نكاد نرى بدوياً فصيحاً وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغض منه).
ويرى أحد الباحثين أنّ الطبقة التي تلت الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب كانت من أغزر العلماء إنتاجاً، ومنهم ثلاثة رواة يعتبرون عصب الرواية في البصرة وهم: أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو زيد الأنصاري، وعبد الملك بن قريب الأصمعيّ.
وقد حدد اللغويون مادة جمعهم فيما صحّ عن العرب ضمن شروط ومعايير هي:
1- شرط المكان: وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد مواطن الفصاحة في وسط الجزيرة العربية دون بقية أطرافها التي كانت على صلة بالأمم الأخرى، وفي بواديها دون الحواضرالتي كانت تعجّ بحركة الوافدين عليها من خارج الجزيرة أو من أطرافها بقصد التجارة ونحوها.
2- شرط الزمان: وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد عصورالفصاحة عند منتصف القرن الثاني الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الأدبية وخاصة لغة الشعر، ونهاية القرن الرابع الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الشفوية المنقولة عن الأعراب.
3- شرط الفصاحة وهو الشرط الذي تم بمقتضاه الحكم على فصاحة اللفظ إذا ثبتت نسبته إلى عربيّ قحّ سواء بالمشافهة أو الرواية الصحيحة وذلك العربي القحّ هو من انطبق عليه شرط الزمان والمكان السابقين.
وعلى ضوء هذه المعاييرعُدّ كلّ ما خالف ذلك مولداً، فَقُسِّم الشعراء إلى طبقات، والقبائل إلى درجات، أعلاها قبيلة قريش؛ يقول ابن فارس: (أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم: أنّ قريشاً أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة…وكانت قريش – مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها-إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم فصاروا بذلك أفصح العرب…ألا ترى أنّك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم ولا عجرفيّة قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة…)
ويقول الفارابي: (كانت قريش أجود العرب انتقاداً للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعاً وأبينها إبانة عمّا في النفس).
و يقول وهو يرتب درجة الفصاحة: (والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اُقْتُدِيَ وعنهم أُخِذَ اللسانُ العربي من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثمّ هذيل وبعض كنانة وبعض الطّائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنّه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم، فإنّه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام فإنهم كانوا مجاورين أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد فإنهم كانوا مجاورين أهلَ الشام، وأكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية، ولا من تغلب ولا النمر فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبد القيس لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من أهل اليمن أصلاً لمخالطتهم للهند والحبشة ولولادة الحبشة فيهم؛ ولامن بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم …).
ولكنّ اللغة لم تجمع دفعة واحدة، بل اتّخذ جمعها أشكالاً مختلفة قسّمها بعضهم إلي ثلاث مراحل هي:
المرحلة الأولى: جمع الكلمات كيفما اتفق فالعالم يرحل إلي البادية فَيُدَون كلّ ما سمع من غير ترتيب ولا تنظيم فيجمع كلمة في المطر وكلمة في النبات وكلمة في الخيل ونحو ذلك.
المرحلة الثانية: جمع الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضع واحد، وقد توجت هذه المرحلة بظهور الرسائل اللغويّة التي عرفت بأسماءٍ من نحو: المطر، البئر، الإبل ونحو ذلك.
ويعد موضوع الحشرات أقدم الموضوعات، وأول من نسب إليه كتاب في ذلك أبو خيرة الأعرابي ثم تلاه بعد ذلك بعض اللغويين فألفوا في الموضوع نفسه ككتاب النحلة للشيبانيّ والأصمعي والذباب لابن الأعرابي ونحو ذلك.
المرحلة الثالثة: وضع معجم يضم كلّ الكلمات على نمط خاص وترتيب معين، ويعد الخليل بن أحمد - رحمه الله - (ت170ه) أول من شمّر لهذه المهمة ففتح الله على يده أعظم عمل لغويّ حيث سنّ لمن جاء بعده منهج التأليف المعجميّ فظهرت المعاجم اللغوية،التي من أبرزها: الجمهرة لابن دريد(ت321ه)، والبارع للقالي (ت356ه)، وتهذيب اللغة للأزهريّ(ت370ه)، والمحيط للصاحب بن عباد (ت385ه)، ومقاييس اللغة والمجمل لابن فارس(ت395ه)، والصحاح للجوهريّ(ت400ه)، والمحكم لابن سيده(ت458ه)، وأساس البلاغة للزمخشريّ(ت538ه)، والعباب للصاغانيّ (ت650ه)، ولسان العرب لابن منظور(711ه)، والقاموس المحيط للفيروزاباديّ(ت817ه)، وتاج العروس للزَبيديّ (ت1205ه).
ونتطرق حاليا لمعجم للدكتور عبد المنعم سيد عبد العال بعنوان

معجم الألفاظ العامية ذات الحقيقة والأصول العربية
فيقع هذا المعجم في ثلاث وتسعين وستمائة صفحة من القطع المتوسط.
بعد مقدمة الطبعة الأولى ومقدمة الطبعة الثانية لهذا المعجم يجد القارئ حديثًا بعنوان : " أصول جديدة لحروفنا العربية " ويتكلم فيه المؤلف عن التطور الصوتي لبعض أصوات العربية ، وكيف يُمَثل هذا التطور من الناحية الكتابية .
يلي ذلك دراسة لبعض القضايا اللغوية تحت عنوان : " لغويات" من هذه القضايا : القلب، والإبدال ، والنحت ، والمخالفة ، والتصغير ، والتطور الدلالي ، وتخفيف الهمزة وغير ذلك .
ثم بعد ذلك تأتي أبواب المعجم الثمانية والعشرين والتي رتبت على أساس الترتيب المشرقي لرموز الكتابة العربية وبعد هذه الأبواب يضع المؤلف مسارد للشواهد القرآنية وشواهد الحديث الشريف وشواهد الشعر العربي الواردة في هذا المعجم .
يلي هذه المسارد دليل الألفاظ الواردة في المعجم وهو دليل مرتب ألفبائيًا غير مقرون بأرقام الصفحات التي وردت فيها هذه الألفاظ .
يلي ذلك مصادر المعجم ومراجعه وقد بلغت هذه المصادر والمراجع سبعة وخمسين مصدرًا ومرجعًا . وهو في شرحه للكلمات العامية يبدأ بذكر الكلمة في العامية ثم يؤصل هذه الكلمة من الفصحى . فمثلاً يقول :
"البهرجة " نقول في دارجتنا : إن المسلمين عامة لايحبون البهرجة : أي لا يحبون الخروج عن الحد المألوف الذي تعارف الناس عليه وارتضوه نظامًا في حياتهم … وفي القاموس : "البهرجة" أن يُعْدل بالشيء عن الجادة القاصدة إلى غيرها

omarzant
2012-10-31, 21:43
مادة ادب مغربي سنة 2 ادب عربي



هو الشاعر أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر الحميري الحجري المعروف بابن خميس التلمساني، أصله من اليمن، ولد بتلمسان سنة 645هـ وقيل سنة 650هـ. نشأ بتلمسان ودرس على علمائها، وعرف عنه حبه للعزلة. التقى في تلمسان الرحالة المغاربي العبدري عام 688هـ فأخرجه من عزلته وولاه السلطان أبو سعيد يغمراسن ديوان الإنشاء وأمانة سره.
لم يبق طويلاً في هذا المنصب بسبب ما لقيه من سوء معاملة في البلاط، فذهب غاضباً إلى سبتة ومدح حاكمها وتفرغ للتدريس فيها. بعدها انتقل إلى غرناطة، وتصدر للإقراء، فقربه الوزير ابن الحكيم إلى مجلسه وكانت له فيه مدائح شعرية. يعتبر ابن خميس التلمساني شاعراً كبيراً، ملماً بالأدب واللغة وأصول الفقه والمذاهب والحكمة والمنطق والطب. اشتهر ابن خميس بشعره الذي يحتوي على دعابة ونزعة دينية تصوفية، قال عنه ابن الخطيب بأنه "كان نسيج وحده زهداً وانقباضاً وأدباً وهمة عارفاً بالمعارف القديمة مطلعاً بتفاريق النحل قائماً على العربية والأصليين...". قتل ابن خميس مع ابن الحكيم عندما هوجم قصر هذا الأخير عام 708هـ

ابن خميس التلمساني:هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد التلمساني.
من أهل تلمسان وإليها نسبته.
أديب, شاعر, عالم بعلوم الأوائل, له عناية بفنون العلم والأدب والتاريخ.
قتل ظلما يوم قتل ابن الحكيم الرندي وزير السلطان أبي عبد الله محمد (الثالث) ثالث ملوك غرناطة .
فقد خلع هذا السلطان وقتل وقتل معه وزيره ابن الحكم الرندي وكان ابن خميس حاضرا فقتل مع الاثنين.
كان كاتبا بليغا, وشاعرا مجيدا, حسن الخط, خطيبا فصيحا.
رحل إلى المشرق وقضى فريضة الحج وأخذ عمن لقي هناك من الشيوخ.
اشتهر بقصيدته الغزلية التي يقول فيها:
عجبا لها أيذوق طعم وصالها من ليس يأمل أن يمر ببالها وأنا الفقير إلى تعلة ساعة منها, وتمنعني زكاة جمالها يعتادني في النوم طيف خيالها فتصيبني ألحاظها بنبالها دعني أشم بالوهم أدنى لمعة من ثغرها وأشم مسكة خالها ما راد طرفي في حديقة خدها إلا لفتنته بحسن دلالها وانقل أحاديث الهوى واشرح غريب لغاتها واذكر ثقات رجالها وانصب لمغزلها حبالة قانص ودع الكرى شركا لصيد غزالها حلت مدامة وصلها وحلت لهم فإن انتشوا فبحلوها وحلالها أنا من بقية معشر عركتهم هذي النوى عرك الرحى بثقالها جاء في نفح الطيب أن هذه القصيدة انتشرت في البلاد وحصل عليها قاضي قضاة مصر تقي الدين بن دقيق العيد وجعلها في خزانة كانت تعلو موضع جلوسه للمطالعة, فكان يخرجها من تلك الخزانة ويكثر تأملها وحين يقرؤها يقوم إجلالا لها.



من أدباء الجزائر في المائة السابعة الهجرية:

هو أبو عبد الله محمد بن خميس التلمساني شاعر مجيد، من فحول الشعراء وأعلام البلغاء. ولد بتلمسان وتقلب في بلاد الأندلس إلى أن توفي عليه رحمة الله في حاضرة غرناطة.قال عنه لسان الدين بن الخطيب في "عائد الصلة": كان رحمه الله تعالى نسيج وحده زهدا وانقباضا وأدبا وهمة، حسن الشيبة، جميل الهيئة، سليم الصدر، قليل التصنع، بعيدا عن الرياء، قائما على العربية، طبقة الوقت في الشعر، وفحل الأوان في المطول، أقدر الناس على اجتلاب الغريب.


طريفة: يروى أن الشيخ أبا إسحاق التنسي التلمساني رحمه الله رحل إلى بلاد المشرق فاجتمع هناك بقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد عليه رحمة الله، فقال له ابن دقيق: كيف حال الشيخ العالم أبي عبد الله بن خميس، وجعل يصفه بأحسن الأوصاف، ويطنب في ذكر فضله، فبقي الشيخ أبو إسحاق متعجبا، وقال: من يكون هذا الذي حليتموه بهذه الحلي؟ ولا أعرفه، فقال له ابن دقيق: هو القائل :
عجبًا لها أيذوقُ طعمَ وصالِها*** من ليس يأملُ أن يَمُرَّ ببالِها ؟
وأنا الفقيرُ إلى تَعِلَّةِ ساعـةٍ *** منها وتمنعني زكاةَ جمالِها
فقال الشيخ أبو إسحاق: إن هذا الرجل ليس عندنا بهذه الحالة التي وصفتم إنما هو عندنا شاعر فقط، فقال له ابن دقيق: إنكم لم تنصفوه، وإنه لحقيق بما وصفناه به. ثم قام ابن دقيق العيد إلى خزانة له وأخرج هذه القصيدة، وقد كان يكثر تأملها والنظر فيها.


من شعره:
أنبت ولكن بعد طـول عتاب *** وفرط لجـاج ضاع في شبابي
وما زلت والعلياء تعني غريمها*** أعلل نفسي دائما بمتـاب
وهيهات من بعد الشباب وشرخه** يلذ طعامي أو يسوغ شرابي
خدعت بهذا العيش قبل بلائه*** كما يخدع الصادي بلمع سراب
و له قصائد جياد، ولا أعلم إن كان له ديوان شعر مطبوع أم لا.
مصادر ترجمته وفيرة، وهذه الترجمة الموجزة من"تعريف الخلف برجال السلف للحفناوي"، ص 375، بتصرف.
يجمعون: ”ابن خميس التلمساني شاعر صادق وناقد واقعي”
تناول مختصون في الحقل الأدبي أول أمس خلال المداخلة الثانية للملتقى المتعلق ”بتاريخ تلمسان الأدبي”، شخصية أدبية تركت بصمتها جلية في سماء الأدب والشعر الجزائري، حيث عاد هؤلاء ضمن ستة محاور لإماطة اللثام عن الشاعر ابن خميس التلمساني مؤلف ”الحائية”.
المميزات الفكرية التي عرف بها العلامة طوال حياته، على غرار الميزة الأدبية لا سيما الشعرية والدينية على مستوى المعنى والمبنى، وصف الشوق والحنين عند عبد الله ابن خميس التلمساني، وهو ما تجلى في أبرز قصائده المكتوبة كقصيد الحائية، التي حملت الكثير من الدلالة والتعبير، كما قدم المتحدث رؤي ابن خميس الصوفية فيما يتعلق بالمولدات النبوية عند الدولة الزيانية، التي اعتبرها عادة انطلقت من تلمسان لتشمل ربوع الوطن كافة. وأضاف ظهر هذا عند أغلب علماء تلمسان أنذاك وفي مقدمتهم العالم أبي حمو موسى، ويحيى ابن خلدون ابن خميس لعب دورا هاما في الحفاظ على التركيبة الاجتماعية للشعب، وساهم في إنقاذ الدولة الموحدية من تفشي الإنحلال الخلقي بها المستورد من الغرب، وفي ذات السياق نوه إلى الشمولية التي يتميز بها تياره الشعري الذي يخدم جملة من المجالات وبالأخص السياسية والسوسيوثقافية، نتيجة تأثير عديد العوامل النفسية والدينية.
وصف ابن خميس بالرجل المخلص والمحب لوطنه، من خلال جملة من الإشارات والمعالم التي حملتها نصوصه الشعرية معبرا فيها عن حبه لموطنه تلمسان، وكذا كثير القصائد الشعرية الدالة عن هذا العشق الوطني، بالمقابل أثارت الأديبة التونسية نقطة حساسة تتعلق بلفظ ”الغريب” عند الشاعر ابن خميس التلمساني رغم تحضره وتمدنه، حيث قالت بأنه ”يوظف الغريب في مواقع معينة وليس خارج عن المالوف كما يعتقد الغير”، مبرزة الهدف من استعماله لمثل هذه المصطلحات التي تدعو إلى الدهشة والغرابة، أنها تدل على فاعليته وشاعريته في استعراض اللغة، أما الدافع النقدي فيرمز إلى الفصاحة والبلاغة، مشيرة في نفس الوقت إلى أنً ”الغريب” اختيار منه أراد به تقوية اللغة والتعبير.
من جانبه قدم الشاعر المغربي احمد الطايع قراءة تحليلية لنصوص الشاعر ابن خميس، عالجت أشكال التناص وكذا طريقة الكتابة بمنطق تاريخي واجتماعي وتاريخي، وعلى حد قوله فإن كتاباته لا تحمل على الظن والشك، بل تدفع إلى اليقين بالواقع انطلاقا من رثائه الصادق لنفسه، كما عادت هي الأخرى أستاذة الأدب عفيفة بحري إلى واقع الكتابة الأدبية في الجزائر التي قالت عنها أنها في تغير مستمر، حيث تمتد إلى زمن طويل عرف نبوغ جملة من المفكرين من رجال الأدب الشعر والصوفية.

omarzant
2012-10-31, 21:45
مادة معجمية سنة 2


معجم أسماء الأشياء المسمى اللطائف في اللغة
أحمد بن مصطفى الدمشقي


عدد الأجزاء / 1
موضوع الكتاب
الترادف - أسماء الأشياء
________________________________________
معجم أسماء الأشياء المسمى اللطائف في اللغة
موضوع الكتاب
الترادف - أسماء الأشياء
الترادف أصله اللغوي المادى ركوب أحد خلف الآخر فيقال ردف الرجل وأردفه أى ركب خلفه وارتدفه خلفه على الدابة
فالردف هو ما تبع الشى ء وكل شى ء تبع شيئا فهو ردفه وإذا تتابع شى ء خلف شى ء فهو الترادف
ومن هذا قولهم مرادفة الجراد أى ركوب الذكر على الأنثى
ويقال لليل والنهار ردفان لأن كل واحد منهما ردف صاحبة أى يتبعه
وقد فسر قوله تعالى ) بألف من الملائكة مردفين ( ( 1 ) بمعنى يأتون فرقة بعد فرقة على رأى الزجاج وقال الفراء مردفين متتابعين
الترادف في اللغة
الترادف ألفاظ متحددة المعنى وقابلة للتبادل فيما بينها في أى سياق أى تعدد الألفاظ لمعنى واحد أى عبارة عن وجود أكثر من كلمة لها دلالة واحدة أو هو الألفاظ المفردة الدالة على شى ء واحد باعتباره واحدا وقد تنشأ ظروف في اللغة تؤدى إلى تعدد الألفاظ لمعنى واحد أو تعدد المعانى للفظ واحد ومن الترادف ما هو لهجات لقبائل مختلفة أو تناسى الفروق الدقيقة بين الكلمات
يقول سيبويه وأعلم أن من كلامهم يقصد العرب اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللفظين والمعنى واحد واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين
ويقول قطرب الكلام في ألفاظ بلغة العرب على ثلاثة أوجه فوجه منها وهو الأعم الأكثر اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين وذلك قولك الرجل والمرأة وقام وقعد وهذا لا سبيل إلى جمعه وحصره لأن أكثر الكلام عليه والوجه الثانى اختلاف اللفظين والمعنى واحد وذلك مثل عير وحمار وذئب وسيد وجلس وقعد إلخ والوجه الثالث أن يتفق اللفظ ويختلف المعنى فيكون اللفظ الواحد على معنيين فصاعدا مثل الأمة الرجل وحده يوتم به والأمة القامة قامة الرجل والأمة من الأمم ومن هذا اللفظ الواحد الذى يجى ء على معنيين فصاعدا ما يكون متضادا في الشى ء وضده
________________________________________
كثرة مترادفات اللغة العربية مما تمتاز به لغتنا العربية كثرة مترادفاتها مما لا يوجد له نظير في أية لغة من اللغات السامية أو غيرها من الأمثلة على ذلك ما سنجده في هذا الكتاب مما جمع من الأسماء للأسد أو السيف وغيرهما بل نجد الفيروزآبادي صاحب القاموس يضع كتابا في أسماء العسل فذكر له أكثر من ثمانين اسما وقرر مع ذلك أنه لم يستوعبها كلها
وإن العربية الفصحى تختلف في ذلك اختلافا كبيرا عن اللهجات العامية الحديثة المتشعبة عنها فمتون هذه اللهجات ضيقة وتكاد تكون مجردة من المترادفات
موقف اللغويين القدماء من الترادف
جمع اللغة من مصادرها
منذ بدأ الرعيل الأول من اللغويين في جمع اللغة في القرن ا لثاني والثالث الهجريين من القرآن الكريم والحديث الشريف وكلام العرب من شعر وخطب ورسائل بل ومن أفواه فصحاء العرب بدءوا في تدوين مادتهم اللغوية التي جمعوها
وسلكوا سبلا شتى في تنظيمها فبعضهم آثر ان يجمع الكلمات التي تدل على معنى واحد في تأليف واحده سموه المترادف أو ما اختلفت ألفاظه واتفقت معانية وقد وصل الأمر في جمع المترادف إلى أن ظهر به التحدى بين العلماء من ذلك
تفاخر العلماء بكثرة حفظ المترادفات ما رواه ابن فارس أن هارون الرشيد سأل الأصمعي عن شعر لابن حزام العكلى ففسره فقال يا أصمعى إن الغريب عندك لغير غريب قال يا أمير المؤمنين ألا أكون كذلك وقد حفظت للحجر سعبين اسما
ووجدنا السيوطى ينظم لمنظومة أحصى فيها أسماء الكلب قدم لها قائلا دخل يوما أبو العلاء المعرى على الشريف المرتضى فعثر برجل فقال الرجل من هذا الكلب فقال أبو العلاء الكلب من لا يعرف للكلب سبعين أسما قلت وقد تتبعت كتب اللغة فحصلتها ونظمتها في أرجوزة وسميتها التبرى من معرة المعرى
وعاد السيوطى بعمله هذا ألا يكون كلبا عند أبى العلاء ولا يناله شى ء من تغييره
________________________________________
وقد بلغ السيوطى في عد أسماء الكلب سبعين فصاعدا إذ اعتبر في العد لغات القصر والمد وتغير البنية
وفي تلك الأسماء ما كان صفة فغلبت عليه الاسمية مثل الوازع وكسيب لأنه يزع الذئب عن الأغنام ويكسب لأهله وكالأعقد لانعقاد ذنبه وكالبصير لحدة بصره والمنذر لأنه ينذر باللصوص
ومنها ما هو ألقاب جعلت على الكلب لأن معانيها فيه كداعى الكرم لأنه يدل العابرين على أهل بنباحه فيتضيفونهم وفي معناه داعى الضمير أى مناديه والضمير هنا من أضمرته البلاد بموت أو سفر ويوجد فيها ما هو كنية كأبى خالد ومن بينها ما هو خاص بأسنان الكلاب كالدرص والجرو لصغارها
ويدخل فيها ما يتعلق بالفصائل مثل العسبور لولد الكلب من الذئبة وكالديسم لولد الكلبة من الثعلب أو من الذئب افتتح السيوطى التبرى بقوله
لله حمد دائم الولى
ثم صلاته على النبى
قد نقل الثقات عن أبى العلا
لما أتى للمرتضى ودخلا
قال له شخص به قد عثرا
من ذلك الكلب الذى ما أبصرا
فقال في جوابه قولا جلى
معيرا لذلك المجهل
الكلب من لم يدر من أسمائه
سبعين موميا إلى علائه
وقد تتبعت دواوين اللغة
لعلنى أجمع من ذا مبلغه
فجئت منها عددا كثيرا
وأرتجى فيما بقى تيسيره
وقد نظمت ذاك في هذا الرجز
ليستفدها الذى عنها عجز
فسمه هديت بالتبرى
يا صاح من معرة المعرى
ثم شرع يسميه فقال
من ذلك الباقع ثم الوزاع
والكلب والأبقع ثم الزارع والخيطل السخام ثم الأسد
والعربج العجوز ثم الأعقد والأعنق الدرباس والعملس
والقرطب الفرنى ثم الفلس
ومنها
وعد من أسمائه البصير وفيه لغز قاله خبير وهكذا سموه داعى الكرم مشيد الذكر متمم النعم والمستطير هائج الكلاب
كذا رواه صاحب العباب والدرص والجرو مثلث ألفا
لولد الكلب أسام تلفى والسمع فيما قاله الصولى
وهو أبو خالد الكنى وولد الكلبة من ذئب سمى
أو ثعلب فما رووا بالديسم كذلك كلب الماء يدعى القندسا
فيما له ابن دحية قد ائتسى وكلبة الماء هي القضاعة
جميع ذاك أثبتوا سماعه
________________________________________
ثم ختمها بقوله
هذا الذى من كتب جمعته وما بدا من بعد ذا الحقته والحمد لله هنا تمام
ثم على نبيه السلام
وهي تنظم في سبعة وثلاثين بيتا وهي ما بين وأوعده السوطى في كتابة ديوان الحيوان الذى لخص فيه حياة الحيوان للكمال الدميرى والذي توجد منه مخطوطة بدار الكتب المصرية والتبرى يوجد أيضا مفردا مستقلا في مخطوطتين محفوظتين بدار الكتب المصرية ضمن مجموعتين وقد صدر مطبوعا ضمن المجموع المسمى بتعريف
القدماء بأبى العلاء سنة 1944 م وطبع بتحقيق محمود نصار بدار الجيل ببيروت سنة 1992 م
ويروى ابن فارس أن ابن خالوية قال جمعت للأسد خمسمائة اسم وللحية مائتين
وغير ذلك من الروابا التي تؤكد الترادف في العربية
ومن القصص والآثار التي تؤكد وجود الترداف في اللغة العربية ما روى أن رجلا كأبى هريرة لا يعرف كلمة السكين لأنه من قبيلة أزد فقد سقطت من يد النبى {صلى الله عليه وسلم} فقال بعد أن كرر الرسول {صلى الله عليه وسلم} له القول ثانية وثالثة آلمدية تردي فقال الرسول {صلى الله عليه وسلم} نعم ( 2 )
ويقول النبى {صلى الله عليه وسلم} لأبى تميمة إياك والمخيلة فقال يا رسول الله نحن عرب فما المخيلة فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سبل الإزار فوضحها لهم
بل إن أبا الصديق رضى الله عنه ) وكان الله على كل شيء مقيتا ( وعمر بن الخطاب يسمع قوله تعالى ) وفاكهة وأبا ( ( 6 ) فيقول هذه الفاكهة فما الأب ونجده يسأل في كلمة التخوف من قوله تعالى ) أو يأخذهم على تخوف (
وقد انقسم علماء العربية تجاه الترادف إلى فريقين 1 - مثبت للترادف 2 - منكر للترادف
________________________________________
ويبدو أن مثبتى الترادف من علماء العربية كانوا فريقين فالفريق الأول وسع مفهومه ولم يقيد حدوثه بأى حدود ويذكر ابن فارس ( ت 295 ه ) هذا الخلاف بقوله ويسمى الشى ء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف والمهند والحسام والذى نقوله في هذا ان الاسم واحد وهو السيف وما بعده من الألقاب صفات ومذهبنا أن كل صفة منها ومعنا غير معنى الأخرى وقد خالف في ذلك قوم فزعموا أنها ون اختلف الأفاظها فإنها ترج إلى معنى واحد وذلك قولنا سيف وعضب وحسام
وقال آخرون ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناه غير معنى الآخر وكذلك الأفعال نحو مضى وذهب وانطلق وقعد وجلس وركض ونام وهجع وهو مذهب شيخنا العباس أحمد بن يحيى ثعلب
والفريق الثانى قيد حدوث الترادف ووضع شروطا تحد من كثرة وقوعه ومن أثبت الترادف ووضع له قيودا ليحد من كثرة وقوعه
فخر الدين الرازى الذى كان يرى قصر الترادف على ما يتطابق فيه المعنيان بدون أدنى تفاوت فليس من الترادف عنده السيف والصارم لأن في ا لثانية زيادة في المعنى
ومنهم الأصفهانى الذى كان يرى أن الترادف الحقيقى هو ما يوجد في اللهجة الواحدة أما ما كان من لهجتين فليس من الترادف
ومن علماء العربية من نفى وجود الترادف في اللغة وعلى رأس هذه الطائفة ثعلب وأبو على الفارسى وابن فارس وأبو هلال العسكرى
________________________________________
قال أبو على الفارسى كنت بمجلس سيف الدولة بحلب وبالحضرة جماعة من أهل اللغة وفيهم ابن خالويه فقال أبن خالويه فقال ابن خالويه أحفظ للسيف خمسين أسما فتبسم أبو على وقال ما أحفظ إلا اسما واحدا وهو السيف قال ابن خالويه فأين المهند والصارم وكذا وكذا فقال أبو على هذه صفات وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة وقال التاج السبكى في شرح المنهاج وذهب بعض الناس إلى إنكار الترادف في اللغة العربية و وزعم أن كل ما يظن من المتردفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات كما في الإنسان والبشر فإن الأول موضوع له باعتبار النسيان أو باعتبار أنه يؤنس
والثاني باعتباره أنه بادى البشرة وكذا الخندريس والعقار فإن الأول باعتبار العتق والثاني باعتبار عقر الدن لشدتها
وتكلف لأكثر المترادفات بمثل هذا المقال العجيب
ووجدنا أبا هلال العسكرى وهو كما يقول عند الدكتور إبراهيم أنيس أديب ناقد يستشف من الكلمات أمورا سحرية ويتخيل في معانيها أشياء ينقب وراء المدلولات سابح في عالم الخيال ويصور دقائق المعنى وظلاله وقد ألف أبو هلال كتاب الفروق اللغوية نادى فيه بأن كل اسمين يدريان على المعانى وعين الأعيان في لغة واحدة فإن كل واحد منهما يقتضى خلاف ما يقتضيه الآخر وإلا لكان الثاني فضلا لا يحتاج إليه
وإذا أردنا زيادة إيضاح رأية نرجع إلى كتاب الفروق اللغوية لنرى أمثلة منه
________________________________________
الفرق بين التقريظ والمدح يكون للحى والميت والتقريظ لا يكون إلا للحى وخلافه التأبين لا يكون إلا للميت وأصل التقريظ من القرظ وهو شى ء يدبغ به الأديم وإذا أدبغ به حسن وصلح وزادت قيمة فشبه مدحك للإنسان الحى بذلك كأنك تزيد من قيمته بمدحك إياه ولا يصح هذا المعنى في الميت ولهذا يقال مدح الله ولا يقال قرظه وم اجتهاد أبى هلال في هذا الكتاب لإظهار الفرق بين الكلمات إلا ان له كتابين آخرين يترف فيهما بالترادف وهما 1 - التلخيص في معرفة أسماء الأشياء 2 - المعجم في بقية الأشياء
فموقف أبى هلال أنه لا يوسع من دائرة الترادف التام أما الترادف الجزئى فلا يمنعه بحال
يقول الدكتور رمضان عبد التواب فرغم ما يوجد بين لفظة مترادفة وأخرى من فروق أحيانا فإننا لا يصح أن ننكر الترادف مع من أنكره جملة فإن إحساس الناطقين باللغة كان يعامل هذه الألفاظ معاملة المترادف فنراهم يفسرون اللفظة منها بالأخرى كما روى عن أبى زيد الأنصارى أه قال قلت لأعرابي ما المحبنطى ء قال المتكأكى ء قال قلت ما لمتكأكى ء قال المتأزف قال قلت ما المتأزف قال أنت أحمق ( 4 )
الترادف عند المحدثين
نجد بين المحدثين نفس الخلاف الذى وجدناه بين القدماء ولكن نجد أن النظرة تختلف فألمحدثون الدين أثبتوا الترادف قد عرفوه وقسموه ووضحوه وقد ربطوها بتحديد المعنى
يفرقون بين اتفاق الكلمتين اتفاقا تاما أو اتفاقا جزئيا فقسموا الترادف الى ترادف تام أو كامل
ترادف جزئى أو شبه ترادف
الترادف التام ويعنى الاتفاق في المعنى بين الكلمتين اتفاقا تاما على أن يكون في ذهن الكثرة الغالبة من أفراد البيئة الواحدة فمثلا إذا تبين بدليل قوى أن العربى حقا يفهم من كلمة جلس شيئا لا يستفيده من كلمة قعد قالوا إنه ليس ترادفا تاما فالترادف التام ما يكمن تبادل الكلمات بدل بعضها في أى جملة دون تغيير القيمة الحقيقة
________________________________________
( ب ) البيئة اللغوية الواحدة أ تنتمى الكلمات إلى لهجة واحدة أو مجموعة منسجمة من اللهجات العرب المتباينة حين عدوا الجزيرة العربية كلها بيئة واحدة
( ج ) العصر الواحد فإن مرور الزمن قد يخلق فروقا بين الألفاظ أو تتناسى هذه الفروق مثل المشرفى والمهود واليمانى فيستعمل الثلاثة بمعنى السيف ولكن صنع في دمشق والمهند صنع في الهند واليمانى صنع في اليمن ولكل منهم صفاته
( د ) ألا يكون أحد اللفظين نتيجة تطور صوتى للآخر فلفظه أز و هز تطور صوتى فلا يعتبران ترادفا عندهم وكذا أصر هصر وكذا الجثل والجفل بمعنى النمل
وعلى هذا نرى أن الترادف الكامل قليل جدا في اللغة العربية لهذه الشروط التيى وضعوها
فإذا نظرنا إلى أى لفظين داخل بل لهجة واحدة من هذه اللغة إذا تعددت لهجلاتها وفي مستوى لغوي واحد وخلال فترة زمنية واحدة وبين أبناء الجماعة اللغوية الواحدة فالترادف التام صعب الوجود بل غير موجود على الإطلاق
فعلى رأى المحدثين في الترادف التام تخرج كل هذه النماذج التيى أذكرها فلا ترادف تام بينها
( أ ) حامل وحبلى فالأولى راقية مؤدبة والثانية مبتذلة لآحظ القرآن الكريم استعمل الأولى فقط
( ب ) كنيف ومرحاض ودورة مياه والتواليت والحمام فلكل منها بيئة الخاصة إلى جانب تفاوتها في درجة التلطف واللامساس
( ج ) عقيلته وحرمه وزوجته ومراته فالأولى رسمية لا تستخدم إلا مع الشخصيات والثانية أقل رسمية والثالثة عربية فصيحة والرابعة عامية بالإضافة إلى ما يحمله كل لفظ من دلالات اجتماعية وثقافية بالنسبة للمتكلم وتوجد بعض الفروق بين الألفاظ التى يدعى ترادفها 1 - أن يكون احد اللفظين أكثر عمومية أو شمولا من الآخر مثل بكى - انتحب
________________________________________
2 - أن يكون أحد اللفظين أكثر حدة من الآخر مثل أنهك أتعب 3 - أن يكون أحد اللفظين مرتبطأ بالانفعال أو الإثارة من الآخر مثل أتون موقد 4 - أن يكون أحد اللفظين متميزا باستحسان أدبى أو استهجان في حين يكون الآخر محايدا مثل تواليت مرحاض دورة مياة 5 - أن يكون أحد اللفظين أكر تخصصية من الآخر مثل حكم ذاتى استقلال 6 - أن يكون أحد اللفظين مرتبطا باللغة المكتوبة أو أدبيا أكثر من الآخر مثل تلو - بعد 7 - أن يكون أحد اللفظين منتميا إلى لغة الأطفال أو من يتحدث إلى الأطفال بخلاف الآخر مثل مم كل وللحق فلقد وجدنا مثل هذا عند بعض اللغويين القدماء وإن كانوا قد أشاروا إليها إجمال حين فرقوا بين المترادف والمتكافى ء أو بالترادف التام وشبه الترادف
شبه ا لترادف أما شبه الترادف أو الترادف غير التام فبعض المحدثين لا يرونه ترادفا حقيقيا
وشبه الترادف أو الترادف غير التام هو الذى تؤلف فيه معجمات الترادف فقد يأتون بالترادف في المفردات أوبين الجمل والعبارات وقد يكون تواردا وتجانسا في المعانى وقد يكون تطورا صوتيا للألفاظ وقد يكون من الألفاظ المتقاربة في المعنى جدا بحيث يصعب على المرء تحديد الفروق بينها
وقد تكون باشتراك الألفاظ في مجموع الصفات التمييزية الأساسية لأن ما عدا مكونات المعنى الأساسى لا تعد من الصفات التمييزية الأساسية فالمكونات الاساسية لكلمة أب هي نفسها والد وداد إلخ
أسباب كثرة المترادفات في اللغة العربية شبه المترادفة
كثرة اللهجات فقد يكون للشى الواحد كل لهجة اسما وعند احتكال اللهجات بعضها ببعض ونشأة اللغة العربية المشتركة والمدية وقد فطن إلى هذا الأصفهانى بقول ينبغى أن يحمل كلام منع الترادف على منعه في لغة واحدة أما في لغتين فلا يمنعه عاقل
________________________________________
كما يقول الأصوليون إن من أسباب الترادف أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين والأخرى الأسم الآخر للمسمى الواحد من غير ان تشعر إحداهما بالأخرى ثم يشتهر الوضعان ويخفى الواضعان أو يلتبس وضع أحدهما بوضع الآخر أن يكون للشى ء الواحد اسم واحد ثم يوصف بصفات مختلفة باختلاف خصائص ذلك الشى ء
وقد ينسى الوصف أو يتناساه المتحدث باللغة ومن أمثلة ذلك السيف وأسماؤه وغير ذلك فمن صفات السيف المختلفة الهندوانى لأنه صنع في الهند والصارم والباتر والصقيل والقاضب لحدته في القطع وغير ذلك
الطور اللغوى للفظة الواحد فقد تتطور بعض الأصوات للكلمة الواحدة فتشأ للكلمة عدة مترادفات لاختلاف النطق بها أكثر من شكل كتابى فيعدها اللغويون ترادفا مثل هطلت السماء وهتلت وهنت وأصلهم واحد وتمتلى ء كتب الأبدال بمثل هذه الكلمات
الاستعارة من اللغات الأجنبية مثل الألفاظ المستعارة من الفارسية والرومية وغيرها مثل كلمة دستفشار من أسماء العسل قال ابن منظور كلمة فارسية معناها ما عصرته الأيدى وغيرى ذلك
وبهذه الأسباب الأربعة وجدنا كثرة مترادفات اللغة العربية ووجدنا هذا التراث الضخم من الأسماء للمسمى الواحد وليس ترادفا تاما بل شبه ترادف إذ قد توجد فروق دقيقة في المعنى ببين الكلمات بعضها وبعض ويكفى أن أضرب مثلا بكلمات أسماء الدهر وأسماء السنة وأسماء السماء وأسماء النور في هذا الكتاب فقد ذكرت في هامش الصفحات معانى كل كلمة من الكلمات لتظهر لنا الفروق الدقيقة التى وضعتها بعض المعاجم اللغوية لهذه الكلمات التي تعبر مجازا مترادفات أو قد تطلق مجازا بعضها مكان بعض ولكن في الحقيقة لكل لفظة معنى محدد له
________________________________________
ولذا نفى العلماء وجود الترادف التام في القرآن لأنه قمة الفصاحة والبيان فكل لفظة توضع مكانها فمثلا كلمة جلس تذكر في مكانها ولكمة قعد في مكانها مع أن بعض اللغويين قد يذكرها في باب الترادف وكذلك كلمتى أتى جاء وكذلك كلمتى السغب الجوع وغير ذلك مما يطول بنا الحديث عند ذكره وإن وجدنا كثرة من اللغويين والبلاغيين تنبهوا لمثل هذا وقد ذكرنا ملخصا لآرائهم في نفى الترادف
ولكننا نقصد بأسماء في هذا المعجم ما أظن أن المؤلف رحمه
الله قد قصده وهو شبه الترادف إذ تقترب الألفاظ بعضها من بعض إما في اللهجات أو صفات أو تطور لغوى أو استعارة من لغات أجنبية وبالله وحده التوفيق وهو المستعان في كل حال كتبه راجى عفو ربه أحمد عبد التواب عوض
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المصنف
الحمد لله الذى جعل اللغة العربية أوسع اللغات نطاقا وأبلغها مقالا وأفسحها مجالا وعلمنا البيان وألهمنا التبيان المقدس في ذاته عن سمات النقص في صفاته فقد أودع في كل من المخلوقات من بديع صفته ولطيف آياته ومن الحكم والعبر مالا يدركه البصر الذى شهدت الكائنات بوجوده وشمل الموجودات عميم كرمه وجوده ونطقت الجمادات بقدرته وأعربت العجماوات عن حكمته وتخاطبت الحيوانات بلطيف صنعته وتنازت الأطباء بتوحيده وتلاغت وحوش القفار بتغريده كل من نام وجاهد يشهد أنه إله واحد منزه عن الشريك والمعاند مقدس عن الزوجة والولد والوالد
وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له رب أودع أسرار ربوبيته في بريته وأظهر أنوار صمديته فبعض يعرب بلسان حاله وبعض يعرب بلسان مقاله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله من صدقة تم سوله أفضل من بعث بالرسالة وسلمت عليه الغزالة وكلمة الحجر وآمن به المدر وانشق له القمر {صلى الله عليه وسلم} صلاة تنطق بالإخلاص وتسعى لقائلها بالخلاص وعلى آله أسود المعارك وأصحابه شموس المسالك وسلم تسليما وزاده شرفا وتعظيما
أما بعد
________________________________________
فيقول العبد الفقير أحمد بن مصطفى اللبابيدى الدمشقى إنه لما وجدت بضاعة العلوم رائجة في زمن سلطاننا الأعظم وخاقاننا الأفخم السلطان الغازى عبد الحميد خان بن السلطان الغازى عبد ا لمجيد خان سلطان الإسلام والمسلمين محيى سيرة الخلفاء الراشدين معدن الفضل والأمان المتمثل قوله تعالى ) إن الله يأمر بالعدل والإحسان ( ولا زال لواء عدله المنشور إلى يوم النشور ولا زالت سلطنته مسلسلة إلى انتهاء الزمان رافلا في حلل السعادة والرضا والرضوان ورايت كثيرا من أهل العلم والأدب يرغبون كتابا حاويا على غريب اللغات وتحققت أن صاحب الدولة والسماحة شيخ الإسلام جمال الدين افندى المعظم فريد الفخر في نحر هذا العصر وإكليل المعالى فوق رأس الأيام والليالى بدر المغرب الذى استضاء به الشرق وفرع دوحة السلالة الذين لهم في المعالى فضل سبق الرافل في مطارف المجد الأبدى والعز السرمدى رغبته لمثل هكذا تأليفات لاستجلاب الدعوات الخيرية لسيدنا وولى نعمتنا أمير المؤمنين أيده الله تعالى بالملائكة المقربين وكانت الكتب المؤلفة بها وإن كانت محتوية على فوائد إلا أن المتناسب منها غير مجموع في مكان واحد فكان تعليقه بالأذهان يحتاج إلى طول من الزمان ولا يتيسر ذلك لكل إنسان فجمعت ما تناسب منها تسهيلا للمرام وهو ما يشفى القلوب ويطفى الأوام لكونها ألفاظا منسوجة على منوال عجيب وآثاراء اسديت لحمتها في صنع بديع غريب فينبغى أن تتلقاها القلوب بالقبول والصدور بالانشراح والبصائر بالاستبصار
وذكرت مفردات لطيفة المعانى دقيقة المبانى يظهر فضلها وحلاوتها في التراكيب عند وضعها في المناسبات ولكل الأساليب إذ كل مؤلف منها كان لطيفا وعاليا منيفا على نسق ترتيب المقامة عند ذوى الفهم والإقامة وإن كنت كررت بعض الألفاظ في مواضع فقصدت ترتيبا على نسق غريب كما لا يخفى على ذى فهم أريب وقد احتوى على ثلاث جهات
________________________________________
الأولى جهة الأسماء المترادفة المقبولة عند ذوى العقول العارفة
الثانية محتوية على عدة فصول هي مقبولة عند ذوى العقول
الثالثة مشتملة على ما كان عجيبا وبديعا من اللغات والمقدمة المركبة من المفردات
وكان جل مأخذه من القاموس الذى هو لكل ذى أدب ناموس وما أخذت من غيره إلا ما ندر وقل ودق وجل كفقه اللغة وفصيح ثعلب ومزهر السيوطى والأشباه والنظائر التى هي معتبرة عند أولى البصائر
وسميته لطائف اللغة باعتبار ما اشتملت الجهة الأخيرة من المقامة فنسأل الله تعالى أن ينفع به عموم المسلمين بحق سورة عم وسورة يوم القيامة وكان ختامه في سنة ألف وثلاثمائة وإحدى عشر في أول أشهرها شهر محرم جعله الله خالصا لوجهه الكريم آمين
أسماء الدهر
السمر
السمير
السبات
الحرس
الحقب


الحقب
السبت
الزمن
المسند
العتك
العصر
العصر
العصر
العصر
الأشجع
الأبد
المنون
القرن
الهدملة
السنبة
السنب
أسماء السنة
الحقبة
الحقب
الخريف
الجهر
العجوز
العام
الحجة
الحول
ذكر بعض أنواع السنين
الشصاصاء
السنة الشديدة
الجلبة
السنة الشديدة
الحسوس

دروب المحبة
2012-11-01, 13:04
بارك الله فيكِ

ابتسام123
2012-11-02, 17:56
من فضلكم مقاييس السنة الثانية ادب عربي lmd
وان امكن محاضرات لبعض المقاييس

**د لا ل**
2012-11-19, 23:12
محاضرات اللسانيات العامة

مبادئ في اللسانيات العامة ، الجزء الأول . الأستاذ عبد الكريم خليل http://illiweb.com/fa/empty.gif


مبادئ في اللسانيات العامة
الجزء الأول
أ: ع. ك. خليل
المركز الجامعي، ميلة
تمهيد ـ في تعريف اللسانيات:
اللسانيات مصطلح يعنى العلم الخاص بالدراسة الموضوعية للغة البشرية من خلال الألسنة الخاصة بكل قوم ، وهو مشتق من لسن بمعنى فصح واللسان في اللغة يحمل عدة معاني منها: أداه بلع للطعام / عضو (آلة) للنطق/ أداة للتعبير/ للاتصال. ولقد ظهر المصطلح لأول مرة في سنة 1816م مع جهود النحاة المقارنين ، إلاّ أنه تبلور واتضحت حدوده مع اللساني الفرنسي فرديناند دي سوسير (f.de Saussure) من خلال محاضراته المشهورة سنة 1916م.
"اللسانيات هي العلم الذي يدرس اللغة الإنسانية دراسة علمية تقوم على الوصف ومعاينة الوقائع بعيدا عن النزعة التعليمية والأحكام المعيارية "1. والمقصود بالدراسة العلمية التوفر على قدر معين من المنهجية والشمولية التي تتيح الإحاطة الموضوعية بكل مفاصل المادة اللغوية . لكن ألم يكن النحو القديم دراسة لغوية ؟
الاختلاف بين الدراسة اللسانية وعلم اللغة:
يحدد جون ليونز عناصر الاختلاف بين الدراسة اللسانية وعلم اللغة كما كان متعارف عليه قبل القرن التاسع عشر في الخصائص التالية :
1ـ اللسانيات تتصف بالاستقلالية وهذا أهم مظاهر استقلاليتها . في حين أن النحو التقليدي كان يتصل بالفلسفة والمنطق بل كان خاضعا لهما في بعض الأحيان .
2ـ تهتم اللسانيات باللغة المنطوقة قبل المكتوبة ، أما النحو التقليدي فاهتمامه انصب على النص المكتوب
3ـ عدم تفضيل الفصحى على غيرها من اللهجات . فاللهجات على اختلافها وتعددها لا تقل أهمية عن سواها من مستويات الاستخدام اللغوية
4ـ اللسانيات دراسة عامة تقوم على بناء نظرية لسانية يمكن تطبيقها على جميع اللغات الإنسانية .
5ـ لا تهتم اللسانيات بين اللغات البدائية والمتحضرة لأنها كلها جديرة بالدرس والبحث العلميين
6ـ تدرس اللسانيات اللغة ككل وعلى صعيد واحد في تسلسل متدرج من الأصوات إلى الدلالة مرورا بالجوانب الصرفية والنحوية .
مهام اللسانيات:
ويحدد سوسير مهام اللسانيات في ثلاثة هي:
1 ـ البحث عن القوى الموجودة في اللغات كافة وبطريقة شمولية متواصلة ، ثم استخلاص القوانين العامة التي يمكن أن ترد إليها كل ظواهر التاريخ الخاصة .
2 ـ تقديم وصف وتاريخ مجموع اللغات وهذا يعني سرد تاريخ الأسر اللغوية وإعادة بناء اللغات الأم في كل منها .
3 ـ تحديد نفسها والاعتراف بنفسها .
يقول سوسير : "يتكون موضوع اللسان أولا من جميع مظاهر اللغة الإنسانية وتعبيراتها سواء منها لغة الشعوب البدائية أو الشعوب المتحضرة ، وسواء تعلق الأمر بالعصور المغرقة في القدم ، نقصد العصور الكلاسيكية أو عصور عهد الانحطاط آخذين بعين الاعتبار بالنسبة لكل مرحلة لا اللغة السليمة واللغة الممتازة فقط بل جميع أصناف التعبير وأشكاله . وهذا وحده لا يكفي إذ لما كانت اللغة كثيرا ما يذهل الناس عن ملاحظتها ، تعين على عالم اللسان أن يعتبر النصوص المكتوبة مادامت قادرة وحدها على أن تجعله يعرف أصناف التراكيب الخاصة القديمة منها والعتيقة " 4 . وقد حدد سوسير المراحل المؤرخة لعلم اللسان في ثلاثة هي التي تحكمت في رؤية مؤرخي النشأة:
الأولى ـ علم النحو عند القدماء الذي عرف استمرارا مع بورويال وأهم ما يميزها انبناؤها على المنطق والتفسير العقلي والمعيارية " وكانت غاية هذه الدراسة تنحصر على وجه التحديد في إيجاد قواعد من شأنها أن تميز الصيغ الإعرابية الصحيحة من الصيغ الخاطئة . فهي إذن دراسة معيارية بعيدة كل البعد عن الملاحظة الخالصة وهي بالضرورة وجهة نظر ضيقة من هذه الناحية "5.
الثانية ـ مرحلة فقه اللغة الذي اهتم بالنصوص وتأويلها وتحليلها ولم يتخصص في الدراسة اللغوية "فإن أراد أن يتناول المسائل اللسانية فإنما يفعل ذلك خاصة من أجل أن يقارن بين نصوص مختلفة وأن يحدد اللغة الخاصة لكل مؤلف كاتب كما يحاول أن يهتدي إلى ما كتب في لغة قديمة أو غامضة وأن يفسر تلك الكتابة"6 . ومشكلة فقه اللغة أنه ارتبط باللغة المكتوبة دون المنطوقة
الثالثة ـ مرحلة النحو المقارن أو الفقه المقارن . وتقييم سوسير لهذا النحو بقوله : " إن الخطأ الأول الذي تولدت عنه سائر الأخطاء الأخرى كون النحو المقارن لم يتساءل في أبحاثه قط وهي أبحاث محصورة مع ذلك باللغات الهندأوربية عما إذا كانت مقارناته ومقارباته التي يقوم بها لها ما يقابلها في الواقع وعلى أي شيء تدل هذه العلاقات التي يكتشفها "7.
1 ـ النحو العام :
مدرسة بورويال الفرنسية : نحو بورويال (1960) لأنطوان أرنولد (1612 ـ 1694) وكلود لانسلو (1915ـ 1695) هو أول محاولة معاصرة للنمذجة نظرية حول اللغة. لقد انطلقت من وجود رابط بين اللغة والمنطق واللغة هي تعبير عن الفكر. ومختلف مقولات الكلمات موافقة للمقولات المنطقية والاختلافات بين اللغات هي محللة على أنها اختلافات في السطح . وقد كان من بين كتاب بورويال كتاب للمنطق مما جعل تأثيره عليهم هو الأقوى . حيث كانوا يعرضون نظرية عامة للقواعد من خلال لغات مثل اللاتينية أو الفرنسية فجعلوا من ديكارت هو الأساس لمذهبهم متجاهلين اللغات الأخرى، ولكنهم حاولوا أن يكشفوا عن وحدة القواعد التي ترتكز عليها القواعد المستقلة للغات المختلفة في دورها في التفكير الاتصالي الذي يشتمل هو نفسه على الإدراك والحكم والتعليل.
وقد قسم علماء بورويال على ضوء هذه القواعد العامة الكلمات الكلاسيكية المعروفة في النحو القديم: الاسم والأداة والضمير وحرف الجر والظرف والفعل والرابطة والتعجب وأعادوا تقسيمها على أساس دلالي . فالأقسام الخمسة الأولى ترتبط بمقاصد التفكير والأخيرة بشكل أو طريقة التفكير . وقد اعتمد تراث القواعد اللاتينية ليكون أساس كل اللغات وبأساليب متنوعة . يقول روبنز : " لقد قام قواعديو بورت رويال بمحاولة أصيلة لكتابة قواعد عامة ومستشهدين بأمثلة من الىتينية واليونانية والعبرية واللغات الأوربية الحديثة أرادوا أن يرجعوا هذه القواعد العامة إلى الخصائص العمومية المزعومة للغة ، وهي الخصائص التي ترتكز عليها تلك الأمثلة "8.
وقد نشر مركز الدراسات النحوية في بورويال كتابه الشهير النحو العام والعقلاني "grammaire générale et raisonnée » الذي عبر عن القاعدة الأساسية لعلماء بورويال والقائل بأن النماذج النحوية ينبغي لها أن تتطابق مع متطلبات المنطق. ولما كان المنطق منطقا واحدا ومشتركا أمكن بناء نظرية واحدة لكل اللغات العالمية . ومن الآثار المبدئية لهذا النحو في ق 18 م لوضع نظريات نحوية فلسفية مثل كتاب اللغوي الإنجليزي جيمس هاريس في " بحث فلسفي في اللغة والنحو العام" .
يقول شومسكي عن هذه الأنحاء في كتابه: "القضايا الراهنة في النظرية اللسانية"1964. وذلك قوله:"ليس بعيدا عن الصواب أن ننظر إلى النموذج التحويلي على أنه صياغة شكلية منضبطة للخصائص الموجودة بشكل ضمني في الأنحاء التقليدية، وأن ننظر إلى تلك الأنحاء على أنها أنحاء توليدية تحويلية ضمنيا. ذلك أن هدف الأنحاء التقليدية أن توفر لمستعملها القدرة على فهم أي جملة من جمل اللغة، وأن يصوغها ويستعملها بشكل ملائم في المقام الملائم. ولهذا فإن هدفها(في الأقل) يماثل في اتساعه وبعده أهداف النحو التوليدي، الذي وصفته آنفا. يضاف إلى ذلك أن الآليات الوصفية للنحو التقليدي تفوق بكثير الحدود التي تقيد النموذج النحوي التصنيفي [السابق لتشومسكي]، لكن هذه الآليات يمكن صياغتها بشكل كبير، أو ربما بشكل كامل في إطار النموذج التحويلي. ومع ذلك فإن من المهم أن نعي أنه حتى أدق الأنحاء التقليدية وأكملها إنما تعتمد بشكل أساسي على حدس مستعملها وذكائه، وهو الذي ينتظر منه أن يستنتج المقتضيات الصحيحة من الأمثلة والإيحاءات الكثيرة (والقوائم الواضحة للشواذ) التي يقدمها النحو. فإذا صيغ النحو صياغة جيدة فإنه يمكن لمستعمله عندئذ أن ينجح في استعماله، لكن الاطرادات العميقة للغة التي يمكن له اكتشافها تستعصي على الصياغة المنضبطة، كما أن طبيعة القدرات التي مكنته من استخدام النحو واكتشاف تلك الاطرادات ستظل أمرا محيرا. ويمكن أن نقدر مدى اتساع هذه الفجوات إذا ما حاولنا أن نصوغ قواعد واضحة لكامل الحقائق البنيوية المتاحة للمستعمل الناضج للغة"9.
2 ـ السنسكريتية مدخل للمقارنة:
تتفق جل الدراسات المؤرخة لظهور اللسانيات كعلم مختص في الدراسة العلمية للغة بأن المقدمات الممهدة لبروزه توجد في ما عرف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحت مسمى النحو التاريخي والمقارن. فإلى حدود القرن الثامن عشر كانت الدراسات اللغوية في أوروبا قليلة ومحدودة يعوزها التنظيم وتفتقر إلى المنهج العلمي المؤسس على الموضوعية والشمولية، كما اقتصرت على اللغتين المنقرضتين الإغريقية واللاتينية وبعض اللغات الأوروبية الحديثة، ولم يتجاوز الدرس اللغوي ذلك إلا في بعض دراسات قليلة تناول بها المستشرقون بعض اللغات السامية وبعض اللغات القديمة في جنوبي الهند.
وفي نهاية القرن الثامن عشر حدث تحول مهم في الدراسة اللغوية في أوروبا، فقد اكتشف السير وليم جونز وهو قاض انكليزي في البنغال، في عام 1786 اللغة السنسكريتية بل عدت هذه السنة علامة مفصلية في تاريخ البحث اللغوي حيث قدم السير جونز الذي كان قاضيا في المحكمة البريطانية بالهند ورقته في الجمعية الملكية الآسيوية في كلكتا مثبتا القرابة التاريخية للسنسكريتية ، اللغة الكلاسيكية للهند ، مع اللاتينية واليونانية والجرمانية . ويقول في هذا التقرير المشهور والذائع الصيت : " اللغة السنسكريتية مهما يكن قدمها لغة ذات تركيب عجيب وهي أكثر كمالا من اليونانية وأغزر إنتاجا من اللاتيتنية وأكثر منهما تهذيبا بشكل رائع ، وهي فوق ذلك على قرابة بكل منهما في جذور الأفعال وصور القواعد معا ، قرابة اقوى من أن تكون نتاجا للمصادفة ، وهي قرابة قوية في الواقع لدرجة أن أي عالم في الفللجيا لا يمكنه أن يفحص اللغات الثلاث جميعا دون هناك أن يعتقد أنها نشأت عن اصل معين مشترك ربما لم يكن موجودا ، كما أن هناك مسوغا مشابها رغم أنه ليس قويا تماما لافتراض أن كلامن القوطية والسلتية تشتركان في نفس الأصل مع السنسكريتية"10.
وعند ظهور هذا الاكتشاف، تحولت أنظار علماء اللغة الأوربيين الى اللغة السنسكريتية والى وجوه الصلة بينها وبين لغاتهم، فبدأ الدرس اللغوي الحقيقي الحديث في القرن التاسع عشر، ولكن هذا الدرس اتخذ الطابع التاريخي المقارن، حتى صار هذا القرن يسمى قرن التاريخ اللغوي المقارن. ولو أن الحديث عن السنسكريتية ليس جديدا كل الجدة ، إذ أورد روبنز في كتابه أن أول إشارة معروفة للسنسكريتية قد كانت في نهاية ق 16 " عندما كتب الإيطالي فيليبو ساستي إلى وطنه من الهند واصفا اللغة السنسكريتية بإعجاب ومشيرا على ىعدد من التشابهات بين كلمات سنسكريتية وكلمات إيطالية . وبعد ذلك جرت ملاحظة تشابه بين السنسكريتية وبعض اللغات الأوربية من قبل الألماني ب.شولز والفرنسي بيير كوردو "11. لكن حسب روبنز أهمية هذه الوثيقة لا تكمن فيما قدمته من جديد بل لآنها صادفت الاهتمام الأوربي بدراسات الشرق الأدنى والهندية على الخصوص، خاصة بعد الحملات النابولونية .
ومما ساعد علماء اللغة الاوروبيين على بحوثهم واتاح لهم معرفة المزيد من الحقائق عن الظاهرة اللغوية، ان القرن التاسع عشر شهد كذلك ترجمة الاعمال اللغوية الهندية التي اتصلت باللغة السنسكريتية الى اللغة الانكليزية حتى قال بلومفيلد مبينا اثر الدراسات الهندية في علم اللغة الحديث: (لقد كانت الهند صاحبة الفضل في اثارة معلومات ادت الى الافكار الاوروبية الحديثة في اللغة) وقال ايضا: (وقد وضع النحو الهندي امام اوروبا اول مرة وصفا كاملا دقيقا شاملا للغة مؤسسا على الملاحظة العملية، لا على الافتراضات النظرية) وقال لورد بعد ان بيّن جهود النحاة السنسكريتيين في تحليل الاصوات اللغوية وتنظيمها، وفي وضع النظام النحوي: (وبغير تأثير هذه الدراسات في علماء اللغة الاوروبيين الذين عاشوا في اوائل القرن التاسع عشر، ما كان يمكن ان يظهر علم اللغة المقارن او يولد). وقال روبنز : "كان لدراسة الأوربيين اللغوية للسنسكريتية أثر مزدوج ، فقد شكلت مقارنة السنسكريتية باللغات الأوربية المرحلة الأولى في التطور المنهجي لعلم اللغة المقارن وعلم اللغة التاريخي، وإضافة لذلك أصبح الأوربيون على اتصال في الكتابات السنسكريتية بتراث العلم اللغوية في الهند الذي تطور بشكل مستقل والذي تم الاعتراف بمزاياه في الوقت نفسه وكان تأثيره في كثير من فروع علم اللغة الأوربي عميقا وباقيا "12 . فقد عرفت الهند تراثا لغويا غنيا في كل المستويات اللغويات دفعت العديد من الباحثين إلى القول بأن الدراسات الوصفية الغربية قد استفادت إلى حد كبير منه دلالة ومعجما وتركيبا وخاصة في الجانب الصوتي .وأهم الكتب المعروفة تاريخيا هو "القواعد السنسكريتية " لبانيني المعروفة باسم الكتب الثمانية الراجعة إلى مابين 600 و300 ق. م.الذي روي أنه تلقى هذا العلم عن طريق الوحي والإلهام تعبيرا عن دقة دراسته اللغوية . وكان خير مصادر الاستفادة عند الوصفيين الغربيين خاصة أنه كان يستبعد البحث المنطقي من بحوثه.
3 ـ النحو المقارن : مبادئ وأسس :أتاحت السنسكريتية مجالا واسعا للمقارنة . فقد ركز علماء اللغة مع بداية القرن التاسع عشر على التحليل المقارن للغة، بدراسة النصوص المكتوبة، واكتشاف عناصر التشابه بين لغة وأخرى، وملاحظة التغيرات التي تطرأ على اللغة عبر الزمن، ومقارنة التغيرات التاريخية بين اللغات المتشابهة. وهو لم يكن أسلوبا خاصا باللغويين بل كان سائدا في الدراسات العلمية السائدة آنئذ خاصة علم التشريح والحياة. ويبرز ذلك في كتابات العالم الألماني شيلخل الذي قرر في كتاب له نشر في عام 1808 أن الوسيلة الوحيدة في إثبات الصلة بين أفراد مجموعة لغوية هو الشبه في نحوها وتراكيبها وليس في الألفاظ المشتركة بينها اعتمادا على الوسيلة التي توسل بها علم التشريح في تعريفه لظهور الكائن البشري . ويبرز ذلك على الخصوص في استمداد العلم اللغوي جهازه الاصطلاحي من العلوم الحية من نحو / حياة اللغة والجذور والجهاز العضوي..الخ13.
لقد اثبت شليجل (ت1829) صلات التشابه الكثيرة التي تربط اللغات الأوربية والهندية والآرية بعضها ببعض في كتابه " خلاصة النحو المقارن للغات الهندية الجرمانية" كما قدم العالم الالماني جريم المتوفى 1863، دراسة للتقابلات الصوتية بين اللغات الجرمانية وغيرها من اللغات الهند اوروبية، مستنبطا بذلك قوانين صوتية تتحكم في هذا التقابل، سميت قوانين جريم. لكن ابرز مؤسس للقواعد المقارنة هو بوب (ت1867) صاحب "في نظام تصريف اللغة السنسكريتية ومقارنته بالأنظمة الصرفية المعروفة في اللغات اليونانية واللاتينية والفارسية والجرمانية" . يقول سوسير : " فلم يستحق إذن بوب كل تقدير لكونه قد اكتشف بأن اللغة السنسكريتية ذات قرابة ببعض اللغات الأوربية والآسيوية بل لكونه قد فهم بأن العلاقات بين اللغات ذات الأصل الواحد يمكن أن تصبح موضوعا ومادة لعلم مستقل "14. من هنا أتت أهمية دراسة بوب التي استفاد منها العديد من الدارسين مثل ماكس مولر وجورج كوتيوس وأوغست شليشر .
ويتحدد منهج النحو المقارن بالتطبيق على المجموعات اللغوية المنتسبة إلى اصل واحد بعيد التي خضعت في تاريخها لتطورات متعددة . يقول السعران : " إن النحو المقارن يهيئ السبيل لتصنيف اللغات حسب خصائصها ولتجميعها في عائلات . فبمقارنة الأصوات والأشكال المستعملة في مجموعة من اللغات تظهر الأصوات والأشكال التي استحدثتها هذه اللغة أو تلك ، كما تتحدد الأصوات أو الأشكال القديمة التي احتفظت بها هذه أو تلك "15.
4ـ النحاة الجدد وظهور اللسانيات التاريخية :
لقد عرف القرن التاسع عشر مرحلتين أساسيتين في الدراسة اللغوية : حقبة المقارنة وحقبة اللسانيات التاريخية . وإن كان من الصعب وضع تصنيف مضبوط وعلمي للمرحلتين فقد اتفق على أن الأولى تميزت بسيطرة الأبحاث المنشغلة بالبحث في القرابة بين اللغات ثم انتقلت على البحث الجزئي في التطور اللغوي الذي سيكتمل مع النحاة الجدد ما بين 1876 ـ 1886 . أي أن البداية كانت مقارنة ثم غدت تاريخية . "وتتأتى أهمية إسهامات النحاة الجدد أن وصف اللسان الأم الذي يتمثل في الهندي الأوربي يرتكز على الوقائع الصوتية أكثر مما يرتكز على الوقائع الصرفية والتركيبية ، فقد وضعوا قوانين صارمة لبحث الصلات المشتركة بين الكلمات التي تنتمي إلى ألسن مختلفة بحثا مقارنا"16. فمن هم النحاة الجدد ؟ ولماذا ظهورهم في هذا القرن بالذات ؟
يعتبر القرن التاسع عشر هو قرن النزعة التطورية الداروينية . فقد أثرت نظرية داروين حول أصل الأنواع والتطور في مناهج العلوم والفلسفة مما انعكس على الدرس اللغوي . "فقد نظر اللغويون إلى اللغات واللهجات على انها كائنات يمكن تصنيفها حسب أنواعها ويتأتى حصر أعدادها وتتطور تطور النباتات والحيوانات "17 . وقد عرف البحث اللغوي مجموعة من المحاولات الجادة في المقاربة التاريخية انتهت بشكل علمي وأكثر جدية مع النحاة الجدد néo-grammairiens . يطلق اصطلاح النحاة الجدد على بعض طلبة جورج كورتيوس الذي عرف بتطبيقه المنهج المقارنة التاريخي ، ومن أشهرهم اثنان : بريكمان وأستوف وقد عبرا عن رأيهما في مقالة برنامجية اعتبرت منطلقهما المنهجي : "كل تغيرات الأصوات تحدث بوصفها عملية ميكانيكية حسب قوانين لا تسمح بأي استثناء داخل نفس اللهجة وفي إطار فترة معينة من الزمن ، ونفس الصوت في المحيط الواحد سوف يتطور دائما بطريقة واحدة ، ولكن التشكيل والابتداع القياسي لكلمات محددة بوصفها كيانات معجمية وقواعدية عبارة عن مكون عام للتغير اللغوي في كل فترات التاريخ وما قبل التاريخ"18. وبهذا قام علم اللغة التاريخي مع النحاة الجدد على مفهوم الاطراد الصوتي الذي يعني العلمية المنهجية مقارنة مع جهود علماء آخرين فقد " كان جريم ومعاصروه واقعين تحت تأثير الحركة الرومانسية ، وقد نظر شليشر إلى عمله في إطار البيولوجيا وفي إطار النظرية الداروينية فيما بعد ، وقد أراد القواعديون الجدد أن يجعلوا علم اللغة التاريخي علما منضبطا متوافقا مع تلك العلوم الطبيعية التي حققت تقدما مدهشا في القرن التاسع عشر وكان منها علم الجيولوجيا على وجه ملحوظ"19 .
لقد شكل النحاة الجدد تمهيدا للدرس اللساني بحيث نقلوا البحث اللغوي إلى مرحلة العلمية حين ابعدوا كل الممارسات الميثولوجية والعاطفية التي تقارب اللغة وفق رؤية انتمائية . كما اهتموا إلى حد كبير بدراسة اللهجات باعتبارها ممارسات لغوية كاملة بدل من تصورها انحرافات عن الأصل اللغوي كما قال النحو التقليدي المعياري وفق مبدأ الصواب والخطأ. لكنهم رأوا فيها ميدانا حيويا لما تظهره من التغير اللغوي ما دامت تمثل المرحلة ألأخيرة في تنوع الأسرة الهندأوربية .
كما تمت مراجعة القول بأن السنسكريتية هي أقدم اللغات كما تصور نحاة القرن التاسع عشر محاولين تقديم معالجة للإشكالات الصوتية التي اعترضت سبيل الباحثين ، معترضين على مثل هذه الفرضيات التي لا تسدي للبحث العلمي أية فائدة . والتأكيد على صرامة القوانين الصوتية وانعدام الاستثناء الأصواتي .

الهوامش والإحالات

1 ـ مبادئ اللسانيات : محمد قدور.ص11
2 ـ نظرية شومسكي اللغوية ص39
3 ـ محاضرات في الألسنية العامة : سوسير ص17
4 ـ ن.م :ص 14
5 ـ ن.م : ص8
6 ـ ن.م : ص8
7ـ ن.م : ص11
8 ـ موجز تاريخ علم اللغة في الغرب : ر.ه. روبنز ترجمة : أحمد عوض ـ ص 210
9 ـ القضايا الراهنة في النظرية اللسانية : شومسكي ص 16ـ17.
10 ـروبنز ص224
11 ـ ن.م : ص 225 .
12 ـن.م : ص227.
13 ـ ج.مونان : تاريخ علم اللغة منذ نشأتها حتى القرن العشرين ص 162
14 ـ روبنز :ص09
15 ـ (علم اللغة : محمود السعران ـ ص 246
16 ـ (النحاة الجدد وميلاد اللسانيات التاريخية : أحمد يوسف عالم الفكر 245 ـ عدد :2 ـ المجلد 34 .
17 ـ السعران : ص 335
18 ـ روبنزص297
19 ـ نفسه : ص 298-299 .

_________________

omarzant
2012-11-20, 16:40
بارك الله فيكم على كل المجهودات
شكرا لك على الاظافة الاخت دلال
اختي ابتسام انا من طلاب الكلاسيكي وليس lmd
ممكن افادات قادمة من الزملاء في الموقع
شكرا

**د لا ل**
2012-11-20, 19:02
موضوع: محاضرة في اللسانيات العامة الدكتور أحمد بلحوت






المحاضرة الأولى : اللسانيات : المفهوم و الموضوعو المنهج
إن اهتمام الإنسان بظاهرة اللغة البشرية تمتمنذ القدم ويتبين هذا الاهتمام فى نتائج الدراساتالانتروبولوجية اللغوية، و الآثار المكتوبة و المنقوشة منذآلاف السنين.

1-الدراسات اللسانية قبل ظهور اللسانيات :
يعود سبب اهتمام الإنسان بالظاهرة اللغوية إلى الرغبةفي حفظ الكلام و تخزينه لأن أحداث الأصوات تندثر في الهواءو لا يمكن للإنسان استرجاعها. فأبدع الانسان النقوش والترميز لتبليغ و إرسال محتويات لغوية إلى مناطق مختلفة عنموقعه، و في أزمان غير محددة و متباعدة .وكانت هذهالمبادرة مستهلا التفكير في رسم الكلام. و هذه الفكرةتعتبر اختراعا عظيما للبشرية فمحتوياتها و تقنياتها عمليةتكنولوجية. لأنها وسيلة لالتقاط الأصوات في شكلها التتابعيو سميت هذه العملية برسم الكلام. أو الكتابة*فكانتالكتابة الوسيلة الوحيدة لتخزين الكلام و حفظه.
و هذاالإنتباه الذكي لفكرة رسم الكلام في أشكال خطية, يبقىمدوناتها لآلاف السنين تعبر عن تفطن الإنسان للخواصاللسانية التالية.
1. خطية الدوال اللغوية
2. مقطعية الأصوات
3. مفهوم التتابع الصوتي
4. قطعنهاية الوحدات المعجمية عن بعضها
5. ابتداء مفهومالوحدة و نهايته
6. مراتب الكلمات
هذه الممارسةالعملية وظيفتها استرجاع المحفوظ في أي وقت أو مكان.
وأول تراث إنساني وصل إلينا. يقوم بعملية وصف اللغة بطريقةعلمية هي الدراسات اللغوية الهندية التي وصفت اللغةالسنسكريتية. و منذ تلك الحقبة بدأت الأعمال التي تهتمبدراسة اللغة تظهر في مجتمعات متعددة منها اللاتنين والرومان والعرب و قد اختصت كل أمه بدراسة موضوع علم اللغةبمنهج معين. حتى بداية القرن الثامن عشر.ومنذ مطلع هذاالقرن تميزت دراسة الظواهر اللغوية مميزتين:
1-الاهتمامبمنهج دراسة الظواهر اللغوية.
2-توجيه موضوع الدراسةاللغوية نحو أغراض سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية
و أهم المناهج التي ظهرت المنهج التاريخي وهو الدراسةالتطورية للوحدات المعجمية أوالفيلولوجيا المقارنة التيكانت الأساس الذي انطلقت منه الدراسات اللسانية في بدايةالقرن العشرين .وكانت الخلفية الأبستمولوجيا لهذه الدراساتهي المعيارية المنطقية التي لم تخرج على أساس العلاقاتالعامة في المنطق الصوري والملاحظ على مجال الدراساتاللغوية في هذه الفترة أنها لم تخرج عن التوجيه القرامطيقيللغة*.
و ليس ببعيد عن هذه الفترة بدأت تظهر بوادرالدراسات اللغوية بمفهومها الحديث في مناطق متعددة منالعالم كما ظهرت تطبيقات تجريبية على الظواهر اللغوية التيلها صلة بالفيزياء أوعلم التشريح أو المنطق.
2-البوادرالأولى لظهور المصطلح :إن مصطلح Luiguistique في الثقافةالغربية ظهر استعماله أول مرة عام 1833 و قد استعمل في 1816 من قبل فرنسوا رينيوار François Raynouard في كتابه des troubadour chois des poésie
واستخدمه سوسور بشكلملفت في محاضراته و المقصود باللسانيات هنا أو Linguistique هو العلم الذي موضوعه اللغة شرط إتباعالمناهج العلمية التجريبية أو المنطقية التجريبية في دراسةظواهره.أما مصطلح علم اللسان في الثقافة اللغوية الحديثةهوالدراسة العلمية للغة ويقصد بالعلمية هنا دراسة اللغةبواسطة وسائل الفحص و الملاحظة للظواهر اللغوية و إمكانيةمراقبتها لوسائل المنهج التجريبي في نظام وسائطي لنظريةعامة تحدد البنية اللغوية منطلقا لها.

**د لا ل**
2012-11-20, 19:09
كتاب دي سوسير: محاضرات في اللسانيات العامة.
http://img237.imageshack.us/img237/5779/ywgc27bdv8.gif
1/- دي سوسير : تعريف وتقديم.

2/- كتاب دي سوسير: محاضرات في اللسانيات العامة.

3/- مفاهيم (اللغةن البنية، النظام) عند دي سوسير.

4/- ثنائيات دي سوسير؛ دراسة تفصيلية.

5/- خاتمة.


1- دي سوسير: تعريف&ordf; وتقديم.

- تقديم: يتفق الدارسون المحدثون على أن دي سوسير هو الأب الحقيقي للسانيات الحديثة, لأنه أوضح اختصاصها ومناهجها وحدودها. وأثرى الدراسات اللسانيات بالكثير من الأفكار اللغوية الرائدة، حتى صارت اللسانيات باعثا لنهضة علمية, تولدت عنها علوم ومناهجُ جديدة.

ويُشار هنا إلى أن امتاز به دي سوسير من تنظير عميق سعى إلى وضع الأسسس المنهجية للتحليل اللغوي، مركزا على وصف اللغات الإنسانية للوصول إلى الكليات المشتركة بين اللغات, باحثا عن العوامل المؤثرة في النشاط اللغوي, نحو: العوامل النفسية والاجتماعية والجغرافية،… مقتصرا في ذلك على المناهج العلميّة في دراسة اللغة، ونبذ كل ما هو دخيل عليها.

2- محاضرات في اللسانيات العامة * : Cours de linguistique générale

يقع الكتاب في مقدمة وخمسة أجزاء فيما يقارب 300 صفحة من القطع المتوسط، تناول في المقدمة قضايا هامة تتعلق بتاريخ اللسانيات ومادّتها وعناصر اللغةن ومبادئ علم الأصوات, ومفهوم الفونيم.

وفي الجزء الأول يتناول طبيعة العلامة واللسانيات الآنية واللسانيات التطورية. وفي الجزء الثاني يبحث اللسانيات التزامنية. ويخصص الجزء الثالث لدراسة اللسانيات التزامنية, والتغيرات الصوتية والتأثيل. وفي الجزء الرابع اللسانيات الجغرافية والتنوع اللغوي وبواعثه. وفي الجزء الخامس والأخير يتناول مسائل في اللسانيات الاستعادية وقضايا اللغة الأكثر قدمان وشهادة اللغة على الأنتربولوجيا وما قبل التاريخ.

3- مفاهيم: (اللغة، النظام، البنية) عند دي سوسير:

* اللغة : تساءل دي سوسير عن اللغة قائلا: “ولكن ما اللغة ؟ ففي نظرنا لا بد من التمييز وعدم الخلط بينها وبين اللسان. وصحيح أن اللغة ليست سوى جزء جوهري محدَّد منه، وهي في وقت واحد نتاج اجتماعيّ لملكة اللسان، وتواضعات ملحّة ولازمة يتبناها الجسم الاجتماعيّ لتسهيل ممارسة هذه الملكة لدى الأفراد”. (ص21).

ويمكن أن نسجّل من النصّ الملاحظات التالية:

- ليست اللغة هي اللسان؛ إذِ اللسان ملكة بشرية، أما هي فتواضع.

- اللغة مؤسسة اجتماعية، وهي نظام قائم بذاته، وأداة للتواصل.

فهي من خلال النصّ ظاهرة اجتماعية أخصّ من اللسان§ (ظاهرة إنسانية)، ولها أشكال كثيرة تنتج من الملكة اللسانية. وسيأتي تفصيل ذلك لاحقا.

* البنية: يؤكد دي سوسير قبل أن يتساءل عن مفهوم اللغة, منهج دراسته، فيقول: “يجب أن يكون الانطلاق للوهلة الأولى من اللغة واتخاذُها معيارا للظواهر اللغوية الأخرى كافّـة”. ص20.

وبذلك يكون قد رفض كثيرا من تصورات سابقيه القائمة على اتخاذ معايير خارجة عن اللسانيات ذاتها (نحو المسوّغات النظرية، أو المبادئ التفسيرية). وبهذا الرفض أسّس ما يُعرف باللسانيات الداخلية أو بنية اللغة: وهي مجموع المظاهر الصوتية، الصرفية، النحوية والدلالية.

ويعرّفها بقوله: “داخلي هو كل ما يفكر المنظومة مهما تكن درجة هذا التغّير”.

* النظام: يذهب دي سوسير إلى أن اللغة منظومة لا تُعرَّف, ولا تعترف إلا بترتيبها الخاص, فيقول:”إن اللغة منظومة لا قيمة لمكوناتها؛ أي لعلاقاتها اللغوية، إلا بالعلاقات القائمة فيما بينها, وبالتالي لا يمكن للألسنيّ اعتبار مفردات لغة ما كيانات مستقلة, بل عليه وصف العلاقات التي تربط هذه المفردات.”، ويتحدّد مفهوم النظام من هذا النصّ في مجموع القوانين التي تقوم عليها هذه المنظومة، ومختلف العلاقات القائمة بين المفردات والتراكيب. وعلى الذي ينظر في اللغة
أن يعتدّ بهذه العلاقات، وتكامل الوحدات اللغوية فيما بينها.

4- ثنائيات دي سوسير؛ دراسة تفصيلية:

تتمثل الأفكار الجديدة لدي سوسير في مجموعة من المسائل الثنائية المتعارضة، وهي مبثوثة في ثنايا محاضراته، وفيما يلي أهمها:

أ- ثنائية (لسان ،كلام): فرق دي سوسير في هذا الشأن بين ثلاثة مصطلحات:

* اللغة/ Langage: ظاهرة إنسانية لها أشكال متعددة تنتج من الملكة اللغوية.

* اللسان/ Langue : هو جزء معين، متحقق من اللغة بمعناها الإنسانيّ الواسع، وهو اجتماعي, عرفي, مكتسب. ويشكل نظاما متعارفا عليه داخل جماعة إنسانية محددة مثال ذلك : اللسان العربي، الفرنسي،…

* الكلام/ Parole : مفهوم فردي ينتمي إلى اللسان، ويشمل ما يعتري أداءَ الفرد للسان من ملامحَ فردية. ولأن اللسانيات منظومة اجتماعية، فإنه دعا إلى دراسة اللسان لأنه اجتماعي، ولم يجعل اللغة ولا الكلام ضمن موضوع اللسانيات.

ب – ثنائية / دال مدلول/ : يستخدم دي سوسير مصطلح علامة Signe للدلالة على الكلمة لفظا ومعنى، والرمز اللغوي له وجهان, لا ينفصل أحدهما عن الآخر، هما: الدال Signifiant وهو الصورة الصوتية, والمدلول Signfié وهو الصورة المفهومية التي تعبر عن التصور الذهني لذلك الدال. وتتم الدلالة signification باقتران الصورتين الصوتية والذهنية، وبحصولها يتم الفهم، يقول دي سوسير: “إن العلامة اللسانية لا تربط شيئا باسم , بل تصورا بصورة سمعية، وهذه الأخيرة ليست الصوت المادي الذي هو شيء فيزيائي صرف، بل هي الدفع النفسي لهذا الصوت …”. ويقول:

“ويمكن تشبيه اللغة بورقة يكون الفكر وجهها الأول والصوت وجهها الآخر، ولا نستطيع فصل أحد الوجهين من دون الآخر في آن. والأمر نفسه بالمقياس إلى اللغة، إذ لا يمكن عزل الصوت عن الفكر ولا الفكر عن الصوت, كما أننا لا نصل إلى ذلك إلا بتجريد يؤدي بنا إلى علم النفس الصرف, أو إلى علم التصويتية الصرف.

جـ- ثنائية: (تزامن, تزمّن): (السكونية, التطورية), (الآنية، التاريخية), (تواقت، تعاقب)، (Synchronique-Diachronique ): وتتعلق هذه الثنائية بالمناهج اللسانية في دراسة اللغة؛ حيث يجعلها في منهجين:

* الدراسة في زمن آني: التزامني, السكوني, الوصفي, التعارضي, التواقتي, ونحو ذلك. وموضوعها: “حالة توازن النظام في نقطة معينة من الزمان.

* الدراسة في مراحل زمنية متتالية: تعاقبي, تطوري, تاريخي, زماني, وتهتم بـ “التغيرات اللسانية “؛ يقول دي سوسير بشأن ذلك: “ستهتم الألسنة التزامنية بالعلاقات المنطقية والنفسية الرابطة عبارات متزامنة، مشكلة في ذلك منظومة كما يدركها الشعور الاجتماعي الواحد”، “وعلى نقيض ذلك فستدرس الألسنية التزمّنية العلاقات التي تربط العبارات المتعاقبة التي يعز على شعور اجتماعي واحد إدراكها، والتي يحل بعضها محل البعض الآخر، وذلك دون أن تشكل منظومة فيما بينها.”.

د – ثنائية (استبدال, توزيع) : المحور الاستبدالي، العمودي/ المحور التوزيعي، التركيبي، الترابطي: هذه الثنائية هي ملخص تفريق دي سوسير بين المجموعات اللغوية المتوافرة في الذاكرة والتي تشكل محورا شاقوليا, استبداليا Paradigmatique, وبين المجموعات اللغوية الحاضرة في الجملة والتي تشكل محورا أفقيا نظميا Syntagmatique, ولكي يتم معنى الجملة لا بد من النظر إلى المحورين معا. يقول دي سوسير: “إن عبارة ما, في تركيب ما، لا تكتسب قيمتها إلا بتقابلها مع ما يسبقها أو ما يليها, أو الاثنين معا”.

وهناك ثنائيات أخرى استخلصها الدارسون نحو:

- (الرمز اللغوي، الرمز العام) – (Symbole .Signe )، راجع ص 90 .

- (التعارض بين المؤسسات الاجتماعية والسيمياء)، راجع ص 27 .

- (التعارض بين الشكل والجوهر) في وحدات اللغة، راجع ص 27 .

5- خاتمة : وثمة أفكار أخرى وردت في كتابه، وكانت سببا في بعث علوم جديدة، نحو :

- إشارته إلى الصلة بين اللغة وأنماط الإشارة الأخرى / الأزياء، الآداب، السلوك …)، وتصوره وجود علم جديد: Sémiologie (وسيأتي بيانه لاحقا).

- وصفُه اللغة بأنها منظومة، وكان ذلك سببا لمفهوم البنية.

- ركز على العوامل الجغرافية في اللغة، وكان ذلك سببا في رقيّ اللسانيات الجغرافية.

- تُعدّ مدرسة براغ من مواريث دي سوسير، بالمفاهيم التي عرضتها في أعمالها.

&ordf; هو أحد ثلاثة أثّروا في حركة الفكر الأوربي الحديث، إلى جانب فرويد ودوركايم؛ واعتقد كل منهم أن دراسة الأسباب التاريخية للأحداث الواقعة بعدّها أحداثا منفصلة ومستقلة، يمكن أن تُفقد الدراسة أهم مقوماتها، لذلك رأوا ضرورة دراسة الوظائف التي تقوم بها الأحداث الواقعة داخل الهيكل الاجتماعي العام.
ولد في جنيف عام 1857، بعد مولد فرويد بسنة وقبل مولد دوركايم بسنة كذلك. التحق عام 1876 بجامعة ليبنزج بألمانيا لدراسة اللغات الهندوأوربية، وكانت آنذاك مركزا للنحاة الشبان. ثم انتقل إلى باريس، أين حقق النجاح الكامل.

ودُعي إلى جنيف عام 1907 لتدريس علم اللغة، خلفا لأحد الأساتذة المتقاعدين، ليُتوفّى في 1913، وتُجمع محاضراته من بعده.

* هذا الكتاب لم يصغه سوسير بل جُمع بعد وفاته من المحاضرات التي ألقاها على الطلبة بين (1907 و1913) بحنيف.

§ اختلف الترجمة العربية لمصطلحي دي سوسير langage و langue؛ فترحمت الأولى إلى لغة ولسان، وترجمة الثانية إلى كليهما أيضا. ولإزالة أي غموض، أنصح للطلاب بأن يستخدموا langage / لغة للدلالة على الظاهرة الانسانية كما حددها دي سوسير، أما langue / لسان، فعلى الظاهرة الاجتماعية، وربما كان ذلك موافقا لدلالة كل منهما في المنظومة المعرفية العربية؛ حيث دلّ اللسان في معظم استخداماته على التنوع اللغوي، فهو الظاهرة الاجتماعية. والأفضل لنا أن نحتفظ بالتمييز بين مستويات اللغة الثلاثة مفهوميا، لئلا نتيه في تعدّد المصطلحات.

**د لا ل**
2012-11-20, 19:13
مدخل إلى القرآن الكريم . الأستاذ إبراهيم لقان http://illiweb.com/fa/empty.gifالمحاضرة الأولى: مدخل عام

في بيان أهمية القرآن في الأدب العربي والعلم الإسلامية عمومًا
لعل البعض يتساءل عن الحاجة إلى دراسة القرآن الكريم في الأدب العربي، والعلوم اللغوية العربية والحياة عموما ، وقد يحسب أن في ذلك خلطاً بين الآداب والإسلاميات.والجواب: أن لهذا الكتاب العظيم أهمية بالغة من جوانب مختلفة متعددة..
فإن له جانباً تشريعيا هاماً, لا ينفك عن الحاجة إلى دراسته كل متطلع إلى دراسة الفقه والتشريع. وإن له مع ذلك جانبا متعلقا بالعقيدة والفلسفة والأخلاقيات, لا ينفك عن الحاجة إلى دراسة كل مقبل إلى دراسة العقائد أو الفلسفة أو الأخلاق,كما أن له مع ذلك جانبا أدبيا أصيلا بعيد الجذور في تاريخ الأدب العربي, عظيم الأثر في توجيهه وتطويره وتقويمه, فمن أجل ذلك كان لابد لمن أراد دراسة العربية وآدابها من أن يبدأ بدراسة القرآن وعلومه, وكلما ابتغى مزيدًا من التوسع في العلوم العربية وثقافتها, احتاج إلى مزيد من التوسع في دراساته القرآنية المختلفة.

وإليك ملخصا من وجوه هذه الحاجة وأسبابها:

السبب الأول: أن هذا الكتاب العربي المبين, هو أول كتاب ظهر في تاريخ اللغة العربية( ) و إنما نشأت حركات التدوين والتأليف بعد ذلك, على ضوئه وسارت بإشرافه, وتأثرت بوحيه وأسلوبه. ومن أجل ذلك, كان مظهرًا هاما للحياة العقلية والفكرية والأدبية التي عاشها العرب فيما بعد. فكيف يتأتى أن يكون هذا الكتاب مع ذلك بمعزل عن العربية وعلومها وآدابها؟!

السبب الثاني:
أن اللغة العربية إنما استقام أمرها على منهج سليم موحد. بسرِّ هذا الكتاب وتأثيره, وهي إنما ضمن لها البقاء والحفظ بسبب ذلك وحده. فقد كانت اللغة العربية من قبل عصر القرآن أمشاجا من اللهجات المختلفة المتباعدة, وكان كلّما امتد الزمن, ازدادت هذه اللهجات نكارة وبعداً عن بعضها.
وحسبك أن تعلم أن: المعينية والسبئية والقتبانية، واللحيانية والثمودية والصفوية والحضرمية، كلها كانت أسماء للهجات عربية مختلفة, ولم يكن اختلاف الواحدة منها عن الأخرى محصوراً في طريقة النطق بالكلمة, من ترقيق أو تفخيم أو إمالة أو نحو ذلك, بل ازداد التخالف واشتد إلى أن انتهى إلى الاختلاف في تركيب الكلمة ذاتها وفي الحروف المركبة منها, وفي الإبدال والإعلال والبناء والإعراب.
فقضاعة مثلا كانت تقلب الياء جيما إذا كانت ياء مشددة أو جاءت بعد العين, وكانت العرب تسمى ذلك: عجعجة قضاعة.
و حمير كانت تنطق ﺑ " أم " بدلا من " أل" المعرفة في صدر الكلمة, وكانت العرب تسمي ذلك طمطمانية حمير, ومن ذلك قول أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله:
أمن أمبر أمصيامٌ في أمسفر؟ يريد أن يقول: هل من البر الصيام في السفر؟
و هذيل كانت تقلب الحاء في كثير من الكلمات عيناً, فكانوا يقولون أعلَّ الله العلال بدلاً من أحل الله الحلال..
فلما نزل القرآن, وتسامعت به العرب, وائتلفت عليه قلوبهم, أخذت هذه اللهجات بالتقارب, وبدأ مظاهر ما بينها من خلاف تضمحل وتذوب, حتى تلاقت تلك اللهجات كلها في لهجة عربية واحدة, هي اللهجة القرشية التي نزل بها القرآن وأخذت ألسنة العرب على اختلافهم وتباعد قبائلهم تنطبع بطابع هذه اللغة القرآنية الجديدة.

السبب الثالث:
أن البلاغة والبيان وجمال الكلمة والتعبير ـ كل ذلك كان قبل عصر القرآن ـ أسماء لا تكاد تنحط على معنى واضح متفق عليه.
و إنما بلاغة كل جماعة أو قبيلة ما تستسيغه وتتذوقه, ولذلك كانت المنافسات البلاغية تقوم فيما بينهم وتشتد ثم تهدأ وتتبدد, دون أن تنتهي بهم إلى نتيجة, إذ لم يكن أمامهم مثل أعلى يطمحون إليه ولا صراط واحد يجتمعون عليه, ولم يكن للبلاغة العربية معنى إلا هذا الذي يصدرون هم عنه من كلام في الشعر والنثر, وهم إنما يذهبون في ذلك طرائق قدداً , ويتفرقون منه في أودية متباعدة يهيمون فيها.
و هيهات, لو استمر الأمر على ذلك, أن توجد للبلاغة والبيان العربي حقيقة تدرك أو قواعد تدرس, أو قوالب أدبية تهذب العربية وتحافظ عليها.
فلما تنزل القرآن, والتفتوا إليه فدهشوا لبيانه, وسجدوا لبلاغته وسمو تعبيره, وأجمعوا على اختلاف أذواقهم ومسالكهم ولهجاتهم أن هذا هو البيان الذي لا يجارى ولا يرقى إليه النقد.

السبب الرابع:
أن متن هذه اللغة, كان مليئا قبل عصر القرآن بالكلمات الحوشية الثقيلة على السمع المتجافية عن الطبع. ولو ذهبت تتأمل فيما وصل إلينا من قطع النثر أو الشعر الجاهلي, لرأيت الكثير منها محشواً بهذه الكلمات التي وصفت, وإن كنت لا تجد ذلك إلا نادرا في لغة قريش.
فلما تنزل القرآن, وأقبلت إليه الآذان, أخذت هذه الكلمات الجافية تختفي عن ألسنة العرب رويدا رويدا, وأصبح متن اللغة العربية كله مطبوعا بالطابع القرآني ونما ذوق عربي في نفوس العرب أنبته لديهم طابع القرآن وأسلوبه.
و مردُّ ذلك إلى أن كلمات هذا الكتاب المبين, رغم أنها كلمات عربية لم تتجاوز حدود هذه اللغة وقاموسها, تمتاز في صياغتها وموقع كل منها مما قبلها وبعدها بجرس مطرب في الآذان لم يكن للعرب عهد به من قبل, هذا إلى أن كثيراً من الاشتقاقات والصيغ الواردة فيه, تكاد تكون جديدة في النطق العربي, وهي مع ذلك توحي بمعناها إلى الفطرة والطبع, قبل أن يهتدي السمع إليها بالمعرفة والدَّرس. وسنوضح ذلك إن شاء الله في الحديث عن إعجاز القرآن.
فكان من أثر ذلك أن انصرفت الأذواق إلى الاستفادة من كلماته والجديد من صياغته, وهجرت تدريجيا ما اسـتثقل وغلظ من الألفاظ والتراكيب.
فهذه خلاصة عن وجوه أهمية دراسة هذا الكتاب العظيم وأثرها في دراسة الأدب العربي.

و إذا كنت تؤمن اليوم بهذا الذي ذكرناه من الناحية النظرية والعقلية المجردة, فلسوف تؤمن بذلك على أساس من البرهان التجريبي والتطبيقي عندما تمارس هذا الكتاب الإلهي تلاوة مستمرة ودراسة دقيقة وتأملا هادئاً.

أهمية دراسة القرآن الكريم في حياة الأمة:
القرآن الكريم هو كتاب الله-عز وجل- المنزل على خاتم أنبيائه(صلى الله عليه وسلم)بلفظه ومعناه،المنقول بالتواتر،المفيد للقطع واليقين،المكتوب في المصاحف.
أحكمَه الله فأتقن إحكامه،وفصّله فأحسن تفصيله،وصدق الله العظيم إذ يقول:
"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير".هود:01.
لا يتطرق إلى ساحته نقص ولا إبطال، وصدق الله العظيم حيث يقول:
" وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد"فصلت:41-42.
وهو المعجزة العظمى والحجة البالغة الباقية أبد الدهر لرسول البشرية محمد (ص) ،تحدى به الناس كافة،والإنس والجن أن يأتوا بمثله،أو ببعضه فعجزوا وانبهروا. و قد وقع التحدي بالقرآن مرات متعددة كي تقوم عليهم الحجة تلو الحجة وتنقطع المعذرة.
أ- تحداهم أولا أن يأتوا بمثله فعجزوا وما استطاعوا، قال عز من قائل:" قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" الإسراء88.
ب- ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، فما قدروا ،قال تعالى: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله،وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون" هود:13-14.
وهو استفهام غرضه البلاغي الأمر.أي: أسلموا ،وهو طلب فيه رفق ولين ،وهو من ألوان أدب الخطاب في القرآن الكريم.
ج- ثم تحداهم مرة ثالثة بأن يأتوا بسورة واحدة منه أي ّسورة مهما قصرت كسورة الكوثر مثلا،فما رفعوا بذلك رأسا ،قال تعالى: "أم يقولون افتراه،قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين".يونس:38-39.
ثم كرر هذا التحدي في سورة البقرة المدنية في الآيتين:23-24 حيث قال تعالى: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين".
فألقموا حجرة ولم ينبسوا في المعارضة بكلمة بعد هذا التحدي المطلق. وبذلك ثبت إعجاز القرآن على أبلغ وجه،وإذا ثبت عجز العرب فرسان البلاغة وأمراء البيان ،فغيرهم بالعجز أحرى وأولى.

القرآن كتاب الهداية الكبرى:
القرآن هو هداية الخالق لإصلاح الخلق، وشريعة السماء لأهل الأرض،وهو التشريع العام الخالد الذي تكفل بجميع ما يحتاج إليه البشر في أمور دينهم ودنياهم :في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات المدنية والجزائية،وفي الاقتصاد والسياسة ،والسلم والحرب،والمعاهدات والعلاقات الدولية ،وهو في كل ذلك حكيم كل الحكمة لا يعتريه خلل ولا اختلاف،وصدق الله العظيم إذ يقول: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".النساء83.
وهو أصيل غاية الأصالة عدل غاية العدل،رحيم غاية الرحمة،صادق غاية الصدق وصدق الله القائل: "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم." الأنعام115.
فلا عجب أن كانت السعادة الحقة لاتنال إلا بالاهتداء بهديه ،والتزام ما جاء به،وأن كان الشفاءَ لأمراض النفوس وأدواء المجتمع ، فاهتدت به القلوب بعد ضلال ،وأبصرت به العيون بعد عمى،واستنارت به العقول بعد جهالة،وصدق الله: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم،ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا،وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما."الإسراء9-10.
" وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" الإسراء82.
" قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات على النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم"المائدة 15-16.
وهو الكتاب الذي حارب التقليد ودعا إلى النظر والتأمل في الكون ،وهو الذي فك العقول من عقالها ،والنفوس من أسارها." وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لايعقلون شيئا ولا يهتدون".البقرة170.
"وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا او لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون"المائدة104.
وهو الكتاب الذي وجه الأنظار إلى النظر في الأنفس وما فيها من عجائب و أسرار." وفي أنفسكم أفلا تبصرون"الذرايات21.
وإلى النظر في الآفاق والآيات الكونية علويها وسفليها وخفيها وما تنطوي عليه من حِكم وما أودع فيها من أسرار وخواص وأفاض في ذلك في غير ما سورة وآية وغن شئت اليقين في ذلك فاقرأ قوله تعالى:" إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة و تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء و الأرض لآيات لقوم يعقلون".البقرة194.
والقرآن حين دعا إلى النظر في الآيات الكونية لم يقف بنا عند حد الاعتبار والاتعاظ بالظواهر الأشكال والصور فحسب ،وإنما أراد استكشاف المستور،واستكناه الأسرار عن طريق الملاحظة حينا،والتجارب أحيانا أخرى.وبذلك يكون قد فتح أبواب العلوم التجريبية منذ أربعة قرنا من الزمان .ولو أن المسلمين استفادوا بما فيه من توجيهات وإرشادات لكان شأنهم كما كان أسلافهم الأولون أسبق الأمم إلى الكشوف والاختراع،ولكنهم جمدوا،فهم كما نرى..
والقرآن هو الذي حارب الجاهلية،وقضى على التفرقة العنصرية،ووضع أساس المساواة بين كافة الناس:"كلكم لآدم وآدم من تراب،لافضل لعربي على عجمي،ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود،ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى". " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".الحجرات13
والقرآن هو الذي صلحت به الدنيا، وغير مجرى التاريخ،وأقام أمـة كانت مضرب الأمثال في الإيمان والإخاء والعدل والوفاء والوفاق والوئام،وأظل العالم بظلال الأمن والسلام حقبا من الزمان ،وصير من رعاة الإبل والشاء علماء حكماء رحماء، وسادة قادة في الحكم والسيادة والحرب،وعقمت الدنيا عن أن تجود بمثلهم في هذا الزمان.
وهو الكتاب الذي لا تفنى ذخائره،ولا تنقضي عجائبه،ولا يخلق على كثرة الرد،ولا يزداد على التكرار إلا حلاوة،وطلاوة،وصدق القائل:

تزداد منه على ترداده مقة** وكل قول على الترداد مملول
وقال عنه صلى الله عليه وسلم:" كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم،وحكم ما بينكم،وهو الفصل ليس بالهزل،من تركه من جبار قصمه الله،ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله،وهو حبل الله المتين،وهو الذكر الحكيم،وهو الصراط المستقيم،هو الذي لا تزيغ به
الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ،ولا يشبع منه العلماء ،و لا يخلق على كثرة الرد،ولا تنقضي عجائبه،هو الذي لم ينتهي الجن إذ سمعه حتى قالوا:إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا ،من قال به صدق ،ومن عمل به أُجر،ومن حكم به عدل،ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم".*
إن كتابا هـذا شأنه لجدير أن يضعه الإنسان بين عينيه،ويجعله أنيسه في وخلوته،ورفيقه في سفره وصديقه الصدوق في يسره وعسره، ومستشاره الأمين في أمور دينه ودنياه،وحجته البالغة في حياته وأخراه.
فلا عجب أن عنيت به الأمة الإسلامية عناية فائقة من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا،فحفظوا لفظه وفهموا معناه، واستقاموا على العمل به،وأفنوا أعمارهم في البحث فيه،والكشف عن أسراره،ولم يدعوا ناحية من نواحيه إلا قتلوها بحثا،وألفوا في ذلك المؤلفات القيمة، فمنهم من ألف في تفسيره،ومنهم من ألف في رسمه وقراءته، ومنهم من ألف في استنباط أحكامه،ومنهم من ألف في ناسخه ومنسوخه،ومنهم من ألف في أسباب نزوله،ومنهم من ألف في إعجازه،ومنهم من ألف في أمثاله،ومنهم من ألف في أقسامه،ومنهم من ألف في غريبه،ومنهم من ألف في إعرابه،ومنهم من ألف في قصصه،ومنهم من ألف في تناسب آياته وسوره،إلى غير ذلك من العلوم.

تزيغ به الأهواء: أي تميل عن الحق بإتباعه.لا تلتبس به الألسنة: لاتنحسر ولو كانوا من غير العرب ،قال تعالى( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر). لايشبع: كلما اطّلعوا على شيء فيه تاقوا واشتاقوا إلى المزيد.
*هذا الحديث قال فيه الترمذي: حديث غريب ،وإسناده مجهول.ذكره السيوطي في (الإتقان).وقال أخرجه الترمذي،والداري وغيرهما،وسكت عنه.وذكره ابن كثير في(فضائل القرآن) .والمتأمل فيه يجده قبسا من نور النبوة وحكما من ينابيع الوحي مما يجعل القلب يطمئن إليه.



_________________

**د لا ل**
2012-11-20, 19:15
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i17.jpg


http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i18.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i19.jpg

http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i22.jpg

**د لا ل**
2012-11-20, 19:21
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i23.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i24.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i25.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i26.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i27.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i28.jpg

**د لا ل**
2012-11-20, 19:24
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i29.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i30.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i31.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/clip_i32.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/sans_t10.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/sans_t11.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/sans_t12.jpg

**د لا ل**
2012-11-20, 19:31
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/sans_t15.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/sans_t18.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/sans_t19.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/sans_t20.jpg
http://i14.servimg.com/u/f14/12/64/51/72/sans_t21.jpg

**د لا ل**
2012-11-20, 19:34
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uu_uou10.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uu_uou11.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uu_uou12.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uu_uou13.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uu_uou14.jpg

**د لا ل**
2012-11-20, 19:36
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo10.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo11.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo12.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo13.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo14.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo15.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo16.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo17.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo18.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouuouo19.jpg

**د لا ل**
2012-11-20, 19:39
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouoouu10.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouoouu11.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouoouu12.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouoouu12.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouoouu13.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouoouu14.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouoouu15.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/ouoouu16.jpg

**د لا ل**
2012-11-20, 22:36
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_10.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_11.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_12.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_13.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_14.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_15.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_16.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_17.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_18.jpg
http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_19.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_21.jpg

http://i74.servimg.com/u/f74/12/64/51/72/uoouo_23.jpg

**د لا ل**
2012-11-20, 22:41
الأدب المغربي


التفاعل الحضاري بين المشرق و المغرب

لقد فتح العرب المغرب، و استغرق هذا الفتح حوالي سبعين سنة، بدأ ببحث استطلاعي قام به عقبة بن نافع الفهري في ذي القعدة سنة 642م، و انتهت بحملة موسى بن نصير التي أخضع فيها المغرب الأقصى سنة 708م، و كان من نتائج هذا الفتح العظيم أن عرب المغرب إلى حد كبير ، و تحول إلى الإسلام تحولا عميقا.
و لا ريب أن هذا الفتح العربي الذي تمّ خلال القرن الأوّل الهجري و السابع الميلادي، قد أحدث ثورة كبرى، تمثلت في انهيار الحاجز المغلق الذي كان يفضل الشرق عن الغرب ، و في امتداد رواق الإسلام على مسافات شاسعة أمام الأرض ، تمتد من حدود مصر غربا إلى المحيط الأطلسي ، ثم فتح الطريق أمام المسلمين.
و لقد حظيت العربية باحترام أهل المغرب على وجه العموم، و قد اعتبروها لسان الأدب و لغة العلم و عنوان الثقافة، فانبلج بالتالي في القرنين الخامس و السادس الهجريين " عصر جديد أصبحت فيه اللغة العربية ربة المنزل، و صاحبة الأمر و النهي على القرائح و العقول.
و عند منتصف القرن الخامس الهجري حدث ما هو معروف من زحف القبائل العربية على المغرب العربي ، و قد كان لهذا الزحف من الأثر الكبير على الناحية الثقافية، و كان من أكبر العوامل المؤثرة في تعريب الثقافة المغربية.
و من عناصر التكوين الثقافي التي لا يمكن تجاهل تأثيرها في هذا الطور، زحف مذهب مالك بن أنس من التأثير الذي أحدثته مدرسة القيروان التونسية و مرورا بالقسم الغربي في العالم الإسلامي كله، و هو القسم الذي انتظم فيه الأندلس و بلدان المغرب العربي ، و عبورا إلى القارة الإفريقية حيث لا يزال مذهب مذهب مالك هو المذهب الغالب في هذه البلاد.
و قد انتشرت في هذا العصر ظاهرة التنافس الثقافي، و كان لسباق قائما بين بلدان لمشرق و المغرب و الأندلس و عواصمها المختلفة: المهدية و بجاية و فاس و تلمسان، و سبتة و بغداد و القاهرة و المدينة المنورة و مكة و غيرها.
و قد برزت كل مدينة من هذه المدن بلون خاص من العلوم و الآداب غلب عليها ، و اشتهرت به.
و كانت حركة الانتقال المتاحة بين العواصم الإسلامية( دون جوازات سفر أو تأثيرات دخول و خروج) كانت هذه الحركة الانتقالية التي غلب عليها طابع البعثات و الرحلات العلمية من أبرز العوامل في إذكاء روح النشاط الثقافي.
و هي ظاهرة عامة في العالم الإسلامي كله خلال هذه العصور بدرجات متفاوتة بين شعوب و حكومات هذا العالم لقد كانت حدود الأقاليم غير ذات أهمية ، و هي لم تمثل حاجزا أو فاصلا بين العلماء و الأدباء و الكتاب و الشعراء، بل كانت الأفكار في العالم الإسلامي متصلة كما تعكس تقاربا ثقافيا يعتبر خصية كبرى من خصائص الحضارة الإسلامية في عصور الازدهار.
و في الموسوعات العلمية الكبرى لهذه القرن تأكيد واضح لبروز هذه الظاهرة و دورها الإيجابي في خلق وحدة فكرية في العالم الإسلامي كله، فابن بسام يفرد القسم الرابع من موسوعته " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " لمن هاجر إلى الجزيرة أي " الأندلس " من الأفاق و طرأ عليها من شعراء الشام و العراق و يشتمل هذا القسم على تراجم هؤلاء الرحالة الشعراء في القرن الخامس الهجري ، و حتى وفاة ابن بسام سنة 542هـ قريبا من منتصف القرن السادس الهجري.
و المقري صاحب موسوعة نفح الطيب يورد لنا نحوا من مائتين و خمسين ترجمة لمن رحلوا عن الأندلس إلى المشرق من العلماء و الأدباء و الفقهاء، و يورد لنا أيضا من قريبا من خمس و سبعين ترجمة لمن رحلوا من المشرق إلى الأندلس.
و في كتاب الصلة لأبي القاسم خلف بن عبد الملك الشهير ب " ابن بشكوال" المتوفى سنة 578هـ، نلحظ الظاهرة نفسها ، فأغلبية المترجم لهم رحلوا إلى المشرق ، و كثير من المشارقة زاروا الأندلس ، و قد ألحقهم ابن بشكوال بقائمته التي أطلق عليها اسم " الغرباء ".
و في التكملة لابن الأبار، و في وفيت الأعيان لابن خلكان فوات الوفيات للصفدي ، و في جذوة المقتبس للحميدي و في غيرها من المصادر ، نستطيع التأكد من هذه الظاهرة على نحو واضح.
و حين يورد لنا " المقري التلمساني " حياة الأزدي الحميدي صاحب " جذوة المقتبس " المذكور آنفا ، يخيل إلينا أننا أمام مواطن عالمي فقد عاش و طلب العلم في كل من الأندلس و مصر و دمشق و مكة المكرمة و واسط و بغداد و غيرها.
و مما ذكر آنفا يتأكد لدينا أن التفاعل الحضاري و الثقافي بين المشرق و المغرب كان على مستو عالي و إن وجد في الوقت نفسه تفكك سياسي.
و هكذا وجدت وحدة حضارية صهرت المغرب العربي في بوتقتها، فجعلت انتماءه للحضارة الإسلامية انتماء وجود و كيان و مصير.
الدولة الرستمية بتيهرت
لقد خدمت الدولة الرستمية الأمة في الكثير من الجوانب سواء في جانب التأليف و نشر العلم أو في الجانب الاقتصادي و الاجتماعي أو في الجانب المعماري و حتى في الجانب السياسي ، و هي دولة إسلامية عريقة نشأـ سنة 160هـ و استمرت إلى سنة 296هـ أي أنها بقيت مدة 136 سنة(1).
نشأت هذه الدولة في المغرب الأوسط – الجزائر – حاليا على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم(2).
و لد عبد الرحمن في العراق في العقد الأول من القرن الثاني الهجري على أكبر تقدير، و يرجع في نسبه إلى الأكاسرة ملوك الفرس ، فهم أجداده ، إلاّ أ،ّ بعض المؤرخين يعيدون نسبه إلى اللاذارقة ملوك الأندلس قبل الإسلام، و المهم في هذا أنه سليل بيت الملوك قبل الإسلام، سواء كانوا من الفرس أم من اللاذارقة(3).
سافر أبوه به و أمه من العراق إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، إلاّ أنّ الأب وافاه أجله، و ترك يتيما و أرملة ، فتزوجت أمه برجل من أهل المغرب ، فأخذها و ابنها عبد الرحمن إلى القيروان، نشأ عبد الرحمن في القيروان ، و صادف هناك نشر الدعوة الإباضية في تلك الربوع فتعلق بها، و نصحه أحد الدعاة بالسفر إلىالمشرق لتلقي المزيد من العلم علي يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الإباضية في ذلك الوقت ، توجه إلى البصرة و ظل مع الإمام أبي عبيدة لمدة خمس سنوات يدرس في سرداب أبي عبيدة الذي أ‘ه هذا الأخير تحت الأرض خوفا من عيون الأمويين(4)
و عاد عبد الرحمن مع أصحابه حملة العلم إلى المغرب ، و كان من ضمنهم أول إمام بويع في المغرب و هو الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني.
ــــــــــــــــــــــ
1- الدولة الرستمية ، ابراهيم بحاز، جمعية التراث ، القرارة ، ص: 110
2- منهج الدعوة عند الإباضية ، د/ محمد صالح ناصر، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان ص:155.
3- معجم أعلام الإباضية ، بحاز و آخرون ج:2، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ،ط:2 1421هـ/ 2000م، ص. 246.
4- نشأة الحركة الإباضية ، عوض خليفات، مطابع دار الشعب، الأردن ، عمان 1978، ص: 108- 137 ، و منهج الدعوة عند الإباضية ، د/ محمد صالح ناصر ص: 119- 149.
و قد كان للرستميين اهتمام كبير بالصناعة و التجارة اهتمام كبير بالصناعة و التجارة كما أنشأوا بيوتا للأموال في مدن الدولة الرستمية ، كما كان لهم إلى جانب ذلك كله اهتمام بالجانب العلمي و الفكري، فاهتمت الدولة بإنشاء المؤسسات التعليمية كالكتاب- أماكن للتعليم – و كذلك إقامة حلقات علم في المساجد سواء في التفسير او الحديث أو الفقه أو اللغة و غيرها من العلوم حتى أن أئمة الدولة الرستمية كانوا يساهمون في التعليم بأنفسهم و لا يأنفون من ذلك أو يتكبرون كالإمام عبد الوهاب الذي قضى سبع سنوات يعلم الناس أمور الصلاة في جبل نفوسة أو الإمام أفلح الذي دارت عليه أربع حلقات للعلم قبل أن يبلغ الحلم(1)
و كذلك اهتمت الدولة الرستمية بإنشاء المكتبات العلمية الزاخرة بمختلف فنون العلم و الأثر ، و من مكتباتها المشهورة مكتبة " المعصومة " التي كانت تحوي آلاف من المجلدات و الكتب، فكانت تضم بين رفوفها كتبا في علوم الشريعة من تفسير و حديث و فقه و توحيد ، و كتبا في الطب و الرياضيات و الهندسة و الفلك و التاريخ و اللغة و غيرها من العلوم المختلفة ، و ن المكتبات المشهورة الأخرى " خزانة نفوسة " الجامعة لآلاف الكتب ، و كذلك لم تخل منازل العلماء في الدولة الرستمية من وجود المكتبات الخاصة.
و هذه النهضة العلمية لا بد و أن يواكبها نهضة في مجال التأليف فحازت الدولة الرستمية قصب السبق في ذلك، فقدم أئمتها و علماؤها للأمة الكثير من المؤلفات في مختلف فنون العلم سواء الدينية أو الدنيوية(2)
كذلك نجد أن الدولة الرستمية كان لها اهتمام بالأدب العربي من شعر و نثر ، فأما النثر فيظهر ذلك جليا من خطب أئمة الدولة الرستمية و مراسلاتهم و أما الشعر فكان لهم نصيب فيه و لكن ليس كالنثر، و من شعراء الدولة الرستمية الإمام أفلح بن عبد الوهاب ، و من قصائده العصماء تلكم القصيدة في فضل العلم التي يقول في مطلعها:

العلم أبقى لأهل العلم آثــــارا و ليلهم بشموس العلم قد نــارا
يحي به ذكرهم طول الزمان و قد يريك أشخاصهم روحا و أبكارا

و قد كانت للدولة الرستمية علاقات ثقافية مع بلدان المغرب و الأندلس ، و مع بلاد السودان و بلدان المشرق العربي فكانت بينهم مراسلات و لقاءات(3)

و من أشهر مدن الدولة الرستمية : مدينة تيهرت العاصمة ، و مدينة وهران و مدينة شلف و مدينة الغدير و المدينة الخضراء و غيرها من المدن (4)
ــــــــــــــــــــ
1- الدولة الرستمية، بحاز إبراهيم ص: 281، و معجم أعلام الإباضية ، بحاز و آخرون2/ 61.
2- الدولة الرستمية ، بحاز ابراهيم ص: 288- 290.
3- أنظر معجم أعلام الإباضية، بحاز و آخرون 2/61
4- الدولة الرستمية ، بحاز، ص: 282- 398
و قد امتدت حدود الدولة الرستمية في فترة من فتراتها الزاهرة من حدود مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقاصي المغرب الأوسط غربا(1)








بكر بن حماد التيهرتي
أبرز أعلام الدولة الرستمية
لقد أنجبت الدولة الرستمية العديد من الأعلام الذين نبغوا في مختلف الجوانب و من هذه الجوانب الساحة الشعرية و الأدبية ، و من أشهر فحول شعراء الدولة الرستمية بكر بن حماد التيهرتي.
هو أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سمك( قيل ابن سهر) بن اسماعيل الزناتي التيهرتي، ولد بتيهرت سنة 200هـ و بها توفي سنة 296هـ ، له رحلة إلى الشرق بدأها سنة 217هـ سمع فيها الفقهاء و العلماء.
كان عالما بالحديث و تميز الرجال ثقة مأثورا ثبتا صدوقا إماما حافظا، سمع بالقيروان قبل رحلته إلى المشرق سحنون بن سعد التنوخي قاضي افريقية سنة 234هـ و في البصرة لقي عمرو بن مرزوق ، و مسدد بن مسرهند الأسدي و غيرهما من العلماء و كتب عن مسدد مسنده و رواه عنه بتيهرت .
و ما يحكى عن بكر بن حماد في الحديث ما رواه القرطبي في تفسيره ( الجامع 1/ 287 دار إحياء التراث العربي 1372هـ/ 1952م) و اقتبسه منه المقري في نفحه ( نفح الطيب 2/48-49).
هذا و قد أخذ الحديث عنه عدد من العلماء منهم القاسم بن أصبع الذي كتب مسند مسدد بن مسرهند، و منهم أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني المعافري الأندلسي، و منهم ابنه عبد الرحمن بن بكر بن حماد، و قاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي.
و قد نبغ بكر بن حماد في الشعر أيما نبوغ ، و نظم قصائد جيدة في أغراض مختلفة كالوصف و المديح و الهجاء و الرثاء و الاعتذار و الزهد و الوعظ.
و شعر بن حماد مبعثر بين صفحات الكتب و ثنايا المخطوطات ،و قد بذل الأستاذ محمد شاوش جهد في جمع ما استطاع من شعره من مختلف المصادر التي تمكن من الحصول عليها ، فعثر بعد البحث الطويل المستمر حسبما يذكر على نحو المائة و عشر أبيات من شعره لا غير، هذا و لم يقطع الأمل في
ــــــــــــــــ
1- الأزهار الرياضية، الباروني 2/ 45-66
اكتشاف غيرها في المستقبل.
و جودة شعر بن حماد تعود إلى ترحاله المستمر حيث رحل إلى المشرق و هو شاب فالتقى بفطاحل شعراء القرن الثالث الهجري مثل دعبل الخزاعي، و علي بن الجهم ...فكان لهذه الرحلة التأثير الأكبر على فكره و استعرابه.
و يصف الأستاذ بونار بن حماد في الشعراء المطبوعين ، و هم قلة فيقول: " إن هذه الشخصية هي أنبغ شخصية في الشعر الغنائي بالمغرب العربي عامة و لا نجد نظيرها في عمق تفكيرها و أصالتها البيانية و امتلاكها لموهبة شعرية محترمة إلا في الأندلس ... و يحق لمؤرخ الأدب في هذا العصر أن يصرح بأن ظهور بكر بن حماد في القرن الثالث ... هو أكبر مفخرة للأدب المغربي "(1)
و هذه بعض الأبيات للشاعر في الاعتذار من الإمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان ( حكم الدولة الرستمية سنة 281- 249 هـ) عن خطئ ارتكبه:
و مؤنسة لي بالعراق تركتها و غصن شبابي في الغصون نضير
فقالت كما قال النواسي قبلها عزيز علين أن نراك تســـير
فأكرهني قوم خشيت عقابهم فداريتهم و الدائرات تــــدور
و أكرم عفو يؤثر الناس أمره إذا ما عفا الإنسان و هو قديــــــر
و قد اشتهر بن حماد بشعر الزهد و التصوف حتى شبه بأبي العتاهية اعتقادا منهم أنه تأثر به أثناء رحلته إلى المشرق فمن شعره في لزهد(2)
قف بالقبور فناد الهامدين بها من أعظم بليت فيها و أجساد
قوم تقطعت الأسباب بينهـــم من الوصال و صاروا تحت أطواد
و الله و الله لو ردّوا و لو نطقوا إذا لقالوا التّقى من أفضل الزاد

فهي أبيات كما نرى من أجمل و أروع ما قيل في مجال الزهد تحدث من التأثير الشيء العظيم على كلّ من يقرؤِها.
و قد اختلف في سنة وفاته، فذهب ابراهيم طلاي محقق الطبقات إلى أنه توفي سنة 292هـ و لم يذكر المصادر التي اعتمد عليها (3) و يذكر الدكتور بحاز أنه توفي في 296 هـ(4) و لعله الأصح.
ــــــــــــــــــ
1-الدولة الرستمية، بحاز ابراهيم ، جمعية التراث ، القرارة الجزائر 1993 ص: 308- 363
2- الأزهار ، للباروني 2/95، و الدولة الرستمية ل بحاز ص:364
3- الطبقات، الدرجيني 2/1 نقلا عن الأزهار للباروني 2/97
4- انظر الدولة الرستمية، بحاز ابراهيم
ابن رشيق القيرواني
كان رشيق مملوكا روميا من موالي الأزد و من أهل مدينة المسيلة ( المحمدية) في المغرب الأوسط ( الجزائر) و كانت صنعته الصياغة، و في المحمدية ولد ابنه الحسن سنة 390هـ ( 1000م) أو قبل ذلك بقليل ، فتعلم صنعة أبيه و تأدب قليلا.
و في سنة 406 هـ ( 1016م) انتقل الحسن بن يوسف بن رشيق إلى القيروان و درس على جماعة من أدبائها و علمائها ، و كان منهم أبو محمد عبد الكريم بن ابراهيم النهشلي ( و ابن رشيق كثير الاستشهاد بآرائه في كتاب العمدة) و منهم أيضا أبو عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني ( ت 412 هـ) اشتهر ابن رشيق في القيروان و اتصل بصاحبها الأمير معز بن باديس منذ سنة 410هـ فلقي عنده حظوة، و أصبح من بطانته و أهل دولته.
انتقل ابن رشيق إلى جزيرة صقلية و نزل في مازر ( على الساحل الجنوبي الغربي ) و بقي فيها إلى أن أدركته الوفاة في غرة ذي الحجة من سنة 456 هـ ( 14/ 11/1064م).
ابن رشيق عالم باللغة و النحو و بارع في الأدب و النقد و شاعر و مؤلف حسن التأليف ، و لقد غلب نقد الشعر عليه فعرف به دون سائر فنون العلم و الأدب ، و ابن رشيق شاعر مقتدر ، صحيح المعاني ، متين الأسلوب غير أن العقل يغلب في شعره على العاطفة ، و معظم معانيه مستعارة، و إن كان أحيانا يصيب الصورة الشعرية.
تقوم شهرة ابن رشيق و مكانته على كتاب " العمدة " و هو يتألف من قسمين في أولها نقد تاريخي للشعر ، و في الثاني منهما بلاغة و نقد ( و إن كنت تجد أبوابا في القسم الأول هي أخلق بالقسم الثاني ، كما نجد في القسم الثاني أبوابا أقل عددا يجب أن تكون في القسم الأول) فمن أبواب القسم الأول: فضل الشعر – الرد على من يكره الشعر – شعر الخلفاء و الصحابة- باب من رفعه الشعر ( كامرئ القيس) و من وضعه أي حطّ قدره الشعر ( كالنابغة) – باب التكسب بالشعر و الأنفة من التكسب به- القدماء و المحدثون المقلون من الشعر و المكثرون – مشاهير الشعراء- باب الشعراء و الشعر: حد الشعر اللفظ و المعنى – المطبوع و المصنوع – الأوزان- القوافي – القطع و الطوال- المبدأ و الخروج و النهاية- الإيجاز- الفرق بين الاختراع و الإبداع- المجاز- الاستعارة – التجنيس – الفرق بين الترديد و التكرار- الاستثناء- توكيد المدح بما يشبه الذم – السرقات – النسيب – المديح – الرثاء...الخ – سيرورة الشعر و الحظوة عند الممدوحين – باب في أصول النسب و بيوتات العرب – باب معرفة الأماكن و البلدان – باب الوصف...الخ
يقول ابن خلدون في تقريظ كتاب العمدة لابن الرشيق مايلي: " و هو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة ( صناعة الشعر ) و إعطاء حقها ، و لم يكتب فيها قبله و لا بعده مثله ".
و لابن رشيق من التصنيف أيضا :
- كتاب الأنموذج ( في شعراء القيروان المعاصرين له )
- قراضة الذهب في نقد أشعر العرب.
- كتاب الغرائب و الشواذ في اللغة.
و له عدد من الرسائل يرد فيها على معاصره و منافسه ابن شرف القيرواني منها :
- فوات الوفيات
- رسالة ساجور الكلب
- رسالة قطع الأنفاس
- رسالة نجح الطلب
- رسالة رفع الإشكال و دفع المحال
- فسخ اللمح و نسخ الملح
- ميزان العمل في أيام الدول.
مختارات من آثاره:
قال ابن رشيق في وصف حال المسلمين حينما بدأ الأسبان النصارى يستولون على المدن الأندلسية و يخرجون منها أهلها تقتيلا و تشريدا:
المسلمون مقسمون تنالهم أيدي العصاة بذلة و هوان
بادوا نفوسهم فلما أنفدوا ما جمعوا من صامت و صوان(1)
خرجوا حفاة عائذين بربهم من خوفهم و مصائب الألوان
هربوا بكل وليدة و فطيمة و بكل أرملة و كل حصان(2)
فتفرقوا أيدي سبا و تشتتوا بعد اجتماعهم على الأوطان(3)
ـــــــــــــــــــــــــ
1- بادوا نفوسهم فما انفدوا: أنفقوا ما كانوا خزنوه. الصامت: المال الجامد( كالعملة و الأبنية ..إلخ). الصوان: الصندوق توضع فيه الثياب الثمينة( لصونها).
2- الحصان: المرأة الشريفة النبيلة( التي لا يمسها أجنبي)
3- تفرق القوم أيدي سبا: تشتتوا( تفرقوا تفرقا لا اجتماع بعده)
للامانة العلمية الموضوع منقول لتعميم الفائدة. فريد قر ميش

http://hitskin.com/themes/15/89/78/i_up_arrow.gif (http://salimprof.hooxs.com/t2167-topic#top) http://hitskin.com/themes/15/89/78/i_down_arrow.gif (http://salimprof.hooxs.com/t2167-topic#bottom)

ميس لميس
2012-11-29, 07:17
شكرااااااااااااا ممكن بحث حول المشتقات في الأدب العربي

hala7
2012-11-29, 15:38
ممكن بحث عن اللغة و الفكر

**د لا ل**
2012-11-29, 19:20
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نحن لا نقدم البحوث هنا

لانها من المفروض ان تكون جهدا ذاتيا منكم كي تستفيدوا اكثر مما تدرسونه

فنحن نقدم لكم في هذا القسم الدروس والمحاضرات و الدراسات الادبية والنقدية

ومن الافضل ان تبحثوا وتجتهدوا في تقديم بحوثكم اكثر

شكراااا

**د لا ل**
2012-11-29, 19:42
نكمل على بركة الله

**د لا ل**
2012-11-29, 19:46
ـ وحدة فقه اللغة



قائمة بالمصادر والمراجع المقترحة


- لسان العرب لابن منظور


- فقه اللغة – الثعالبي


- الخصائص – ابن جني


- فقه اللغة – علي عبد الواحد وافي


-فقه اللغة العربية وخصائصها – اميل بديع يعقوب


-علم اللغة ـ علي عبد الواحد وافي


- فقه اللغة محمد المبارك


- دراسات في فقه اللغة ـ صبحي الصالح


- نشوء اللغة و نموها واكتمالهاـ أنستاس الكرملي


-مولد اللغة ـ أحمد رضا العاملي


-من أسرار اللغة ـ ابراهيم أنيس


- دلالة الألفاظ ـ ابراهيم أنيس


- الاشتقاق و التعريب ـ عبد القادر المغربي


- الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية ـ جورجي زيدان


- علم الدلالة ـ فايز الداية


- خصائص العربية والاعجاز القرآنيـ أحمد شامية


- في اللغة ـ دراسة تمهيدية منهجية ـ أحمد شامية


- نشأة اللغة عند الإنسان والطفلـ علي عبد الواحد وافي


- علم اللغة العام– عبد الصبورشاهين


- اللغة ـ فندريس


-اللسان والإنسان – حسن ظاظا


-اللغات السامية – إسرائيل ولفنسون


- ابن خلدون ـ المقدمة


- شفاء الغليلـ الخفاجي


- الصاجي في فقه اللغة – أحمد بن فارس


- المزهر في علوم اللغة – جلال الدين السيوطي


- مدخل إلى علم اللغة– محمود فهمي حجازي


-المعرب – للجواليقي


- دراسات في اللغة واللهجات والأساليب – يوهان فك



ـ الدراسات اللغوية العربيةـ محمد حسين آل ياسين
اللغة العربية عبرالقرون ـ محمود فهمي حجازي



ـ أسرار العربية ـ لابن الأنباري

ـالأضداد – لابن الأنباري

ـ دراسات في اللغة– ابراهيم السامرائي

ـ المولد ـ حلمي خليل

ـ دراسات في العربية وتاريخها– الخضر حسين

اللغة العربية معناها ومبناها – تمام حسان ـ

ـ بحوث ألسنية عربية ـ ميشال زكريا ـ المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع ، بيروت



ملاحظة : لم نعتمد في ترتيب هذه المصادر و المراجع معيارا معينا ، انما هو مجرد تسلسل ليعود الطالب الى ما يستطيع الوصول اليه من هذه المراجع ، الا أننا سنضع خطوطا تحت أهم المراجع المتعلقة بالبرنامج .





أهمية اللغة


فقه اللغة تعريف وتوضيحات


أ ـ أهمية اللغة


قدلا تبدو أهمية اللغة ودراسة علومها – وهي تسلك في مجموعة العلوم الإنسانية -لاتبدو هذه الأهمية في مستواها الحقيقي عند مقارنتها بالعلوم الأخرى لاسيما العلوم الدقيقة والتكنولوجية...وربما ينعكس ذلك على الاهتمام بدراسة اللغة مما يؤدي إلى عدم إعطائها القدرالكافي ، والمساحة الضرورية في وضع البرامج والتخطيط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .


لكن لوحللناالمسألة بعمق وموضوعية لتبين لنا أن اللغة – أي لغة – هي عصب العلوم في جميع فروعها ، بل هي أداة الحياة والحضارة والتقدم .


حتى يمكن للمرء أن يقول أن الإنسان بتميزه عن غيره من المخلوقات قد كان له ذلك بفضل هذه النعمة ، حتى أنه قد يصدق القول ، الإنسان حيوان ذولغة بما للغة من الارتباط الوثيق بالتفكير وتأمين الاتصال، ويمكن الرجوع في هذا إلى الكثير مما سجله الباحثون ورجال الفكر .


فاللغة هي الإنسان ، قال تعالى ( خلق الإنسان علمه البيان ) صدق الله العظيم . ففي هذه الآية نلاحظ هذه العلاقة بين خلق الإنسان وتعليمه البيان أي الكلام بلسان مبين مختلف عن وسائل الاتصال ، أو ما يسمى بلغة الطيور والحيوانات وغيرها ، فالمخلوق الوحيد الذي يمتلك مثل هذا اللسان وهذه الأداة هو الإنسان ، والإنسان


وحده .


ولذا فكل مايتعلق بالإنسان وتفاعله مع هذا الكون يستند أصلا إلى اللغة ومن هنا كانت اللغة جديرة بالاهتمام والبحث والدراسة للاستفادة من مزاياها وإمكاناتها إلى أقصى حد .


والتفصيل في هذا الموضوع قد يطول ، ولكن يمكن أن أقول باختصار ، أن اللغة ، هي واحدة من الوسائل الحيوية الأربعة التي ما كان للإنسان أن يستمر في هذه الحياة بدونها ولكن على الترتيب في الأهمية ، بدءا بالهواء الذي لا يمكن العيش بدونه دقائق معدودة ولذلك وفرته العناية الإلهية بصورة غير محدودة ، بل هو الذي لا يسعى الإنسان إليه .


ويأتي بعد ذلك وفي المرتبة الثانية – الماء ـ إذ لا يستطيع الإنسان الصبرعلى فقدانه إلا لأيام معدودة ، ولذلك توفر في الحياة ولكن ببعض السعي والجهد من بحث أو سفر أو رحلة أو غيرذلك ، ثم يأتي في المرتبة الثالثة الغذاء وهو من الضرورات التي لابد منها لاستمرار الحياة ، ولكن يمكن الصبر على فقدانه لفترة أطول ، لذلك كانت الحكمة الإلهية توفره إنما بصورة أقل وتحتاج إلى فترة أطول من السعي والطلب .


وأخيرا تأتي اللغة و التي قد تعيش البشرية بدونها فترات طويلة نسبيا ولكن لولاها لما استطاعت أن تتقدم وتزهر وتبني وتعمر وبالتالي كانت عوامل الطبيعة قد عدت عليها فانقرض الإنسان ، وانقرضت الحياة ، إذ أننا لايمكن أن نتصور هذا التقدم العلمي الصاعد لوكان الإنسان دون لغة . ( انظر مقال : هل العربية ملكة اللغات ) مجلة المبرز ، العدد الأول – المدرسة العليا للأساتذة 1992 إن ما نسعى إليه في هذا الموضوع هو لفت الانتباه إلى أهمية اللغة والسعي إلى دراستها وتعلمها بطريقة منهجية لنتمكن أيضا من تعليمها إلى الأجيال ببذل أقل ما يمكن والوصول الىأفضل النتائج .




بين فقه اللغة وعلم اللغة


الفقه ـ في المعاجم العربية ـ هو الفهم وربما خص بعلم الشريعة والدين .


و قد ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله " من أراد الله به خيرا فقهه في الدين "


و من هنا يتبين لنا وجود مطابقة من الناحية اللغوية بين الفقه والعلم، و بهذا أخذ عدد من العلماء و الباحثين اللغويين فلم يفرقوا بين العلمين ، و انما جعلوا ( فقه اللغة وعلم اللغة) مصطلحين لمفهوم واحد أو علم واحد .


و من أبرز هؤلاء العلماء المعاصرين الأستاذ الدكتور صبحي الصالح ، الذي قال في كتابه( دراسات في علم اللغة ) : "من العسير تحديد الفروق الدقيقة بين علم اللغة فقه اللغة لأن جل مباحثهما متداخل لدى طائفة من العلماء في الشرق والغرب ، قديما وحديثا ، و قد سمح هذا التداخل أحيانا ، باطلاق كل من التسميتين على الأخرى ، حتى غدا العلماء يسردون البحوث اللغوية التي تسلك عادة في علم اللغة ، ثم يقولون : " و فقه اللغة يشمل البحوث السابقة ......."


و الحقيقة أن العرب ، لم يكونوا يعرفون هذه التسمية أو هذا المصطلح "فقه اللغة " ، الا في أواخر القرن الرابع الهجري ، و ربما كان أول من استعمل هذا المصطلح أحمد بن فارس ،المتوفى سنة395 ه ،عنوانا لمؤلفه(الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها).


و يلاحظ بعد ذلك استعمال هذا المصطلح عند عدد من العلماء مثل الثعالبي


ـ ت429ه ـ في كتابه ( فقه اللغة وسر العربية) . و ان كان هذا الكتاب ، حسب رأي الباحثين المعاصرين ، لا يمثل في موضوعاته ما يمكن أن يسلك في فقه اللغة . بينما نجد بعض المؤلفات الأخرى التي لا تحمل مثل هذا العنوان ، و لكنها تشمل موضوعات هي أولى بأن تكون من مباحث فقه اللغة مثال ذلك كتاب ابن جني


ـ ت 392هـ المعنون ب ( الخصائص ) .


ولعل أقرب المؤلفات الى مفهوم فقه اللغة كتاب المزهر للسيوطي ـ ت 211ه ـ . في العصر الحديث وبعد أن تقدمت البحوث اللغوية لا سيما في الدراسات اللسانية العربية ومنذ أن ظهر العالم اللغوي السويسري ، فرديناند دي سوسير الذي دعا الى الفصل بين الدراسات اللغوية وفق منهج علمي موضوعي يتمثل في دراسة اللغة بذاتها و لذاتها و بين المنهج التاريخي ـ الزماني التطوري ـ .


هنا بدأ الفصل بين علمين مستقلين هما(فقه اللغة) أو الفيلولوجيا حسب المصطلح الغربي و( علم اللغة).


و تجلى ذلك في الدراسات اللغوية المعاصرة في اختلاف الآراء وظهورمصطلحات مختلفة للدراسات اللغوية ، اذ يرى بعضهم ألا فرق بين فقه اللغة و علم اللغة كما هو عند صبحي صالح و كذلك محمد المبارك .


بينما نجد تسميات أخرى مثل ( الفلسفة اللغوية ) عند جرجي زيدان و (الألسنية ) عند مرمرجي الدومينيكي و ( اللسانيات ) عند الدكتور عبد الرحمان الحاج صالح و (علم اللغة )عند محمود السعران و كثيرون .


لكن أشهر التسميات : فقه اللغة و علم اللغة ، أما مصطلح ( فيلولوجي ) الغربي الذي نترجمه الآن بفقه اللغة فيحتاج الى بعض التفصيل .


و تبين الدراسة التاريخية بين القرن الثامن عشر و القرن العشرين ، أن هذا المصطلح لم يكن واضحا ، حيث استعملت مصطلحات أخرى من قبل وشملت بحوثا لغوية مختلفة مثل دراسة النحو والصرف و النصوص القديمة . و يعتقد بعضهم أنه يشمل بحوث علم اللغة بالاضافة الى جميع الفنون اللغوية و الأدبية و تاريخ العلوم بشكل عام .


ظل الأمر كذلك حتى ظهور ما يسمى( اللسانيات )الحديثة عند دو سوسير و البنويين الغربيين .وتركت البحوث التاريخية والتطورية التي سميت بعد ذلك الفيلولوجيا . و لم تعد موضوعات مثل نشأة اللغات وغيرها تتدخل في نطاق ما يسمى ب (علم اللغة ).


من هنا يمكن أن نوجز المراحل التي مرت بها الدراسات اللغوية الغربية بما يلي :


1ـ مرحلة ما يسمى بالقواعد ، و قد شيدها الاغريق ،و تابعها الفرنسيون و هي تعتمد المنطق والمعيارية ، وترمي الى تقديم قواعد لتمييز الصيغ الصحيحة .


2 ـ مرحلة فقه اللغة و نشأت في مدرسة الاسكندرية و تنصب الدراسة فيها على النصوص القديمة المكتوبة ، واللغة ليست موضوع الدراسة الوحيد و انما التاريخ والشرح والتفسيرو العادات ... وتهتم أساسا بالنقد ، و قد عبدت الطريق لما يسمى باللسانيات التاريخية .


3 ـ النحو المقارن ، و بدأت هذه الدراسات باكتشاف اللغة السنسكريتية (الهندية القديمة) و كانت في البداية ـ عند علماء الهندواوروبية ـ ذات منهج طبيعي ،عند ( بوب وماكس ميلر )


ثم تشكلت مدرسة جديدة تحمل اسم النحويين المولدين الألمان بحافز من كتاب الأمريكي ، ( ويتني ) الذي عنوانه ( حياة الانسان ).


4 ـ وفي الثلاثينيات من القرن العشرين ظهرت المدرسة البنوية ، التي لا تعتمد معايير خارجة عن اللغة ، فاللغة منظومة لا تعترف الا بنظامها الخاص و قد تم تطوير هذا الاتجاه في الولايات المتحدة الأمريكية.


و بعد ذلك تعددت الاتجاهات البنوية في أمريكا وأوروبا حتى صار ما يعرف بالمدارس اللسانية الحديثة .


و لو رجعنا الآن الى التمييز بين فقه اللغة وعلم اللغة يمكن أن نذكر أن الفرق الرئيسي يتجلى فيما يلي:


1 ـ يعتمد علم اللغة المنهج الوصفي الآني للنصوص اللغوية


بينما يعتمد فقه اللغة المنهج التاريخي التطوري المقارن


2 ـ تنصب الدراسة في علم اللغة على النصوص الحية وخاصة الشفوية منها .


في حين نجدها تهتم في فقه اللغة بالنصوص المكتوبة والقديمة بشكل خاص بالاضافة الى المخطوطات والنقوش.


3 ـ يهدف علم اللغة الى دراسة النظام اللغوي في البنية اللغوية .


بينما يهدف فقه اللغة بالاضافة الى دراسة اللغة بحد ذاتها الى الوصول الى معلومات تتعلق بالتاريخ والثقافة ، و العادات والتقاليد و غير ذلك مما يمكن استنباطه من النص اللغوي ، وهنا تتخذ اللغة باعتبارها وسيلة ، بينما هي حسب منهج علم اللغة غاية بحد ذاتها .














نشأة اللغة الانسانية الأولى :أهم النظريات أو الفرضيات


اختلف الباحثون قديما وحديثا في موضوع نشأة اللغة الانسانية الأولى ، ومدى نجاعة دراسة مثل هذا الموضوع بين معارضين للبحث فيه الى درجة التحريم ، باعتباره موضوعا غير ظني لا يمكن التحقق من صحة وقائعه ، و بين مؤيدين بل ومصرين على مثل هذه البحوث اللغوية التي تنبع من التراث المعرفي الذي يصب في صميم الدراسات اللغوية و ما يتعلق بها .


و لكن عندما ظهر ما يسمى بالدراسات اللسانية الحديثة ( المدارس اللسانية ) كان هناك انفصال بين علمين توأمين أحدهما يسمى (فقه اللغة ) والثاني (علم اللغة ).


كما مر معنا سابقا ،و صار من السهل اخراج مثل هذا الموضوع من الأبحاث والدراسات التي تدخل تحت عنوان (علم اللغة ) و ادراجه في الدراسات التي تسمى


( فقه اللغة ).


لذلك أدرجنا هذا الموضوع ضمن مادة ( فقه اللغة) ، بغض النظر عما تتضمنه هذه المادة من موضوعات يمكن أن تدرج في ( علم اللغة ) متابعة للبحوث و الدراسات والأعمال العربية التي جاءت تحت عنوان (فقه اللغة ) و لكنها كانت أقرب الى فقه اللغة حسب المفاهيم والآراء الحديثة لهذا العلم .


و قد تعددت الآراء والفرضيات التي تفسر نشأة اللغة الانسانية الأولى ، من اعتماد المعقول والمنقول .


ومن أهم هذه النظريات ( الفرضيات ) ، النظريات التالية :




1ـنظرية الالهام و الوحي والتوقيف :





تذهب هذه النظرية الى أن الله الخالق أوحى الى الانسان الأول وأوقفه على أسماء الأشياء بعد أن علمه النطق . وقدذهب الى هذا الرأي في العصور القديمة الفيلسوف اليوناني هيراقليط ( ت : 480 ق . م ) ، و في العصور الحديثة طائفة من العلماء على رأسها لامي و الفيلسوف دونالد . ومن علماء المسلمين في العصور الوسطى : أبو عثمان الجاحظ (ت 255 ه) و أبو الحسن الأشعري (ت 324 ه) ، و أحمد بن فارس (ت 395ه ) ، الذي يرى أن لغة العرب توقيفية .



و يبدومن قول ابن فارس أن اللغة العربية هي لغة آدم عليه السلام ، لأنه ذكر أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني و الكتب كلها آدم ـ عليه السلام ـ قبل موته ب300سنة . و قد ذكر السيوطي عن ابن عساكر في التاريخ عن ابن عباس ، أن آدم (عليه السلام ) كانت لغته في الجنة العربية .
قال عبد الملك بن حبيب : " كان اللسان الأول الذي نزل به آ دم من الجنة عربيا . الا أن بعد العهد و طال صار سريانيا ، وكان يشاكل اللسان العربي الا أنه محرف .... وبقي اللسان في ولد أرفشذ بن سام الى أن وصل الى يشجب بن قحطان من ذريته وكان باليمن ، فنزل بنو اسماعيل ، فتعلم منهم بنو قحطان اللسان العربي .


و يرى علماء العبرانية و تابعهم كثير من مشاهير علماء النصرانية وغيرهم : أن اللغة العبرانية هي اللغة التي فتق الله بها لسان آدم ـ عليه السلام ـ في ولده شيث حتى انتهت الى ابراهيم عن طريق عابر بن سام ويستدلون على ذلك بعدد من الأسماء الواردة في حديث الخلق وما بعده الى الطوفان مثل آدم وعدن و فيشون وجيجون وغيرها أسماء عبرانية .


أدلة أصحاب التوقيف


يعتمد علماء الغرب المؤيدون لهذه النظرية على ما ورد بهذا الصدد في العهد القديم من الانجيل" و الله خلق من طين جميع حيوانات الحقول ، و جميع طيور السماء ، ثم دعا آدم ليرى كيف يسميها . وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له الانسان . فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ، ولطيور السماء و دواب الحقول "


وهذا النص لايدل على شيء مما يقوله أصحاب هذه النظرية بل يكاد يكون دليلا على عكس النظرية .


ويرى الدكتور توفيق شاهين أن أبا عثمان الجاحظ ارتضى هذه النظرية حيث قرر أن الله سبحانه و تعالى أنطق نبيه اسماعيل بالعربية دون سابق تمهيد أو تعليم وأنه ـتعالىـ فطره على الفصاحة على غير النشوء والتمرين .


و يضيف القائلون بالتوقيف الى ذلك ثلاثة وجوه :


1 ـ أنه سبحانه وتعالى ذم قوما في اطلاقهم أسماء غير توقيفية في قوله تعالى :" ان هي الا أسماء سميتموها أنتم ..." وذلك يقتضي كون البواقي توقيفية




2 ـ قوله تعالى :" ومن آياته خلق السماوات والأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم " و الألسنة اللحمانية غير مرادة لعدم اختلافها . و لأن بدائع الصنع في غيرها أكثر . فالمراد هي اللغات


3 ـ و هو عقلي : فلو كانت اللغات اصطلاحية لاحتيج في التخاطب بوضعها الى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة ، يعود اليه الكلام ،و يلزم اما الدور أو التسلسل في الأوضاع و هو محال فلا بد من الانتهاء الى التوقيف .


وبناء على كلام أهل التوقيف ، لا يجوز قلب اللغة مطلقا : فلا يجوز تسمية الثوب فرسا مثلا.


وقدم ابن جني تفسيرا آخر هو أن الله تبارك وتعالى : علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات :العربية والسريانية و الفارسية والعبرانية و الرومية وغير ذلك من سائر اللغات . فكان هو و ولده يتكلمون بها ،ثم ان ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات ، فغلبت عليه و اضمحل عنه ما سواها عهدهم بها.


أما الخفاجي فيذهب الى أن التوقيف الالهي مستند الى لغة سابقة له يفهم بها المقصود بافتراض أن المواضعة تقدمت بين آدم والملائكة .























2ـ نظرية محاكاة أصوات الطبيعة :





و تذهب الى أن أصل اللغة محاكاة أصوات الطبيعة ،كأصوات الحيوانات وأصوات مظاهر الطبيعة ، والتي تحدثها الأفعال عند وقوعها ، ثم تطورت الألفاظ الدالة على المحاكاة ، وارتقت بفعل ارتقاء العقلية الانسانيةو تقدم الحضارة .


و ذهب الى هذه النظرية " ابن جني" قديما ، و "ويتني " حديثا في القرن التاسع عشر.


وليست هذه النظرية من اختراع "ماكس ميلر " ، كما أشار بعضهم بل عرفها العلامة ابن جني . وذكر أنه نقله عمن سبقه ، مما يدل أنه كان مذهبا شائعا و مقررا حيث يقول : وذهب بعضهم الى أن أصل اللغات كلها ، انما هو الأصوات المسموعات كدوي البحر وحنين الرعد ، وخرير الماء ، و شحيح الحمار ونعيق الغراب .....ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد"


وقد كان ابن جني معجبا بهذه النظرية ،حيث أفرد لها بابا في كتاب الخصائص سماه


( باب في امساس الألفاظ أشباه المعاني ) ، قال فيه " و لو لم يتنبه على ذلك الا بما جاء عنهم من تسميتهم الأشياء بأصواتها ،كالخازبار لصوته ، و البط لصوته و نحو ذلك قولهم حاحيت ،و عاعيت ، هاهيت ، اذا قلت حاء ، عاء ، هاء ، وقولهم : بسملت ،هللت ، حوقلت . كل ذلك أشباهه انما يرجع اشتقاقه الى الأصوات و الأمر أوسع "



والواقع أن لهذا النظرية ما يؤيدها . فالطائر المسمى في الانجليزية CUOKOO الى جانب الهرة المسماة "مو " في المصرية القديمة

ويذهب بعض الباحثين الى أن هذه النظرية هي أقرب النظريات الى الصحة و الى

المعقول ، وأكثرها اتفاقا مع طبيعة الأمور وسنن النشوء .

ومن أهم أدلتها :

1 ـ أن المراحل التي تقررها بصدد اللغة الانسانية ، تتفق في كثير من وجوهها ، مع مراحل الارتقاء اللغوي عند الطفل :فقد ثبت أن الطفل في المرحلة السابقة لمرحلة الكلام ، يلجأ في تعبيره الارادي الى محاكاة أصوات الطبيعة ، فيحاكي الصوت قاصدا التعبير عن مصدره ، أو عن أمر يتصل به .

وثبت كذلك أنه في هذه المرحلة ـ و في بدأ مرحلة الكلام ـ يعتمد اعتمادا جوهريا في توضيح تعبيره الصوتي ، على الاشارات اليدوية والجسمية

نقد النظرية :

وجه الى هذه النظرية انتقاد أساسي، فهي من جهة تعجز عن تفسير مبدأ كيفية(حكاية الأصوات ) ، في آلاف الكلمات التي لا نرى الآن أية علاقة بين معناها وصوتها . فما العلاقة بين لفظ الكتاب و معناه ،مثلا ؟















3 ـ نظرية الاتفاق والمواضعة والاصطلاح



تقرر هذه النظرية أن اللغة ابتدعت و استحدثت بالتواضع ، و الاتفاق و ارتجلت ألفاظها ارتجالا . ومال كثير من العلماء والمفكرين الى هذه النظرية ،منهم : الفيلسوف اليوناني ديموكريط و أرسطو والمعتزلة .

وقال بها من المحدثين أيضا : آدم سميث الانجليزي .

وليس لهذه النظرية أي سند عقلي او نقلي أو تاريخي بل أن ما تقرره يتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية ، وعهدنا بهذه النظم ، أنها لا تخلق خلقا ، بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها . اضافة الى ذلك فالتواضع على التسمية يتوقف في كثير من مظاهره على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون فبأي لغة تواصل هؤلاء ؟

هذه النظريات هي أشهر النظريات و هناك نظريات أخرى نكتفي بذكرها دون تفصيل ومنها :

1 ـ نظرية الأصوات التعجبية العاطفية (نظرية ( pooh _ pooh

2 ـ نظرية الاستجابة الصوتية للحركة العضلية ( نظرية yo _he –ho

3ـ نظرية جسبرسن الذي طالب بدراسة وافية للغة الطفل ، ولغات القبائل البدائية ، و دراسة تاريخية للتطور اللغوي . كل ذلك من أجل التوصل الى معرفة كيفية نشأة اللغة الانسانية الأولى وفق منهج علمي

4 ـ نظرية فندريس : الذي يرى أن اللغة كانت لدى الانسان الأولى انفعالية محضة

5ـ نظرية النشوء والتناسل : و ترى هذه النظرية أن اللغة نشأت بالطفرة و بشكل تلقائي ، فتفترض أن اللغة نشأت متكاملة في لحظة معينة ثم أعقبها التوالد والتكاثر.

و نرى كما يرى عدد من الباحثين ، أنه لاتوجد نظرية واحدة يمكن أن تفسر نشأة اللغة الانسانية و أن ثلاث نظريات متكاملة يمكن أن تفسرذلك . فالله سبحانه وتعالى أهل الانسان وأعطاه القدرات الخاصة ، فألهمه لكي ينطق وينشئ اللغة .

و بهذه القدرة استطاع الانسان الأول أن يضع كلماته وجمله الأولى ، بالاصغاء والملاحظة و التقليد ، لما يوجد حوله في الكون.ولما تقدم الانسان ، وارتقى في التفكير ، بدأ بوضع كلمات جديدة بالتواطؤ و الاصطلاح الذي ما زال مستمرا الى يومنا هذا ، بل الى قيام الساعة .

**د لا ل**
2012-11-29, 20:13
لكل طلاب السنة الرابعة جامعي :كيفية اعداد مذكرة تخرج (http://www.elanin.com/vb/showthread.php?t=3954)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لعناصر تبدأ بصفحةجديدة.
1- الغلاف.
2 - صفحة العنوان.
3- ورقة بيضاء.
4- الاهداء.
5- كلمة الشكر.
6- الفهارس وترقم با الأحرف العربية أو الأرقام الهندية.
7- مقدمة المذكرة.
8- الفصول أو الجزء الأساسي للمذكرة.




الفصل الأول: البناء المنهجي: ويحتوي:



* الدراسة الاستطلاعية (تحديد المجال الزماني والمكانيوالبشري).
* الاشكالية.
* الفرضيات.
* أهداف البحث.
* أهمية البحث.
* أسباب اختيار الموضوع (ذاتية وموضوعية).
* صعوبات البحث.
* المنهجيةالمتبعة في الدراسة (المنهج المتبع والتقنية المستعملة).
* الدراساتالسابقة.





الفصل الثاني: الجانب النظري: ويحتوي:



* تحديد المفاهيم.
* التطرق الى الدراسة من الناحيةالنظرية من خلال ما تم جمعه من معلومات من الكتب او غيرها من المراجعوالمصادر.





الفصل الثالث: الجانب التطبيقي: ويحتوي:




* التعريف بميدان البحث.
* تحديد عينة البحث وكيفيةاختيارها.
* عملية تفريغ البيانات مصحوبة باستنتاجاتجزئية.





الفصل الرابع: الاستنتاج العام والتوصيات: ويحتوي:



* الاستنتاج العام.
* التوصيات.
* الاقتراحات.
* الخاتمة.
* المراجع.
* الملاحق




هذا هو بشكل عام الشكل النوذجي لمذكرة التخرج فقط بعض الملاحظات البسطة:



1- على الطالب أن ينتبه الى العامل الزمني فلا يترك عمل اليوم الى الغد، كي لا يجد نفسه في آخر السنة (http://www.elanin.com/vb/showthread.php?t=3954) عوض ان يعملبارتياح كي يقدم عمل جيدا، نجده يصارع الزمن من اجل اتمام المذكرة في حينهاوبالتالي يخرج العمل مملوء بالنقائص.



2- الاصغاء والانتباه الجيد لملاحظات المشرف على العمل كي لا تتكرر ملاحظاته في كل مرة وبالتالي يضيع الوقت في اشياء كانمن الممكن تصحيحها منذ البداية.



3- بامكان الطالب ان يتطرق الى موضوع سبق التطرق اليه في نفس الجامعة او في جامعات اخرى لكن لا ننصح بنسخها كما هي ولكنالتطرق الى الموضوع من زاوية اخرى او من جانب آخر من أجل سد الثغرات التي لحظهةالمناقشون من قبل ومن اجل اثرائه وتطويره.







و نظرا لكون اغلب الباحثين المبتدئين خاصة الطلاب المقبلين علىشهادة ليسانس، يجدون صعوبة في ضبط الاشكالية والفرضية في مذكرة (http://www.elanin.com/vb/showthread.php?t=3954) التخرج، اضع بينايديكم هذا الموضوع





الإشكالية.



1- اعتبارات اختيار المشكلة:
هناك عدة اعتبارات يجب مراعاتها عند اختيار مشكلةالبحث واهمها:
- حداثة المشكلة، أي أنه لم يتم تناولها من قبل حتى لا تتكررالجهود.
- أهمية المشكلة وقيمتها العلمية.
- اهتمام الباحث بالمشكلة وقدرتهعلى دراستها وحلها.
- توفر الخبرة والقدرة على دراسة المشكلة.
- توفرالبيانات والمعلومات الكافية من مصادرها المختلفة.
- توفر الوقت الكافي لدراسةالمشكلة.
- توفر الإمكانيات المادية والإدارية المطلوبة.
- عدم وجود جوانبأخلاقية تمنع إجراء المشكلة.
- ان تكون قابلة للبحث في ضوء الإمكانيات المتوفرةلدى الباحث، ولتحديد المشكلة يمكن الاسترشاد بالأسئلة التالية:
• ما هي حدةالمشكلة أو الظاهرة موضوع الدراسة؟
• ما هو تاريخ بروز هذه المشكلة أوالظاهرة؟
• هل هناك مؤشرات كافية حولها نستطيع تحديدها بوضوح؟
• هل ستكونإيرادات تنفيذ اقتراحات الدراسة أعلى بكثير من تكاليف إجرائها؟
• هل يمكن القيامبهذه الدراسة وهل تتوفر الخبرات العلمية لذلك؟
• هل هناك دراسات سابقة حولالمشكلة يمكن الحصول عليها بتكلفة معقولة وخلال فترة زمنيةمعقولة؟






1- معايير صياغة المشكلة:



• وضوح الصياغةودقتها.
• أن يتضح في الصياغة وجود متغيرات للدراسة.
• وضوح الصياغة بحيثيمكن التوصل إلى حل للمشكلة ( قابلة للاختبار).
وعند صياغة مشكلة يجب اخذ الأمورالتالية بعين الاعتبار:
• ما العلاقة بين المتغيرات الداخلة في الدراسة؟ وهل هذهالمتغيرات محددة وقابلة للقياس ؟
• يجب أن تصاغ المشكلة بشكل سؤال أو عدة أسئلةواضحة لا إيهام فيها.
• يجب أن يكون بالإمكان جمع البيانات عن المشكلةلاختبارها.
• يجب أن لا تتعرض المشكلة لموضوعات حساسة من الناحية الأخلاقية أوالدينية.
• يجب أن تكون المشكلة قابلة للحل من قبل الباحث ضمن الوقت والإمكاناتالمتاحة له.
ويمكن تقويم البحث من خلال الإجابة على التساؤلات التالية:
• هلتعالج المشكلة موضوعا جديدا أم موضوعا تقليديا مكررا؟
• هل سيسهم موضوع الدراسةفي إضافة عملية جديدة معينة؟
• هل تمت صياغة المشكلة إلى توجيه الاهتمام ببحوثودراسات أخرى هل يمكن تعميم النتائج التي يتم التوصل إليها؟
• هل ستقدم النتائجفائدة علمية إلى المجتمع.



في الأخير إتباع بعض النصائح والمعايير المعمولبها في ميدان البحث:
• تجنب التحمس الزائد لموضوع تصعب دراسته في الميدان. فالمواضيع التي قد يثيرها المحيط الاجتماعي و الاقتصادي جديرة بالدراسة والاهتمام. غير أن الوصول إلى أفراد المجتمع المراد دراسته كثيرا ما تكلف الباحث جهدا كبيراووقتا طويلا بكثير، مما قد يسبب له انقطاعات متكررة تؤثر سلبا على سياق البحث،وتؤخر الباحث عن الآجال التي حددت له لتقديم العمل.
• احترام مواعيد انجاز العملبوضع دفتر عما أو دفتر الشروط.
• تجنب المواضيع العامة ... أو الدقيقة جدا، فعلىالباحث أن يترك لنفسه مجالا للخطأ، فالمواضيع العامة تعني أن الباحث لم يحدد موضوعهعلى الإطلاق، أما المواضيع الخاصة جدا فهي محدودة في المجال وتكون نتائجهاكذلك.
• اختيار الموضوع على أساس قدرات الباحث ودوافعه وإمكانية دراسةالموضوع.
• اختيار موضوع البحث يكون من طرف الباحث نفسه متى أتيحت له الفرصة لذلك.
• عرض الإشكالية على مختصين في الميدان وحتى على غير المختصين.
• تجنب المبالغة واللغو والتقيد بما قلودل.








الفرضيات.



الفرضية توقع:
لهذا فهي تكتب دائما في صيغة تقريرية ...، ولا تكتب الفرضية بالصيغةالاستفهامية.
تمدد الفرضية الإطار النظري للبحث:
... يجب أن يكون هناك ربطمنطقي بين المفاهيم النظرية المقدمة في الإطار النظري وصياغة الفرضية، و استخدامنفس المفردات للإشارة إلى المفاهيم والمتغيرات.
التطابق بين المتغيرات المستخدمةفي صياغة الفرضية و تصميم البحث الميداني:
على الباحث أن يعرف ويحدد بوضوح طبيعةكل متغير، والعمل على قياس المتغيرات المعلن عنها في الفرضية.
لا تكون الفرضيةعامة جدا، ولا دقيقة جدا:
تدل الفرضية الواسعة عن جهل الباحث بجوانب كثيرة حول الموضوع، في حين أن الفرضية الدقيقة جدا تشكل خطرا على البحث الذي تترك فرضياته إذالم تحقق الدقة المطلوبة هذا من جهة، وتوحي أن الباحث على علم بكل خصائص المشكل منجهة ثانية؛ فتساءل لماذا البحث إذا؟

**د لا ل**
2012-11-29, 20:36
محاضرات النقد الادبي القديم


مفهوم النقد الأدبي ووظيفته
مدخل:


إن مفهوم النقد الأدبي العام يحمل معنى أخلاقيا يهدف إلى ذكر العيوب فيقال مثلا : " نقد فلان فلانا " أي أعابه ولامه على فعل أو عمل سيئ ما ، وأصل لفظة "نقد " يعود إلى العملة التي بتداولها القدم والتي تجمع على " نقود ولهذه الكلمة عدة مشتقات يقال : " نقد الدراهم ، وانتقده " وسميت العملة بالنقد لأنها تنقد ، والنقد بالنسبة للمصرفي هو تفحص الدراهم وتحديد قيمتها أو كشف صححيها من زائفها والناقد هنا هو البصير والخبير بشؤون النقود يتفحصها ويحللها ويقيمها ، وقد انتقل هذا المدلول إلى مجال الأدب فصار كذلك يعنى بنقد الإنتاج الأدبي وتقييمه وإصدار الحكم عليه نظرا لما بين المصرفي وناقد الأدب من أوجه التشابه في مهمة كل منهما ، فالنقد الأدبي هنا له مدلول اصطلاحي يعنى بتقدير العمل الفني ومعرفة قيمته ودرجته في الجودة في الأدب أو غيره من الأعمال الفنية الأخرى كالتصوير أو الموسيقى أو النقش ...الخ والنقد الأدبي لا يعني مجرد تشخيص العيوب أنما يعني تقدير العمل الفني والحكم عليه بالحسن أو القبيح أي من حيث الجودة والرداءة .

- بين المبدع والناقد:
إن المبدع أي الفنان حرفي عمله الفني ، أما الناقد فمقيد بشروط الموضوعية وبقوانين النقد ومعاييره عند الحكم على العمل . وقد يكون الناقد نفسه مبدعا وقد لا يكون أي هو مجرد ناقد كما يلاحظ لدى العديد من النقاد في تاريخ النقد العربي وقد يلاحظ أحيانا اختلاف الأحكام النقدية حول العمل الأدبي والأمر ذلك يعود إلى اختلاف درجات الأذواق والأحاسيس بين النقاد ولكن بالرغم من ذلك يبقى هناك حد مشترك بين النقاد لا يمكن الخروج عنه .
ومن مميزات النقد الأدبي أنه أقرب إلى العلم منه إلى الفن فالفرق مثلا بين البلاغة وبين النقد أن للبلاغة جانب فني تسعى إلى تعليم المنشئ الإتيان بتعابير فنية بليغة ، أما النقد فإنه يبين الأسس التي تقدر بها تلك العبارة البليغة الجميلة أي أن البلاغة تعني بالشكل أما النقد فيعني بالشكل والمضمون ولذلك يميل الناقد أحيانا إلى مهاجمة المبدع لأن الناقد مقيد بقواعد تمنعه من التحليق في الخيال المفرط الذي نلمسه في العديد من الأعمال الإبداعية .

************************************************** ************************************************** ************************

"المحاضرة الأولى"


النقد في العصر الجاهلي:

أوليات النقد الأدبي عند العرب : تعود بداية النقد العربي إلى العصر الجاهلي وكان وراء ظهوره عوامل أهمها : خروج العرب من جزيرتهم والاتصال بالبلدان الأخرى المجاورة كالشام والعراق وبلاد فارس بدافع التجارة أو الحروب يضاف إلى ذلك مظاهر التعصب القبلي الذي كان سائدا بين القبائل وقد كان لهذه العوامل أثرها في ظهور النقد الأدبي وازدهاره ورغم أن بدايته كانت ساذجة بسيطة فإنه قد ساعد على تطوير شعرهم بما يقدم من ملاحظات حيث كان الناس معجبين بالشعر يستمعون ويتأملون قصائد الشعراء ويشيرون إلى مواطن القوة ومواطن الضعف فيفضلون شاعرا على آخر لفحولته وحسن إصابته أو ما تفرد به في شعره عن غيره ...الخ

أوليات الشعر الجاهلي :
لم يظهر الشعر الجاهلي هكذا ناضجا كما هو بين أيدينا ، إنما مر بضروب ومراحل طويلة من التهذيب حتى بلغ ذلك الإتقان الذي أصبح عليه في أواخر العصر الجاهلي وكذلك الشأن بالنسبة للنقد ، فقد ظهر مع بداية الشعر وما وصل إلينا من شواهد نقدية لا يدل على البداية الأولى لهذا النشاط وما بين أيدينا من أحكام نقدية إنما تعود إلى أواخر العصر الجاهلي كذلك بعد أن خطـــــــــــــــــــا هو الآخر خطوات ومن مظاهره ما كان يجرى فيما يسمى «بالأسواق» تارة التي يجتمع فيها الناس من قبائل عدة فيتذاكر الناس فيها الشعر ويلتقي فيها الشعراء ومن صور النقد الجاهلي ما كان يجري في بلاط ملوك الحيرة وغسان حيث يلتقي الأمراء والأعيان بالشعراء فيستمع فيها الحضور إلى ما قال الشاعر في مدح الممدوح فيعقبه نقاش وأحكام حول المآخذ ،وما أورده الشاعر من معاني تليق بمقام الممدوح ....الخ ، فهذه النماذج هي أولى الصور النقدية التي وصلتنا من العصر الجاهلي أما قبلها فمغمور وغير معروف لم يصل إلينا منه شيء يذكر.
ومن أبرز مظاهر النقد الجاهلي ما كان يجري في سوق عكاظ المشهورة التي كانت سوقا تجارية وموعدا للخطباء والدعاة وكانت في آن واحد بيئة للنقد الأدبي يلتقي فيها الشعراء كل عام ليتنافسوا ويعرضوا ما جاءت به قرائحهم من أشعار، ومما ذيع في كتب الأدب أن الشاعر النابغة الذبياني كانت تضرب له قبة حمراء ، من جلد في ناحية من السوق فيأتيه الشعراء ، ليعرضوا عليه أشعارهم ومما يروى في ذلك أن الأعشى أنشد النابغة مرة شعرا ثم أنشده حسان بن ثابت ثم شعراء آخرون ثم أنشدته الخنساء قصيدتها في رثاء صخر أخيها التي قالت فيها :
وان صخرا لتأتم الهداة به * * * كأنه علم في رأسه نار
فقال النابغة: لولا أن أبا بصير" يعني الأعشى" انشدني من قبل لقلت أنك اشعر الأنس والجن .
وقد أعاب العرب كذلك على النابغة بعض الإقواء الذي لوحظ في شعره في قوله:
امن آل مية رائح أو مغتدي * * * عجلان زار زاد ، وغير مزودِ.
زعم البوارح أن رحلتنا غدا * * * وبذاك حدثنا الغداف الأسودُ.
حيث اختلفت حركة الروي مما يؤدي إلى خلل موسيقي وقد فطن النابغة إلى ما وقع فيه ولم يعد إلى ذلك في شعره .
وأورد حما د الراوية أن شعراء القبائل كانوا يعرضون شعرهم على قريش فما قبلته كان مقبولا وما ردته كان مردودا،وقد قدم عليهم مرة علقمة بن عبدة فأنشدهم قصيدة يقول فيها :
هل ما علمت وما استودعت مكتوم؟ فقالوا: هذا سمط الدهر أي رائع وسيبقى في ذاكرة التاريخ .
وقد سمع طرفة بن العبد المتلمس مرة ينشد بيته :
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم .
فقال طرفة :استنوق الجمل لان الصيعرية سمة في عنق الناقة لا في عنق البعير .
ونلاحظ من خلال هذه الشواهد أن النقد الجاهلي كان يعنى تارة بملاحظة الصياغة أي الشكل وتارة أخرى بملاحظة المعاني من حيث الصحة والخطأ ومن حيث الانسجام المطابق للسليقة العربية فقد ذمً الإقواء في شعر النابغة لأنه اخل بالانسجام وسلامة الوزن وحسن الصياغة لان الشعر عند الجاهليين هو حسن الصياغة وحسن الفكرة والمعنى وهو نظم محكم ومعنى مقبول وإلا ما كان شعرا فالمعنى الذي أورده المتلمس في بيته الشعري إنما هو معنى فاسد مرفوض لأنه اسند صفة لغير ما تسند إليه .
فهذه القيم والمبادئ هي أهم المجالات التي جال فيها النقد في العصر الجاهلي التي تجنح إلى الحكم على الشعر من حيث المعنى تارة والمبنى تارة أخرى والتنويه بمكانة الشعراء وقدراتهم أما الذهاب إلى البحث مثلا في طريقة نظم الشاعر أو فحص مذهبه أو البحث في صلة شعره بالحياة الاجتماعية فذلك كان مازال غائبا لم يلتفت إليه الناقد إذ كان يأخذ الكلام منقطعا عن كل مؤثر اجتماعي خارجي وحتى عن بقية شعر الشاعر فهو نقد جزئي انطباعي أساسه السليقة والانطباع الذاتي .
على أننا لا ننفي أن غرض الناقد كان يسعى أحيانا إلى وضع الأمور في مواضعها ووضع كل شاعر في المكانة التي هو جدير بها فحركة الروي في شعر النابغة كما أشرنا آنفا لابد أن تكون واحدة وذلك بطرح الإقواء والبعير ينبغي أن يوصف بما هو من صفاته أصلا لا بصفات غيره وان الشعراء ينبغي أن يصنفوا وفق قدراتهم فلا يقدح الضعفاء على الفحول ويعني هذا أن للناقد الجاهلي قيما فنية كان يحرص على تحقيقها حيث يقرر الأحكام تارة في مجال الصياغة وتارة في مجال المعاني غير أن النقد الجاهلي على العموم إنما هو قائم أساسا على الإحساس بأثر الشعر في نفس الناقد والحكم دائما مرتبط بهذا الإحساس قوة وضعفا عماده الذوق والسليقة وليست هناك مقاييس تقاس بها الأحكام فما الذي فضل به النابغة الخنساء على الأعشى؟ وما الذي كان رائعا في بيته؟ فهي أحكام لاتقوم على تفسير أو تعليل ، وعلى قواعد محددة ، فالنابغة اعتمد في حكمه على ذوقه الأدبي دون ذكر الأسباب والعرب حين نفرت أسماعهم من الإقواء في شعر النابغة ، إنما فعلوا ذلك استجابة لسليقتهم ، ورفض طرفة للمعنى الذي جاء في بيت المتلمس نابع من الفطرة العربية التي تأبى وصف الشيء بغير وصفه أو ما فيه .
روي أن حسان بن ثابت سئل عن بيت القصيد في قصيدته يفتخر فيها فأجاب بأنه الذي يقول فيه :
لنا الحفنات الغر يلمعن بالضحى * * * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما .
فأعاب عليه النابغة بأنه افتخر ولم يحسن الافتخار لأنه أورد كلمات غيرها اقرب وأوسع مفهوما ، فقد ترك الجفان والبيض والإشراف والجريان واستعمل الحفنات والغر واللمعان وهي دون سابقتها فخرا .
فالبيت فيه امتحان لقدرات الشاعر على أدراك اللفظة الصحيحة في مكانها الصحيح وتؤدي المعنى بشكل أقوى حيث علق النابغة على محتوى البيت مخاطبا حسانا :
أقللت أسيافك وجعلت جفانك قلة ويعني بذلك أن على الشاعر أن يكون عليما باللغة ويحسن وضع المفردة لما تدل عليه والربط بين الدال والمدلول ، ومن الشواهد النقدية ما ورد في قصة «أم جندب» حين تنازعا علقمة الفحل وامرؤ القيس وادعى كلاهما انه اشعر فاحتكما إليها فقالت لهما: قولا شعرا على روي واحد وقافية واحدة تصفان فيه الخيل ففعلا فانشد بها زوجها امرؤ القيس قائلا:
فللسوط ألهوب وللساق درة * * * وللزجر منه وقع احوج منعب
وقال علقمة :
فأدركهن ثانيا من عنانــــــه * * * يمر كمر الرائح المتحلب
فقضت أم جندب لعلقمة على امرئ القيس لان فرس امرئ القيس يبدو كيلا بليدا لم يدرك الطريدة إلا بالضرب والزجر والصياح خلاف فرس علقمة الذي انطلق بسرعة الريح ولم يحتج إلى الإثارة فهو ابرع وسرعته طبيعية أصيلة ويلاحظ أن أم جندب ، اعتمدت في حكمها على بعض القواعد وهي :
وحدة الروي والقافية ووحدة الغرض حتى تبدو بحق براعة كل شاعر في إطار الشروط المحددة ، ونستنتج من هذا أن النقد الجاهلي لم يكن يعتمد دائما على مجرد السليقة والفطرة بل كانت له أحيانا شبه أصول وقواعد يعتمد عليها .


************************************************** ************************************************** *********************

المحاضرة الثانية "

نقد الموازنة:


هو ذلك النقد الذي يدور حول موضوع واحد او في قضايا متقاربة اوفكرة واحدة مشتركة قصد التعرف على أفكار كل أديب و اكتشاف خصائص كل نص في معناه او مبناه . و في صوره وأسلوبه ولغته المأخوذة من مادة واحدة.
و الموازنة ليست عملية فكرية و عقلية فحسب . بل هي بالإضافة إلى ذلك عملية ذوقية و جمالية . لأن الناقد أثناء ملاحظته للأعمال الإبداعية المشتركة و المتشابهة إنما يعتمد في ذلك كذلك على ذوقه الأدبي الذي يعطيه القدرة للقيام بعملية التقييم بين العملين .
فنقد الموازنة يقوم على الملاحظة و الفهم و الإدراك ثم الحكم . فهو نوع من الوصف أو نوع من النقد يقوم على الملاحظة للتمييز بين العناصر المتشابهة و المختلفة في الموضوع الواحد للوصول إلى الحكم النهائي .
و يعتبر نشاط الموازنة نشاطا عربيا أصيلا له إرهاصات و امتداد في المورث الأدبي وفي التراث النقدي بالخصوص. وقد ظهر في شكل بداية ساذجة يتميز بطابع العفوية عمادها الذوق الفني الفطري التأثري الذي لا يستند على قواعد موضوعية معينة . و الشواهد النقدية في التراب النقدي العربي تثبت أن عملية الموازنة و المفاضلة عملية قديمة قدم الشعر العربي حيث تعود بدايتها إلى العصر الجاهلي . إذ كثيرا ما كان العرب القدامى يقومون بهذا النشاط عند الحكم على الشاعر أو على الشعر أو عند التنويه بصاحبه لما في شعره من عناصر الجودة سواء في الصياغة أو في المضمون . ومما ذيع في كتب الأدب ما كان يجري في سوق عكاظ . الذي سبق الإشارة إليه . و ما كان يقوم به النابغة في هذا المجال . حيث كانت تضرب له فيه قبة حمراء من جلد فيأتيه الشعراء يعرضون عليه أشعارهم . و كثيرا ما وازن القدماء بين القصائد الشعرية و بين الشعراء واستخلصوا في الكثير من الأحيان بعض أوجه التشابه و الاختلاف . وقد نوهوا بالبعض بما كان لهم من براعة و إمكانيات خاصة . ومن خلال عملية المفاضلة هذه أعجبوا ببعض القصائد واعتبروها درة أو يتيمة . ولاحظوا بعض الخصائص التي تميز بها شاعر عن آخر . فقد لقبو النمر بن تولب بالكيس لحسن شعره وسموا طفيل الغنوي: طفيل الخيل لمهارته و براعته في وصفه لها . وسموا قصيدة سويد بن أبي كاهل بالقصيدة اليتيمة التي تقول فيها:
بسطت ربيعة الحبل لنا *** فوصلنا الحبل منها ما اتسع.
وكانت موازنتهم تقوم أساسا على ملاحظة حسن الصياغة و حسن الفكرة : فهل المعنى مقبول . أو غير مقبول . وهل النظم مقبول أو غير مقبول . والى أي مدى تحقق ذلك الانسجام و الصقل المطابق للسليقة الغربية.
ومن مظاهر الموازنة عندهم ما ذكر عن أم جندب حين تنازع علقمة الفحل وامرؤ القيس . وزعم كل من هما أنه الأشعر .
فتحاكما إلى أم جندب الطائية زوج امرىء القيس التي ذكرنا من قبل ومن صور الموازنة كذلك ما قام به ربيعة بن حذار الأسدي في حكمه على شعر شعراء تميم الذين كانوا في مجلس شراب . واختلفوا إذ زعم كل واحد منهم أنه اشعر . فاحتكموا إليه . فقرأ كل واحد منهم بعض شعره عليه . وبعد ان وازن بين ما سمع من شعر . أخذ يصف شعركل شاعر ومايتميز به . فقال :اما عمرو فشعره برود يمانية تطوي وتنشر . واما انت يا زبرقان فكانك جل حتى جزروا قد نحرت فاخذ من اطاييبها وخلطة بغير ذلك . ولا ما انت يا عبدة فشعرك كمزادة اخكم خرزها فليس يقطر منها شيء .
نلاحظ ان احكام الناقد فيها تشبيهات مستمدة من الواقع فكما ان لحم الشاة تتباين درجات جودته وحسن مذاقه فكذلك تفاوتت جودة شعر الزبرقان حيث فيه الجيد والرديىء . وقد شبه الناقد شعر عبدة بن الطيب بالمزادة التي احكم خرزها دلالة على قوة بناء شكل شعره وصياغته حيث لاتوجد فيه اللفظة الزائدة او العبارة المهلهلة أي أن أسلوب شعره محكم رصين.
ولهذا النشاط حضور مستمر واسع في الحركة النقدية العربية حيث ازدادت أهمية بعد العصر الجاهلي وتوسع خاصة عند شعراء النقائض بسبب اشتداد جزيرة النزعة العصبية القبلية . ورجوعها من جديد بعد أن خمدت في صدر الإسلام . بسبب اشتغال الناس بالفتوحات . وما يلاحظ في موروثنا النقدي أن أكثر النقاد العرب القدماء كانوا يقرون باستقلالية البيت الشعري الواحد. لذلك كانوا ينشدون المتعة الفنية في كل بيته في معزل عن غيره من أبيات القصيدة . وان البيت الجيد عندهم هو ما كان موجزا يسهل حفظه ويرسخ معناه في العقل و القلب. ولذلك نجد عندهم ما يسمى ببيت القصيد . أو واسطة العقد . وأغزل بيت. وأهجى بيت. وأمدح بيت. ووصفهم الشاعر فلان بأنه أشعر الشعراء ....الخ . غير
إن هدا المقياس لم يكن هو المقياس الثابت دائما لدى نقدة الشعر كلهم، إذ هناك الكثير منهم من قال بضرورة التلاؤم والتلاحم بين العمل الأدبي بحيث يؤدي فيه كل بيت وظيفته كما تؤدي أعضاء الجسم فيتحقق بذلك التكامل العضوي.
ونجد هذا اللون في عملية المفاضلة عند ابن سلام الجمحي في كتابه " طبقات الشعراء" حيث راح من خلال عملية الموازنة يقسم الشعراء إلى طبقات جاهليين وإسلاميين، وإلى شعراء مدن وبادية، ولاحظ من خلال العملية كثرة شعر بعض وقلة شعر البعض الآخر، وتعدد الأغراض لدى البعض ومحدوديتها عند البعض الآخر ...إلخ، وعلى أساس عملية الموازنة وضع الشاعر في المكانة التي ينبغي أن يكون فيها حتى لا يقدم الناس الشعراء الضعاف على الفحول.


تطبيق

فطن العرب الجاهليون إلى روعة النغم في الشعور إلى جودة المعاني وعرفوا بطبعهم ما هو حسن من عناصر الشعر وما هو رديء عرفوا أن من لصياغة ما هو سهل، وما هو جزل، وما هو عذب سائغ، وعرفوا أن من المعاني ما هو صحيح مستقيم، وما فيه زيغ وانحراف، عرفوا ذلك طبعا ل تعلما، فلم يكن عجيبا أن يتكلموا فيعربوا ، وأن ينظموا فيصححوا الوزن دون أن يكون لهم عهد بنحو أو صرف أو عروض.
السـؤال: اشرح الأحكام القديمة الواردة في النص مبينا مقياس الجاهليين في معرفة الشعر الجيد والرديء مدعما شرحك ببعض الشواهد من نقد العصر الجاهلي.




************************************************** ************************************************** ******************


المحاضــرة الثالثة

موقف الإسلام من الشعر : يبدو موقف الإسلام من خلال موقف الرسول إلى الشعر و الشعراء و له فيه موقفان موقف اعتبر الشعر أداة هجينة كشعر الخمريات و الغزل الماجن و شعر الهجاء الذي يمس كرامة الغير و يؤدي مسامهم و يخدش أحاسيسهم ، خاصة ذلك الهجاء الصادر من المشركين ضد الإسلام و المسلمين لما فيه من مس بأعراض المسلمين و ضرر بالعقيدة الإسلامية ، و قد عارض الرسول (ص) هذا اللون من الشعر و رفضه و عاقب الخصوم المشركين الذين تقولوا عليه و على المسلمين فيما نظموه من شعر في هجائه و هجاء العقيدة الإسلامية .
أما الموقف الثاني فيتمثل في إعجاب الرسول (ص) و حبه لسماع الشعر النظيف الذي يحمل القيم والأخلاق الحسنة الذي لا يتعارض مع التعاليم و المبادئ الإسلامية و خاصة ذلك الذي بنافع عن الإسلام و المسلمين فقد كان الرسول (ص) كثيرا ما يستمع إلى شعر حسان بن ثابت فيؤثره على غيره فيما قال من شعر في نصرة العقيدة الإسلامية الجديدة و قد اعتبر هذا اللون من الشعر سلاحا حادا لا يستغني عنه صاحب دعوة و قد كان الرسول (ص) يحث على سماع و نظم الشعر الجيد بل كان يكافئ عليه ، و لعل حثه لحسان على نظم الشعر و عفوه عن كعب بن زهير لدليل على تذوقه للشعر و على موقفه الإيجابي منه فقد كان عربيا فصيحا يحب الكلام الحسن و البليغ و إذا اعتبر الشعر سلاحا حادا يتصدى به للخصوم المشركين و بها جمعهم بنفس الوسيلة نظرا لما كان للكلمة من أثر على النفس و قد قالوا "جرح السيف يزول و جرع اللسان يطول" أي أن أثر الكلمة في النفس أقوى من جرح السيف و قد حث الرسول حسان بن ثابت الذي كان شاعر الرسول للرد على شعراء المشركين و جعل شعره سلاحا يتصدى به لهم ، و قد كان جزع قريش من هجاء حسان شديدا لما في معانيه من صفات الهجاء المقذع ، اللاذع ، و قد كان المسلمون أنفسهم يعتمدون عليه اعتمادا كليا للدفاع عنهم و التصدي لخصومهم المشركين و نصرة الدعوة الإسلامية خاصة في سنواتها العشرة الأولى لأنهم كانوا يرون فيه الملكة الشعرية أقوى و أنضج مما في غيره من شعراء المسلمين إذ وجدوا في معاني شعره ما يشبه الأسلحة الماضية التي تريح نفوسهم و تشفى غليلهم من حيف الخصوم.
و قد ورد في القرآن تصنيف الشعراء إلى صنفين ( )شعراء مؤمنون لم يخرجوا عن حدود التعاليم الإسلامية ، و شعراء ضالون بما قالوا من شعر هجين غير أنه و بالرغم من نبذ الإسلام لشعر هؤلاء فإنه بقي مسامحا معهم لأنهم يقولون ما لا يفعلون و ثمة فرق بين القول و الفعل و مجرد القول فالشاعر و إن ظل بشعره فإنه مجرد قول لم يربط بين القول و الفعل. و لذلك تسامح الإسلام مع الشاعر مقدرا طبيعته البشرية التي يتجاذبها الخير و الشر فقد أعطى الإسلام للشاعر حق القول و أعطاه حريته و لكن عليه أن يتحمل تبعه ما يقول من وجهه نظر الدين و الأخلاق و المجتمع.
ثم إن الإسلام نظر إلى النفس البشرية في طبيعتها في حالة ضعفها و قوتها واعترف لها بصفة الضعف و لكي حثها على الاجتهاد و التدبر لتصل إلى الفضيلة و التحلي بالقيم العالية ، و لذلك ففي الوقت الذي حرم فيه أفلاطون الشعر كون الشاعر قد يفسد الأخلاق أو يسئ إلى سمعة الآلهة نجد الرسول (ص) يتذوق الشعر و يعجب بأساليبه الجيدة و بمعانيه التي تتلاءم مع دعوته و قد قال (ص) لا تترك العرب الشعر حتى تترث الإبل الحنين".
و قد كان كثيرا ما يخوض في مسائل الشعر مع الوافدين إليه من المسلمين و يلتقي بالشعراء أنشد الرسول (ص) قول عنترة
و لقد أبيت على الطوى و أظله حتى أنال به كريم المأكل .
** فقال (ص) ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة.**
و للخلفاء الراشدين آراء و أحكام نقدية تبين نظرتهم الإسلامية إلى الشعر فقد ظلت وقود العرب المسلمين بعد وفاة الرسول تفد إلى المدينة فيخوضون في أخبار رجالات الجاهلية من شعراء و أبطال و أجواد و كثيرا ما كان الخليفة يشاركهم الحديث و يخوض معهم فيما يخوضون من نقاشات ، و من أبرز الخلفاء الذين عرفوا بذلك ، عمر بن الخطاب ، فقد كان عالما بالشعر و ذا بصيرة فيه يتذوق أساليبه الجميلة معجبا بالشعر الذي يلتزم الأخلاق الحسنة و بالمقابل كان ينهي عن شعر الخمرة و الهجاء و الغز الفاحش و يعاقب عليه و أن بدا في موقف عمر هذا بعض الصرامة مع الشعراء الذين قالوا في أعراض لا ينبغي القول فيها فإنه موقف طبيعي لأنه موقف خليفة شديد التدين حريص على سلامة الإسلام و المسلمين يسعى إلى بناء مجتمع إسلامي بنية سليمة.
و يتلخص موقف عمر فيما ورد عنه من آراء في الشعر و الشعراء ، فقد تحدث مرة مع و فد عطفان حين و فد إليه فسألهم قائلا : أي شعرائكم الذي يقول :
-أتيتك عاريا خلقا ثيابي * على خوف تظن به الظنون
-فألقين الأمانة لم تخنها * كذلك كان نوح لا يخون
قالوا : النابعة ، قال : فأي شعرائكم الذي يقول :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * و ليس وراء الله للمرء مذهب
قالوا : النابغة . قال : هذا أشعر شعرائكم ، أي لأن النابغة أشعر شعراء قومه غطفان على كثرتهم .
و قال عمر مرة لبعض ولد هرم بن سناق : انشدني بعض مدح زهير أباك ، فأنشده فقال عمر: إذ كان ليحسن فيكم القول . قال : و نحن و الله إذ كنا لنحسن له العطاء فقال عمر : قد ذهب ما أعطيتموه و بقي ما أعطاكم.
و يروي أن ابن عباس قال : قال لي عمر ليلة مسيرة إلى الجابية في أول غزوة غزاها ، هل تروي لشاعر الشعراء ؟ قلت : و من هو ؟ قال الذي يقول :
و لو أن حمدا خلد الناس أخلدوا * و لكن حمد الناس ليس بمخلد .
قلت : ذلك زهير . قال : فذلك شاعر الشعراء قلت . و بم كان شاعر الشعراء ؟ قال : لأنه كان لا يعاضل في الكلام ، و كان يتجنب وحشي الشعر و لم يمدح أحدا إلا بما فيه .
إن قيم المال تزول و قيم الأفعال الحسنة تبقى عبر الزمان ،و قد خلد زهير ما قام به هدم بن سنان من جميل الأفعال بما قدم من ماله الخاص لإخماد حرب داحسن و الغبراء التي اشتعلت بين قبيلتي عبس و ذبيان و قد أسهم عمر بن الخطاب في إنضاج و تطوير الحركة النقدية بما أورد من تعليل و تفصيل لم نعهده في النقد الجاهلي الذي كان مجملا غير معلل .
فزهير في نظر عمر بن الخطاب سهل العبارة لا تعقيد في تراكيبه و لا وحش في ألفاظه ، و معانيه بعيدة عن الغلو و الإفراط في الثناء الكاذب فهو لا يمدح الرجل إلا بما فيه من فضائل وشعر زهير يكمن في أنه حسن العبارة و المعاني و جميل الصياغة و نلمس هنا أن ملاحظات عمر ليست جزئية كما كان الأمر في نقد العصر الجاهلي الذي اقتصر على نقد الشكل تارة و المضمون تارة أخرى و نادر ما يعني بالشكل و المضمون كما نلاحظ عند عمر بن الخطاب الذي تناول بالتقييم شعر زهير من حيث المبنى و المعنى.
أما نبذ عمر شعر الهجاء مثلا و معاقبه أصحابه عليه فلأن هذا اللون ينال من أخلاق المهجو ويشوه صورته و يحط من مروءته و عرضه ، فهو نوع من القذف يرفضه الإسلام و يعاقب عليه من يحرص على إقامة حدود الله و العمل بشريعته و قد أورد الرواة أن الحطيئة هجا الزبرقان بن بدر بقصيدة مما جاء فيها :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ** واقعد فإنك أتت الطاعم الكاسي
فشكاه الزبر قان إلى عمر ، فأمر بسجنه لما في البيت من قذف و مس بعرض الزبرقان ولم يطلق سراحه إلا بعد أن أخذ عليه أن لا يهجو أحدا من المسلمين و بعد أن قال الخطيئة يعتذر من سجنه :
ماذا تقول الأفراخ بذى مرخ ** زغب الحواصل لا ماء و لا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ** فاغفر عليك سلام الله يا عمر.
و لا يختلف موقف علي بن أبي طالب من الشعر و الشعراء عن موقف عمر ، فهو موقف متأثر بالإسلام و بكتابه الكريم و مستمد منه و لم يقل الإمام على فيما قال في الشعر و الشعراء إلا من وجهة نظر الإسلام فنظرته نظرة متسامحة مع الفنان الشاعر متطابقة مع نظرة الإسلام ، فهو لم يعتبر قول الشاعر مثلا في الخمرة يوجب الحد مثل شربها و ذلك عملا بما جاء في القرآن الكريم "و أنهم يقولون ما لا يفعلون ..."
إن الإسلام أعطى الفنان حرية واسعة و لم يجعله عبدا لا يفعل إلا ما بما عليه دون إرادة ، و إذ يدعوه إلى سلوك اجتماعي مقبول فإنه لم يسلبه حرية الموقف الشخصي و حرية التفكير و التعبير شرط أن لا يؤذي غيره و أن يتحمل عواقب أقواله و أفعاله ، و من أشهر النصوص الواردة عن الإمام علي و التي يبدو فيها العديد القيم و المعايير النقدية الجديدة المستمدة من نظرة الإسلام للشعر ما تحدث به في البصرة بين بعض المتخاصمين حول الشعر ، قال : "كل شعرائكم محسن و لوجمعهم زمان واحد و غاية واحدة و مذهب واحد في القول لعمنا أيهم أسبق إلى ذلك وكلهم قد أصاب الذي أراد و أحسن فيه ، و إن يكن أحد أفضلهم فالذي لم يقل رغبة و لا رهبة امرؤ القيس بن حجر فإنه كان أصبحهم بادرة و أجودهم نادرة".
إن الإمام علي لا يرفض و لا يستثنى أي لون أو غرض من أغراض الشعر حتى الوثنى منه مادام شعرا جميلا باعتباره تراث العرب جميعا و ذلك بغض النظر عن عقيدة أو جنس أو لون صاحبه ، و نلمس في أحكام على تحطيمها للعصبية القبلية و الفكرية و الجنسية التي ألغاها الإسلام ، و لأن المقياس النقدي المعتمد على عصبية الدم أو الجنس أو اللون ليست من مقاييس النقد الصحيح إطلاقا ، ثم هناك إشارة في النص إلى صعوبة المقايسة بين شاعرين أو أكثر في عصرين أو في غرضين مختلفين و ذلك لعدم توفر الشروط الموضوعية التي تسمح بذلك ، و فضلا عما في النص من قيم فنية و معايير نقدية جديدة فيه كذلك إشارة إلى ضرورة توفر الحرية للشاعر لأنه لا شيء يقتل الإبداع و يجفف القريحة كالخوف و النطق بلسان الغير لا بلسان الشاعر ، فالشاعر لا يكون شاعرا حقا و هو يقول غير ما يشعر به هو حق أو يخش القول فهو في ذلك عبد يقول ما لا يشعر و يضمر.


للتطبيـــــــــق

كان عصر البعثة حافلا بالشعر ، فياضا به ، و إن ضعف في بعض نواحيه، فالخصومة بين النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه من ناحية ، و بين قريش و العرب من ناحية أخرى كانت عنيفة حادة لم تقتصر على السيف و اللسنان ، بل امتدت إلى البيان و الشعر ، و إلى المناظرات و الجدل ، و إلى المناقضات بين شعراء المدينة و شعراء مكة ، و غير مكة من الذين خاصموا الإسلام و ألبوا العرب عليه.
كان شعراء قريش و من والاهم يهجون النبي و أصحابه ، و كان شعراء الأنصار يناقضون هذا الهجاء و لعل ذلك أول عهد حقيقي للنقائض في الشعر العربي ، و لعل تلك الروح هي التي أنهضت هذا الفن في الشعر ، فازدهر في العصر الأموي ازدهارا تاما هذه المناقضات بين مكة و المدينة كانت تدعو إلى النقد ، و إلى الحكم ، و إلى الإقرار و الادعان ، و كان العرب يقدرون هذا التهاجي ، و يؤمنون بما فيه من قوة ، و يفصحون عمّا فيه من لذغ و إيلام .
كانت قريش تجزع كل الجزع من هجاء حسان ، و لا تبالي بشعر ابن رواحة ، و كان ذلك قبل أن تسلّم فلما أسلمت رأت في الشعرين رأيا آخر ، فقد كان حسان يطعن في أحسابهم ، و يرميهم بالهنات التي تنال من العزة الجاهلية ، و كان عبد الله ابن رواحة يعيرهم بالكفر ، ثم أسلموا وكان شعر ابن رواحة هو الذي يحز قلوبهم حزا ، فهم كانوا يرون أن حسانا أعظم الشعراء الخصوم ، و يرون معانيه أحد و آلم من معاني أي أنصاري آخر ، و هم إذن يرون الهجاء المقذع المرّ ما تعرض للحرم و الأنساب ، لا ما تعرض للعقيدة والدين .
و من جهة أخرى كان المهاجرون و الأنصار يعدون حسانا الشاعر الذي يحمي أعراض المسلمين ، يبعثون في طلبه حين تفد الوفود ، و يفزعون إليه حين تأتيهم القوارض ، فيبلغ من حاجتهم ما لا يبلغه صاحباه ، و الكلام كثير في أن النبي صلى الله عليه و سلم قدم المدينة فتناولته قريش بالهجاء ، و هجوا الأنصار معه ، و أن عبد الله بن رواحة ردّ عليهم فلم يصنع شيئا ، و أن كعب بن مالك لم يشف النفس ، و إنما الذي صنع و شفى ، وصب على قريش من لسانه شآبيب شر هو حسان ، و الكلام كثير في استماع النبي لحسان ، و في إيثار النبي لحسان ، و في أن المسلمين كانوا يعتمدون اعتمادا حقيقيا على حسان في هذا الضرب من النضال لأنهم كانوا يرون معانيه من الأسلحة الماضية التي تجزع منها قريش ، و هنا روح النقد ظاهرة : واضحة في مكة و المدينة : فحســـان بـــن ثابت كان أعظم شعراء الحلبتين عند قريش و المسلمين في السنوات العشر التي أقامها النبي عليه السلام في دار الهجرة.
تاريخ النقد الأدبي عند العرب، لطه أحمد إبراهيم

المطلوب: استخرج الأحكام النقدية التي يتضمنها النص ثم أشرحها حسب ترتيبها مبينا موقف قريش من شعر حسان بن ثابت وابن رواحة معللا سبب اختلاف موقف قريش من شعر الشاعرين قبل و بعد إسلامها.


************************************************** ************************************************** *********************



المحاضرة الرابعة


النقد الأدبي القديم : النقد في العصر الأموي

نما النقد الأدبي في العصر الأموي وازدهر في بيئات ثلاث هي : الحجاز و العراق و الشام ، وقد تلوّن في كل بيئة بلون الحياة و الظروف الاجتماعية و السياسية التي أحاطت بكل بيئة، لأن الأدب انعكاس للواقع ، وباختلاف ظروف كل بيئة اختلف الشعر فأدى ذلك إلى اختلاف النقد بين هذه البيئات .

1 - النقد في بيئة الحجاز :

ازدادت أهمية منطقة الحجاز ومكانتها في صدر الإسلام وخلال الحكم الأموي مما كانت عليه أضعاف مضاعفة ، فقد أصبح الحجاز - وخاصة أثناء خلافة الأمويين - خزانة للأموال التي جمعها الأمراء وقادة الجيوش الإسلامية من خلال الفتوحات للعديد من الأمصار. وقد لجأ إليه بسبب ما كان عليه من ثراء واستقرار العديد من أعيان العرب وأثريائهم من مختلف الجهات.
وقد نجم عن هذا الاستقرار والترف ظهور الجواري غير العربيات جئن من مختلف النواحي، فظهر الغناء وفشا بعض الفساد. وقد كان الحجاز من ناحية أخرى مركزا دينيا يدرس فيه القرآن، ويشرح فيه الحديث من قبل أهل العلم بالدين و الفقه، فصار العديد من الرجال المسلمين يفدون إليه من مختلف الأقطار الإسلامية ليأخذوا عن رجاله علمهم بالكتاب و السنة، ومما استنبطوه من أحكام شرعية في مختلف القضايا ، وقد أصبح الحجاز نتيجة لهذه العوامل مركزا دينيا وبيئة للهو و الترف في آن واحد .
وقد ازداد بمرور السنين تدفق الأموال من الشام " مركز الخلافة " على أهل الحجاز لجلب ولائهم وتأييدهم وإسكات المعارضين للخلافة وصرف نظرهم عن المطالبة بالسلطة نتيجة للخلاف الذي كان حول من هو أحق بالخلافة بين الأمويين وبين علي بن أبي طالب، وبين من شايعوا عليا (
وقد استمال ذلك الجوُّ المترف الهادئ الناسَ نحو الأخذ بمتع الحياة وأسباب اللهو كالغناء و الموسيقى مما طبع الحياة هناك بطابع يندر وجوده في البيئات الأخرى .
وقد عكس هذا الجو وهذه الحياة الناعمة ذوقا أدبيا جديدا أدى إلى بروز جيل جديد متفائل مرح، وقد عبر أحد رجالات ذلك العصر قائلا : " إنما الدنيا زينة فأزين الزينة ما فرح النفس وقد فهم قدر الدنيا من فهم قدر الغناء " .
وقد عكس الشعراء في شعرهم هذا الجو المرح حيث مالوا هم كذلك إلى شعر الغزل الذي رسموا فيه صورا عن واقع الحياة في بيئتهم، وامتد ذلك إلى النقد كذلك حيث انكب النقاد حول هذا اللون من الشعر يحللون ويبحثون ما فيه من مظاهر الضعف أو القوة و الجمال . ومن أبرز الأسماء الناقدة شخصيتان هامتان هما : ابن أبي عتيق الذي ينتمي نسبه إلى أبي بكر الصديق، و السيدة سُكَيْنَة بنت الحسين بن أبي طالب حفيدة الرسول (.
وقد ترجمت أحكام السيدة سُكينة النقدية ذوقَ جيل ذلك العصر، وكان العديد من الشعراء يفدون إليها ويلتقون بها في مجالسها ، ولعلّ إن وجود رجل ناقد لا يثير التساؤل فإن وجود ناقدة أنثى بهذا الحجم قد أثار تساؤلات عدة دلالة على ما أصبحت تحظى به المرأة من مكانة اجتماعية وتقدير واحترام، وعلى حضور صوتها في تطوير الشعر وتوجيهه على المنوال الذي يليق بالمرأة العربية المتحضرة الجديدة ، وحتى لا يصور الشاعر المرأة من وجهة نظره فقط التي قد يعارض مع ما يليق بها ، وصار لا يجوز أن يقول الشاعر ما يزعج المرأة أو ما يتعارض مع ذوقها وإحساسها الرهيف الذي أصبحت تتقبل به النص الشعري .
و نجمت عن التباين الزماني والحضاري بين الحياة العربية القديمة و الحجازية المتحضرة الجديدة المطالبة بصور ومعان شعرية مغايرة لما كان عليه الحال في العصر الجاهلي فقد رفع الإسلام من شأن المرأة ومكانتها في المجتمع، ومن ثم راحت تخوض فيما يخوض فيه الرجل سواء بسواء، فكان دخولها حقل النقد واحدا من العوامل ، يضاف له عامل السلوك المتحرر عند الجواري المثقفات المجلوبات و القادمات من البلدان المتحضرة المفتوحة، فهذه العوامل شجعت المرأة الحجازية على الخوض في مناقشات أدبية ونقدية حول مضامين الشعر وقضايا الأدب بصفة عامة ، فراحت السيدة (سُكَيْنَة) تتأمل النصوص الشعرية وتفحص الصورة التي رسمها الشاعر للمرأة وتحاول أحيانا أن تجري عليها بعض التعديلات حتى تتلاءم مع ذوق المرأة من خلال ما كانت تبديه من ملاحظات ، وقد قال عنها صاحب الأغاني يصفها : " إنها كانت من أجمل نساء عصرها ، وكانت برزة تجالس الأجلاء من قريش ويجتمع إليها الشعراء ، وكانت ظريفة مزاحة " .
وقد كان لنسبها الكريم أثره في أحكامها النقدية التي كانت مرجعيتها ذلك الاحترام و التقدير الذي يكنه الرسول (h) للمرأة المستمد من روح القرآن ، إذ قال الرسول (h) : " مَا هَانَ النِّسَاءَ إِلاَّ لَئِيمٌ ، وَمَا أَكْرَمَهُنَّ إِلاَّ كَرِيمٌ " .
هذه هي القيم التي أرادت السيدة سكينة أن تغرسها للمرأة في النص الشعري ، بعد أن كان بعض شعراء الحجاز حين يصف المرأة يصفها من الأعلى إلى الأدنى ، وجعل بعضهم نفسه في أشعاره فلكا تدور حوله النساء، كما هو الأمر مع عمر بن أبي ربيعة الذي قلب مفهوم الغزل ، كما يبدو في بعض قصائده ، وأن بعضهم شهّر بالمرأة ، وبعضهم الآخر أبدى شيئا من الإهمال وعدم التقدير حين يصف المرأة ، وهي صور من التقاليد الباقية من العصر الجاهلي التي لم تعد في نظر سكينة مقبولة، لأن ذلك الامتهان أو الذل الذي كان في العصر الجاهلي قد ولى وعلى الشاعر أن يعتبر المرأة مادة غير مبذولة وغير رخيصة، وأن يسلك معها سلوك الرجال الفرسان الشجعان .
ومما ورد عنها من شواهد نقدية في هذا الموضع حكمها على بيت جرير:
طرقت صائدة القلوب وليس إذا حين الزيارة فارجعي بسلام .
فلاحظت أن في البيت خلالا قائله : أفلا أخذت بيدها ورحبت بها، وقلت : ادخلي بسلام ، أنت رجل عفيف .
فقد فرقت الناقدة بين الكلام عن الأحاسيس العاطفية وبين الأخلاق، فالشاعر هنا يتكلم عن العواطف لا عن الأخلاق ، وفرق كبير حين يستقبل الإنسان شخصا ما وحين يستقبل عزيزا عليه .
وقد روت عنها كتب الأدب نماذج كثيرة من نقدها الظريف ، فقد سمعت " نُصَيْبا" يقول:
أَهِيمُ بِدَعْدٍ مَا حَيِيتُ فَإِنْ أَمًُتْ فَوَاحُزْنَا مَنْ ذَا يَهِيمُ بِهَا بَعْدِي
فعابت عليه صرف نظره إلى من يعيش مع " دَعْد " بعده ورأت الصواب أن يقول:
أَهِيمُ بِدَعْدٍ مَا حَيِيتُ فَإِنْ أَمُتْ فَلاَ صَلُحَتْ دَعْدٌ لِذِي خُلَّةٍ بَعْدِي .
وقد امتد هذا اللون من النقد في موضوع الغزل إلى نساء أخريات، فقد عاتبت " عَزَّةُ " " كُثَيِّرًا" في وصفه لها بالمظاهر الشكلية غير الطبيعية ، وقالت له لما لا تقول مثل ما قال امرؤ القيس في وصفه المرأة :
أَلَمْ تَرَنِي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقًا وَجَدْتُ بِهَا طِيبًا وَإِنْ لَمْ تَتَطَيَّبِ.
وقد استرققت " عَزَّة " قول "الأحْوَص" وفضّلته على كثير في بعض معانيه في وصف المرأة مثل قوله :
وَمَا كُنْتُ زَوَّارًا وَلَكِن الْهَوَى إِذَا لَمْ يُزَرْ لاَبُدَّ أَنْ سَيَزُورَ.
وكان "ابن أبي عتيق" من رجال هذا التيار النقدي الذي يفحص ويدرس هذا اللون من شعر الغزل المعبر عن الحياة المترفة المتحضرة ؛ ومن شواهد نقده في هذا الموضوع أنه سمع مرة عمر بن أبي ربيعة ينشد شعرا في غرض الغزل :
بينما ينعتنني أبصــــــــرنني دون قيد الميل يعدو بي الأغرّ
قالت الكبرى أتــعرفن الفتى ؟ قالت الوسطى : نعم هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمــــتها قد عرفناه وهل يخفى الــقمر ؟
فقال ابن أبي عتيق معلقا على مضمون ما قال : أنت لم تنسب بها إنما نسبت بنفسك ،أي كأنه لم يتغزل بالمرأة إنما تغزل بنفسه .
وقد برز إلى جانب هؤلاء النقاد نفر من الشعراء مارسوا النقد إلى جانب الشعر، فقد سمع عمر بن أبي ربيعة " كُثَيِّرًا " يقول :
ألا ليتنا يا عَزُّ ( ) كنا لدى غنى بعيرين نرمى في الخلاء ونعـــــزب ( )
كلانا به عر( ) فمن يرنا يـــقول على حسنهما جرباء تعـدي وأجرب
إذا مـــا وردنا الــماء صاح أهله علـــينا فما ننفك نُرمى ونُضــــرب .

فقال عمر : تمنيت لها ولنفسك الرّق و الجرب و الرمي و الطرد و المسخ ، فأي مكروه لم تتمن لها ولنفسك ، لقد أصابها منك قول القائل : " معاداة عاقل خير من مودة أحمق " .
وقد حدد النقاد الحجازيون مقياس الغلو و المبالغة في رسم العاطفة، ومن ثمة صار إذا ما عبر الشاعر عن عاطفته بغُلُوّ أو بصورة خارجة عن المألوف كانت غريبة مضحكة تشبه النوادر. قال عمر لبن أبي ربيعة شعرا فيه غلو :
ومَــــــن كانَ مَحْـزُونًا بإهْرَاقِ عَبْرَةٍ وهــيَ غَرْبُهَـــا فلْيَأتِنَا نَبْكِهِ غَدَا
نُعِنْهُ عَلى الأثْكَال ( ) إنَ كانَ ثَاكلاً وإنْ كان مَحزونًا وإن كَان مقصِدَا ( )
فمضى بن أبي عتيق إلى عمر وقال له : جئناك لموعدك ، قال : وأي موعد بيننا ، قال : قولك : " فليأتِنَا نَبْكِهِ غَدَا " . وقد جئناك و الله لا نبرح أو تبكي إن كنت صادقا أو ننصرف على أنك غير صادق ثم مضى وتركه.
إن مثل هذه الصور زائدة عن اللزوم في التعبير عن الأحاسيس العاطفية و المواقف و بالتالي فهي صور ساخرة غير مقبولة لأنها غير صادقة.

************************************************** ************************************************** *******************

المحاضرة الخامسة

2 - النقد في بيئة العراق :

اختلف الشعر في بيئة العراق عما كان عليه في الحجاز والشام، فالشعر في العراق يشبه إلى حد كبير الشعر الجاهلي في مضمونه وأسلوبه، ويعود ذلك إلى عامل العصبية القبلية التي عادت إلى الظهور من جديد بعد أن تلاشت في صدر الإسلام حيث نبذها الإسلام، وكانت أغلب موضوعات الشعر في العراق في الافتخار و الاعتزاز وهجاء الخصوم بالهجاء المر المقذع. أما غرض الغزل وغيره من الأغراض الأخرى، فكانت ليست ذات أهمية وقليلة الرواج، فانحصر الشعر غالبا في تلك النقائض التي حمل لواءها بالخصوص الشعر الثالوث الخطير : الفرزدق وجرير و الأخطل الذين جعلوا من العراق أشهر مكان للتنافس و التباري في هذا اللون من الشعر .
وقد ساعد على انتشار شعر النقائض وولوع الناس به في سوق الشعر الذي كان يشبه سوق عكاظ في الجاهلية، يفد إليه الناس من كل جهة، ويجتمع فيه الشعراء ينشدون الأشعار في صورة تشبه ما كان عليه في الجاهلية من مفاخرة بالأنساب وتعاظم بالكرم و الشجاعة وإبراز ما لقوم كل شاعر من فضائل وأيام .
وقد كان لكل شاعر حلقة ينشد فيها شعره ويحمس أنصاره في جو مملوء بالهرج و النقاش حتى قيل أن والى البصرة ضج بما أحدثه هؤلاء الشعراء من صخب واضطراب في أوساط الناس فأمر بهدم منازلهم.
وقد احتفظ العديد من الكتب النقدية القديمة بصور ونماذج من هذه الحركة الشعرية و النقدية، وما كان يجري بين جرير و الفرزدق والأخطل حيث يقوم الشاعر بنظم قصيدة في هجاء خصمه والافتخار بذاته وبقومه على وزن خاص وقافية خاصة ، فيقوم الآخر بنقضها بنظم قصيدة مماثلة ويحوّلها إلى هجاء مضاد على نفس الوزن و القافية . وقد تشكلت في هذا الإطار ثلاثة معسكرات ، كل واحد تعصب لشاعر وفضله على خصمه والتمس محاسن شعره فيشيعها، ويبحث عن معايب الآخر فيشهّر بها .
وقيل إن الأخطل تحالف مع الفرزدق ضد جرير لكن جريرا أفحمهما . وقيل أن كذا وأربعين شاعرا تحالفوا ضده فأسكتهم لقدراته ومهارته في هذا الفن، وقد كانت هذه الخصومات سببا في غلبة هذا الاتجاه على الشعر والنقد في العراق حتى اعتبر الشاعر غير السائر على طريقة هؤلاء في المدح و الهجاء شاعرا متخلفا ضعيفا .
قال ذو الرمة مرة للفرزدق : مالي لا ألحق بكم معشر الفحول ؟ فقال له : لتجافيك في المدح و الهجاء واقتصارك على الرسوم و الديار . أي أنه مازال ينظم على منوال القدماء ولم يساير الظروف . لذلك لا نجد أثرا لمثل ذلك النقد الذي كان في الحجاز أو الشام وإنما نجد نقدا آخر يتلاءم مع طبيعة البيئة العراقية، وما كان فيها من شعر حيث اتجه النقاد هناك إلى الموازنة بين الشعراء، وأي الثلاثة أشعر ؟ وسموا هذا قضاء وسموا الذي يحكم قاضيا ، وسموا الحكم و الحاكم أي الناقد " حكومة " .
و قال جرير في الأخطل لما فضل الفرزدق عليه :
فدعوا الحكومة لستموا من أهلها إن الحكومة في بني شيبان
غير أن هذا النوع من النقد لم يكن الوحيد في العراق لأن هناك بعض الشعراء من قال شعرا خارج شعر النقائض، ولذلك راح بعض النقاد يعنى بمميزات شعر الشاعر ، وما تفرد به عن غيره، و البحث عن مواطن ضعفه وقوته وموازنته بغيره وإصدار الحكم عليه ، كحكم الفرزدق على النابغة الجَعْدِيّ بأنه صاحب " خُلْقَان " و البيت يساوي عنده آلاف الدراهم و البيت لا يساوي إلا درهما. وحكمه على ذي الرمة بجوده شعره لولا وقوفه عند البكاء على الدِّمَن، وكذا حكم جرير على الأخطل بأنه يجيد مدح الملوك ، وموازنة الأخطل بين جرير و الفرزدق بأن جريرا يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر .
وإلى جانب نقد الموازنة في شعر النقائض، وكذا النقد الذي يعنى بإبراز ما تفرد به بعض الشعراء في شعرهم عن غيرهم ، فهناك نقد يعنى بالمعاني الجزئية في شعر الشاعر دون موازنته بغيره ، فقد نقد الحجاج الفرزدق حين مدحه في قوله :
من يأمن الحجاج و الطير تتقى عقوبته إلا ضعيف العزائم
فقال الحجاج : الطير تتّقى كل شيء حتى الثوب و الصبي. وفضّل عليه قول جرير فيه نفس المعنى :
من يأمن الحجاج أما عقابه فمُرٌّ وأما عهدُه فوثِيق .
* البحث في السرقات الأدبية :
وقد ظهر هذا الضرب من النقد الأدبي انطلاقا من نظرة الإسلام لمفهوم السرقة حيث اعتبرها انحرافا اجتماعيا، وقد حرم السرقة بجميع أشكالها. وذهب بعض الشعراء ينسبون لقبائلهم شعر شعراء قبائل أخرى ، وأحيانا ينسبون لأنفسهم البعض من جيد الشعر الجاهلي حتى يظهروا بمظهر الفحول فيعلو مقامهم ويذيع صيتهم ، وللفرزدق تهم عديدة ، فقد كثرت مصادرته لشعر غيره، كما تذكر بعض الروايات تُهَمَ الأصمعي له بأن تسعة أعشار شعره سرقةٌ. و تذكر روايات أخرى سرقة الأخطل لمعاني الأعشى في الخمرة . وكان كذلك يستعين بأشعار "تَغْلب" في خصومته مع الفرزدق، وتارة يستعين بشعرائها في نظم قصائده، واتهم " كُثَيّر عَزّة " بالسرقة من شعر "جَمِيل بُثَيْنَةَ" حين يتغزّل بعَزّة .. وقد كان لأخبار سرقة الشعر صدى واسع في أوساط الشعراء ولدى العامة أيضا .
وإلى جانب هذا كان في العراق حركة أخرى أدبية ونقدية مغايرة هي حركة متأثرة بالإسلام وبتعاليمه تسمى حركة الخوارج، التي كان لها شعر قوى رائع ابتعدت فيه عن المدح و الهجاء ، بل كان شعراؤها يهدفون